الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٢١
الحديث رقم ٧٣٢١ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا كَانَ بِهَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ
٧٣٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَصَلَاحُ النَّاسِ إِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الصَّغِيرُ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّغَرِ فِي هَذَا صِغَرُ الْقَدْرِ لَا السِّنِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الْآيَةَ
٧٣٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ دَمِهَا - لِأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ (بَابُ إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وَرَدَ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ حَدِيثَانِ بِلَفْظِ: وَلَيْسَا عَلَى شَرْطِهِ، وَاكْتَفَى بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا وَهُمَا مَا ذَكَرَهُمَا مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، فَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ شَيْءٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ بِلَفْظِ مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُّونَهُمْ﴾ قَالَ: حَمَّلَهُمْ ذُنُوبَ أَنْفُسِهِمْ وَذُنُوبَ مَنْ أَطَاعَهُمْ، وَلَا يُخَفِّفُ ذَلِكَ عَمَّنْ أَطَاعَهُمْ شَيْئًا، وَأَخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ، ذَكَرَهُ مُرْسَلًا بِغَيْرِ سَنَدٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقِصَاصِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الْمُرَادِ بِالْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِ فِيهِ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْبَابُ وَالَّذِي قَبْلَهُ فِي مَعْنَى التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلَالِ، وَاجْتِنَابِ الْبِدَعِ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فِي الدِّينِ، وَالنَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ انْتَهَى. وَوَجْهُ التَّحْذِيرِ أَنَّ الَّذِي يُحْدِثُ الْبِدْعَةَ قَدْ يَتَهَاوَنُ بِهَا لِخِفَّةِ أَمْرِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَلَا يَشْعُرُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَهُوَ أَنْ يَلْحَقَهُ إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدَهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ عَمِلَ بِهَا بَلْ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَصْلُ فِي إِحْدَاثِهَا.
١٦ - بَاب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بِهما مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولا بدَّ من حذف «مثل» أيضًا، ومنع الواحديُّ أن تكون للتَّبعيض، قال: لأنَّه يستلزم تخفيف الأوزار عن الأتْبَاع، وهو غير جائزٍ؛ لقوله ﵊: «من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ (١)» لكنَّها للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، قال أبو حيَّان: والَّتي لبيان الجنس لا تتقدَّر هكذا، وإنَّما تتقدَّر: والأوزارَ الَّتي هي أوزار الَّذين، فهو من حيث المعنى كقول الأخفش وإن اختلفا في التَّقدير، و ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ من مفعول ﴿يُضِلُّونَهُم﴾ أي: يُضلُّون من لا يعلمُ أنَّهم ضُلَّالٌ -قاله في «الكشَّاف» - أو من الفاعل، ورُجِّح هذا بأنَّه (٢) هو المحدَّث عنه، وأوَّلُ الكلام قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ. لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) [النحل: ٢٤ - ٢٥] وقوله: ﴿لَهُم﴾ أي: لهؤلاء الكفَّار، و ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: أحاديث الأوَّلين وأباطيلهم، واللَّام في ﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ للتَّعليل، أي: قالوا ذلك إضلالًا للنَّاس، فحَمَلوا أوزار ضلالِهم كاملةً، وبعضَ أوزار -أو وأوزار (٤) - من ضلَّ بضلالهم، وهو وزرُ الإضلال؛ لأنَّ المُضِلَّ والضَّالَّ شريكان، وثبت قوله: «بغير علمٍ» لأبي ذرٍّ، وسقط له لفظ «الآية».
٧٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء مشددةً، الخارفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ) من بني آدم (تُقْتَلُ ظُلْمًا) بضمِّ الفوقيّة الأولى وفتح الثَّانية بينهما قافٌ ساكنةٌ (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل حيث قتل أخاه هابيل (كِفْلٌ) بكسر الكاف
وسكون الفاء، نصيبٌ (مِنْهَا) قال الحُميديُّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ أَوَّلًا) على وجه الأرض من بني آدم، وسقط لأبي ذرٍّ «أوَّل مَنْ».
وفي الحديث الحثُّ على اجتناب البدع والمُحْدَثات في الدِّين؛ لأنَّ الذي يُحدِثُ البدعة ربَّما تهاون بها لخفَّة أمرها في الأوَّل، ولا يشعر بما يترتَّب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثمُ من عمل بها مِنْ بعده؛ إذ كان الأصلَ في إحداثها.
والحديث سبق في «خلق آدم» [خ¦٣٣٣٥].
(١٦) (بابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ) بفتح الذَّال المعجمة والكاف، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ (وَحَضَّ) بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وضادٍ معجمةٍ مشدَّدةٍ، أي: حَرَّضَ (عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ) قال في «الكواكب»: في بعض الرِّوايات: «وما حضَّ عليه من اتِّفاق أهل العلم» وهو من باب تنازع العاملين؛ وهما: «ذَكَرَ» و «حَضَّ» (وَمَا أَجْمَعَ) بهمزة قطعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وما اجتمع» بهمزة وصلٍ وزيادة فوقيَّةٍ بعد الجيم (عَلَيْهِ الحَرَمَانِ: مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ) أي: ما اجتمع عليه أهلهما من الصَّحابة، ولم يخالف صاحبٌ مَن غيرهما، والإجماع اتِّفاق المجتهدين من أمَّة محمَّدٍ ﷺ على أمرٍ من الأمور الدِّينيَّة، بشرط أن يكون بعد وفاته ﷺ، فخرج بالمجتهدين العوامُّ، وعُلِمَ اختصاصه بالمجتهدين، والاختصاص بهم اتِّفاقٌ، فلا عبرة باتِّفاق غيرهم اتِّفاقًا، وعُلِمَ عدم انعقاده في حياته ﷺ من قوله: «بعد وفاته»، ووجهه أنَّه إن وافقهم فالحُجَّة في قوله، وإلَّا، فلا اعتبار بقولهم دونه، وعُلم أنَّ إجماع كلٍّ من أهل المدينة النَّبويَّة وأهل البيت النبويِّ -وهم فاطمة، وعليٌّ، والحسن، والحُسين ﵁ والخلفاء الأربعة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ ﵃، والشَّيخين: أبي بكرٍ وعمر، وأهل الحرمَين: مكَّة والمدينة، وأهل المِصْرَين: -الكوفة والبصرة- غير حُجَّةٍ؛ لأنَّه اجتهادُ بعض مُجتهدي (١) الأمَّة، لا كلُّهم، خلافًا لمالكٍ في
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَصَلَاحُ النَّاسِ إِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الصَّغِيرُ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّغَرِ فِي هَذَا صِغَرُ الْقَدْرِ لَا السِّنِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الْآيَةَ
٧٣٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ دَمِهَا - لِأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ (بَابُ إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وَرَدَ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ حَدِيثَانِ بِلَفْظِ: وَلَيْسَا عَلَى شَرْطِهِ، وَاكْتَفَى بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا وَهُمَا مَا ذَكَرَهُمَا مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، فَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ شَيْءٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ بِلَفْظِ مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُّونَهُمْ﴾ قَالَ: حَمَّلَهُمْ ذُنُوبَ أَنْفُسِهِمْ وَذُنُوبَ مَنْ أَطَاعَهُمْ، وَلَا يُخَفِّفُ ذَلِكَ عَمَّنْ أَطَاعَهُمْ شَيْئًا، وَأَخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ، ذَكَرَهُ مُرْسَلًا بِغَيْرِ سَنَدٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقِصَاصِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الْمُرَادِ بِالْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِ فِيهِ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْبَابُ وَالَّذِي قَبْلَهُ فِي مَعْنَى التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلَالِ، وَاجْتِنَابِ الْبِدَعِ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فِي الدِّينِ، وَالنَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ انْتَهَى. وَوَجْهُ التَّحْذِيرِ أَنَّ الَّذِي يُحْدِثُ الْبِدْعَةَ قَدْ يَتَهَاوَنُ بِهَا لِخِفَّةِ أَمْرِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَلَا يَشْعُرُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَهُوَ أَنْ يَلْحَقَهُ إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدَهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ عَمِلَ بِهَا بَلْ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَصْلُ فِي إِحْدَاثِهَا.
١٦ - بَاب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بِهما مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولا بدَّ من حذف «مثل» أيضًا، ومنع الواحديُّ أن تكون للتَّبعيض، قال: لأنَّه يستلزم تخفيف الأوزار عن الأتْبَاع، وهو غير جائزٍ؛ لقوله ﵊: «من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ (١)» لكنَّها للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، قال أبو حيَّان: والَّتي لبيان الجنس لا تتقدَّر هكذا، وإنَّما تتقدَّر: والأوزارَ الَّتي هي أوزار الَّذين، فهو من حيث المعنى كقول الأخفش وإن اختلفا في التَّقدير، و ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ من مفعول ﴿يُضِلُّونَهُم﴾ أي: يُضلُّون من لا يعلمُ أنَّهم ضُلَّالٌ -قاله في «الكشَّاف» - أو من الفاعل، ورُجِّح هذا بأنَّه (٢) هو المحدَّث عنه، وأوَّلُ الكلام قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ. لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) [النحل: ٢٤ - ٢٥] وقوله: ﴿لَهُم﴾ أي: لهؤلاء الكفَّار، و ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: أحاديث الأوَّلين وأباطيلهم، واللَّام في ﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ للتَّعليل، أي: قالوا ذلك إضلالًا للنَّاس، فحَمَلوا أوزار ضلالِهم كاملةً، وبعضَ أوزار -أو وأوزار (٤) - من ضلَّ بضلالهم، وهو وزرُ الإضلال؛ لأنَّ المُضِلَّ والضَّالَّ شريكان، وثبت قوله: «بغير علمٍ» لأبي ذرٍّ، وسقط له لفظ «الآية».
٧٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء مشددةً، الخارفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ) من بني آدم (تُقْتَلُ ظُلْمًا) بضمِّ الفوقيّة الأولى وفتح الثَّانية بينهما قافٌ ساكنةٌ (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل حيث قتل أخاه هابيل (كِفْلٌ) بكسر الكاف
وسكون الفاء، نصيبٌ (مِنْهَا) قال الحُميديُّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ أَوَّلًا) على وجه الأرض من بني آدم، وسقط لأبي ذرٍّ «أوَّل مَنْ».
وفي الحديث الحثُّ على اجتناب البدع والمُحْدَثات في الدِّين؛ لأنَّ الذي يُحدِثُ البدعة ربَّما تهاون بها لخفَّة أمرها في الأوَّل، ولا يشعر بما يترتَّب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثمُ من عمل بها مِنْ بعده؛ إذ كان الأصلَ في إحداثها.
والحديث سبق في «خلق آدم» [خ¦٣٣٣٥].
(١٦) (بابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ) بفتح الذَّال المعجمة والكاف، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ (وَحَضَّ) بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وضادٍ معجمةٍ مشدَّدةٍ، أي: حَرَّضَ (عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ) قال في «الكواكب»: في بعض الرِّوايات: «وما حضَّ عليه من اتِّفاق أهل العلم» وهو من باب تنازع العاملين؛ وهما: «ذَكَرَ» و «حَضَّ» (وَمَا أَجْمَعَ) بهمزة قطعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وما اجتمع» بهمزة وصلٍ وزيادة فوقيَّةٍ بعد الجيم (عَلَيْهِ الحَرَمَانِ: مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ) أي: ما اجتمع عليه أهلهما من الصَّحابة، ولم يخالف صاحبٌ مَن غيرهما، والإجماع اتِّفاق المجتهدين من أمَّة محمَّدٍ ﷺ على أمرٍ من الأمور الدِّينيَّة، بشرط أن يكون بعد وفاته ﷺ، فخرج بالمجتهدين العوامُّ، وعُلِمَ اختصاصه بالمجتهدين، والاختصاص بهم اتِّفاقٌ، فلا عبرة باتِّفاق غيرهم اتِّفاقًا، وعُلِمَ عدم انعقاده في حياته ﷺ من قوله: «بعد وفاته»، ووجهه أنَّه إن وافقهم فالحُجَّة في قوله، وإلَّا، فلا اعتبار بقولهم دونه، وعُلم أنَّ إجماع كلٍّ من أهل المدينة النَّبويَّة وأهل البيت النبويِّ -وهم فاطمة، وعليٌّ، والحسن، والحُسين ﵁ والخلفاء الأربعة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ ﵃، والشَّيخين: أبي بكرٍ وعمر، وأهل الحرمَين: مكَّة والمدينة، وأهل المِصْرَين: -الكوفة والبصرة- غير حُجَّةٍ؛ لأنَّه اجتهادُ بعض مُجتهدي (١) الأمَّة، لا كلُّهم، خلافًا لمالكٍ في