«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣

الحديث رقم ٧٣ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاغتباط في العلم والحكمة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣ في صحيح البخاري

«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى

⦗٢٦⦘

هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».

بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾

إسناد حديث رقم ٧٣ من صحيح البخاري

٧٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ - قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُسَوَّدُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الواو، أي: تصيروا سادةً، من ساد قومه يسودهم سيادةً، قال أبو عبيد (١) أي: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبقوا جهَّالًا، ولا وجه لمن خصَّه بالتَّزوُّج لأنَّ السِّيادة أعمُّ؛ لأنَّها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشَّاغلة، ولا يخفى تكلُّف من جعله من السَّواد في اللِّحية، فيكون أمر الشَّابِّ بالتَّفقُّه قبل أن تسودَّ لحيته (٢)، والكهل قبل أن تتحوَّل لحيته من السَّواد إلى الشَّيب، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ في روايته: «قال أبو عبد الله»، أي: المؤلِّف -وفي نسخةٍ: وقال محمَّد بن إسماعيل (٣) -: «وبعد أن تُسَوَّدُوا» وإنَّما عقَّب المؤلِّف السَّابقَ بهذا اللَّاحق ليبيِّن أنْ لا مفهومَ له؛ خوف أن يُفهَم منه أنَّ السِّيادة مانعةٌ من التَّفقُّه، وإنَّما أراد عمر أنَّه قد يكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الكِبَر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين، «وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ في كِبَر سنِّهم»، أورده تأكيدًا للسَّابق، وليس قول عمر هنا من تمام التَّرجمة. نعم؛ قال البرماويُّ وغيره تبعًا للكِرمانيِّ: إلَّا أن يُقَال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلَّا قبل كون الغابط قاضيًا، قالوا: ويُؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ، والتَّقدير: باب الاغتباطِ وقول عمر. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه كيف يُؤوَّل الماضي بالمصدر، وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلَّا بوجود «أن» المصدريَّة؟

٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى المكِّيُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبوي ذَرٍّ

والوقت: «حدَّثنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا) أي: على غير اللَّفظ الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، المسوق روايته عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٩] والحاصل أنَّ ابن عُيَيْنَةَ روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالدٍ وساق لفظه هنا، وعن الزُّهريِّ وساق لفظه في «التَّوحيد»، وسيأتي ما بين الرِّوايتين من التَّخالف في اللَّفظ إن شاء الله تعالى (١) (قَالَ) أي: إسماعيل بن أبي خالدٍ (سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلَة والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ، أي: كلامه حال كونه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَا حَسَدَ) جائزٌ في شيءٍ (إِلَّا فِي) شأن (اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث، أي: خصلتين، وللمؤلِّف في «الاعتصام»: «اثنين» بغير تاءٍ [خ¦٧٣١٦] أي: في شيئين (رَجُلٌ) بالرَّفع بتقدير إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المُضَاف اكتسب المُضَافُ إليه إعرابَه، والجرِّ بدلٌ من «اثنين»، وأمَّا على رواية تاء التَّأنيث فبدلٌ (٢) أيضًا على تقدير حذف المُضَاف، أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ الاثنتين معناه -كما مرَّ- خصلتان (٣)، والنَّصب بتقدير: أعني، وهو رواية ابن ماجه (آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة كاللَّاحقة (٤)، أي: أعطاه (مَالًا فَسُلِّطَ) بضمِّ السِّين مع حذف الهاء؛ وهي لأبي ذَرٍّ، وعبَّر بـ «سُلِّط» ليدلَّ على قهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» (٥): «فَسَلَّطَه» (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللَّام والكاف، أي: إهلاكه بأن أفناه كلَّه (فِي الحَقِّ) لا في التَّبذير ووجوه المكاره (وَرَجُلٌ) بالحركات الثَّلاث كما (٦) مرَّ (آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ) القرآن، أو كلَّ ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بين

النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وأطلق «الحسد» وأراد به الغبطة، وحينئذٍ فهو من باب (١) إطلاق المُسبَّب على السَّبب، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «فضائل القرآن» من حديث أبي هريرة بلفظ: «فقال: ليتني أُوتيت مثل ما أُوتِيَ فلانٌ فعملت بمثل ما يعمل» [خ¦٥٠٢٦] فلم يتمنَّ السَّلب، بل أن يكون مثله، أو الحسد على حقيقته، وخُصَّ منه المُستثنَى لإباحته كما خُصَّ نوعٌ من الكذب بالرُّخصة وإن كانت جملته محظورةً، فالمعنى هنا: لا إباحة في شيءٍ من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله، أي: لا حسدَ محمودٌ إلَّا في هذين، فالاستثناء على الأوَّل من غير الجنس، وعلى الثَّاني منه، كذا قرَّره الزَّركشيُّ، والبرماويُّ والكِرمانيُّ، والعينيُّ. وتعقَّبه (٢) البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني (٣) فإنَّه يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرَّح به، والحسد الحقيقيُّ -وهو كما تقرَّر تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد- لا يُباح أصلًا، فكيف يُبَاح تمنِّي زوال نعمة الله تعالى عن المسلمين القائمين بحقِّ الله فيها؟ انتهى.

(١٦) (بابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى) بن عمران زاد الأَصيليُّ: «» المُتوفَّى وعمره مئةٌ وستُّون سنةً -فيما قاله العزيزِيُّ (٤) - في التِّيه في سابع آذار، لمضيِّ ألف سنةٍ وستِّ مئةٍ

وعشرين سنةً من الطُّوفان (فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ) ؛ بفتح الخاء وكسر الضَّاد المُعجَمَتين، وقد تُسكَّن الضَّاد مع كسر الخاء وفتحها، وكنيته أبو العبَّاس، واختُلِف في اسمه كأبيه، وهل هو نبيٌّ أو رسولٌ أو مَلَكٌ؟ وهل هو حيٌّ أو ميتٌ؟ فقال ابن قتيبة: اسمه (١): بَلْيَا؛ بفتح المُوحَّدة وسكون اللَّام، وبمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، ابن مَلْكان؛ بفتح الميم وسكون اللَّام، وقِيلَ: إنَّه ابن فرعون صاحب موسى، وهو غريبٌ جدًّا، وقِيلَ: ابن مالكٍ، وهو أخو إلياس، وقِيلَ: ابن آدم لصلبه، رواه ابن عساكر بإسناده إلى الدَّارقطنيِّ، والصَّحيح أنَّه نبيٌّ معمَّرٌ محجوبٌ عن الأبصار، وأنَّه باقٍ إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، وعليه الجماهير واتِّفاق الصُّوفيَّة، وإجماع كثيرٍ من الصَّالحين (٢)، وأنكر جماعةٌ حياتَه؛ منهم المؤلِّف وابن المُبارَك والحربيُّ وابن الجوزيِّ، ويأتي ما في ذلك من المباحث إن شاء الله تعالى، وظاهر التَّبويب أنَّ موسى ركب البحر لمَّا توجه في طلب الخضر، واستُشكِل؛ فإنَّ الثَّابت عند المصنِّف وغيره أنَّه إنَّما ذهب في البرِّ، وركب البحر في السَّفينة مع الخضر بعد اجتماعهما، وأُجِيب: بأنَّ مقصود الذَّهاب إنَّما حصل بتمام القصَّة، ومن تمامها أنَّه ركب مع الخضر البحر، فأطلق على جميعها «ذهابًا» مجازًا، من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، أو من قَبِيلِ تسمية السَّبب باسم ما تسبَّب عنه. وعند عبد بن حميدٍ عن أبي العالية: أنَّ موسى التقى بالخضر في جزيرةٍ من جزائر البحر، ولا ريبَ أنَّ التَّوصُّل إلى جزيرة البحر لا يقع إلَّا بسلوك (٣) البحر غالبًا، وعنده (٤) من طريق الرَّبيع بن أنسٍ قال: «اِنجَابَ الماءُ عن مسلك الحوت فصار طاقةً مفتوحةً، فدخلها موسى على إثر الحوت حتَّى انتهى إلى الخضر» فهذا يوضِّح أنَّه ركب البحر إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالُهما ثقاتٌ (وَ) باب (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾) أي: على شرط أن تعلِّمَني، وهو في موضع الحال من الكاف (الآيةَ) بالنَّصب؛ بتقدير «فذكر» على المفعوليَّة، وزاد

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُسَوَّدُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الواو، أي: تصيروا سادةً، من ساد قومه يسودهم سيادةً، قال أبو عبيد (١) أي: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبقوا جهَّالًا، ولا وجه لمن خصَّه بالتَّزوُّج لأنَّ السِّيادة أعمُّ؛ لأنَّها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشَّاغلة، ولا يخفى تكلُّف من جعله من السَّواد في اللِّحية، فيكون أمر الشَّابِّ بالتَّفقُّه قبل أن تسودَّ لحيته (٢)، والكهل قبل أن تتحوَّل لحيته من السَّواد إلى الشَّيب، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ في روايته: «قال أبو عبد الله»، أي: المؤلِّف -وفي نسخةٍ: وقال محمَّد بن إسماعيل (٣) -: «وبعد أن تُسَوَّدُوا» وإنَّما عقَّب المؤلِّف السَّابقَ بهذا اللَّاحق ليبيِّن أنْ لا مفهومَ له؛ خوف أن يُفهَم منه أنَّ السِّيادة مانعةٌ من التَّفقُّه، وإنَّما أراد عمر أنَّه قد يكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الكِبَر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين، «وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ في كِبَر سنِّهم»، أورده تأكيدًا للسَّابق، وليس قول عمر هنا من تمام التَّرجمة. نعم؛ قال البرماويُّ وغيره تبعًا للكِرمانيِّ: إلَّا أن يُقَال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلَّا قبل كون الغابط قاضيًا، قالوا: ويُؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ، والتَّقدير: باب الاغتباطِ وقول عمر. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه كيف يُؤوَّل الماضي بالمصدر، وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلَّا بوجود «أن» المصدريَّة؟

٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى المكِّيُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبوي ذَرٍّ

والوقت: «حدَّثنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا) أي: على غير اللَّفظ الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، المسوق روايته عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٩] والحاصل أنَّ ابن عُيَيْنَةَ روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالدٍ وساق لفظه هنا، وعن الزُّهريِّ وساق لفظه في «التَّوحيد»، وسيأتي ما بين الرِّوايتين من التَّخالف في اللَّفظ إن شاء الله تعالى (١) (قَالَ) أي: إسماعيل بن أبي خالدٍ (سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلَة والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ، أي: كلامه حال كونه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَا حَسَدَ) جائزٌ في شيءٍ (إِلَّا فِي) شأن (اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث، أي: خصلتين، وللمؤلِّف في «الاعتصام»: «اثنين» بغير تاءٍ [خ¦٧٣١٦] أي: في شيئين (رَجُلٌ) بالرَّفع بتقدير إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المُضَاف اكتسب المُضَافُ إليه إعرابَه، والجرِّ بدلٌ من «اثنين»، وأمَّا على رواية تاء التَّأنيث فبدلٌ (٢) أيضًا على تقدير حذف المُضَاف، أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ الاثنتين معناه -كما مرَّ- خصلتان (٣)، والنَّصب بتقدير: أعني، وهو رواية ابن ماجه (آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة كاللَّاحقة (٤)، أي: أعطاه (مَالًا فَسُلِّطَ) بضمِّ السِّين مع حذف الهاء؛ وهي لأبي ذَرٍّ، وعبَّر بـ «سُلِّط» ليدلَّ على قهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» (٥): «فَسَلَّطَه» (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللَّام والكاف، أي: إهلاكه بأن أفناه كلَّه (فِي الحَقِّ) لا في التَّبذير ووجوه المكاره (وَرَجُلٌ) بالحركات الثَّلاث كما (٦) مرَّ (آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ) القرآن، أو كلَّ ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بين

النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وأطلق «الحسد» وأراد به الغبطة، وحينئذٍ فهو من باب (١) إطلاق المُسبَّب على السَّبب، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «فضائل القرآن» من حديث أبي هريرة بلفظ: «فقال: ليتني أُوتيت مثل ما أُوتِيَ فلانٌ فعملت بمثل ما يعمل» [خ¦٥٠٢٦] فلم يتمنَّ السَّلب، بل أن يكون مثله، أو الحسد على حقيقته، وخُصَّ منه المُستثنَى لإباحته كما خُصَّ نوعٌ من الكذب بالرُّخصة وإن كانت جملته محظورةً، فالمعنى هنا: لا إباحة في شيءٍ من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله، أي: لا حسدَ محمودٌ إلَّا في هذين، فالاستثناء على الأوَّل من غير الجنس، وعلى الثَّاني منه، كذا قرَّره الزَّركشيُّ، والبرماويُّ والكِرمانيُّ، والعينيُّ. وتعقَّبه (٢) البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني (٣) فإنَّه يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرَّح به، والحسد الحقيقيُّ -وهو كما تقرَّر تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد- لا يُباح أصلًا، فكيف يُبَاح تمنِّي زوال نعمة الله تعالى عن المسلمين القائمين بحقِّ الله فيها؟ انتهى.

(١٦) (بابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى) بن عمران زاد الأَصيليُّ: «» المُتوفَّى وعمره مئةٌ وستُّون سنةً -فيما قاله العزيزِيُّ (٤) - في التِّيه في سابع آذار، لمضيِّ ألف سنةٍ وستِّ مئةٍ

وعشرين سنةً من الطُّوفان (فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ) ؛ بفتح الخاء وكسر الضَّاد المُعجَمَتين، وقد تُسكَّن الضَّاد مع كسر الخاء وفتحها، وكنيته أبو العبَّاس، واختُلِف في اسمه كأبيه، وهل هو نبيٌّ أو رسولٌ أو مَلَكٌ؟ وهل هو حيٌّ أو ميتٌ؟ فقال ابن قتيبة: اسمه (١): بَلْيَا؛ بفتح المُوحَّدة وسكون اللَّام، وبمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، ابن مَلْكان؛ بفتح الميم وسكون اللَّام، وقِيلَ: إنَّه ابن فرعون صاحب موسى، وهو غريبٌ جدًّا، وقِيلَ: ابن مالكٍ، وهو أخو إلياس، وقِيلَ: ابن آدم لصلبه، رواه ابن عساكر بإسناده إلى الدَّارقطنيِّ، والصَّحيح أنَّه نبيٌّ معمَّرٌ محجوبٌ عن الأبصار، وأنَّه باقٍ إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، وعليه الجماهير واتِّفاق الصُّوفيَّة، وإجماع كثيرٍ من الصَّالحين (٢)، وأنكر جماعةٌ حياتَه؛ منهم المؤلِّف وابن المُبارَك والحربيُّ وابن الجوزيِّ، ويأتي ما في ذلك من المباحث إن شاء الله تعالى، وظاهر التَّبويب أنَّ موسى ركب البحر لمَّا توجه في طلب الخضر، واستُشكِل؛ فإنَّ الثَّابت عند المصنِّف وغيره أنَّه إنَّما ذهب في البرِّ، وركب البحر في السَّفينة مع الخضر بعد اجتماعهما، وأُجِيب: بأنَّ مقصود الذَّهاب إنَّما حصل بتمام القصَّة، ومن تمامها أنَّه ركب مع الخضر البحر، فأطلق على جميعها «ذهابًا» مجازًا، من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، أو من قَبِيلِ تسمية السَّبب باسم ما تسبَّب عنه. وعند عبد بن حميدٍ عن أبي العالية: أنَّ موسى التقى بالخضر في جزيرةٍ من جزائر البحر، ولا ريبَ أنَّ التَّوصُّل إلى جزيرة البحر لا يقع إلَّا بسلوك (٣) البحر غالبًا، وعنده (٤) من طريق الرَّبيع بن أنسٍ قال: «اِنجَابَ الماءُ عن مسلك الحوت فصار طاقةً مفتوحةً، فدخلها موسى على إثر الحوت حتَّى انتهى إلى الخضر» فهذا يوضِّح أنَّه ركب البحر إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالُهما ثقاتٌ (وَ) باب (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾) أي: على شرط أن تعلِّمَني، وهو في موضع الحال من الكاف (الآيةَ) بالنَّصب؛ بتقدير «فذكر» على المفعوليَّة، وزاد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر