«أَنَّهُ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٤٥

الحديث رقم ٧٣٤٥ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ذكر النبي وحض على اتفاق أهل العلم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣٤٥ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.»

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾

إسناد حديث رقم ٧٣٤٥ من صحيح البخاري

٧٣٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣٤٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَذُكِرَ الْعِرَاقُ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ

٧٣٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ وَحَضَّ) بِمُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ، أَيْ حَرَّضَ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَقَوْلُهُ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَمَا حَضَّ عَلَيْهِ مِنِ اتِّفَاقٍ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَنَازُعِ الْعَامِلَيْنِ وَهُمَا ذَكَرَ وَحَضَّ.

قَوْلُهُ (وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بِهِمَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا أَجْمَعَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ تَاءٍ، وَعِنْدَهُ وَمَا كَانَ بِهَا بِالْإِفْرَادِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِجْمَاعُ هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ - أَيِ الْمُجْتَهِدِينَ - مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْحَرَمَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ، قَالَ: وَعِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ كِلَيْهِمَا إِجْمَاعٌ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ التَّرْجِيحَ بِهِ لَا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، وَإِذَا قَالَ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا - مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فَهُمْ قَائِلُونَ بِهِ إِذَا وَافَقَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ سَحْنُونٍ اعْتِبَارَ إِجْمَاعِ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: حَتَّى لَوِ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي شَيْءٍ لَمْ يُعَدَّ إِجْمَاعًا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نُدْرَةَ الْمُخَالِفِ تُؤَثِّرُ فِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ.

قَوْلُهُ: وَمُصَلَّى النَّبِيِّ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَجْرُورَةٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ مَشَاهِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: السَّلَمِيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ.

قَوْلُهُ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي اسْمِهِ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ اسْتَقَالَ مِنْهُ، وَضَبْطُ يَنْصَعُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ كَالْكِيرِ مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: عَنِ الْمُهَلَّبِ فِيهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلَ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ عَامًّا لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ النَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنْهَا رَغْبَةً عَنِ الْإِقَامَةِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ نَحْوَهُ، وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْفِضَّةِ قَالَ: وَالنَّارُ إِنَّمَا تُخْرِجُ الْخَبَثَ وَالرَّدِيءَ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَقَطَنُوا غَيْرَهَا وَمَاتُوا خَارِجًا عَنْهَا، كَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَلِيٍّ أَوْ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِزَمَنِهِ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ يَقَعُ تَمَامُ إِخْرَاجِ الرَّدِيءِ مِنْهَا فِي زَمَنِ مُحَاصَرَةِ الدَّجَّالِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي آخَرِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَفِيهِ: فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلَاصِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، الْحَدِيثَ فِي خُطْبَةِ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَشْرُوحًا فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الْحُدُودِ وَذَكَرَ هُنَا مِنْهُ طَرَفًا، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَصْفِ الْمَدِينَةِ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ السُّنَّةِ وَمَأْوَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَوْلُهُ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَوَابُ لَمَّا مَحْذُوفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهُوَ فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ لَقِيَنِي فَقَالَ وَقَوْلُهُ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ

الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ حَذَفَ مِنْهُ قِطْعَةً كَبِيرَةً بَيْنَ قَوْلِهِ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَالَ إِلَخْ.

تَقَدَّمَ بَيَانُهَا هُنَاكَ، وَفِيهَا قِصَّةٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَخُرُوجُ عُمَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتُهُ بِطُولِهَا، وَقَدْ أَدْخَلَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقُولُ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَسْأَلَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا الْوَحْيَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ كَانَ الْقَوْلُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ بِغَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ نَصًّا مَرْفُوعًا، كَمَا أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِرِوَايَتِهِمْ لِشُهْرَتِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ فِي النَّقْلِ وَتَرْكِ التَّدْلِيسِ، وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ الْقَوْلُ بِحُجِّيَّةِ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا اتَّفَقُوا، وَأَمَّا ثُبُوتُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، وَغَالِبُ مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ فَلَيْسَ بِقَوَيٍّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ (ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، أَيْ مَصْبُوغَانِ بِالْمِشْقِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَحْمَرُ، وَقَوْلُهُ بَخٍ بَخٍ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُكَرَّرٍ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ وَمَدْحٍ وَفِيهَا لُغَاتٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: وَإِنِّي لَأَخِرُّ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْحُجْرَةِ هُوَ مَكَانُ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: وَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا صَبَرَ عَلَى الشِّدَّةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا مِنْ أَجْلِ مُلَازَمَةِ النَّبِيِّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، جُوزِيَ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ كَثْرَةِ مَحْفُوظِهِ وَمَنْقُولِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ صَبْرِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شُهُودِهِ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ الْمُصَلَّى، حَيْثُ قَالَ: فَأَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، وَالدَّارُ الْمَذْكُورَةُ بُنِيَتْ بَعْدَ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَإِنَّمَا عُرِفَ بِهَا لِشُهْرَتِهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: شَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ صَغِيرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَبِيرَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ وَخَدَمَهُمْ ضَبَطُوا الْعِلْمَ مُعَايَنَةً مِنْهُمْ فِي مَوَاطِنِ الْعَمَلِ مِنْ شَارِعِهَا الْمُبَيِّنِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الصِّغَرَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَقَامِ الَّذِي شَاهَدَ فِيهِ النَّبِيَّ حَتَّى سَمِعَ كَلَامَهُ وَسَائِرَ مَا قَصَّهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ابْنُ عَمِّهِ وَخَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَصَلَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ. وَيُؤْخَذُ مِنْهَا نَفْيُ التَّعْمِيمِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُهَلَّبُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَهُوَ خَاصٌّ بِمَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ وَهُمُ الصَّحَابَةُ فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي إِتْيَانِ قُبَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مُعَايَنَةُ النَّبِيِّ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي قَصْدِهِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَهُوَ مَشْهَدٌ مِنْ مَشَاهِدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَيْ أَنَّهَا قَالَتْ.

قَوْلُهُ: مَعَ صَوَاحِبِي) جَمْعُ صَاحِبَةٍ تُرِيدُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ ابْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ بِالْبَقِيعِ.

قَوْلُهُ: وَلَا تَدْفِنِّي مَعَ النَّبِيِّ فِي الْبَيْتِ) يُعَارِضُهُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلُهَا فِي قِصَّةِ دَفْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى) بِفَتْحِ الْكَافِ الثَّقِيلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ أَحَدٌ بِمَا لَيْسَ فِيَّ، بَلْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِي مَدْفُونَةً عِنْدَهُ دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ فَيُظَنُّ أَنِّي خُصِصْتُ

بِذَلِكَ مِنْ دُونِهِنَّ، لِمَعْنًى فِيَّ لَيْسَ فِيهِنَّ، وَهَذَا مِنْهَا فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَوْلُهُ (وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ مَوْصُولًا أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ هَذَا صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ، لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ إِرْسَالِ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.

قَوْلُهُ: مَعَ صَاحِبَيَّ) بِالتَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ (فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الرَّجُلُ، وَلَفْظُ الرِّسَالَةِ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ يَسْأَلُهَا أَنْ يُدْفَنَ مَعَهُمْ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ قَالَتْ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا) بِالْمُثَلَّثَةِ مِنَ الْإِيثَارِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا وَقَعَ، وَالصَّوَابُ لَا أُوثِرُ أَحَدًا بِهِمْ أَبَدًا قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ صَوَابِهِ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ مَقْلُوبٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ثُمَّ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا أُثِيرُهُمْ بِأَحَدٍ، أَيْ لَا أَنْبُشُهُمْ لِدَفْنِ أَحَدٍ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ التِّينِ بِقَوْلِهَا فِي قِصَّةِ عُمَرَ لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي آثَرَتْهُ بِهِ الْمَكَانَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ قَبْرِ أَبِيهَا بِقُرْبِ النَّبِيِّ ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وُجُودَ مَكَانٍ آخَرَ فِي الْحُجْرَةِ.

قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَوْصَى أَخَاهُ أَنْ يَدْفِنَهُ عِنْدَهُمْ إِنْ لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ، فَصَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ يُدْفَنُ عِيسَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَيَكُونُ قَبْرًا رَابِعًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: إِنَّمَا كَرِهَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهُمْ خَشْيَةَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهَا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ وَصَاحِبَيْهِ، فَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيدُ، مَالِكًا عَنْ مَنْزِلَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ فِي حَيَاتِهِ فَقَالَ: كَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَزَكَّاهُمَا بِالْقُرْبِ مَعَهُ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ وَالتُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا، فَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّهُمَا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بِاخْتِصَاصِهِمَا بِذَلِكَ، وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ مَخْلُوقٌ مِنْ تُرْبَةِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ الْبَشَرِ، فَكَانَتْ تُرْبَتُهُ أَفْضَلَ التُّرَبِ انْتَهَى.

وَكَوْنُ تُرْبَتِهِ أَفْضَلَ التُّرَبِ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ هَلْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْمَدِينَةُ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ؟ لِأَنَّ الْمُجَاوِرَ لِلشَّيْءِ لَوْ ثَبَتَ لَهُ جَمِيعُ مَزَايَاهُ لَكِنْ لَمَّا جَاوَرَ ذَلِكَ الْمُجَاوِرَ نَحْوُ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاوَرَ الْمَدِينَةَ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا، كَذَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أَيِ ابْنِ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَلَمْ يَسْمَعْ أَيُّوبُ مِنْ أَبِيهِ بَلْ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ مُقِلٌّ، وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَوَهِمَ، وَإِنَّمَا الضَّعِيفُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ مَعَ شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ: (زَادَ اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ) يَعْنِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَبُعْدُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَبُعْدُ الْعَوَالِي أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ - أَوْ ثَلَاثَةٌ) كَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ عَلَى عَادَتِهِ يُورِدُ لَهُ فِي الشَّوَاهِدِ وَالتَّتِمَّاتِ، وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ فِي الْأُصُولِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ بَيْنَ الْعَوَالِي وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِلْمَاشِي شَيْئًا مُعَلَّمًا مِنْ مَعَالِمِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يَسْتَغْنِي الْمَاشِي فِيهَا يَوْمَ الْغَيْمِ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ مَقَادِيرُ الزَّمَانِ مُعَيَّنَةً بِالْمَدِينَةِ بِمَكَانِ

بَلَدٍ لِلْعَيَانِ يَنْقُلُهُ الْعُلَمَاءُ إِلَى أَهْلِ الِآفَاقِ؛ لِيَتَمَثَّلُوهُ فِي أَقَاصِي الْبُلْدَانِ، فَكَيْفَ يُسَاوِيهِمْ أَهْلُ بَلَدٍ غَيْرِهَا؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُغْنِي إِيرَادُهُ عَنْهُ عَنْ تَكَلُّفِ الْبَحْثِ مَعَهُ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

سَمِعَ الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعَيْدَ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ فِي ذِكْرِ الصَّاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ: مُدًّ وَثُلُثً وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَكْتُبُ الْمَنْصُوبَ بِغَيْرِ أَلْفٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ يَكُونُ فِي كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَيَرْتَفِعُ عَلَى الْخَبَرِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ قَدْرَ الصَّاعِ مِمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ بَعْدَ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَاسْتَمَرَّ، فَلَمَّا زَادَ بَنُو أُمَيَّةَ فِي الصَّاعِ لَمْ يَتْرُكُوا اعْتِبَارَ الصَّاعِ النَّبَوِيِّ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِالصَّاعِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنِ اسْتَعْمَلُوا الصَّاعَ الزَّائِدَ فِي شَيْءٍ غَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِالصَّاعِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ فِي الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ زِيدَ فِيهِ زَادَ رِوَايَةَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، الْجُعَيْدَ) يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَنْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجُعَيْدُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الدُّعَاءِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبُيُوعِ وَفِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: دُعَاؤُهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، خَصَّهُمْ مِنَ الْبَرَكَةِ مَا اضْطَرَّ أَهْلُ الْآفَاقِ إِلَى قَصْدِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمِعْيَارِ الْمَدْعُوِّ لَهُ بِالْبَرَكَةِ؛ لِيَجْعَلُوهُ طَرِيقَةً مُتَّبَعَةً فِي مَعَاشِهِمْ، وَأَدَاءَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمُحَارِبِينَ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ. وَقَوْلُهُ: حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: مَوْضِعَ الْجَنَائِزِ.

تَابَعَهُ سَهْلٌ عَنْ النَّبِيِّ فِي أُحُدٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي أُحُدٍ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَفِيهِ: إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ هَكَذَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرٍو، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ مَا ذَكَرَ هُنَا فِي آخِرِ الْحَجِّ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ فِي أُحُدٍ) يُشِيرُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا لِسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ بِسَنَدِهِ إِلَى سَهْلٍ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَمَضَى شَرْحُ الْمَتْنِ فِي آخِرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حَبِيبٍ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِنُزُولِهِ دَرَجَةً، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ الْفَلَّاسُ. وَابْنُ مَهْدِيٍّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى فِيمَا قِيلَ فَقَطْ ; وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَحْدَهُ، الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْبُخَارِيُّ، صَرَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ رَوَاهَا عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا وَحْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، وَمُطَرِّفٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ، بِالشَّكِّ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ، وَالتِّنِّيسِيِّ،

وَالشَّافِعِيِّ، وَالزَّعْفَرَانِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى فَقِيلَ بِالشَّكِّ وَقِيلَ بِالْجَمْعِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالْحَفْيَاءُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ، مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَرُبَّمَا قُدِّمَتِ الْيَاءُ عَلَى الْفَاءِ وَبَنُو زُرَيْقٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ مُصَغَّرٌ، وَقَوْلُهُ هُنَا: فَأُرْسِلَتْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِلَفْظِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَرْسَلَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْفَاعِلُ النَّبِيُّ أَيْ بِأَمْرِهِ ; قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ: فِي مِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْجِدَارِ وَالْمِنْبَرِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فِي مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ لِيَدْخُلَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْحَفْيَاءِ وَالثَّنِيَّةِ لِمُسَابَقَةِ الْخَيْلِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، يَكُونُ ذَلِكَ الْقَدْرُ مَيْدَانًا لِلْخَيْلِ الْمُضْمَرَةِ عِنْدَ السِّبَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

أَوْرَدَ أَبُو ذَرٍّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا مِنَ الْمَتْنِ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَدُهَا إِلَخْ، وَسَاقَهُ غَيْرُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا عَقِبَهُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرْنَا عِيسَى، وَابْنُ إِدْرِيسَ فَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَقَدْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى بَعْضِ الشَّارِحِينَ، فَظَنَّ أَنَّهُ سَاقَ هَذَا السَّنَدَ لِلْمَتْنِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي الْأَشْرِبَةِ وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ وَأَمَّا رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ فَتَتَعَلَّقُ بِالْمُسَابَقَةِ، فَهِيَ مُتَابِعَةٌ لِرِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ أَيْضًا وَسَبَقَ لَفْظُهُ هُنَاكَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ذِكْرَ الْبُخَارِيِّ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَذَكَرَ أَنَّ مُسْلِمًا، وَالنَّسَائِيَّ أَخْرَجَاهَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَسَبَبُ هَذَا الْغَلَطِ الْإِجْحَافُ فِي الِاخْتِصَارِ، فَلَوْ كَانَ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَثَلًا فَذَكَرَهُ أَوْ بِهَذَا أَوْ بِهِ لَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَالْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَابْنُ إِدْرِيسَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ بِوَزْنِ عَطِيَّةَ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَبُو حَيَّانَ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حِبَّانَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاقَ، وَابْنَ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ كَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ لِكَوْنِهِ؛ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا، وَهُوَ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، فَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، الْحَدِيثَ وَمَضَى هُنَاكَ مَشْرُوحًا.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ، وَتَقَدَّمَ لَهُ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطِيبًا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ هَكَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، فَذَكَرَ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَطْ، وَلَمْ يُوصِلْهُ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ: خَطِيبًا هُوَ حَالٌ مِنْ عُثْمَانَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: خَطَبَنَا بِنُونٍ، لَفْظُ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ أَوْهَمَ صَنِيعُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَانُ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِخُطْبَةِ عُثْمَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَزَادَ فِيهِ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي أَوَاخِرِ الرُّبْعِ الرَّابِعِ مِنْهُ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَرَادَ شَهْرَ رَمَضَانَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ. قُلْتُ: وَقَعَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْءِ الْفَلَكِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ

أَكَبُّوا عَلَى الْمَصَاحِفِ، وَأَخْرَجُوا الزَّكَاةَ، وَدَعَا الْوُلَاةُ أَهْلَ السُّجُونِ الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، لَا يُخَافِتُهَا لِتَصِلَ الْمَوْعِظَةُ إِلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ إِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهِمِ، انْتَهَى.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمِنْبَرَ النَّبَوِيَّ بَقِيَ إِلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا آخَرَ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (هَذَا الْمِرْكَنُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ بَعْدَهَا نُونٌ، قَالَ الْخَلِيلُ: شِبْهُ تَوْرٍ مِنْ أَدَمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: شِبْهُ حَوْضٍ مِنْ نُحَاسٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْإِجَّانَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ ثُمَّ نُونٍ ; لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْغَرِيبَ بِمِثْلِهِ، وَالْإِجَّانَةُ هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْقِصْرِيَّةُ وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَوْلُهَا: فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا أَيْ: نَتَنَاوَلُ مِنْهُ بِغَيْرِ إِنَاءٍ، وَأَصْلُهُ الْوُرُودُ لِلشُّرْبِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ حَالَةٍ يَتَنَاوَلُ فِيهَا الْمَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لِبَيَانِ مِقْدَارِ مَا يَكْفِي الزَّوْجَ وَالْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَا.

الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْهُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، وَفِي الْقُنُوتِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَهُ مِنْ حَدِيثَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَتَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ هُنَا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ الْأَوَّلِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِخَاءِ وَالْحِلْفِ، وَمَضَى شَرْحُ الثَّانِي فِي كِتَابِ الْوِتْرِ وَفِيهِ بَيَانُ الْوَقْتِ وَالسَّبَبِ الَّذِي قَنَتَ فِيهِ، وَمَضَى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ بَيَانُ أَسْمَاءِ الْأَحْيَاءِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: (بُرَيْدٌ) بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) وَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بَيَانُ سَبَبِ قُدُومِ أَبِي بُرْدَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَيَانُ زَمَانِ قُدُومِهِ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لِأَتَعَلَّمَ مِنْهُ، فَسَأَلَنِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَرَحَّبَ بِي.

قَوْلُهُ: (انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: مَعِيَ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، أَيْ: تَعَالَ مَعِيَ إِلَى مَنْزِلِي، وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ وَتَدْخُلَ فِي بَيْتِي.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَأَسْقَانِي سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا) قَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا فَكَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْإِطْعَامَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً، لِأَنَّهُ إِمَّا مِنَ الِاكْتِفَاءِ وَإِمَّا مِنَ التَّضْمِينِ، وَلَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ أَسْقَاهُ السَّوِيقَ.

قَوْلُهُ: (وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ) زَادَ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ذِكْرَ الرِّبَا، وَأَنَّ مَنِ اقْتَرَضَ قَرْضًا فَتَقَاضَاهُ إِذَا حَلَّ فَأَهْدَى لَهُ الْمَدْيُونُ هَدِيَّةً كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الرِّبَا، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ أَيْضًا، كَمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ عَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السَّكَنْدَرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِمَا قُلْتُهُ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عُمَرَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ:، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) يُرِيدُ أَنَّ هَارُونَ خَالَفَ سَعِيدَ بْنَ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: وَقُلْ: عُمْرَةً وَحَجَّةً بِوَاوِ الْعَطْفِ، فَقَالَ: عُمَرَةٌ فِي حَجَّةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأولى، جبلٌ من جبال تهامة على ليلتين من مكَّة، والياء فيه بدلٌ من همزةٍ، ولا يقدح فيه قوله: «بلغني» إذ هو عمَّن لم يُعرَف؛ لأنَّه إنَّما يروي عن صحابيٍّ، وهم عدولٌ (وَذُكِرَ العِرَاقُ) بضمِّ الذال المعجمة (١) مبنيًا للمجهول (فَقَالَ) ابن عمر: (لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ) أي: لم يكن أهل العراق في ذلك الوقت مسلمين حتَّى يُوَقِّتَ لهم ميقاتًا.

وسبق الحديث في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٢٢].

٧٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) العيشيُّ -بالتَّحتيَّة والمعجمة- الطَّفاويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة، ابن سليمان النُّميري (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير، الإمام في المغازي قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر (عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ أُرِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء (وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة والرَّاء المُشدَّدة، منزله الَّذي كان فيه آخر اللَّيل (بِذِي الحُلَيْفَةِ) في المنام (فَقِيلَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقيل» (لَهُ) : (إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ).

والحديث سبق في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٣٥] ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ لمن تأمَّلها، والله الموفِّق والمعين، ومرادُه من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النَّبويِّ، ثمَّ بعده قبل تفرُّق الصَّحابة في الأمصار، ولا سبيل إلى التَّعميم كما (٣) لا يخفى، والله تعالى يُعينُ على الإتمام، ويَمُنُّ بالإخلاص والنَّفع، أستودِعُه تعالى ذلك، فإنَّه لاتخيب ودائعه، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم (٤).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَذُكِرَ الْعِرَاقُ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ

٧٣٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ وَحَضَّ) بِمُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ، أَيْ حَرَّضَ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَقَوْلُهُ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَمَا حَضَّ عَلَيْهِ مِنِ اتِّفَاقٍ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَنَازُعِ الْعَامِلَيْنِ وَهُمَا ذَكَرَ وَحَضَّ.

قَوْلُهُ (وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَمَا كَانَ بِهِمَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا أَجْمَعَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ تَاءٍ، وَعِنْدَهُ وَمَا كَانَ بِهَا بِالْإِفْرَادِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِجْمَاعُ هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ - أَيِ الْمُجْتَهِدِينَ - مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْحَرَمَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ، قَالَ: وَعِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ كِلَيْهِمَا إِجْمَاعٌ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ التَّرْجِيحَ بِهِ لَا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، وَإِذَا قَالَ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا - مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فَهُمْ قَائِلُونَ بِهِ إِذَا وَافَقَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ سَحْنُونٍ اعْتِبَارَ إِجْمَاعِ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: حَتَّى لَوِ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي شَيْءٍ لَمْ يُعَدَّ إِجْمَاعًا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نُدْرَةَ الْمُخَالِفِ تُؤَثِّرُ فِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ.

قَوْلُهُ: وَمُصَلَّى النَّبِيِّ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَجْرُورَةٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ مَشَاهِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: السَّلَمِيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ.

قَوْلُهُ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي اسْمِهِ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ اسْتَقَالَ مِنْهُ، وَضَبْطُ يَنْصَعُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ كَالْكِيرِ مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: عَنِ الْمُهَلَّبِ فِيهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلَ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ عَامًّا لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ النَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنْهَا رَغْبَةً عَنِ الْإِقَامَةِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ نَحْوَهُ، وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْفِضَّةِ قَالَ: وَالنَّارُ إِنَّمَا تُخْرِجُ الْخَبَثَ وَالرَّدِيءَ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَقَطَنُوا غَيْرَهَا وَمَاتُوا خَارِجًا عَنْهَا، كَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَلِيٍّ أَوْ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِزَمَنِهِ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ يَقَعُ تَمَامُ إِخْرَاجِ الرَّدِيءِ مِنْهَا فِي زَمَنِ مُحَاصَرَةِ الدَّجَّالِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي آخَرِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَفِيهِ: فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلَاصِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، الْحَدِيثَ فِي خُطْبَةِ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَشْرُوحًا فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الْحُدُودِ وَذَكَرَ هُنَا مِنْهُ طَرَفًا، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَصْفِ الْمَدِينَةِ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ السُّنَّةِ وَمَأْوَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَوْلُهُ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَوَابُ لَمَّا مَحْذُوفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهُوَ فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ لَقِيَنِي فَقَالَ وَقَوْلُهُ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ

الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ حَذَفَ مِنْهُ قِطْعَةً كَبِيرَةً بَيْنَ قَوْلِهِ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَالَ إِلَخْ.

تَقَدَّمَ بَيَانُهَا هُنَاكَ، وَفِيهَا قِصَّةٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَخُرُوجُ عُمَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتُهُ بِطُولِهَا، وَقَدْ أَدْخَلَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقُولُ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَسْأَلَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا الْوَحْيَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ كَانَ الْقَوْلُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ بِغَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ نَصًّا مَرْفُوعًا، كَمَا أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِرِوَايَتِهِمْ لِشُهْرَتِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ فِي النَّقْلِ وَتَرْكِ التَّدْلِيسِ، وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ الْقَوْلُ بِحُجِّيَّةِ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا اتَّفَقُوا، وَأَمَّا ثُبُوتُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، وَغَالِبُ مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ فَلَيْسَ بِقَوَيٍّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ (ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، أَيْ مَصْبُوغَانِ بِالْمِشْقِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَحْمَرُ، وَقَوْلُهُ بَخٍ بَخٍ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُكَرَّرٍ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ وَمَدْحٍ وَفِيهَا لُغَاتٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: وَإِنِّي لَأَخِرُّ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْحُجْرَةِ هُوَ مَكَانُ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: وَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا صَبَرَ عَلَى الشِّدَّةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا مِنْ أَجْلِ مُلَازَمَةِ النَّبِيِّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، جُوزِيَ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ كَثْرَةِ مَحْفُوظِهِ وَمَنْقُولِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ صَبْرِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شُهُودِهِ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ الْمُصَلَّى، حَيْثُ قَالَ: فَأَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، وَالدَّارُ الْمَذْكُورَةُ بُنِيَتْ بَعْدَ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَإِنَّمَا عُرِفَ بِهَا لِشُهْرَتِهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: شَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ صَغِيرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَبِيرَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ وَخَدَمَهُمْ ضَبَطُوا الْعِلْمَ مُعَايَنَةً مِنْهُمْ فِي مَوَاطِنِ الْعَمَلِ مِنْ شَارِعِهَا الْمُبَيِّنِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الصِّغَرَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَقَامِ الَّذِي شَاهَدَ فِيهِ النَّبِيَّ حَتَّى سَمِعَ كَلَامَهُ وَسَائِرَ مَا قَصَّهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ابْنُ عَمِّهِ وَخَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَصَلَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ. وَيُؤْخَذُ مِنْهَا نَفْيُ التَّعْمِيمِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُهَلَّبُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَهُوَ خَاصٌّ بِمَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ وَهُمُ الصَّحَابَةُ فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي إِتْيَانِ قُبَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مُعَايَنَةُ النَّبِيِّ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي قَصْدِهِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَهُوَ مَشْهَدٌ مِنْ مَشَاهِدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَيْ أَنَّهَا قَالَتْ.

قَوْلُهُ: مَعَ صَوَاحِبِي) جَمْعُ صَاحِبَةٍ تُرِيدُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ ابْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ بِالْبَقِيعِ.

قَوْلُهُ: وَلَا تَدْفِنِّي مَعَ النَّبِيِّ فِي الْبَيْتِ) يُعَارِضُهُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلُهَا فِي قِصَّةِ دَفْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى) بِفَتْحِ الْكَافِ الثَّقِيلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ أَحَدٌ بِمَا لَيْسَ فِيَّ، بَلْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِي مَدْفُونَةً عِنْدَهُ دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ فَيُظَنُّ أَنِّي خُصِصْتُ

بِذَلِكَ مِنْ دُونِهِنَّ، لِمَعْنًى فِيَّ لَيْسَ فِيهِنَّ، وَهَذَا مِنْهَا فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَوْلُهُ (وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ مَوْصُولًا أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ هَذَا صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ، لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ إِرْسَالِ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.

قَوْلُهُ: مَعَ صَاحِبَيَّ) بِالتَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ (فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الرَّجُلُ، وَلَفْظُ الرِّسَالَةِ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ يَسْأَلُهَا أَنْ يُدْفَنَ مَعَهُمْ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ قَالَتْ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا) بِالْمُثَلَّثَةِ مِنَ الْإِيثَارِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا وَقَعَ، وَالصَّوَابُ لَا أُوثِرُ أَحَدًا بِهِمْ أَبَدًا قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ صَوَابِهِ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ مَقْلُوبٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ثُمَّ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا أُثِيرُهُمْ بِأَحَدٍ، أَيْ لَا أَنْبُشُهُمْ لِدَفْنِ أَحَدٍ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ التِّينِ بِقَوْلِهَا فِي قِصَّةِ عُمَرَ لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي آثَرَتْهُ بِهِ الْمَكَانَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ قَبْرِ أَبِيهَا بِقُرْبِ النَّبِيِّ ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وُجُودَ مَكَانٍ آخَرَ فِي الْحُجْرَةِ.

قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَوْصَى أَخَاهُ أَنْ يَدْفِنَهُ عِنْدَهُمْ إِنْ لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ، فَصَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ يُدْفَنُ عِيسَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَيَكُونُ قَبْرًا رَابِعًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: إِنَّمَا كَرِهَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهُمْ خَشْيَةَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهَا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ وَصَاحِبَيْهِ، فَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيدُ، مَالِكًا عَنْ مَنْزِلَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ فِي حَيَاتِهِ فَقَالَ: كَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَزَكَّاهُمَا بِالْقُرْبِ مَعَهُ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ وَالتُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا، فَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّهُمَا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بِاخْتِصَاصِهِمَا بِذَلِكَ، وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ مَخْلُوقٌ مِنْ تُرْبَةِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ الْبَشَرِ، فَكَانَتْ تُرْبَتُهُ أَفْضَلَ التُّرَبِ انْتَهَى.

وَكَوْنُ تُرْبَتِهِ أَفْضَلَ التُّرَبِ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ هَلْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْمَدِينَةُ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ؟ لِأَنَّ الْمُجَاوِرَ لِلشَّيْءِ لَوْ ثَبَتَ لَهُ جَمِيعُ مَزَايَاهُ لَكِنْ لَمَّا جَاوَرَ ذَلِكَ الْمُجَاوِرَ نَحْوُ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاوَرَ الْمَدِينَةَ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا، كَذَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أَيِ ابْنِ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَلَمْ يَسْمَعْ أَيُّوبُ مِنْ أَبِيهِ بَلْ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ مُقِلٌّ، وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَوَهِمَ، وَإِنَّمَا الضَّعِيفُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ مَعَ شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ: (زَادَ اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ) يَعْنِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَبُعْدُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَبُعْدُ الْعَوَالِي أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ - أَوْ ثَلَاثَةٌ) كَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ عَلَى عَادَتِهِ يُورِدُ لَهُ فِي الشَّوَاهِدِ وَالتَّتِمَّاتِ، وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ فِي الْأُصُولِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ بَيْنَ الْعَوَالِي وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِلْمَاشِي شَيْئًا مُعَلَّمًا مِنْ مَعَالِمِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يَسْتَغْنِي الْمَاشِي فِيهَا يَوْمَ الْغَيْمِ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ مَقَادِيرُ الزَّمَانِ مُعَيَّنَةً بِالْمَدِينَةِ بِمَكَانِ

بَلَدٍ لِلْعَيَانِ يَنْقُلُهُ الْعُلَمَاءُ إِلَى أَهْلِ الِآفَاقِ؛ لِيَتَمَثَّلُوهُ فِي أَقَاصِي الْبُلْدَانِ، فَكَيْفَ يُسَاوِيهِمْ أَهْلُ بَلَدٍ غَيْرِهَا؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُغْنِي إِيرَادُهُ عَنْهُ عَنْ تَكَلُّفِ الْبَحْثِ مَعَهُ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

سَمِعَ الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعَيْدَ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ فِي ذِكْرِ الصَّاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ: مُدًّ وَثُلُثً وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَكْتُبُ الْمَنْصُوبَ بِغَيْرِ أَلْفٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ يَكُونُ فِي كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَيَرْتَفِعُ عَلَى الْخَبَرِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ قَدْرَ الصَّاعِ مِمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ بَعْدَ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَاسْتَمَرَّ، فَلَمَّا زَادَ بَنُو أُمَيَّةَ فِي الصَّاعِ لَمْ يَتْرُكُوا اعْتِبَارَ الصَّاعِ النَّبَوِيِّ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِالصَّاعِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنِ اسْتَعْمَلُوا الصَّاعَ الزَّائِدَ فِي شَيْءٍ غَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِالصَّاعِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ فِي الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ زِيدَ فِيهِ زَادَ رِوَايَةَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، الْجُعَيْدَ) يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَنْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجُعَيْدُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الدُّعَاءِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبُيُوعِ وَفِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: دُعَاؤُهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، خَصَّهُمْ مِنَ الْبَرَكَةِ مَا اضْطَرَّ أَهْلُ الْآفَاقِ إِلَى قَصْدِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمِعْيَارِ الْمَدْعُوِّ لَهُ بِالْبَرَكَةِ؛ لِيَجْعَلُوهُ طَرِيقَةً مُتَّبَعَةً فِي مَعَاشِهِمْ، وَأَدَاءَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمُحَارِبِينَ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ. وَقَوْلُهُ: حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: مَوْضِعَ الْجَنَائِزِ.

تَابَعَهُ سَهْلٌ عَنْ النَّبِيِّ فِي أُحُدٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي أُحُدٍ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَفِيهِ: إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ هَكَذَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرٍو، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ مَا ذَكَرَ هُنَا فِي آخِرِ الْحَجِّ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ فِي أُحُدٍ) يُشِيرُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا لِسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ بِسَنَدِهِ إِلَى سَهْلٍ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَمَضَى شَرْحُ الْمَتْنِ فِي آخِرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حَبِيبٍ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِنُزُولِهِ دَرَجَةً، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ الْفَلَّاسُ. وَابْنُ مَهْدِيٍّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى فِيمَا قِيلَ فَقَطْ ; وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَحْدَهُ، الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْبُخَارِيُّ، صَرَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ رَوَاهَا عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا وَحْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، وَمُطَرِّفٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ، بِالشَّكِّ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ، وَالتِّنِّيسِيِّ،

وَالشَّافِعِيِّ، وَالزَّعْفَرَانِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى فَقِيلَ بِالشَّكِّ وَقِيلَ بِالْجَمْعِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالْحَفْيَاءُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ، مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَرُبَّمَا قُدِّمَتِ الْيَاءُ عَلَى الْفَاءِ وَبَنُو زُرَيْقٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ مُصَغَّرٌ، وَقَوْلُهُ هُنَا: فَأُرْسِلَتْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِلَفْظِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَرْسَلَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْفَاعِلُ النَّبِيُّ أَيْ بِأَمْرِهِ ; قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ: فِي مِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْجِدَارِ وَالْمِنْبَرِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فِي مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ لِيَدْخُلَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْحَفْيَاءِ وَالثَّنِيَّةِ لِمُسَابَقَةِ الْخَيْلِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، يَكُونُ ذَلِكَ الْقَدْرُ مَيْدَانًا لِلْخَيْلِ الْمُضْمَرَةِ عِنْدَ السِّبَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

أَوْرَدَ أَبُو ذَرٍّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا مِنَ الْمَتْنِ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَدُهَا إِلَخْ، وَسَاقَهُ غَيْرُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا عَقِبَهُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرْنَا عِيسَى، وَابْنُ إِدْرِيسَ فَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَقَدْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى بَعْضِ الشَّارِحِينَ، فَظَنَّ أَنَّهُ سَاقَ هَذَا السَّنَدَ لِلْمَتْنِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي الْأَشْرِبَةِ وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ وَأَمَّا رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ فَتَتَعَلَّقُ بِالْمُسَابَقَةِ، فَهِيَ مُتَابِعَةٌ لِرِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ أَيْضًا وَسَبَقَ لَفْظُهُ هُنَاكَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ذِكْرَ الْبُخَارِيِّ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَذَكَرَ أَنَّ مُسْلِمًا، وَالنَّسَائِيَّ أَخْرَجَاهَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَسَبَبُ هَذَا الْغَلَطِ الْإِجْحَافُ فِي الِاخْتِصَارِ، فَلَوْ كَانَ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَثَلًا فَذَكَرَهُ أَوْ بِهَذَا أَوْ بِهِ لَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَالْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَابْنُ إِدْرِيسَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ بِوَزْنِ عَطِيَّةَ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَبُو حَيَّانَ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حِبَّانَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاقَ، وَابْنَ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ كَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ لِكَوْنِهِ؛ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا، وَهُوَ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، فَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، الْحَدِيثَ وَمَضَى هُنَاكَ مَشْرُوحًا.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ، وَتَقَدَّمَ لَهُ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطِيبًا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ هَكَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، فَذَكَرَ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَطْ، وَلَمْ يُوصِلْهُ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ: خَطِيبًا هُوَ حَالٌ مِنْ عُثْمَانَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: خَطَبَنَا بِنُونٍ، لَفْظُ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ أَوْهَمَ صَنِيعُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَانُ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِخُطْبَةِ عُثْمَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَزَادَ فِيهِ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي أَوَاخِرِ الرُّبْعِ الرَّابِعِ مِنْهُ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَرَادَ شَهْرَ رَمَضَانَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ. قُلْتُ: وَقَعَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْءِ الْفَلَكِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ

أَكَبُّوا عَلَى الْمَصَاحِفِ، وَأَخْرَجُوا الزَّكَاةَ، وَدَعَا الْوُلَاةُ أَهْلَ السُّجُونِ الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، لَا يُخَافِتُهَا لِتَصِلَ الْمَوْعِظَةُ إِلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ إِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهِمِ، انْتَهَى.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمِنْبَرَ النَّبَوِيَّ بَقِيَ إِلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا آخَرَ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (هَذَا الْمِرْكَنُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ بَعْدَهَا نُونٌ، قَالَ الْخَلِيلُ: شِبْهُ تَوْرٍ مِنْ أَدَمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: شِبْهُ حَوْضٍ مِنْ نُحَاسٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْإِجَّانَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ ثُمَّ نُونٍ ; لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْغَرِيبَ بِمِثْلِهِ، وَالْإِجَّانَةُ هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْقِصْرِيَّةُ وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَوْلُهَا: فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا أَيْ: نَتَنَاوَلُ مِنْهُ بِغَيْرِ إِنَاءٍ، وَأَصْلُهُ الْوُرُودُ لِلشُّرْبِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ حَالَةٍ يَتَنَاوَلُ فِيهَا الْمَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لِبَيَانِ مِقْدَارِ مَا يَكْفِي الزَّوْجَ وَالْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَا.

الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْهُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، وَفِي الْقُنُوتِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَهُ مِنْ حَدِيثَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَتَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ هُنَا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ الْأَوَّلِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِخَاءِ وَالْحِلْفِ، وَمَضَى شَرْحُ الثَّانِي فِي كِتَابِ الْوِتْرِ وَفِيهِ بَيَانُ الْوَقْتِ وَالسَّبَبِ الَّذِي قَنَتَ فِيهِ، وَمَضَى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ بَيَانُ أَسْمَاءِ الْأَحْيَاءِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: (بُرَيْدٌ) بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) وَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بَيَانُ سَبَبِ قُدُومِ أَبِي بُرْدَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَيَانُ زَمَانِ قُدُومِهِ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لِأَتَعَلَّمَ مِنْهُ، فَسَأَلَنِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَرَحَّبَ بِي.

قَوْلُهُ: (انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: مَعِيَ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، أَيْ: تَعَالَ مَعِيَ إِلَى مَنْزِلِي، وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ وَتَدْخُلَ فِي بَيْتِي.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَأَسْقَانِي سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا) قَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا فَكَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْإِطْعَامَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً، لِأَنَّهُ إِمَّا مِنَ الِاكْتِفَاءِ وَإِمَّا مِنَ التَّضْمِينِ، وَلَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ أَسْقَاهُ السَّوِيقَ.

قَوْلُهُ: (وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ) زَادَ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ذِكْرَ الرِّبَا، وَأَنَّ مَنِ اقْتَرَضَ قَرْضًا فَتَقَاضَاهُ إِذَا حَلَّ فَأَهْدَى لَهُ الْمَدْيُونُ هَدِيَّةً كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الرِّبَا، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ أَيْضًا، كَمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ عَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السَّكَنْدَرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِمَا قُلْتُهُ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عُمَرَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ:، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) يُرِيدُ أَنَّ هَارُونَ خَالَفَ سَعِيدَ بْنَ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: وَقُلْ: عُمْرَةً وَحَجَّةً بِوَاوِ الْعَطْفِ، فَقَالَ: عُمَرَةٌ فِي حَجَّةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأولى، جبلٌ من جبال تهامة على ليلتين من مكَّة، والياء فيه بدلٌ من همزةٍ، ولا يقدح فيه قوله: «بلغني» إذ هو عمَّن لم يُعرَف؛ لأنَّه إنَّما يروي عن صحابيٍّ، وهم عدولٌ (وَذُكِرَ العِرَاقُ) بضمِّ الذال المعجمة (١) مبنيًا للمجهول (فَقَالَ) ابن عمر: (لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ) أي: لم يكن أهل العراق في ذلك الوقت مسلمين حتَّى يُوَقِّتَ لهم ميقاتًا.

وسبق الحديث في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٢٢].

٧٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) العيشيُّ -بالتَّحتيَّة والمعجمة- الطَّفاويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة، ابن سليمان النُّميري (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير، الإمام في المغازي قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر (عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ أُرِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء (وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة والرَّاء المُشدَّدة، منزله الَّذي كان فيه آخر اللَّيل (بِذِي الحُلَيْفَةِ) في المنام (فَقِيلَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقيل» (لَهُ) : (إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ).

والحديث سبق في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٣٥] ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ لمن تأمَّلها، والله الموفِّق والمعين، ومرادُه من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النَّبويِّ، ثمَّ بعده قبل تفرُّق الصَّحابة في الأمصار، ولا سبيل إلى التَّعميم كما (٣) لا يخفى، والله تعالى يُعينُ على الإتمام، ويَمُنُّ بالإخلاص والنَّفع، أستودِعُه تعالى ذلك، فإنَّه لاتخيب ودائعه، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم (٤).

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله