«لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣١٣

الحديث رقم ٧٣١٣ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في قول الله تعالى أو يلبسكم شيعا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣١٣ في صحيح البخاري

«لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ: هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ.»

بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللهُ حُكْمَهُمَا لِيُفْهَِمَ السَّائِلَ

إسناد حديث رقم ٧٣١٣ من صحيح البخاري

٧٣١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣١٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَزَادَ قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ فِي قَوْلِهِ لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ يَعْنِي الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْغَرْبِ الدَّلْوُ، أَيِ الْعَرَبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا لَا يَسْتَقِي بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ لَكِنْ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَرْبِ الْبَلَدُ لِأَنَّ الشَّامَ غَرْبِيُّ الْحِجَازِ كَذَا قَالَ.

ولَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَغْرِبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَهَذَا يَرُدُّ تَأْوِيلَ الْغَرْبِ بِالْعَرَبِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِقْلِيمُ لَا صِفَةُ بَعْضِ أَهْلِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْغَرْبِ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْجِهَادِ، يُقَالُ: فِي لِسَانِهِ غَرْبٌ - بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ - أَيْ حِدَّةٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَضَافَ بَيْتَ إِلَى الْمَقْدِسِ، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ النَّهْدِيِّ نَحْوُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمٌ يَكُونُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ شَامِيَّةٌ وَيَسْقُونَ بِالدَّلْوِ، وَتَكُونُ لَهُمْ قُوَّةٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ وَحِدَّةٌ وَجِدٌّ.

(تَنْبِيهٌ)

اتَّفَقَ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ عُلُوُّهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْغَلَبَةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ أَبْدَعَ فَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْقَبَةً لِأَهْلِ الْغَرْبِ أَنَّهُ مَذَمَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ أَنَّهُمْ غَالِبُونَ لَهُ وَأَنَّ الْحَقَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَالْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ ذَمُّ الْغَرْبِ وَأَهْلِهِ لَا مَدْحُهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، ثُمَّ قَالَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ جَمَاعَةً مُتَعَدِّدَةً مِنْ أَنْوَاعِ الْمُؤْمِنِينَ. مَا بَيْنَ شُجَاعٍ وَبَصِيرٍ بِالْحَرْبِ وَفَقِيهٍ وَمُحَدِّثٍ وَمُفَسِّرٍ وَقَائِمٍ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَزَاهِدٍ وَعَابِدٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي قُطْرٍ وَاحِدٍ وَافْتِرَاقُهُمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَأَنْ يَكُونُوا فِي بَعْضٍ مِنْهُ دُونَ بَعْضٍ، وَيَجُوزُ إِخْلَاءُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مِنْ بَعْضِهِمْ أَوَّلًا فَأَوَّلًا إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ فَإِذَا انْقَرَضُوا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ.

وَنَظِيرُ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ حَدِيثَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأَمَةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ وَاحِدٌ فَقَطْ بَلْ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الطَّائِفَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الصِّفَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَى تَجْدِيدِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ جَمِيعَ خِصَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنْ يُدَّعَى ذَلِكَ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ كَانَ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى بِاتِّصَافِهِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْخَيْرِ وَتَقَدُّمِهِ فِيهَا ; وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ أَحْمَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ فَالشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْقَائِمَ بِأَمْرِ الْجِهَادِ وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ رَأْسِ الْمِائَةِ هُوَ الْمُرَادُ سَوَاءٌ تَعَدَّدَ أَمْ لَا.

١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾

٧٣١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والحديث سبق في «العلم» [خ¦٧١] وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» والله أعلم (١).

(١١) (بابُ قَوْلِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» (٢) بالتَّنوين «في قول الله» (تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: متفرِّقين.

٧٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ عَمْرٌو) -بفتح العين المهملة (٣) - ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كالمطر النَّازل على قوم نوحٍ حجارةً (قَالَ) : (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) أي: بذاتك من عذابك (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾) كالرَّجفة والخسفة، ويجوز أن يكون الظَّرف متعلِّقًا بـ «يبعث» وأن يكون متعلِّقًا بمحذوفٍ على أنَّه صفةٌ لـ «عذابًا» أي: عذابًا كائنًا من هاتين الجهتين (قَالَ) : (أعُوذُ بِوَجْهِكَ) من عذابك (٤) (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾) أي: يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواءٍ شتَّى، كلُّ فرقةٍ مشايعة (٥) لإمامٍ، ومعنى خلطهم إنشاء القتال بينهم، فيختلطون في ملاحم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَزَادَ قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ فِي قَوْلِهِ لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ يَعْنِي الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْغَرْبِ الدَّلْوُ، أَيِ الْعَرَبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا لَا يَسْتَقِي بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ لَكِنْ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَرْبِ الْبَلَدُ لِأَنَّ الشَّامَ غَرْبِيُّ الْحِجَازِ كَذَا قَالَ.

ولَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَغْرِبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَهَذَا يَرُدُّ تَأْوِيلَ الْغَرْبِ بِالْعَرَبِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِقْلِيمُ لَا صِفَةُ بَعْضِ أَهْلِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْغَرْبِ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْجِهَادِ، يُقَالُ: فِي لِسَانِهِ غَرْبٌ - بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ - أَيْ حِدَّةٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَضَافَ بَيْتَ إِلَى الْمَقْدِسِ، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ النَّهْدِيِّ نَحْوُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمٌ يَكُونُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ شَامِيَّةٌ وَيَسْقُونَ بِالدَّلْوِ، وَتَكُونُ لَهُمْ قُوَّةٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ وَحِدَّةٌ وَجِدٌّ.

(تَنْبِيهٌ)

اتَّفَقَ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ عُلُوُّهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْغَلَبَةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ أَبْدَعَ فَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْقَبَةً لِأَهْلِ الْغَرْبِ أَنَّهُ مَذَمَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ أَنَّهُمْ غَالِبُونَ لَهُ وَأَنَّ الْحَقَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَالْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ ذَمُّ الْغَرْبِ وَأَهْلِهِ لَا مَدْحُهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، ثُمَّ قَالَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ جَمَاعَةً مُتَعَدِّدَةً مِنْ أَنْوَاعِ الْمُؤْمِنِينَ. مَا بَيْنَ شُجَاعٍ وَبَصِيرٍ بِالْحَرْبِ وَفَقِيهٍ وَمُحَدِّثٍ وَمُفَسِّرٍ وَقَائِمٍ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَزَاهِدٍ وَعَابِدٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي قُطْرٍ وَاحِدٍ وَافْتِرَاقُهُمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَأَنْ يَكُونُوا فِي بَعْضٍ مِنْهُ دُونَ بَعْضٍ، وَيَجُوزُ إِخْلَاءُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مِنْ بَعْضِهِمْ أَوَّلًا فَأَوَّلًا إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ فَإِذَا انْقَرَضُوا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ.

وَنَظِيرُ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ حَدِيثَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأَمَةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ وَاحِدٌ فَقَطْ بَلْ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الطَّائِفَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الصِّفَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَى تَجْدِيدِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ جَمِيعَ خِصَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنْ يُدَّعَى ذَلِكَ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ كَانَ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى بِاتِّصَافِهِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْخَيْرِ وَتَقَدُّمِهِ فِيهَا ; وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ أَحْمَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ فَالشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْقَائِمَ بِأَمْرِ الْجِهَادِ وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ رَأْسِ الْمِائَةِ هُوَ الْمُرَادُ سَوَاءٌ تَعَدَّدَ أَمْ لَا.

١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾

٧٣١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والحديث سبق في «العلم» [خ¦٧١] وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» والله أعلم (١).

(١١) (بابُ قَوْلِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» (٢) بالتَّنوين «في قول الله» (تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: متفرِّقين.

٧٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ عَمْرٌو) -بفتح العين المهملة (٣) - ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كالمطر النَّازل على قوم نوحٍ حجارةً (قَالَ) : (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) أي: بذاتك من عذابك (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾) كالرَّجفة والخسفة، ويجوز أن يكون الظَّرف متعلِّقًا بـ «يبعث» وأن يكون متعلِّقًا بمحذوفٍ على أنَّه صفةٌ لـ «عذابًا» أي: عذابًا كائنًا من هاتين الجهتين (قَالَ) : (أعُوذُ بِوَجْهِكَ) من عذابك (٤) (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾) أي: يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواءٍ شتَّى، كلُّ فرقةٍ مشايعة (٥) لإمامٍ، ومعنى خلطهم إنشاء القتال بينهم، فيختلطون في ملاحم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده