الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٥٤
الحديث رقم ٧٣٥٤ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحجة على من قال إن أحكام النبي كانت ظاهرة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٠٩⦘
يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.»
٧٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الْأَعْرَجِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُوسَى عَلَى عُمَرَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.
٧٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأَعْرَجِ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ وَكَانَتْ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمْ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً) أَيْ: لِلنَّاسِ لَا تَخْفَى إِلَّا عَلَى النَّادِرِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُورِ الْإِسْلَامِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ: مَشَاهِدِهِ وَلِبَعْضِهِمْ: مَشْهَدِ بِالْإِفْرَادِ، وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: وَمَا كَانَ يُفِيدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْفَاءِ وَالدَّالِ مِنَ الْإِفَادَةِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
وَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا كَانَ مَوْصُولَةٌ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، وَأَنَّهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَأْبَاهُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَكَابِرِ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَغِيبُ عَنْ بَعْضِ مَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَفْعَلُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا كَانَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ هُوَ إِمَّا عَلَى الْمَنْسُوخِ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى نَاسِخِهِ، وَإِمَّا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَدَّمَ عَمَلَ الصَّحَابِيِّ الْكَبِيرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ قَدْ وَلِيَ الْحُكْمَ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْكَبِيرَ لَوْلَا أَنَّ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَمَا خَالَفَهَا، وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي اعْتِمَادِ ذَلِكَ تَرْكُ الْمُحَقَّقِ لِلْمَظْنُونِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى الرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَنَهُ مَنْقُولَةٌ عَنْهُ نَقْلَ تَوَاتُرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا لَمْ يُنْقَلْ مُتَوَاتِرًا، قَالَ: وَقَوْلُهُمْ مَرْدُودٌ بِمَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
قُلْتُ: وَقَدْ عَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ بَابَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْزُبُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ الصُّحْبَةَ الْوَاسِعِ الْعِلْمُ الَّذِي يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْجَدَّةِ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَحَدِيثَ عُمَرَ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَحَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، وَإِجَازَتُهُ بَيْعُ الْفِضَّةِ الْمُكَسَّرَةِ بِالصَّحِيحَةِ مُتَفَاضِلًا، ثُمَّ رُجُوعُهُ عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَمَّا سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّهْيَ عَنْهُمَا، وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: لَيْسَ كُلُّنَا كَانَ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَتْ لَنَا صَنْعَةٌ وَأَشْغَالٌ، وَلَكِنْ كَانَ النَّاسُ لَا يَكْذِبُونَ، فَيُحَدِّثُ الشَّاهِدُ الْغَائِبُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَكَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ: مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْنَاهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُكَذِّبْ بَعْضُنَا بَعْضًا ثُمَّ سَرَدَ مَا رَوَاهُ
صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ مِمَّا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ: فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى إِتْقَانِهِمْ فِي الرِّوَايَةِ، وَفِيهِ أَبْيَنُ الْحُجَّةِ وَأَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَثْبِيتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ بَعْضَ السُّنَنِ كَانَ يَخْفَى عَنْ بَعْضِهِمْ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُمْ كَانَ يُبَلِّغُ الْغَائِبَ مَا شَهِدَ، وَأَنَّ الْغَائِبَ كَانَ يَقْبَلُهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ وَيَعْتَمِدُهُ وَيَعْمَلُ بِهِ.
قُلْتُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الِاصْطِلَاحِ خِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَيَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَلَبِ عُمَرَ مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَةَ عَلَى حَدِيثِ الِاسْتِئْذَانِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ شَهَادَةِ أَبِي سَعِيدٍ لَهُ وَغَيْرِهِ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ عُمَرُ مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَةَ لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَحَدِيثَهُ فِي الطَّاعُونِ، وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ فِي الدِّيَةِ، وَحَدِيثَ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَحَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَيَنْزِلُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، وَيُخْبِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخِرَ بِمَا غَابَ عَنْهُ، وَكَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ تَحْصِيلُ مَا يَقُومُ بِحَالِهِ وَحَالِ عِيَالِهِ لِيُغْنَى عَنِ الِاحْتِيَاجِ لِغَيْرِهِ، لِيَتَقَوَّى عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى مَنْ أَمْكَنَتْهُ الْمُشَافَهَةُ أَنْ يَعْتَمِدَهَا، وَلَا يَكْتَفِيَ بِالْوَاسِطَةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي خَفَاءِ بَعْضِ
السُّنَنِ عَلَى بَعْضِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ تِجَارَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ، وَتَوْجِيهُ قَوْلِ عُمَرَ: أَلْهَانِي وَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْعِلْمِ، وَتَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ عِنْدَ مَالِكٍ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ هَذِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَوْلَا آيَتَانِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ مِمَّا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ وَكَذَلِكَ مَا فِي آخِرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فَهُوَ أَتَمُّ الْجَمِيعِ سِيَاقًا، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الْبُيُوعِ بِزِيَادَةٍ سَأُبَيِّنُهَا لَكِنْ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهُ ذِكْرُ الْآيَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَذْكُرُ قِيلَ هَذَا حَدِيثُهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ مُعَلَّقًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: يُكْثِرُ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: الْحَدِيثَ لَقَالَ عَنْ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) تَقَدَّمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّهُ سَمِعَهُ (١) مِنَ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمزٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) تقولون: إنَّ أبا هريرة (يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاللهُ المَوْعِدُ) يوم القيامة يُظهِر أنَّكم على الحقِّ في الإنكار، أو أنِّي عليه في الإكثار، والجملة معترضةٌ، ولا بدَّ في التَّركيب من تأويلٍ؛ لأنَّ «مَفعِلًا» للمكان أو الزَّمان أو المصدر، ولا يصحُّ هنا إطلاق شيءٍ منها، فلا بدَّ من إضمارٍ أو تجوُّزٍ يدلُّ عليه المقام، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (إِنِّي كُنْتُ امْرأً مِسْكِينًا) من مساكين الصُّفَّة (أَلْزَمُ) بفتح الهمزة والزَّاي واللام بينهما ساكنةٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) مقتنعًا بالقوت فلم يكن لي غيبةٌ عنه، يعني: أنَّه كان (٢) لا ينقطع عنه خشيةَ أن يفوته القوت (وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ) البيع (بِالأَسْوَاقِ) و «يشْغَلهم» بفتح ياء المضارعة والغين المعجَمة (٣) من الثُّلاثيِّ، وعبَّر بالصَّفق عن التَّبايُع؛ لأنَّهم كانوا إذا تبايعوا تصافَقوا بالأكفِّ أمارةً لانبرام (٤) البيع، فإذا تصافقت الأكفُّ انتقلت الأملاك واستقرَّت كلُّ يدٍ منهما على ما صار لكلِّ واحدٍ منهما من ملك صاحبه (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) في
الزِّراعة، زاد في رواية يونس عن ابن شهابٍ عند مسلمٍ: «فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسوا» (فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: مَنْ يَبْسُطْ) بلفظ المضارع مجزومًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مَن بَسَطَ» بلفظ الماضي (رِدَاءَهُ) وفي «المزارعة» [خ¦٢٠٤٧] «ثوبه» (حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي) زاد في «المزارعة» «هذه» (ثُمَّ يَقْبِضُهُ) بالرَّفع، وفي «اليونينيَّة» بالجزم، وفي «المزارعة» «ثمَّ يجمعه» (فَلَنْ يَنْسَ) بغير تحتيَّةٍ بعد السِّين مصلَّحةً في الفرع على كشطٍ، قال السَّفاقسيُّ: إنَّه وقع كذلك بالنُّون وبالجزم في الرِّواية، وذكر أنَّ القزَّاز نقل عن بعض العرب من يجزم بـ «لن». انتهى. وفي بعض (١) النُّسخ المعتمدة: «فلن ينسى» بإثباتها خطًّا، وهو الذي في «اليونينيَّة»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلم» بحرف الجزم بدل حرف النصب «يَنْسَ» (شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي) قال أبو هريرة: (فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فَوَ) الله (الَّذِي بَعَثَهُ) إلى الخلق (بِالحَقِّ؛ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ) بعد أن جمعتها إلى صدري.
ومباحث الحديث سبقت غير مرَّةٍ [خ¦١١٨٠] [خ¦٢٠٤٧] [خ¦٢٣٥٠] ومطابقتُه للتَّرجمة من جهة كون أبي هريرة أخبر عن النَّبيِّ ﷺ من أقواله وأفعاله ما غاب عنه كثيرٌ من الصَّحابة، ولمَّا بلَّغهم ما سمعه قَبِلوه وعَمِلوا به، فدلَّ على قَبول خبر الواحد والعمل به، وفيه ردٌّ على مشترط (٢) التَّواتر، وإنَّه كان يعزب على المتقدِّم في الصُّحبة الشَّريفة الواسع العلم ما يعلمه غيره ممَّا سمعه منه ﷺ أو اطَّلع عليه، فمن ذلك حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق مع جلالة قدره، حيث لم يعلم النَّصَّ في الجدَّة حتَّى أخبره محمَّد بن مسلمة والمغيرة بالنَّصِّ فيها، وهو في «الموطَّأ» وحديث عمر في الاستئذان المذكور في هذا الباب … [خ¦٧٣٥٣] إلى غير ذلك ممَّا في تتبُّعه طولٌ يخرج عن الاختصار، وفي حديث البراء بسندٍ صحيحٍ: «ليس كلُّنا كان يسمع الحديث من النَّبيِّ ﷺ، كانت لنا ضيعةٌ وأشغالٌ، ولكن كان النَّاس لا يكذبون، فيحدِّث الشَّاهدُ الغائبَ»، والله الموفِّق والمعين.
(٢٣) (بابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ) بفتح النُّون وكسر الكاف، أي: الإنكار (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ) لِما
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الهادِ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْراهِيمَ بنِ الحارِثِ، عنْ بُسْرِ بنِ سَعيدٍ، عنْ أبي قَيْسٍ مَوْلاى عَمْرِو بنِ العاصِ، عنْ عَمْرِو بنِ العاصِ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا حَكَم الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذَا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطأ فَلَهُ أجْرٌ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهاذَا الحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بنَ عَمْرِو بنِ حزْمٍ فَقَالَ: هاكَذَا حدّثني أبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ عبْدُ العَزِيزِ بنُ المُطَّلِبِ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ عنْ أبي سَلَمَة، عنِ النبيِّ مِثْلَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهِ لِأَنَّهُ لم يبين فِيهَا كمية الْأجر وَلَا كيفيته.
وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المقرىء من الإقراء، وحيوة بن شُرَيْح بِضَم الشين الْمُعْجَمَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ الْمدنِي التَّابِعِيّ ولأبيه صُحْبَة، وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سعيد، وَأَبُو قيس من الْفُقَهَاء. قَالَ فِي الطَّبَقَات اسْمه سعد. وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يعرف لَهُ اسْم، وَتَبعهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد وَجزم ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر بِأَنَّهُ عبد الرَّحْمَن بن ثَابت وَهُوَ أعرف بالمصريين من غَيره، وَلَيْسَ لأبي قيس هَذَا فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث.
وَفِي هَذَا السَّنَد أَرْبَعَة من التَّابِعين أَوَّلهمْ: يزِيد بن عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَحْكَام عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْقَضَاء عَن القواريري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن همام بن عمار.
قَوْله: إِذا حكم الْحَاكِم فاجتهد الْقيَاس أَن يُقَال: إِذا اجْتهد فَحكم، لِأَن الحكم مُتَأَخّر عَن الِاجْتِهَاد، وَلَكِن معنى: حكم، إِذا أَرَادَ أَن يحكم. قَوْله: ثمَّ أصَاب وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فَأصَاب، وَهُوَ الأصوب، وَمَعْنَاهُ: صَادف مَا فِي نفس الْأَمر من حكم الله. قَوْله: فَأَخْطَأَ أَي: ظن أَن الْحق فِي جِهَته فصادف أَن الَّذِي فِي نفس الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك. قَوْله: قَالَ فَحدثت أَي: قَالَ عبد الله بن يزِيد أحد رُوَاة الحَدِيث. قَوْله: هَكَذَا حَدثنِي أَبُو سَلمَة يَعْنِي: مثل حَدِيث أبي قيس مولى عَمْرو بن الْعَاصِ. قَوْله: وَقَالَ عبد الْعَزِيز بن الْمطلب بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الطَّاء ابْن عبد الله بن حنْطَب المَخْزُومِي قَاضِي الْمَدِينَة، وكنيته أَبُو طَالب وَهُوَ من أَقْرَان مَالك، وَمَات قبله وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْوَاحِد الْمُعَلق الْمُرْسل لِأَن أَبَا سَلمَة تَابِعِيّ، وَعبد الله بن أبي بكر يروي عَن شيخ أَبِيه وَهُوَ ولد الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قبله أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَكَانَ قَاضِي الْمَدِينَة أَيْضا.
٢٢
- (بابُ الحُجَّةِ عَلى مَنْ قَالَ: إنَّ أحكامَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَتْ ظاهِرَةً، وَمَا كانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ عنْ مَشاهِدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأمُورِ الإسْلامِ) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجَّة إِلَى آخِره، عقد هَذَا الْبَاب لبَيَان أَن كثيرا من أكَابِر الصَّحَابَة كَانَ يغيب عَن مشَاهد النَّبِي ويفوت عَنْهُم مَا يَقُوله أَو يَفْعَله من الْأَفْعَال التكليفية، فيستمرون على مَا كَانُوا اطلعوا عَلَيْهِ إِمَّا على الْمَنْسُوخ لعدم اطلاعهم على النَّاسِخ، وَإِمَّا على الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، ثمَّ أَخذ بَعضهم من بعض مِمَّا رَوَاهُ عَن رَسُول الله فَهَذَا الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على جلالة قدره لم يعلم النَّص فِي الْجدّة حَتَّى أخبرهُ مُحَمَّد بن مسلمة والمغيرة بِالنَّصِّ فِيهَا، وَهَذَا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الاسْتِئْذَان، وَهُوَ حَدِيث الْبَاب وأمثال هَذَا كَثِيرَة، وَيرد بِهَذَا الْبَاب على الرافضة وَقوم من الْخَوَارِج زَعَمُوا أَن أَحْكَامه وسنته منقولة عَنهُ نقل تَوَاتر، وَأَنه لَا يجوز الْعَمَل بِمَا لم ينْقل متواتراً، وَهُوَ مَرْدُود بِمَا صَحَّ أَن الصَّحَابَة كَانَ يَأْخُذ بَعضهم من بعض، وَيرجع بَعضهم إِلَى رِوَايَة غَيره عَن رَسُول الله وانعقد الْإِجْمَاع على القَوْل بِالْعَمَلِ بأخبار الْآحَاد. قَوْله: كَانَت ظَاهِرَة أَي: للنَّاس لَا تخفى إلَاّ على النَّادِر. قَوْله: وَمَا كَانَ يغيب، عطف على مقول القَوْل، وَكلمَة: مَا، نَافِيَة أَو عطف على الْحجَّة فَمَا مَوْصُولَة. قَوْله: عَن
مشَاهد النَّبِي وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مُشَاهدَة، ويروى: عَن مشْهد النَّبِي بِالْإِفْرَادِ، وَوَقع فِي مستخرج أبي نعيم: وَمَا كَانَ يُفِيد بَعضهم بَعْضًا، بِالْفَاءِ وَالدَّال من الإفادة.
٧٣٥٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، حدْثني عطَاءٌ، عَن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أبُو مُوساى عَلى عُمَرَ فَكأنّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولاً، فَرَجَعَ فَقَالَ عُمَرُ: ألَمْ أسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ الله بن قَيسٍ؟ ائْذَنُوا لهُ؟ فَدُعِي لهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إنّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهاذَا، قَالَ: فأتِنِي عَلى هاذا بِبَيِّنَةٍ أوْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ، فانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأنْصارِ فقالُوا: لَا يَشْهَدُ إلاّ أصاغِرُنا، فَقامَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهاذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفيَ عَلَيَّ هاذا مِنْ أمْر النبيِّ ألْهاني الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ.
انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٢ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما خَفِي عَلَيْهِ أَمر الاسْتِئْذَان رَجَعَ إِلَى قَول أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله: قد كُنَّا نؤمر بِهَذَا أَي: بالاستئذان، فَدلَّ هَذَا على أَن خبر الْوَاحِد يعْمل بِهِ، وَأَن بعض السّنَن كَانَ يخفى على بعض الصَّحَابَة، وَأَن الشَّاهِد مِنْهُم يبلغ الْغَائِب مَا شهد، وَإِن الْغَائِب كَانَ يقبله مِمَّن حَدثهُ ويعتمده وَيعْمل بِهِ. فَإِن قلت: طلب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْبَيِّنَة يدل على أَنه لَا يحْتَج بِخَبَر الْوَاحِد. قلت: فِيهِ دَلِيل على أَنه حجَّة لِأَنَّهُ بانضمام خبر أبي سعيد إِلَيْهِ لَا يصير متواتراً. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب بَدْء الْإِسْلَام: أَرَادَ عمر التثبت لَا أَنه لَا يُجِيز خبر الْوَاحِد.
وَيحيى فِي السَّنَد هُوَ الْقطَّان يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ. قَالَ: اسْتَأْذن أَبُو مُوسَى وَهُوَ عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مَضَت قَضِيَّة أبي مُوسَى مَعَ عمر بن الْخطاب فِي كتاب الاسْتِئْذَان فِي: بَاب التَّسْلِيم والاستئذان ثَلَاثًا. مَا حملك على مَا صنعت؟ أَي: من الرُّجُوع وَعدم التَّوَقُّف. قَوْله: قد كُنَّا نؤمر قَالَ الأصوليون: مثله يحمل على أَن الْآمِر بِهِ هُوَ النَّبِي، وَهُوَ قَوْله: إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع. قَوْله: فَقَالُوا الْقَائِل أَولا هُوَ أُبي بن كَعْب ثمَّ تبعه الْأَنْصَار فِي ذَلِك. قَوْله: فَقَامَ أَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك. قَوْله: ألهاني أَي: شغلني الصفق وَهُوَ ضرب الْيَد على الْيَد للْبيع.
٧٣٥٤ - حدّثنا عَليٌّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدّثني الزُّهرِيُّ أنّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأعْرَجِ يَقُولُ أَخْبرنِي أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَن أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلى رسولِ الله وَالله المَوْعِدُ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكيناً ألْزَمُ رسُولَ الله عَلى ملْءِ بَطْنِي، وَكَانَ المُهاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسْواقِ، وكانَتِ الأنْصارُ يَشْغَلُهُمُ القِيامُ عَلى أمْوالِهِمْ، فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُول الله ذاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: مَنْ يَبْسُطْ رِداءَهُ حتَّى أقْضِيَ مَقالَتِي ثُمَّ يَقْبِضُهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئاً سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيَّ فَوَالّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا هُرَيْرَة أخبر عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، من أَقْوَاله وأفعاله مَا غَابَ عَنهُ كثير من الصَّحَابَة، وَلما بَلغهُمْ مَا سَمعه قبلوه وَعمِلُوا بِهِ فَدلَّ على أَن خبر الْوَاحِد يقبل وَيعْمل بِهِ. وَفِيه حجَّة على الَّذين يشترطون التَّوَاتُر فِي أَخْبَار النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم.
وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، والأعرج عبد الرحمان بن هُرْمُز.
والْحَدِيث قد مضى فِي أول كتاب الْبيُوع بأطول مِنْهُ من وَجه آخر وَمضى أَيْضا فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب حفظ الْعلم من حَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج.
قَوْله: وَالله
الْموعد جملَة مُعْتَرضَة، وَمرَاده من هَذَا يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي: يظْهر أَنكُمْ على الْحق فِي الْإِنْكَار أَو إِنِّي عَلَيْهِ فِي الْإِكْثَار. قَوْله: على ملْء بَطْني بِكَسْر الْمِيم والهمزة فِي آخِره، أَرَادَ بِهِ سد جوعته. قَوْله: على أَمْوَالهم أَي: على مَزَارِعهمْ وَالْمَال وَإِن كَانَ عَاما لكنه قد يخص بِنَوْع مِنْهُ وَلم يكن للْأَنْصَار إِلَّا الْمزَارِع. قَوْله: ثمَّ يقبضهُ بِالرَّفْع. قَوْله: فَلَنْ ينسى هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَنقل ابْن التِّين أَنه وَقع فِي الرِّوَايَة: فَلَنْ ينس، بالنُّون والجزم وروى عَن الْكسَائي أَنه قَالَ: الْجَزْم بلن لُغَة لبَعض الْعَرَب، ويروى: فَلم ينس. قَوْله: سَمعه مني ويروى: يسمعهُ، بِصُورَة الْمُضَارع.
٢٣ - (بَاب مَنْ رَأى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُجَّةً لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رأى ترك النكير أَي الْإِنْكَار وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَكسر الْكَاف مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار غَرَضه أَن تَقْرِير الرَّسُول، حجَّة إِذْ هُوَ نوع من فعله وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُنْكرا للزمه التَّغْيِير وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ، لَا يجوز لَهُ أَن يرى أحدا من أمته يَقُول قولا أَو يفعل فعلا مَحْظُورًا فيقرره عَلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِ النَّهْي عَن الْمُنكر. قَوْله: لَا من غير الرَّسُول، يَعْنِي: لَيْسَ بِحجَّة ترك الْإِنْكَار من غير الرَّسُول لجَوَاز أَنه لم يتَبَيَّن لَهُ حينئذٍ وَجه الصَّوَاب. وَقَالَ ابْن التِّين: التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بِالْإِجْمَاع السكوتي وَأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ، وَقد علم ذَلِك فِي مَوْضِعه.
٧٣٥٥ - حدّثنا حَمَّادُ بنُ حُمَيْدٍ، حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ، حدّثنا أبي، حَدثنَا شعبْةُ، عنْ سَعْدِ ابنِ إبْراهِيمَ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: رَأيْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَحْلِفُ بِالله أنَّ ابنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَحْلِفُ بِالله؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلى ذالِكَ عِنْدَ النبيِّ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النبيُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد بن حميد بِالضَّمِّ الْخُرَاسَانِي وَذكر الْحَافِظ الْمزي فِي التَّهْذِيب أَن فِي بعض النّسخ الْقَدِيمَة من البُخَارِيّ: حَدثنَا حَمَّاد بن حميد صَاحب لنا حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث. وَعبيد الله بن معَاذ فِي الْإِحْيَاء.
وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن معَاذ بِلَا وَاسِطَة، قيل: هُوَ أحد الْأَحَادِيث الَّتِي نزل فِيهَا البُخَارِيّ عَن مُسلم، أخرجهَا مُسلم عَن شيخ وأخرجها البُخَارِيّ بِوَاسِطَة بَينه وَبَين ذَلِك الشَّيْخ. قلت: عبيد الله بن معَاذ من مَشَايِخ مُسلم روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، وروى البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن النَّضر وَحَمَّاد بن حميد وَأحمد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي ثَلَاث مَوَاضِع فِي كِتَابه: فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال فِي موضِعين، وَفِي آخر الِاعْتِصَام، وروى البُخَارِيّ هُنَا عَن حَمَّاد عَن عبيد الله عَن أَبِيه معَاذ بن حسان الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد كِلَاهُمَا عَن عبيد الله بن معَاذ، فَمُسلم أخرجه فِي الْفِتَن، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم.
قَوْله: إِن ابْن الصياد كَذَا لأبي ذَر بِصِيغَة الْمُبَالغَة، وَوَقع عِنْد ابْن بطال مثله لَكِن بِغَيْر الْألف وَاللَّام، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ ابْن الصَّائِد، بِوَزْن الظَّالِم واسْمه صَاف، وَإِنَّمَا حلف عمر بِالظَّنِّ وَلَعَلَّه سَمعه من النَّبِي، أَو فهمه بالعلامات والقرائن. فَإِن قلت: جَاءَ فِي خَبره أَن عمر قَالَ لرَسُول الله، دَعْنِي أضْرب عُنُقه، فَقَالَ: إِن يكن هُوَ فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ، وَإِن لم يكن فَلَا خير لَك فِي قَتله، فَهَذَا يدل على شكه فِيهِ، وَترك الْقطع عَلَيْهِ أَنه الدَّجَّال. قلت: يُمكن أَن يكون هَذَا الشَّك مِنْهُ كَانَ مُتَقَدما على يَمِين عمر بِأَنَّهُ الدَّجَّال، ثمَّ أعلمهُ الله أَنه الدَّجَّال، وَجَوَاب آخر أَن الْكَلَام، وَإِن خرج مخرج الشَّك، فقد يجوز، أَن يُرَاد بِهِ الْيَقِين وَالْقطع. كَقَوْلِه: لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك وَقد علم تَعَالَى أَن ذَلِك لَا يَقع مِنْهُ فَإِنَّمَا خرج هَذَا مِنْهُ على الْمُتَعَارف عِنْد الْعَرَب فِي مخاطبتها قَالَ الشَّاعِر:
(أيا ظَبْيَة الوعساء بَين جلاجل ... وَبَين النقا أَأَنْت أم أم سَالم؟)
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُوسَى عَلَى عُمَرَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.
٧٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأَعْرَجِ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ وَكَانَتْ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمْ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً) أَيْ: لِلنَّاسِ لَا تَخْفَى إِلَّا عَلَى النَّادِرِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُورِ الْإِسْلَامِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ: مَشَاهِدِهِ وَلِبَعْضِهِمْ: مَشْهَدِ بِالْإِفْرَادِ، وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: وَمَا كَانَ يُفِيدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْفَاءِ وَالدَّالِ مِنَ الْإِفَادَةِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
وَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا كَانَ مَوْصُولَةٌ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، وَأَنَّهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَأْبَاهُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَكَابِرِ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَغِيبُ عَنْ بَعْضِ مَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَفْعَلُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا كَانَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ هُوَ إِمَّا عَلَى الْمَنْسُوخِ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى نَاسِخِهِ، وَإِمَّا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَدَّمَ عَمَلَ الصَّحَابِيِّ الْكَبِيرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ قَدْ وَلِيَ الْحُكْمَ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْكَبِيرَ لَوْلَا أَنَّ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَمَا خَالَفَهَا، وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي اعْتِمَادِ ذَلِكَ تَرْكُ الْمُحَقَّقِ لِلْمَظْنُونِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى الرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَنَهُ مَنْقُولَةٌ عَنْهُ نَقْلَ تَوَاتُرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا لَمْ يُنْقَلْ مُتَوَاتِرًا، قَالَ: وَقَوْلُهُمْ مَرْدُودٌ بِمَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
قُلْتُ: وَقَدْ عَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ بَابَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْزُبُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ الصُّحْبَةَ الْوَاسِعِ الْعِلْمُ الَّذِي يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْجَدَّةِ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَحَدِيثَ عُمَرَ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَحَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، وَإِجَازَتُهُ بَيْعُ الْفِضَّةِ الْمُكَسَّرَةِ بِالصَّحِيحَةِ مُتَفَاضِلًا، ثُمَّ رُجُوعُهُ عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَمَّا سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّهْيَ عَنْهُمَا، وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: لَيْسَ كُلُّنَا كَانَ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَتْ لَنَا صَنْعَةٌ وَأَشْغَالٌ، وَلَكِنْ كَانَ النَّاسُ لَا يَكْذِبُونَ، فَيُحَدِّثُ الشَّاهِدُ الْغَائِبُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَكَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ: مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْنَاهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُكَذِّبْ بَعْضُنَا بَعْضًا ثُمَّ سَرَدَ مَا رَوَاهُ
صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ مِمَّا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ: فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى إِتْقَانِهِمْ فِي الرِّوَايَةِ، وَفِيهِ أَبْيَنُ الْحُجَّةِ وَأَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَثْبِيتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ بَعْضَ السُّنَنِ كَانَ يَخْفَى عَنْ بَعْضِهِمْ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُمْ كَانَ يُبَلِّغُ الْغَائِبَ مَا شَهِدَ، وَأَنَّ الْغَائِبَ كَانَ يَقْبَلُهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ وَيَعْتَمِدُهُ وَيَعْمَلُ بِهِ.
قُلْتُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الِاصْطِلَاحِ خِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَيَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَلَبِ عُمَرَ مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَةَ عَلَى حَدِيثِ الِاسْتِئْذَانِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ شَهَادَةِ أَبِي سَعِيدٍ لَهُ وَغَيْرِهِ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ عُمَرُ مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَةَ لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَحَدِيثَهُ فِي الطَّاعُونِ، وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ فِي الدِّيَةِ، وَحَدِيثَ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَحَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَيَنْزِلُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، وَيُخْبِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخِرَ بِمَا غَابَ عَنْهُ، وَكَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ تَحْصِيلُ مَا يَقُومُ بِحَالِهِ وَحَالِ عِيَالِهِ لِيُغْنَى عَنِ الِاحْتِيَاجِ لِغَيْرِهِ، لِيَتَقَوَّى عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى مَنْ أَمْكَنَتْهُ الْمُشَافَهَةُ أَنْ يَعْتَمِدَهَا، وَلَا يَكْتَفِيَ بِالْوَاسِطَةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي خَفَاءِ بَعْضِ
السُّنَنِ عَلَى بَعْضِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ تِجَارَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ، وَتَوْجِيهُ قَوْلِ عُمَرَ: أَلْهَانِي وَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْعِلْمِ، وَتَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ عِنْدَ مَالِكٍ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ هَذِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَوْلَا آيَتَانِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ مِمَّا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ وَكَذَلِكَ مَا فِي آخِرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فَهُوَ أَتَمُّ الْجَمِيعِ سِيَاقًا، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الْبُيُوعِ بِزِيَادَةٍ سَأُبَيِّنُهَا لَكِنْ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهُ ذِكْرُ الْآيَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَذْكُرُ قِيلَ هَذَا حَدِيثُهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ مُعَلَّقًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: يُكْثِرُ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: الْحَدِيثَ لَقَالَ عَنْ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) تَقَدَّمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّهُ سَمِعَهُ (١) مِنَ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمزٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) تقولون: إنَّ أبا هريرة (يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاللهُ المَوْعِدُ) يوم القيامة يُظهِر أنَّكم على الحقِّ في الإنكار، أو أنِّي عليه في الإكثار، والجملة معترضةٌ، ولا بدَّ في التَّركيب من تأويلٍ؛ لأنَّ «مَفعِلًا» للمكان أو الزَّمان أو المصدر، ولا يصحُّ هنا إطلاق شيءٍ منها، فلا بدَّ من إضمارٍ أو تجوُّزٍ يدلُّ عليه المقام، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (إِنِّي كُنْتُ امْرأً مِسْكِينًا) من مساكين الصُّفَّة (أَلْزَمُ) بفتح الهمزة والزَّاي واللام بينهما ساكنةٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) مقتنعًا بالقوت فلم يكن لي غيبةٌ عنه، يعني: أنَّه كان (٢) لا ينقطع عنه خشيةَ أن يفوته القوت (وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ) البيع (بِالأَسْوَاقِ) و «يشْغَلهم» بفتح ياء المضارعة والغين المعجَمة (٣) من الثُّلاثيِّ، وعبَّر بالصَّفق عن التَّبايُع؛ لأنَّهم كانوا إذا تبايعوا تصافَقوا بالأكفِّ أمارةً لانبرام (٤) البيع، فإذا تصافقت الأكفُّ انتقلت الأملاك واستقرَّت كلُّ يدٍ منهما على ما صار لكلِّ واحدٍ منهما من ملك صاحبه (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) في
الزِّراعة، زاد في رواية يونس عن ابن شهابٍ عند مسلمٍ: «فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسوا» (فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: مَنْ يَبْسُطْ) بلفظ المضارع مجزومًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مَن بَسَطَ» بلفظ الماضي (رِدَاءَهُ) وفي «المزارعة» [خ¦٢٠٤٧] «ثوبه» (حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي) زاد في «المزارعة» «هذه» (ثُمَّ يَقْبِضُهُ) بالرَّفع، وفي «اليونينيَّة» بالجزم، وفي «المزارعة» «ثمَّ يجمعه» (فَلَنْ يَنْسَ) بغير تحتيَّةٍ بعد السِّين مصلَّحةً في الفرع على كشطٍ، قال السَّفاقسيُّ: إنَّه وقع كذلك بالنُّون وبالجزم في الرِّواية، وذكر أنَّ القزَّاز نقل عن بعض العرب من يجزم بـ «لن». انتهى. وفي بعض (١) النُّسخ المعتمدة: «فلن ينسى» بإثباتها خطًّا، وهو الذي في «اليونينيَّة»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلم» بحرف الجزم بدل حرف النصب «يَنْسَ» (شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي) قال أبو هريرة: (فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فَوَ) الله (الَّذِي بَعَثَهُ) إلى الخلق (بِالحَقِّ؛ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ) بعد أن جمعتها إلى صدري.
ومباحث الحديث سبقت غير مرَّةٍ [خ¦١١٨٠] [خ¦٢٠٤٧] [خ¦٢٣٥٠] ومطابقتُه للتَّرجمة من جهة كون أبي هريرة أخبر عن النَّبيِّ ﷺ من أقواله وأفعاله ما غاب عنه كثيرٌ من الصَّحابة، ولمَّا بلَّغهم ما سمعه قَبِلوه وعَمِلوا به، فدلَّ على قَبول خبر الواحد والعمل به، وفيه ردٌّ على مشترط (٢) التَّواتر، وإنَّه كان يعزب على المتقدِّم في الصُّحبة الشَّريفة الواسع العلم ما يعلمه غيره ممَّا سمعه منه ﷺ أو اطَّلع عليه، فمن ذلك حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق مع جلالة قدره، حيث لم يعلم النَّصَّ في الجدَّة حتَّى أخبره محمَّد بن مسلمة والمغيرة بالنَّصِّ فيها، وهو في «الموطَّأ» وحديث عمر في الاستئذان المذكور في هذا الباب … [خ¦٧٣٥٣] إلى غير ذلك ممَّا في تتبُّعه طولٌ يخرج عن الاختصار، وفي حديث البراء بسندٍ صحيحٍ: «ليس كلُّنا كان يسمع الحديث من النَّبيِّ ﷺ، كانت لنا ضيعةٌ وأشغالٌ، ولكن كان النَّاس لا يكذبون، فيحدِّث الشَّاهدُ الغائبَ»، والله الموفِّق والمعين.
(٢٣) (بابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ) بفتح النُّون وكسر الكاف، أي: الإنكار (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ) لِما
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الهادِ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْراهِيمَ بنِ الحارِثِ، عنْ بُسْرِ بنِ سَعيدٍ، عنْ أبي قَيْسٍ مَوْلاى عَمْرِو بنِ العاصِ، عنْ عَمْرِو بنِ العاصِ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا حَكَم الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذَا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطأ فَلَهُ أجْرٌ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهاذَا الحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بنَ عَمْرِو بنِ حزْمٍ فَقَالَ: هاكَذَا حدّثني أبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ عبْدُ العَزِيزِ بنُ المُطَّلِبِ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ عنْ أبي سَلَمَة، عنِ النبيِّ مِثْلَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهِ لِأَنَّهُ لم يبين فِيهَا كمية الْأجر وَلَا كيفيته.
وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المقرىء من الإقراء، وحيوة بن شُرَيْح بِضَم الشين الْمُعْجَمَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ الْمدنِي التَّابِعِيّ ولأبيه صُحْبَة، وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سعيد، وَأَبُو قيس من الْفُقَهَاء. قَالَ فِي الطَّبَقَات اسْمه سعد. وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يعرف لَهُ اسْم، وَتَبعهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد وَجزم ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر بِأَنَّهُ عبد الرَّحْمَن بن ثَابت وَهُوَ أعرف بالمصريين من غَيره، وَلَيْسَ لأبي قيس هَذَا فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث.
وَفِي هَذَا السَّنَد أَرْبَعَة من التَّابِعين أَوَّلهمْ: يزِيد بن عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَحْكَام عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْقَضَاء عَن القواريري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن همام بن عمار.
قَوْله: إِذا حكم الْحَاكِم فاجتهد الْقيَاس أَن يُقَال: إِذا اجْتهد فَحكم، لِأَن الحكم مُتَأَخّر عَن الِاجْتِهَاد، وَلَكِن معنى: حكم، إِذا أَرَادَ أَن يحكم. قَوْله: ثمَّ أصَاب وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فَأصَاب، وَهُوَ الأصوب، وَمَعْنَاهُ: صَادف مَا فِي نفس الْأَمر من حكم الله. قَوْله: فَأَخْطَأَ أَي: ظن أَن الْحق فِي جِهَته فصادف أَن الَّذِي فِي نفس الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك. قَوْله: قَالَ فَحدثت أَي: قَالَ عبد الله بن يزِيد أحد رُوَاة الحَدِيث. قَوْله: هَكَذَا حَدثنِي أَبُو سَلمَة يَعْنِي: مثل حَدِيث أبي قيس مولى عَمْرو بن الْعَاصِ. قَوْله: وَقَالَ عبد الْعَزِيز بن الْمطلب بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الطَّاء ابْن عبد الله بن حنْطَب المَخْزُومِي قَاضِي الْمَدِينَة، وكنيته أَبُو طَالب وَهُوَ من أَقْرَان مَالك، وَمَات قبله وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْوَاحِد الْمُعَلق الْمُرْسل لِأَن أَبَا سَلمَة تَابِعِيّ، وَعبد الله بن أبي بكر يروي عَن شيخ أَبِيه وَهُوَ ولد الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قبله أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَكَانَ قَاضِي الْمَدِينَة أَيْضا.
٢٢
- (بابُ الحُجَّةِ عَلى مَنْ قَالَ: إنَّ أحكامَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَتْ ظاهِرَةً، وَمَا كانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ عنْ مَشاهِدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأمُورِ الإسْلامِ) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجَّة إِلَى آخِره، عقد هَذَا الْبَاب لبَيَان أَن كثيرا من أكَابِر الصَّحَابَة كَانَ يغيب عَن مشَاهد النَّبِي ويفوت عَنْهُم مَا يَقُوله أَو يَفْعَله من الْأَفْعَال التكليفية، فيستمرون على مَا كَانُوا اطلعوا عَلَيْهِ إِمَّا على الْمَنْسُوخ لعدم اطلاعهم على النَّاسِخ، وَإِمَّا على الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، ثمَّ أَخذ بَعضهم من بعض مِمَّا رَوَاهُ عَن رَسُول الله فَهَذَا الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على جلالة قدره لم يعلم النَّص فِي الْجدّة حَتَّى أخبرهُ مُحَمَّد بن مسلمة والمغيرة بِالنَّصِّ فِيهَا، وَهَذَا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الاسْتِئْذَان، وَهُوَ حَدِيث الْبَاب وأمثال هَذَا كَثِيرَة، وَيرد بِهَذَا الْبَاب على الرافضة وَقوم من الْخَوَارِج زَعَمُوا أَن أَحْكَامه وسنته منقولة عَنهُ نقل تَوَاتر، وَأَنه لَا يجوز الْعَمَل بِمَا لم ينْقل متواتراً، وَهُوَ مَرْدُود بِمَا صَحَّ أَن الصَّحَابَة كَانَ يَأْخُذ بَعضهم من بعض، وَيرجع بَعضهم إِلَى رِوَايَة غَيره عَن رَسُول الله وانعقد الْإِجْمَاع على القَوْل بِالْعَمَلِ بأخبار الْآحَاد. قَوْله: كَانَت ظَاهِرَة أَي: للنَّاس لَا تخفى إلَاّ على النَّادِر. قَوْله: وَمَا كَانَ يغيب، عطف على مقول القَوْل، وَكلمَة: مَا، نَافِيَة أَو عطف على الْحجَّة فَمَا مَوْصُولَة. قَوْله: عَن
مشَاهد النَّبِي وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مُشَاهدَة، ويروى: عَن مشْهد النَّبِي بِالْإِفْرَادِ، وَوَقع فِي مستخرج أبي نعيم: وَمَا كَانَ يُفِيد بَعضهم بَعْضًا، بِالْفَاءِ وَالدَّال من الإفادة.
٧٣٥٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، حدْثني عطَاءٌ، عَن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أبُو مُوساى عَلى عُمَرَ فَكأنّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولاً، فَرَجَعَ فَقَالَ عُمَرُ: ألَمْ أسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ الله بن قَيسٍ؟ ائْذَنُوا لهُ؟ فَدُعِي لهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إنّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهاذَا، قَالَ: فأتِنِي عَلى هاذا بِبَيِّنَةٍ أوْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ، فانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأنْصارِ فقالُوا: لَا يَشْهَدُ إلاّ أصاغِرُنا، فَقامَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهاذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفيَ عَلَيَّ هاذا مِنْ أمْر النبيِّ ألْهاني الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ.
انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٢ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما خَفِي عَلَيْهِ أَمر الاسْتِئْذَان رَجَعَ إِلَى قَول أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله: قد كُنَّا نؤمر بِهَذَا أَي: بالاستئذان، فَدلَّ هَذَا على أَن خبر الْوَاحِد يعْمل بِهِ، وَأَن بعض السّنَن كَانَ يخفى على بعض الصَّحَابَة، وَأَن الشَّاهِد مِنْهُم يبلغ الْغَائِب مَا شهد، وَإِن الْغَائِب كَانَ يقبله مِمَّن حَدثهُ ويعتمده وَيعْمل بِهِ. فَإِن قلت: طلب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْبَيِّنَة يدل على أَنه لَا يحْتَج بِخَبَر الْوَاحِد. قلت: فِيهِ دَلِيل على أَنه حجَّة لِأَنَّهُ بانضمام خبر أبي سعيد إِلَيْهِ لَا يصير متواتراً. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب بَدْء الْإِسْلَام: أَرَادَ عمر التثبت لَا أَنه لَا يُجِيز خبر الْوَاحِد.
وَيحيى فِي السَّنَد هُوَ الْقطَّان يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ. قَالَ: اسْتَأْذن أَبُو مُوسَى وَهُوَ عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مَضَت قَضِيَّة أبي مُوسَى مَعَ عمر بن الْخطاب فِي كتاب الاسْتِئْذَان فِي: بَاب التَّسْلِيم والاستئذان ثَلَاثًا. مَا حملك على مَا صنعت؟ أَي: من الرُّجُوع وَعدم التَّوَقُّف. قَوْله: قد كُنَّا نؤمر قَالَ الأصوليون: مثله يحمل على أَن الْآمِر بِهِ هُوَ النَّبِي، وَهُوَ قَوْله: إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع. قَوْله: فَقَالُوا الْقَائِل أَولا هُوَ أُبي بن كَعْب ثمَّ تبعه الْأَنْصَار فِي ذَلِك. قَوْله: فَقَامَ أَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك. قَوْله: ألهاني أَي: شغلني الصفق وَهُوَ ضرب الْيَد على الْيَد للْبيع.
٧٣٥٤ - حدّثنا عَليٌّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدّثني الزُّهرِيُّ أنّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأعْرَجِ يَقُولُ أَخْبرنِي أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَن أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلى رسولِ الله وَالله المَوْعِدُ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكيناً ألْزَمُ رسُولَ الله عَلى ملْءِ بَطْنِي، وَكَانَ المُهاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسْواقِ، وكانَتِ الأنْصارُ يَشْغَلُهُمُ القِيامُ عَلى أمْوالِهِمْ، فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُول الله ذاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: مَنْ يَبْسُطْ رِداءَهُ حتَّى أقْضِيَ مَقالَتِي ثُمَّ يَقْبِضُهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئاً سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيَّ فَوَالّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا هُرَيْرَة أخبر عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، من أَقْوَاله وأفعاله مَا غَابَ عَنهُ كثير من الصَّحَابَة، وَلما بَلغهُمْ مَا سَمعه قبلوه وَعمِلُوا بِهِ فَدلَّ على أَن خبر الْوَاحِد يقبل وَيعْمل بِهِ. وَفِيه حجَّة على الَّذين يشترطون التَّوَاتُر فِي أَخْبَار النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم.
وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، والأعرج عبد الرحمان بن هُرْمُز.
والْحَدِيث قد مضى فِي أول كتاب الْبيُوع بأطول مِنْهُ من وَجه آخر وَمضى أَيْضا فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب حفظ الْعلم من حَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج.
قَوْله: وَالله
الْموعد جملَة مُعْتَرضَة، وَمرَاده من هَذَا يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي: يظْهر أَنكُمْ على الْحق فِي الْإِنْكَار أَو إِنِّي عَلَيْهِ فِي الْإِكْثَار. قَوْله: على ملْء بَطْني بِكَسْر الْمِيم والهمزة فِي آخِره، أَرَادَ بِهِ سد جوعته. قَوْله: على أَمْوَالهم أَي: على مَزَارِعهمْ وَالْمَال وَإِن كَانَ عَاما لكنه قد يخص بِنَوْع مِنْهُ وَلم يكن للْأَنْصَار إِلَّا الْمزَارِع. قَوْله: ثمَّ يقبضهُ بِالرَّفْع. قَوْله: فَلَنْ ينسى هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَنقل ابْن التِّين أَنه وَقع فِي الرِّوَايَة: فَلَنْ ينس، بالنُّون والجزم وروى عَن الْكسَائي أَنه قَالَ: الْجَزْم بلن لُغَة لبَعض الْعَرَب، ويروى: فَلم ينس. قَوْله: سَمعه مني ويروى: يسمعهُ، بِصُورَة الْمُضَارع.
٢٣ - (بَاب مَنْ رَأى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُجَّةً لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رأى ترك النكير أَي الْإِنْكَار وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَكسر الْكَاف مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار غَرَضه أَن تَقْرِير الرَّسُول، حجَّة إِذْ هُوَ نوع من فعله وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُنْكرا للزمه التَّغْيِير وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ، لَا يجوز لَهُ أَن يرى أحدا من أمته يَقُول قولا أَو يفعل فعلا مَحْظُورًا فيقرره عَلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِ النَّهْي عَن الْمُنكر. قَوْله: لَا من غير الرَّسُول، يَعْنِي: لَيْسَ بِحجَّة ترك الْإِنْكَار من غير الرَّسُول لجَوَاز أَنه لم يتَبَيَّن لَهُ حينئذٍ وَجه الصَّوَاب. وَقَالَ ابْن التِّين: التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بِالْإِجْمَاع السكوتي وَأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ، وَقد علم ذَلِك فِي مَوْضِعه.
٧٣٥٥ - حدّثنا حَمَّادُ بنُ حُمَيْدٍ، حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ، حدّثنا أبي، حَدثنَا شعبْةُ، عنْ سَعْدِ ابنِ إبْراهِيمَ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: رَأيْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَحْلِفُ بِالله أنَّ ابنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَحْلِفُ بِالله؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلى ذالِكَ عِنْدَ النبيِّ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النبيُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد بن حميد بِالضَّمِّ الْخُرَاسَانِي وَذكر الْحَافِظ الْمزي فِي التَّهْذِيب أَن فِي بعض النّسخ الْقَدِيمَة من البُخَارِيّ: حَدثنَا حَمَّاد بن حميد صَاحب لنا حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث. وَعبيد الله بن معَاذ فِي الْإِحْيَاء.
وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن معَاذ بِلَا وَاسِطَة، قيل: هُوَ أحد الْأَحَادِيث الَّتِي نزل فِيهَا البُخَارِيّ عَن مُسلم، أخرجهَا مُسلم عَن شيخ وأخرجها البُخَارِيّ بِوَاسِطَة بَينه وَبَين ذَلِك الشَّيْخ. قلت: عبيد الله بن معَاذ من مَشَايِخ مُسلم روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، وروى البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن النَّضر وَحَمَّاد بن حميد وَأحمد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي ثَلَاث مَوَاضِع فِي كِتَابه: فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال فِي موضِعين، وَفِي آخر الِاعْتِصَام، وروى البُخَارِيّ هُنَا عَن حَمَّاد عَن عبيد الله عَن أَبِيه معَاذ بن حسان الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد كِلَاهُمَا عَن عبيد الله بن معَاذ، فَمُسلم أخرجه فِي الْفِتَن، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم.
قَوْله: إِن ابْن الصياد كَذَا لأبي ذَر بِصِيغَة الْمُبَالغَة، وَوَقع عِنْد ابْن بطال مثله لَكِن بِغَيْر الْألف وَاللَّام، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ ابْن الصَّائِد، بِوَزْن الظَّالِم واسْمه صَاف، وَإِنَّمَا حلف عمر بِالظَّنِّ وَلَعَلَّه سَمعه من النَّبِي، أَو فهمه بالعلامات والقرائن. فَإِن قلت: جَاءَ فِي خَبره أَن عمر قَالَ لرَسُول الله، دَعْنِي أضْرب عُنُقه، فَقَالَ: إِن يكن هُوَ فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ، وَإِن لم يكن فَلَا خير لَك فِي قَتله، فَهَذَا يدل على شكه فِيهِ، وَترك الْقطع عَلَيْهِ أَنه الدَّجَّال. قلت: يُمكن أَن يكون هَذَا الشَّك مِنْهُ كَانَ مُتَقَدما على يَمِين عمر بِأَنَّهُ الدَّجَّال، ثمَّ أعلمهُ الله أَنه الدَّجَّال، وَجَوَاب آخر أَن الْكَلَام، وَإِن خرج مخرج الشَّك، فقد يجوز، أَن يُرَاد بِهِ الْيَقِين وَالْقطع. كَقَوْلِه: لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك وَقد علم تَعَالَى أَن ذَلِك لَا يَقع مِنْهُ فَإِنَّمَا خرج هَذَا مِنْهُ على الْمُتَعَارف عِنْد الْعَرَب فِي مخاطبتها قَالَ الشَّاعِر:
(أيا ظَبْيَة الوعساء بَين جلاجل ... وَبَين النقا أَأَنْت أم أم سَالم؟)