«مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣١٢

الحديث رقم ٧٣١٢ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣١٢ في صحيح البخاري

«مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللهُ، وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ: حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ.»

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾

إسناد حديث رقم ٧٣١٢ من صحيح البخاري

٧٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣١٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَخْبَارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ لَا بُدَّ مِنْهُ، أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ ﷿.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) هُوَ الْعَبْسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ الْكُوفِيُّ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَشَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، وَشَيْخُ إِسْمَاعِيلَ قَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَلَمْ يَرَهُ. وَلِهَذَا الْإِسْنَادِ حُكْمُ الثُّلَاثِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ رُبَاعِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْدَ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِبَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَنْزَلَ مِنْ هَذَا بِدَرَجَةٍ، وَرِجَالُ سَنَدِ الْبَابِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَا وَقَدِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو مُعَاوِيَةَ فَقَالَ عَنْ سَعِيدٍ بَدَلَ الْمُغِيرَةِ فَأَوْرَدَهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ، وَقَالَ: الصَّوَابُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ (لَا تَزَالُ) بِالْمُثَنَّاةِ أَوَّلُهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ وَهَذِهِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ لَكِنْ زَادَ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ.

قَوْلُهُ (حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) أَيْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَيْ غَالِبُونَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالظُّهُورِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَتِرِينَ بَلْ مَشْهُورُونَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَلَهُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَقَدْ ذَكَرْتُ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْقِصَّةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ وَمُعَارَضَةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَجَلْ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ.

وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى هَذَا قَرِيبًا في الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ قَبْضِ الْعِلْمِ وَأَنَّ هَذَا أَوْلَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَذَكَرْتُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ يَكُونُونَ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَّ مَوْضِعًا آخَرَ يَكُونُ بِهِ طَائِفَةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ فِيهِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ وَذَكَرْتُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَمْرِ اللَّهِ: هُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ: سَاعَتُهُمْ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يَكُونُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ: الَّذِينَ يَحْصُرهُمُ الدَّجَّالُ إِذَا خَرَجَ فَيَنْزِلُ عِيسَى إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَظْهَرُ الدِّينُ فِي زَمَنِ عِيسَى، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ عِيسَى تَهُبُّ الرِّيحُ الْمَذْكُورَةُ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْجَمْعِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

٧٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ، وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَابْنُ وَهْبٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَحُمَيْدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

قَوْلُهُ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ) فِي رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ وَقَدْ مَضَى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ وَذَكَرَ حَدِيثًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَفِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

خالفهم، واستُشكِل بحديث «مسلمٍ» عن عبد الله بن عمرو: «لا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار النَّاس … » الحديث، وأُجيبَ بأنَّ المراد من شرار النَّاس الذين تقومُ عليهم السَّاعة، قومٌ يكونون بموضعٍ مخصوصٍ، وبموضعٍ آخر تكون طائفةٌ يقاتلون على الحقِّ، وعند الطَّبرانيِّ من حديث أبي أُمامة: قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» والمراد بهم: الذين يحصرهم الدَّجَّال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم فيقتل الدَّجَّال، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج الدَّجَّال أو بعد موت عيسى بعد هبوب الرِّيح التي تهبُّ بعده، فلا يبقى أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ إلَّا قَبَضته، ويبقى شرار النَّاس، فعليهم تقوم السَّاعة، وهناك يتحقَّق خلوُّ الأرض عن مسلمٍ فضلًا عن هذه الطَّائفة الكريمة، وهذا -كما في «الفتح» - أولى ما يُتمَسَّك به في الجمع بين الحديثين المذكورين.

والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٠] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٩] بعون الله (١).

٧٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) حال كونه (يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي: جميع الخيرات؛ لأنَّ النَّكرة تفيد العموم، أو خيرًا عظيمًا، فالتَّنوين للتَّعظيم (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) والفقه في الأصل: الفهم، يقال: فَقِهَ الرَّجل -بالكسر- يفقه فقهًا، إذا فَهِم وعلم، وفَقُهَ

-بالضَّم- يفقه، إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العُرف خاصًّا (١) بعلم الشَّريعة وتخصيصًا بعلم الفروع، وإنَّما خُصَّ من علم الشَّريعة بالفقه؛ لأنَّه علمٌ مُستنبَطٌ بالقوانين والأدلَّة والأقيسة والنَّظر الدَّقيق، بخلاف علم اللُّغة والنَّحو والصَّرف، رُوِي أنَّ سلمان نزل على نَبَطيَّةٍ بالعراق، فقال لها: هل ههنا مكانٌ نظيفٌ أُصلِّي فيه؟ فقالت: طهِّر قلبك وصلِّ حيث شئت، فقال: فقهتِ، أي: فهمتِ، ولو قال: علمتِ، لم يقع هذا الموقع، وعن الدَّارمي عن عمران قال: قلت للحسن يومًا في شيءٍ قاله: يا أبا سعيدٍ، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهًا قطُّ؟ إنَّما الفقيه الزَّاهد في الدُّنيا، الرَّاغب في الآخرة، البصير بأمور دينه، المداوم على عبادة ربِّه (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قال القاضي عياضٌ: أي: إنَّما أقسم بينكم، فألقي إلى كلِّ واحدٍ ما يليق به (وَيُعْطِي اللهُ) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم والتَّفكُّر والعمل ما أراده، وقال التُّوربشتيُّ: أَعلَمَ أنَّه (٢) لم يُفَضِّل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمَّته على الآخر، بل سوَّى في البلاغ، وعدل في القسمة، وإنَّما التَّفاوت في الفهم، وهو واقعٌ من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخر منهم، أو من القرن الذي يليهم أو ممَّن أتى بعده، فيستنبط منه كثيرًا، وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا» للحال من فاعل «يفقِّهه» أو من مفعوله، وإذا كان الثَّاني فالمعنى: أنَّ الله يعطي كلًّا ممن أراد أن يُفقِّهه استعدادًا لِدَرْك المعاني على ما قدَّره، ثمَّ يُلهمني بإلقاء ما هو اللَّائق باستعداد كلِّ واحدٍ، وعليه كلام القاضي، وإذا كان الأوَّل فالمعنى أنِّي أُلقي ما يسنح لي، وأسوِّي فيه (٣) ولا أُرجِّح واحدًا على واحدٍ، فالله تعالى يوفِّق كُلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التُّوربشتيِّ. انتهى. (وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا) على الدِّين الحقِّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة، أَوْ) قال: (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) تعالى، بالشَّكِّ من الرَّاوي، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ولن يزال أمر هذه الأمَّة مستقيمًا» لأنَّ من جملة الاستقامة أن يكون فيهم التَّفقُّه والمتفقِّه، ولا بدَّ منه لترتبط الأخبار المذكورة بعضها ببعضٍ، وتحصل جهةٌ جامعةٌ بينهما معنًى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَخْبَارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ لَا بُدَّ مِنْهُ، أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ ﷿.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) هُوَ الْعَبْسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ الْكُوفِيُّ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَشَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، وَشَيْخُ إِسْمَاعِيلَ قَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَلَمْ يَرَهُ. وَلِهَذَا الْإِسْنَادِ حُكْمُ الثُّلَاثِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ رُبَاعِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْدَ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِبَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَنْزَلَ مِنْ هَذَا بِدَرَجَةٍ، وَرِجَالُ سَنَدِ الْبَابِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَا وَقَدِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو مُعَاوِيَةَ فَقَالَ عَنْ سَعِيدٍ بَدَلَ الْمُغِيرَةِ فَأَوْرَدَهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ، وَقَالَ: الصَّوَابُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ (لَا تَزَالُ) بِالْمُثَنَّاةِ أَوَّلُهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ وَهَذِهِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ لَكِنْ زَادَ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ.

قَوْلُهُ (حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) أَيْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَيْ غَالِبُونَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالظُّهُورِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَتِرِينَ بَلْ مَشْهُورُونَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَلَهُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَقَدْ ذَكَرْتُ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْقِصَّةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ وَمُعَارَضَةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَجَلْ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ.

وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى هَذَا قَرِيبًا في الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ قَبْضِ الْعِلْمِ وَأَنَّ هَذَا أَوْلَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَذَكَرْتُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ يَكُونُونَ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَّ مَوْضِعًا آخَرَ يَكُونُ بِهِ طَائِفَةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ فِيهِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ وَذَكَرْتُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَمْرِ اللَّهِ: هُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ: سَاعَتُهُمْ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يَكُونُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ: الَّذِينَ يَحْصُرهُمُ الدَّجَّالُ إِذَا خَرَجَ فَيَنْزِلُ عِيسَى إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَظْهَرُ الدِّينُ فِي زَمَنِ عِيسَى، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ عِيسَى تَهُبُّ الرِّيحُ الْمَذْكُورَةُ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْجَمْعِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

٧٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ، وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَابْنُ وَهْبٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَحُمَيْدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

قَوْلُهُ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ) فِي رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ وَقَدْ مَضَى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ وَذَكَرَ حَدِيثًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَفِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

خالفهم، واستُشكِل بحديث «مسلمٍ» عن عبد الله بن عمرو: «لا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار النَّاس … » الحديث، وأُجيبَ بأنَّ المراد من شرار النَّاس الذين تقومُ عليهم السَّاعة، قومٌ يكونون بموضعٍ مخصوصٍ، وبموضعٍ آخر تكون طائفةٌ يقاتلون على الحقِّ، وعند الطَّبرانيِّ من حديث أبي أُمامة: قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» والمراد بهم: الذين يحصرهم الدَّجَّال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم فيقتل الدَّجَّال، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج الدَّجَّال أو بعد موت عيسى بعد هبوب الرِّيح التي تهبُّ بعده، فلا يبقى أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ إلَّا قَبَضته، ويبقى شرار النَّاس، فعليهم تقوم السَّاعة، وهناك يتحقَّق خلوُّ الأرض عن مسلمٍ فضلًا عن هذه الطَّائفة الكريمة، وهذا -كما في «الفتح» - أولى ما يُتمَسَّك به في الجمع بين الحديثين المذكورين.

والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٠] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٩] بعون الله (١).

٧٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) حال كونه (يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي: جميع الخيرات؛ لأنَّ النَّكرة تفيد العموم، أو خيرًا عظيمًا، فالتَّنوين للتَّعظيم (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) والفقه في الأصل: الفهم، يقال: فَقِهَ الرَّجل -بالكسر- يفقه فقهًا، إذا فَهِم وعلم، وفَقُهَ

-بالضَّم- يفقه، إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العُرف خاصًّا (١) بعلم الشَّريعة وتخصيصًا بعلم الفروع، وإنَّما خُصَّ من علم الشَّريعة بالفقه؛ لأنَّه علمٌ مُستنبَطٌ بالقوانين والأدلَّة والأقيسة والنَّظر الدَّقيق، بخلاف علم اللُّغة والنَّحو والصَّرف، رُوِي أنَّ سلمان نزل على نَبَطيَّةٍ بالعراق، فقال لها: هل ههنا مكانٌ نظيفٌ أُصلِّي فيه؟ فقالت: طهِّر قلبك وصلِّ حيث شئت، فقال: فقهتِ، أي: فهمتِ، ولو قال: علمتِ، لم يقع هذا الموقع، وعن الدَّارمي عن عمران قال: قلت للحسن يومًا في شيءٍ قاله: يا أبا سعيدٍ، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهًا قطُّ؟ إنَّما الفقيه الزَّاهد في الدُّنيا، الرَّاغب في الآخرة، البصير بأمور دينه، المداوم على عبادة ربِّه (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قال القاضي عياضٌ: أي: إنَّما أقسم بينكم، فألقي إلى كلِّ واحدٍ ما يليق به (وَيُعْطِي اللهُ) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم والتَّفكُّر والعمل ما أراده، وقال التُّوربشتيُّ: أَعلَمَ أنَّه (٢) لم يُفَضِّل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمَّته على الآخر، بل سوَّى في البلاغ، وعدل في القسمة، وإنَّما التَّفاوت في الفهم، وهو واقعٌ من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخر منهم، أو من القرن الذي يليهم أو ممَّن أتى بعده، فيستنبط منه كثيرًا، وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا» للحال من فاعل «يفقِّهه» أو من مفعوله، وإذا كان الثَّاني فالمعنى: أنَّ الله يعطي كلًّا ممن أراد أن يُفقِّهه استعدادًا لِدَرْك المعاني على ما قدَّره، ثمَّ يُلهمني بإلقاء ما هو اللَّائق باستعداد كلِّ واحدٍ، وعليه كلام القاضي، وإذا كان الأوَّل فالمعنى أنِّي أُلقي ما يسنح لي، وأسوِّي فيه (٣) ولا أُرجِّح واحدًا على واحدٍ، فالله تعالى يوفِّق كُلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التُّوربشتيِّ. انتهى. (وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا) على الدِّين الحقِّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة، أَوْ) قال: (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) تعالى، بالشَّكِّ من الرَّاوي، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ولن يزال أمر هذه الأمَّة مستقيمًا» لأنَّ من جملة الاستقامة أن يكون فيهم التَّفقُّه والمتفقِّه، ولا بدَّ منه لترتبط الأخبار المذكورة بعضها ببعضٍ، وتحصل جهةٌ جامعةٌ بينهما معنًى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله