الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٤٧
الحديث رقم ٧٣٤٧ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٠٧⦘
﵍ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تُصَلُّونَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ، يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾» مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ، وَيُقَالُ: ﴿الطَّارِقُ﴾ النَّجْمُ، وَ ﴿الثَّاقِبُ﴾ الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ.
٧٣٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ وَتَسْمِيَتِهِ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دُخُولُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ جِهَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَذْكُورِينَ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُذْعِنُوا لِلْإِيمَانِ لِيَعْتَصِمُوا بِهِ مِنَ اللَّعْنَةِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْإِشَارَةَ إِلَى الْخِلَافِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهِيَ: هَلْ كَانَ لَهُ ﷺ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ قَبْلَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَسَالِمٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، أَيْ: قَالَ ذَلِكَ حَالَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ جَعَلَ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَالْفِعْلِ اللَّازِمِ، أَيْ: يَفْعَلُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ، أَوْ هُنَاكَ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ. قُلْتُ: لَمْ يَذْكُرْ تَقْدِيرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَائِلًا، أَوْ لَفْظُ قَالَ الْمَذْكُورُ زَائِدًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى بِلَفْظِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ الْقُنُوتِ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ لَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقَوْلُهُ: قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مُعَيِّنٌ لِكَوْنِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الِاعْتِدَالَ، وَقَوْلُهُ: فِي الْأَخِيرَةِ أَيِ: الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، وَظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَمْدِ، وَأَنَّهُ بَقِيَّةُ الذِّكْرِ الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الِاعْتِدَالِ، فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ لَهُ الْحَمْدَ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ نَعِيمَ الْآخِرَةِ أَشْرَفُ، فَالْحَمْدُ عَلَيْهِ هُوَ الْحَمْدُ حَقِيقَةً، أَوِ الْمُرَادُ بِالْآخِرَةِ الْعَاقِبَةُ، أَيْ: مَآلُ كُلِّ الْحُمُودِ إِلَيْهِ، انْتَهَى. وَلَيْسَ لَفْظُ: فِي الْآخِرَةِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي جَمْعِهِ الْحَمْدَ عَلَى حُمُودٍ.
قَوْلُهُ: (فُلَانًا وَفُلَانًا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَعْنِي رَعْلًا، وَذَكْوَانَ وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَمَّى نَاسًا بِأَعْيَانِهِمْ لَا الْقَبَائِلَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ.
١٨ - بَاب ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
٧٣٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تُصَلُّونَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ، وَيُقَالُ: الطَّارِقُ: النَّجْمُ، وَالثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ المعجمة وفتح المهملة، ابن أبي حمزة الحافظ، أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أبي بكرٍ أحد الأعلام. (ح) مهملةٌ للتَّحويل من سندٍ إلى آخر: قال البخاريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد بغير واوٍ، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف البيكنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ) بفتح العين والفوقيَّة المشدَّدة وبعد الألف موحَّدةٌ، و «بَشير»: بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة (١)، الجزرِيُّ، بالجيم والزَّاي ثمَّ الرَّاء المكسورة (عَنْ إِسْحَاقَ) بن راشدٍ الجزريِّ أيضًا، ولفظ الحديث له (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين، ابن عليِّ بن أبي طالبٍ (٢) (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (٣) (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ (٤) بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بنصب «فاطمةَ» عطفًا على الضَّمير المنصوب في «طرقَه» أي: أتاهما ليلًا (فَقَالَ لَهُمْ) لعليٍّ وفاطمة ومَن معهما يحضُّهم: (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (تُصَلُّونَ؟!) وفي رواية شُعيب بن أبي حمزة في «التَّهجُّد» [خ¦١١٢٧] فقال لهما: «ألا تُصلِّيان» بالتَّثنية (فقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) استعارةٌ لقدرته (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) بفتح المثلَّثة فيهما: أن يوقظنا للصَّلاة أيقظنا (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) مُدبرًا (حِينَ قَالَ لَهُ) عليٌّ (ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: لم يُجبه بشيءٍ، وفيه التفاتٌ، وفي رواية شُعيبٍ [خ¦١١٢٧]: «فانصرف حين قلتُ (٥) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا» (ثُمَّ سَمِعَهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المهملة وكسر الموحَّدة: مولٍّ ظهره، ولأبي ذرٍّ: «وهو مُنصرِفٌ» حال كونه (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) -بكسر الخاء وفتح الذَّال المعجمتين- تعجُّبًا من
سرعة جوابه (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) ويؤخذ من الحديث أنَّ عليًّا ترك فعل الأَوْلى وإن كان ما احتجَّ به متوجِّهًا (١)، ومن ثمَّ تلا النَّبيُّ ﷺ الآية، ولم يُلزِمه مع ذلك بالقيام إلى الصَّلاة، ولو كان امتثل وقام لكان أَوْلى، وفيه أنَّ الإنسان جُبِل على الدِّفاع عن نفسه بالقول والفعل، ويحتمل أن يكون عليٌّ امتثل ذلك؛ إذ ليس في القصَّة تصريحٌ بأنَّ عليًّا امتنع، وإنَّما أجاب على (٢) ما ذُكر اعتذارًا عن ترك القيام لغلبة النَّوم، ولا يمتنع أنَّه صلَّى عقب هذه المراجعة؛ إذ ليس في الحديث ما ينفيه، وفيه مشروعيَّة التَّذكير للغافل؛ لأنَّ الغفلة من طبع البشر.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف ﵀: (يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهْوَ طَارِقٌ) لاحتياجه إلى دقِّ الباب، وسقط «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لغير أبي (٣) ذرٍّ (وَيُقَالُ: ﴿الطَّارِقِ﴾: النَّجْمُ، وَ ﴿الثَّاقِبُ﴾: المُضِيءُ) لثقبه الظَّلام بضوئه (يُقَالُ: أَثْقِبْ) بكسر القاف وجزم الموحَّدة فعل أمرٍ (نَارَكَ لِلْمُوقِدِ) بكسر القاف: الَّذي يوقد النَّار، يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ … ﴾ إلى آخره [الطارق: ١ - ٣] فأقسمَ بـ «السَّماء» لعظَم قدرها في أعين الخلق؛ لكونها معدن الرِّزق، ومسكن الملائكة، وفيها الجنَّة، وبـ ﴿الطَّارِقِ﴾ والمراد جنس النُّجوم، أو جنس الشُّهب الَّتي يُرمى بها؛ لعظم منفعتها، ووُصِفَ بالطَّارق؛ لأنَّه يبدو باللَّيل كما يُقال للآتي ليلًا: طارقٌ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ وَتَسْمِيَتِهِ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دُخُولُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ جِهَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَذْكُورِينَ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُذْعِنُوا لِلْإِيمَانِ لِيَعْتَصِمُوا بِهِ مِنَ اللَّعْنَةِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْإِشَارَةَ إِلَى الْخِلَافِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهِيَ: هَلْ كَانَ لَهُ ﷺ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ قَبْلَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَسَالِمٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، أَيْ: قَالَ ذَلِكَ حَالَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ جَعَلَ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَالْفِعْلِ اللَّازِمِ، أَيْ: يَفْعَلُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ، أَوْ هُنَاكَ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ. قُلْتُ: لَمْ يَذْكُرْ تَقْدِيرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَائِلًا، أَوْ لَفْظُ قَالَ الْمَذْكُورُ زَائِدًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى بِلَفْظِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ الْقُنُوتِ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ لَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقَوْلُهُ: قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مُعَيِّنٌ لِكَوْنِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الِاعْتِدَالَ، وَقَوْلُهُ: فِي الْأَخِيرَةِ أَيِ: الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، وَظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَمْدِ، وَأَنَّهُ بَقِيَّةُ الذِّكْرِ الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الِاعْتِدَالِ، فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ لَهُ الْحَمْدَ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ نَعِيمَ الْآخِرَةِ أَشْرَفُ، فَالْحَمْدُ عَلَيْهِ هُوَ الْحَمْدُ حَقِيقَةً، أَوِ الْمُرَادُ بِالْآخِرَةِ الْعَاقِبَةُ، أَيْ: مَآلُ كُلِّ الْحُمُودِ إِلَيْهِ، انْتَهَى. وَلَيْسَ لَفْظُ: فِي الْآخِرَةِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي جَمْعِهِ الْحَمْدَ عَلَى حُمُودٍ.
قَوْلُهُ: (فُلَانًا وَفُلَانًا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَعْنِي رَعْلًا، وَذَكْوَانَ وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَمَّى نَاسًا بِأَعْيَانِهِمْ لَا الْقَبَائِلَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ.
١٨ - بَاب ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
٧٣٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تُصَلُّونَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ، وَيُقَالُ: الطَّارِقُ: النَّجْمُ، وَالثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ المعجمة وفتح المهملة، ابن أبي حمزة الحافظ، أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أبي بكرٍ أحد الأعلام. (ح) مهملةٌ للتَّحويل من سندٍ إلى آخر: قال البخاريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد بغير واوٍ، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف البيكنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ) بفتح العين والفوقيَّة المشدَّدة وبعد الألف موحَّدةٌ، و «بَشير»: بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة (١)، الجزرِيُّ، بالجيم والزَّاي ثمَّ الرَّاء المكسورة (عَنْ إِسْحَاقَ) بن راشدٍ الجزريِّ أيضًا، ولفظ الحديث له (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين، ابن عليِّ بن أبي طالبٍ (٢) (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (٣) (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ (٤) بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بنصب «فاطمةَ» عطفًا على الضَّمير المنصوب في «طرقَه» أي: أتاهما ليلًا (فَقَالَ لَهُمْ) لعليٍّ وفاطمة ومَن معهما يحضُّهم: (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (تُصَلُّونَ؟!) وفي رواية شُعيب بن أبي حمزة في «التَّهجُّد» [خ¦١١٢٧] فقال لهما: «ألا تُصلِّيان» بالتَّثنية (فقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) استعارةٌ لقدرته (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) بفتح المثلَّثة فيهما: أن يوقظنا للصَّلاة أيقظنا (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) مُدبرًا (حِينَ قَالَ لَهُ) عليٌّ (ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: لم يُجبه بشيءٍ، وفيه التفاتٌ، وفي رواية شُعيبٍ [خ¦١١٢٧]: «فانصرف حين قلتُ (٥) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا» (ثُمَّ سَمِعَهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المهملة وكسر الموحَّدة: مولٍّ ظهره، ولأبي ذرٍّ: «وهو مُنصرِفٌ» حال كونه (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) -بكسر الخاء وفتح الذَّال المعجمتين- تعجُّبًا من
سرعة جوابه (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) ويؤخذ من الحديث أنَّ عليًّا ترك فعل الأَوْلى وإن كان ما احتجَّ به متوجِّهًا (١)، ومن ثمَّ تلا النَّبيُّ ﷺ الآية، ولم يُلزِمه مع ذلك بالقيام إلى الصَّلاة، ولو كان امتثل وقام لكان أَوْلى، وفيه أنَّ الإنسان جُبِل على الدِّفاع عن نفسه بالقول والفعل، ويحتمل أن يكون عليٌّ امتثل ذلك؛ إذ ليس في القصَّة تصريحٌ بأنَّ عليًّا امتنع، وإنَّما أجاب على (٢) ما ذُكر اعتذارًا عن ترك القيام لغلبة النَّوم، ولا يمتنع أنَّه صلَّى عقب هذه المراجعة؛ إذ ليس في الحديث ما ينفيه، وفيه مشروعيَّة التَّذكير للغافل؛ لأنَّ الغفلة من طبع البشر.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف ﵀: (يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهْوَ طَارِقٌ) لاحتياجه إلى دقِّ الباب، وسقط «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لغير أبي (٣) ذرٍّ (وَيُقَالُ: ﴿الطَّارِقِ﴾: النَّجْمُ، وَ ﴿الثَّاقِبُ﴾: المُضِيءُ) لثقبه الظَّلام بضوئه (يُقَالُ: أَثْقِبْ) بكسر القاف وجزم الموحَّدة فعل أمرٍ (نَارَكَ لِلْمُوقِدِ) بكسر القاف: الَّذي يوقد النَّار، يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ … ﴾ إلى آخره [الطارق: ١ - ٣] فأقسمَ بـ «السَّماء» لعظَم قدرها في أعين الخلق؛ لكونها معدن الرِّزق، ومسكن الملائكة، وفيها الجنَّة، وبـ ﴿الطَّارِقِ﴾ والمراد جنس النُّجوم، أو جنس الشُّهب الَّتي يُرمى بها؛ لعظم منفعتها، ووُصِفَ بالطَّارق؛ لأنَّه يبدو باللَّيل كما يُقال للآتي ليلًا: طارقٌ.