«اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٥٣

الحديث رقم ٧٣٥٣ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحجة على من قال إن أحكام النبي كانت ظاهرة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣٥٣ في صحيح البخاري

«اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا؟ قَالَ فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ، أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.»

إسناد حديث رقم ٧٣٥٣ من صحيح البخاري

٧٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣٥٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ يَزِيد، وَنَسَبَهُ فَقَالَ: يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَادِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) يُرِيدُ بِمِثْلِ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُطَّلِب) أَيْ: ابْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب الْمَخْزُومِيّ قَاضِي الْمَدِينَة، وَكُنْيَته أَبُو طَالِب، وَهُوَ مِنْ أَقْرَان مَالِك، وَمَاتَ قَبْله، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد الْمُعَلَّق، وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر هُوَ وَالِد الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم، وَكَانَ قَاضِي الْمَدِينَة أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ يُرِيد أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر خَالَفَ أَبَاهُ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي سَلَمَة، وَأَرْسَلَ الْحَدِيث الَّذِي وَصَلَهُ، وَقَدْ وَجَدْت لِيَزِيدَ بْن الْهَادِ فِيهِ مُتَابِعًا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه عَنْ مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، فَذَكَرَ الْحَدِيث مِثْله بِغَيْرِ قِصَّة، وَفِيهِ: فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقّ فِي جِهَة وَاحِدَة لِلتَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَةِ وَاحِد لَا بِعَيْنِهِ، قَالَ: وَهِيَ نَازِلَة فِي الْخِلَاف عَظِيمَة، وَقَالَ الْمَازِرِيّ: تَمَسَّكَ بِهِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب، أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مُصِيبًا لَمْ يُطْلِق عَلَى أَحَدهمَا الْخَطَأ؛ لِاسْتِحَالَةِ النَّقِيضَيْنِ فِي حَالَة وَاحِدَة؛ وَأَمَّا الْمُصَوِّبَة فَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا فَلَوْ كَانَ لَمْ يُصِبْ لَمْ يُؤْجَر، وَأَجَابُوا عَنْ إِطْلَاق الْخَطَأ فِي الْخَبَر عَلَى مَنْ ذَهَلَ عَنْ النَّصّ أَوْ اجْتَهَدَ فِيمَا لَا يَسُوغ الِاجْتِهَاد فِيهِ مِنْ الْقَطْعِيَّات فِيمَا خَالَفَ الْإِجْمَاع؛ فَإِنَّ مِثْل هَذَا إِنْ اتُّفِقَ لَهُ الْخَطَأ فِيهِ نَسَخَ حُكْمه وَفَتْوَاهُ، وَلَوْ اجْتَهَدَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الَّذِي يَصِحّ عَلَيْهِ إِطْلَاق الْخَطَأ، وَأَمَّا مَنْ اجْتَهَدَ فِي قَضِيَّة لَيْسَ فِيهَا نَصّ وَلَا إِجْمَاع فَلَا يُطْلَق عَلَيْهِ الْخَطَأ، وَأَطَالَ الْمَازِرِيّ فِي تَقْرِير ذَلِكَ وَالِانْتِصَار لَهُ، وَخَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ هُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل التَّحْقِيق مِنْ

الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِنْ حكي عَنْ كُلّ مِنْهُمْ اخْتِلَاف فِيهِ. قُلْت: وَالْمَعْرُوف عَنْ الشَّافِعِيّ الْأَوَّل، قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم: الْحُكْم الْمَذْكُور يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ بِالْحَاكِمِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ حَقًّا مُعَيَّنًا فِي نَفْس الْأَمْر يَتَنَازَعهُ الْخَصْمَانِ، فَإِذَا قَضَى بِهِ لِأَحَدِهِمَا بَطَلَ حَقُّ الْآخِر قَطْعًا، وَأَحَدهمَا فِيهِ مُبْطِل لَا مَحَالَة، وَالْحَاكِم لَا يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الصُّورَة لَا يَخْتَلِف فِيهَا أَنَّ الْمُصِيب وَاحِدٌ لِكَوْنِ الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد، وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ الْخِلَاف بِأَنَّ الْمُصِيب وَاحِد، إِذْ كُلُّ مُجْتَهِد مُصِيبٌ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَخْرَج الْحَقّ مِنْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث فَائِدَة زَائِدَة حَامُوا عَلَيْهَا فَلَمْ يُسْقَوْا، وَهِيَ: أَنَّ الْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْقَاصِر عَلَى الْعَامِل وَاحِد، وَالْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْمُتَعَدِّي يُضَاعَف، فَإِنَّهُ يُؤْجَر فِي نَفْسه وَيَنْجَرُّ لَهُ كُلُّ مَا يَتَعَلَّق بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسه فَإِذَا قَضَى بِالْحَقِّ وَأَعْطَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ ثَبَتَ لَهُ أَجْر اجْتِهَاده وَجَرَى لَهُ مِثْل أَجْر مُسْتَحِقّ الْحَقّ، فَلَوْ كَانَ أَحَد الْخَصْمَيْنِ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَر فَقَضَى لَهُ - وَالْحَقّ فِي نَفْس الْأَمْر لِغَيْرِهِ - كَانَ لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ. قُلْت: وَتَمَامه أَنْ يُقَال: وَلَا يُؤَاخَذ بِإِعْطَاءِ الْحَقّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقّه لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّد ذَلِكَ بَلْ وِزْر الْمَحْكُوم لَهُ قَاصِر عَلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ أَنْ يَبْذُل وُسْعه فِي الِاجْتِهَاد وَهُوَ مِنْ أَهْله، وَإِلَّا فَقَدْ يَلْحَق بِهِ الْوِزْر إِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم.

٢٢ - بَاب الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ عن مَشَاهِدِ النَّبِيِّ وَأُمُورِ الْإِسْلَامِ

٧٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما، اللَّيثيِّ المكِّيِّ أنَّه (قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ (عَلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب ، أي: ثلاثًا (فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ؟) يريد أبا موسى (ائْذَنُوا لَهُ) في الدُّخول (فَدُعِيَ لَهُ) بضمِّ الدَّال وكسر العين فحضر عنده (فَقَالَ) له: (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ) من الرُّجوع؟ (فَقَالَ) أبو موسى: (إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ) -بضمِّ النُّون وفتح الميم- من قِبَلِ النَّبيِّ (بِهَذَا) أي: بالرُّجوع إذا استأذنَّا ثلاثًا ولم يؤذَن لنا (قَالَ) عمر: (فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ) على ما ذكرته (أَوْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ) أبو موسى (إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ) فسألهم عن ذلك (فَقَالُوا) أي: أبيٌّ والأنصار (١): (لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا) بألفٍ بعد الصاد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «(٢) إلَّا (٣) أصْغَرُنا» (فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) -وكان أصغر القوم- معه (فَقَالَ) لعمر: (قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا) أي: نرجع إذا استأذنَّا ولم يؤذَن لنا (فَقَالَ عُمَرُ: خَفِي عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ، أَلْهَانِي) شَغَلني (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) وهو ضرب اليد على اليد عند البيع، وليس قول عمر ذلك ردًَّا لخبر الواحد بل احتياطًا، وإلَّا فقد قَبِل عمر حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ في أخذ الجِزية من المجوس، وحديثَه في الطَّاعون، وحديثَ عمرو بن حزمٍ في التَّسوية بين الأصابع في الدِّيَة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ عمر لمَّا خفيَ عليه أمرُ الاستئذان رجع إلى قول أبي موسى، فدلَّ على أنَّه يعملُ بخبر الواحد، وأنَّ بعض السُّنن كان يخفى على بعض الصَّحابة، وأنَّ الشاهد يبلِّغ الغائب ما شهده، وأنَّ الغائب يقبله ممَّن حدَّثه به ويعتمده ويعمل به، لا يقال: طلب عمر البيِّنة يدلُّ على أنَّه لا يحتجُّ بخبر الواحد؛ لأنَّه مع انضمام أبي سعيدٍ إليه لا يصير متواترًا كما لا يخفى.

والحديث سبق في «الاستئذان» في «باب التسليم والاستئذان» [خ¦٦٢٤٥].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ يَزِيد، وَنَسَبَهُ فَقَالَ: يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَادِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) يُرِيدُ بِمِثْلِ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُطَّلِب) أَيْ: ابْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب الْمَخْزُومِيّ قَاضِي الْمَدِينَة، وَكُنْيَته أَبُو طَالِب، وَهُوَ مِنْ أَقْرَان مَالِك، وَمَاتَ قَبْله، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد الْمُعَلَّق، وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر هُوَ وَالِد الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم، وَكَانَ قَاضِي الْمَدِينَة أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ يُرِيد أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر خَالَفَ أَبَاهُ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي سَلَمَة، وَأَرْسَلَ الْحَدِيث الَّذِي وَصَلَهُ، وَقَدْ وَجَدْت لِيَزِيدَ بْن الْهَادِ فِيهِ مُتَابِعًا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه عَنْ مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، فَذَكَرَ الْحَدِيث مِثْله بِغَيْرِ قِصَّة، وَفِيهِ: فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقّ فِي جِهَة وَاحِدَة لِلتَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَةِ وَاحِد لَا بِعَيْنِهِ، قَالَ: وَهِيَ نَازِلَة فِي الْخِلَاف عَظِيمَة، وَقَالَ الْمَازِرِيّ: تَمَسَّكَ بِهِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب، أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مُصِيبًا لَمْ يُطْلِق عَلَى أَحَدهمَا الْخَطَأ؛ لِاسْتِحَالَةِ النَّقِيضَيْنِ فِي حَالَة وَاحِدَة؛ وَأَمَّا الْمُصَوِّبَة فَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا فَلَوْ كَانَ لَمْ يُصِبْ لَمْ يُؤْجَر، وَأَجَابُوا عَنْ إِطْلَاق الْخَطَأ فِي الْخَبَر عَلَى مَنْ ذَهَلَ عَنْ النَّصّ أَوْ اجْتَهَدَ فِيمَا لَا يَسُوغ الِاجْتِهَاد فِيهِ مِنْ الْقَطْعِيَّات فِيمَا خَالَفَ الْإِجْمَاع؛ فَإِنَّ مِثْل هَذَا إِنْ اتُّفِقَ لَهُ الْخَطَأ فِيهِ نَسَخَ حُكْمه وَفَتْوَاهُ، وَلَوْ اجْتَهَدَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الَّذِي يَصِحّ عَلَيْهِ إِطْلَاق الْخَطَأ، وَأَمَّا مَنْ اجْتَهَدَ فِي قَضِيَّة لَيْسَ فِيهَا نَصّ وَلَا إِجْمَاع فَلَا يُطْلَق عَلَيْهِ الْخَطَأ، وَأَطَالَ الْمَازِرِيّ فِي تَقْرِير ذَلِكَ وَالِانْتِصَار لَهُ، وَخَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ هُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل التَّحْقِيق مِنْ

الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِنْ حكي عَنْ كُلّ مِنْهُمْ اخْتِلَاف فِيهِ. قُلْت: وَالْمَعْرُوف عَنْ الشَّافِعِيّ الْأَوَّل، قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم: الْحُكْم الْمَذْكُور يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ بِالْحَاكِمِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ حَقًّا مُعَيَّنًا فِي نَفْس الْأَمْر يَتَنَازَعهُ الْخَصْمَانِ، فَإِذَا قَضَى بِهِ لِأَحَدِهِمَا بَطَلَ حَقُّ الْآخِر قَطْعًا، وَأَحَدهمَا فِيهِ مُبْطِل لَا مَحَالَة، وَالْحَاكِم لَا يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الصُّورَة لَا يَخْتَلِف فِيهَا أَنَّ الْمُصِيب وَاحِدٌ لِكَوْنِ الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد، وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ الْخِلَاف بِأَنَّ الْمُصِيب وَاحِد، إِذْ كُلُّ مُجْتَهِد مُصِيبٌ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَخْرَج الْحَقّ مِنْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث فَائِدَة زَائِدَة حَامُوا عَلَيْهَا فَلَمْ يُسْقَوْا، وَهِيَ: أَنَّ الْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْقَاصِر عَلَى الْعَامِل وَاحِد، وَالْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْمُتَعَدِّي يُضَاعَف، فَإِنَّهُ يُؤْجَر فِي نَفْسه وَيَنْجَرُّ لَهُ كُلُّ مَا يَتَعَلَّق بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسه فَإِذَا قَضَى بِالْحَقِّ وَأَعْطَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ ثَبَتَ لَهُ أَجْر اجْتِهَاده وَجَرَى لَهُ مِثْل أَجْر مُسْتَحِقّ الْحَقّ، فَلَوْ كَانَ أَحَد الْخَصْمَيْنِ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَر فَقَضَى لَهُ - وَالْحَقّ فِي نَفْس الْأَمْر لِغَيْرِهِ - كَانَ لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ. قُلْت: وَتَمَامه أَنْ يُقَال: وَلَا يُؤَاخَذ بِإِعْطَاءِ الْحَقّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقّه لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّد ذَلِكَ بَلْ وِزْر الْمَحْكُوم لَهُ قَاصِر عَلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ أَنْ يَبْذُل وُسْعه فِي الِاجْتِهَاد وَهُوَ مِنْ أَهْله، وَإِلَّا فَقَدْ يَلْحَق بِهِ الْوِزْر إِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم.

٢٢ - بَاب الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ عن مَشَاهِدِ النَّبِيِّ وَأُمُورِ الْإِسْلَامِ

٧٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما، اللَّيثيِّ المكِّيِّ أنَّه (قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ (عَلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب ، أي: ثلاثًا (فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ؟) يريد أبا موسى (ائْذَنُوا لَهُ) في الدُّخول (فَدُعِيَ لَهُ) بضمِّ الدَّال وكسر العين فحضر عنده (فَقَالَ) له: (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ) من الرُّجوع؟ (فَقَالَ) أبو موسى: (إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ) -بضمِّ النُّون وفتح الميم- من قِبَلِ النَّبيِّ (بِهَذَا) أي: بالرُّجوع إذا استأذنَّا ثلاثًا ولم يؤذَن لنا (قَالَ) عمر: (فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ) على ما ذكرته (أَوْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ) أبو موسى (إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ) فسألهم عن ذلك (فَقَالُوا) أي: أبيٌّ والأنصار (١): (لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا) بألفٍ بعد الصاد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «(٢) إلَّا (٣) أصْغَرُنا» (فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) -وكان أصغر القوم- معه (فَقَالَ) لعمر: (قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا) أي: نرجع إذا استأذنَّا ولم يؤذَن لنا (فَقَالَ عُمَرُ: خَفِي عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ، أَلْهَانِي) شَغَلني (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) وهو ضرب اليد على اليد عند البيع، وليس قول عمر ذلك ردًَّا لخبر الواحد بل احتياطًا، وإلَّا فقد قَبِل عمر حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ في أخذ الجِزية من المجوس، وحديثَه في الطَّاعون، وحديثَ عمرو بن حزمٍ في التَّسوية بين الأصابع في الدِّيَة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ عمر لمَّا خفيَ عليه أمرُ الاستئذان رجع إلى قول أبي موسى، فدلَّ على أنَّه يعملُ بخبر الواحد، وأنَّ بعض السُّنن كان يخفى على بعض الصَّحابة، وأنَّ الشاهد يبلِّغ الغائب ما شهده، وأنَّ الغائب يقبله ممَّن حدَّثه به ويعتمده ويعمل به، لا يقال: طلب عمر البيِّنة يدلُّ على أنَّه لا يحتجُّ بخبر الواحد؛ لأنَّه مع انضمام أبي سعيدٍ إليه لا يصير متواترًا كما لا يخفى.

والحديث سبق في «الاستئذان» في «باب التسليم والاستئذان» [خ¦٦٢٤٥].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله