«إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥١٨

الحديث رقم ٧٥١٨ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كلام الرب مع أهل الجنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥١٨ في صحيح البخاري

«إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا.»

إسناد حديث رقم ٧٥١٨ من صحيح البخاري

٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥١٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ هُوَ جِبْرِيلُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ.

قَوْلُهُ: فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِيقَاظًا مِنْ نَوْمَةٍ نَامَهَا بَعْدَ الْإِسْرَاءِ؛ لِأَنَّ إِسْرَاءَهُ لَمْ يَكُنْ طُولَ لَيْلَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَفَقْتُ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ مِمَّا خَامَرَ بَاطِنَهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى حَالِ بَشَرِيَّتِهِ إِلَّا وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فَمُرَادُهُ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ نَوْمَهُ فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فَأَيْقَظَهُ، وَفِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ أَتَانِي الْمَلَكُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْتَحْكَمَ فِي نَوْمِهِ انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ يَنْبَنِي عَلَى تَوَحُّدِ الْقِصَّةِ، وَإِلَّا فَمَتَى حُمِلَتْ عَلَى التَّعَدُّدِ بِأَنْ كَانَ الْمِعْرَاجُ مَرَّةً فِي الْمَنَامِ وَأُخْرَى فِي الْيَقَظَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ):

قِيلَ اخْتَصَّ مُوسَى بِهَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَقِيَهُ النَّبِيُّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَلَقَّاهُ عِنْدَ الْهُبُوطِ؛ وَلِأَنَّ أُمَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أُمَّةِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ كِتَابَهُ أَكْبَرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَ الْقُرْآنِ تَشْرِيعًا وَأَحْكَامًا، أَوْ لِأَنَّ أُمَّةَ مُوسَى كَانُوا كُلِّفُوا مِنَ الصَّلَاةِ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَخَافَ مُوسَى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَاقَاهُ بَعْدَ الْهُبُوطِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَقِيَهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ انْتَهَى. وَإِذَا جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ فِي الصُّعُودِ فِي السَّادِسَةِ وَصَعِدَ مُوسَى إِلَى السَّابِعَةِ فَلَقِيَهُ فِيهَا بَعْدَ الْهُبُوطِ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَبَطَلَ الرَّدُّ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ

٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا.

٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلاَّ قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ

قَوْلُهُ (بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ ظَاهِرَيْنِ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْخَطَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وَأَجَابَ بِأَنَّ إِخْرَاجَ الْعِبَادِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَكَذَلِكَ تَنْجِيزَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَمَّا دَوَامُ ذَلِكَ فَزِيَادَةٌ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْمُجَازَاةِ لَوْ كَانَتْ لَازِمَةً، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَتِ الْمُجَازَاةُ لَا تَزِيدُ فِي الْعَادَةِ عَلَى الْمُدَّةِ - وَمُدَّةُ الدُّنْيَا مُتَنَاهِيَةٌ - جَازَ أَنْ تَتَنَاهَى مُدَّةُ الْمُجَازَاةِ فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالدَّوَامِ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ اللِّقَاءِ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَطَاءِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَاللِّقَاءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلرِّضَا فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّازِمِ وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ، كَذَا نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ حُصُولُ أَنْوَاعِ الرِّضْوَانِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا اللِّقَاءُ فَلَا إِشْكَالَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جمرة: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَنْزِلِ لِسَاكِنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَصْلِ لَهُ

فَإِنَّ الْجَنَّةَ مِلْكُ اللَّهِ ﷿، وَقَدْ أَضَافَهَا لِسَاكِنِهَا بِقَوْلِهِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ دَوَامِ رِضَاهُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ لَكَانَ خَبَرًا مِنْ بَابِ عِلْمِ الْيَقِينِ، فَأَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ عَيْنِ الْيَقِينِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَبَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بَعْضِهِ، وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُهُ، وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي السُّؤَالِ لِقَوْلِهِمْ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا شَيْئًا أَفْضَلَ مِمَّا هُمْ فِيهِ فَاسْتَفْهَمُوا عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَالْفَضْلَ وَالِاغْتِبَاطَ إِنَّمَا هُوَ فِي رِضَا اللَّهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَا عَدَاهُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ فَهُوَ مِنْ أَثَرِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رِضَا كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِحَالِهِ مَعَ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهِمْ وَتَنْوِيعِ دَرَجَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ أَجَابُوا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَعْطَيْتُنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ثَانِيهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ (فَأُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَذِنَ لَهُ فَزَرَعَ فَأَسْرَعَ.

قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الشِّبَعِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا يَسَعُكَ شَيْءٌ بِالْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ مِنَ الْوُسْعِ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ قَوْلُهُ قُرَشِيًّا وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَكْثَرِهِمْ زَرْعٌ. قُلْتُ: وَتَعْلِيلُهُ يَرُدُّ عَلَى نَفْيِهِ الْمُطْلَقِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِهِمْ زَرْعًا صَدَقَ قَوْلُهُ أَنَّ الزَّارِعَ الْمَذْكُورَ مِنْهُمْ، وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفْيَ الشِّبَعِ لَا يُوجِبُ الْجُوعَ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ وَهِيَ الْكِفَايَةُ، وَأَكْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلتَّنَعُّمِ وَالِاسْتِلْذَاذِ لَا عَنِ الْجُوعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الشِّبَعِ فِيهَا وَالصَّوَابُ أَنْ لَا شِبَعَ فِيهَا إِذْ لَوْ كَانَ لَمَنَعَ دَوَامَ أَكْلِ الْمُسْتَلِذِّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ جِنْسُ الْآدَمِيِّ، وَمَا طُبِعَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

٣٩ - بَاب ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِبْلَاغِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، يُقَالُ: افْرُقْ: اقْضِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَ، النَّبَأُ الْعَظِيمُ: الْقُرْآنُ، ﴿صَوَابًا﴾ حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ.

قَوْلُهُ: بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْإِبْلَاغِ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابْنُ التِّينِ.

قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: بَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَالثَّنَاءُ وَذِكْرَ اللَّهِ الْإِجَابَةُ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ - رَفَعَهُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ ذِكْرُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ إِذَا أَطَاعُوهُ أَوْ بِعَذَابِهِ إِذَا عَصَوْهُ، وَذِكْرُ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يَدْعُوَهُ وَيَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَيُبَلِّغُوا رِسَالَاتَهُ إِلَى الْخَلْقِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى طَاعَتِهِ ذَكَرَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَإِذَا ذَكَرَهُ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذَكَرَهُ بِلَعْنَتِهِ، قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَعُونَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عِبَارَةٍ أَكْثَرُهَا عَنْ أَهْلِ الزُّهْدِ وَمَرْجِعُهَا إِلَى مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالثَّوَابِ أَوِ الْمَحَبَّةِ وَالْوَصْلِ أَوِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَذِكْرُ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ إِلَى آخِرِهِ، فَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَيَشْرَكُهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ سَائِرُ الْعِبَادِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ بِاللِّسَانِ وَعِنْدَمَا يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَ رَبِّهِ فَيَكُفُّ، وَنُقِلَ عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ

قَوْمٌ: إِنَّ هَذَا الذِّكْرَ أَفْضَلُ، قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَوْلُهُ بِلِسَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَعْظَمُ مِنْ ذِكْرِهِ بِقَلْبِهِ وَوُقُوفِهِ عَنْ عَمَلِ السَّيِّئَةِ. قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّفَاضُلُ بِصِحَّةِ التَّقَابُلِ بِذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِهِ بِالْقَلْبِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، وَأَمَّا وُقُوفُهُ بِسَبَبِ الذِّكْرِ عَنْ عَمَلِ السَّيِّئَةِ فَقَدْرٌ زَائِدٌ يَزْدَادُ بِسَبَبِهِ فَضْلُ الذِّكْرِ، فَظَهَرَ صِحَّةُ مَا نَقَلَهُ عَنِ الْقَوْمِ دُونَ مَا تَخَيَّلَهُ.

قَوْلُهُ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ إِلَخْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَشَارَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نُوحًا بِمَا بَلَّغَ بِهِ مَنْ أَمَرَهُ وَذَكَّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَكَذَلِكَ فَرَضَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ تَبْلِيغَ كِتَابِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ مَذْكُورٌ بِأَنَّهُ أُمِرَ بِالتِّلَاوَةِ عَلَى الْأُمَّةِ وَالتَّبْلِيغِ إِلَيْهِمْ أَنَّ نُوحًا كَانَ يُذَكِّرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ.

قَوْلُهُ: غُمَّةً: هَمٌّ وَضِيقٌ) هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ

نَبَأَ نُوحٍ﴾ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى غُمَّةً شَيْءٌ لَيْسَ ظَاهِرًا، يُقَالُ الْقَوْمُ فِي غُمَّةٍ إِذَا غَطَّى عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَالْتَبَسَ، وَمِنْهُ غُمَّ الْهِلَالُ إِذَا غَشِيَهُ شَيْءٌ فَغَطَّاهُ، وَالْغَمُّ مَا يغشى الْقَلْبَ مِنَ الْكَرْبِ.

قَوْلُهُ: قَالَ مُجَاهِدٌ اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ افْرُقِ اقْضِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ قَالَ اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ اقْضُوا إِلَيَّ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ أَظْهِرُوا الْأَمْرَ وَمَيِّزُوهُ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى شُبْهَةٌ ثُمَّ اقْضُوا بِمَا شِئْتُمْ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ افْرُقِ اقْضِ فَمَعْنَاهُ أَظْهِرِ الْأَمْرَ وَافْصِلْهُ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى شُبْهَةٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُقَالُ افْرُقِ اقْضِ فَلَا يَكُونُ مِنْ كَلَامِ مُجَاهِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ إِعَادَةُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ.

قَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ) أَيْ يَأْتِي النَّبِيَّ (فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُهُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حِينَ يَأْتِيهِ، (فَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مَأْمَنَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَجْلِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِإِجَارَةِ الَّذِي يَسْمَعُ الذِّكْرَ حَتَّى يَسْمَعَهُ، فَإِنْ آمَنَ فَذَاكَ وَإِلَّا فَيَبْلُغُ مَأْمَنَهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِ مَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّبَأُ الْعَظِيمُ: الْقُرْآنُ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سُمِّيَ نَبَأً؛ لِأَنَّهُ يُنَبَّأُ بِهِ، وَالْمَعْنَى بِهِ إِذَا سَأَلُوا عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ فَأَجِبْهُمْ وَبَلِّغِ الْقُرْآنَ إِلَيْهِمْ، قَالَ الرَّاغِبُ: النَّبَأُ الْخَبَرُ ذُو الْفَائِدَةِ الْجَلِيلَةِ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ غَالِبٌ، وَحَقُّ الْخَبَرِ الَّذِي يُسَمَّى نَبَأً أَنْ يَتَعَرَّى عَنِ الْكَذِبِ.

قَوْلُهُ: صَوَابًا: حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُرِيدُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أَيْ حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ فَهُوَ الَّذِي يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْكَلَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَادَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ آيَةً مُنَاسِبَةً لِلتَّرْجَمَةِ يَذْكُرُ مَعَهَا بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا تِلْكَ الْآيَةُ مِمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ فِي تَفْسِيرٍ وَنَحْوِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ بِالتَّرْجَمَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي مُنَاسَبَتِهَا أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ ﴿صَوَابًا﴾ بِقَوْلِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي الدُّنْيَا يَشْمَلُ ذِكْرَ اللَّهِ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ فَنَاسَبَ قَوْلُهُ ذِكْرَ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.

(تَنْبِيهٌ):

لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا وَلَعَلَّهُ بَيَّضَ لَهُ فَأَدْبَجَهُ النُّسَّاخُ كَغَيْرِهِ، وَاللَّائِقُ بِهِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ - أَيْ مِنَ النَّاسِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ - ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ - أَيْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ قَدْ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي - إِلَى أَنْ قَالَ - يَقُولُ الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ سُؤَالَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا مِنَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَمِنَ اللَّهِ الْأَمْرُ وَالْإِجَابَةُ انْتَهَى. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ فَاكْتَفَى فِيهِ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَفِي كِتَابِهِ مِنْ ذَلِكَ نَظَائِرُ.

٤٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّهرين -النِّيل والفرات- وأنَّ عنصرهما في السَّماء الدُّنيا والمشهور أنَّهما في السَّابعة، وشقُّ الصَّدر عند الإسراء، وذكر نهر الكوثر في السَّماء الدُّنيا، والمشهور أنَّه في الجنَّة، ونسبة (١) الدُّنوِّ والتَّدلِّي إلى الله تعالى والمشهور في الحديث أنَّه جبريل، وتصريحه بامتناعه (٢) من الرُّجوع إلى سؤال ربِّه التَّخفيف كان عند الخامسة (٣) فخالف ثابتًا عن أنسٍ، وأنَّه وضع عنه في كلِّ مرَّةٍ خمسًا، وأنَّ المراجعة كانت تسع مرَّاتٍ، وقوله: «فعلا به إلى الجبَّار فقال: وهو مكانه (٤)»، وقد سبق ما فيه ورجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث: أنَّ موسى أمره بالرُّجوع بعد أن انتهى التَّخفيف إلى الخمس فامتنع، وزيادته ذكر التَّور في الطَّست وسبق ما فيه. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «بتفضيل كلام الله» كما نبَّهت عليه ثَمَّ (٥).

(٣٨) (بابُ كَلَامِ الرَّبِّ) تعالى (مَعَ أَهْلِ الجَنَّةِ) فيها.

٧٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ

(الخُدْرِيِّ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ) وهم فيها: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ) يا (رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) خصَّه رعايةً للأدب (فَيَقُولُ) تعالى لهم: (هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ) : (أَلَا) بالتَّخفيف (أُعْطِيكُمْ) بضمِّ الهمزة (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟) الذي أعطيتكم من نعيم الجنَّة (فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ) جلَّ وعزَّ: (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) ومفهومه أنَّ لله أن يسخط على أهل الجنَّة؛ لأنَّه متفضِّلٌ عليهم بالإنعامات كلِّها، سواءٌ كانت دنيويَّةً أو أخرويَّةً، وكيف لا والعمل المتناهي لا يقتضي إلَّا جزاءً متناهيًا؟ وفي الجملة لا يجب على الله شيءٌ أصلًا، قاله الكِرمانيُّ، وهو مأخوذٌ من كلام ابن بطَّالٍ، وظاهر الحديث أيضًا: أنَّ الرِّضا أفضل من اللِّقاء، وأُجِيب بأنَّه لم يقل: أفضل من كلِّ شيءٍ، بل أفضل من الإعطاء، واللِّقاء يستلزم (١) الرِّضا، فهو من باب إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم كذا نقله في «الكواكب» قال في «الفتح»: ويحتمل أن يُقال: المراد: حصول أنواع الرِّضوان، ومن جملتها اللِّقاء، وحينئذٍ فلا إشكال، والمطابقة ظاهرةٌ.

وأخرجه في «الرِّقاق» في «باب صفة الجنَّة والنَّار» [خ¦٦٥٤٩].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ هُوَ جِبْرِيلُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ.

قَوْلُهُ: فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِيقَاظًا مِنْ نَوْمَةٍ نَامَهَا بَعْدَ الْإِسْرَاءِ؛ لِأَنَّ إِسْرَاءَهُ لَمْ يَكُنْ طُولَ لَيْلَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَفَقْتُ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ مِمَّا خَامَرَ بَاطِنَهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى حَالِ بَشَرِيَّتِهِ إِلَّا وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فَمُرَادُهُ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ نَوْمَهُ فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فَأَيْقَظَهُ، وَفِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ أَتَانِي الْمَلَكُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْتَحْكَمَ فِي نَوْمِهِ انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ يَنْبَنِي عَلَى تَوَحُّدِ الْقِصَّةِ، وَإِلَّا فَمَتَى حُمِلَتْ عَلَى التَّعَدُّدِ بِأَنْ كَانَ الْمِعْرَاجُ مَرَّةً فِي الْمَنَامِ وَأُخْرَى فِي الْيَقَظَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ):

قِيلَ اخْتَصَّ مُوسَى بِهَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَقِيَهُ النَّبِيُّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَلَقَّاهُ عِنْدَ الْهُبُوطِ؛ وَلِأَنَّ أُمَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أُمَّةِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ كِتَابَهُ أَكْبَرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَ الْقُرْآنِ تَشْرِيعًا وَأَحْكَامًا، أَوْ لِأَنَّ أُمَّةَ مُوسَى كَانُوا كُلِّفُوا مِنَ الصَّلَاةِ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَخَافَ مُوسَى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَاقَاهُ بَعْدَ الْهُبُوطِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَقِيَهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ انْتَهَى. وَإِذَا جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ فِي الصُّعُودِ فِي السَّادِسَةِ وَصَعِدَ مُوسَى إِلَى السَّابِعَةِ فَلَقِيَهُ فِيهَا بَعْدَ الْهُبُوطِ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَبَطَلَ الرَّدُّ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ

٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا.

٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلاَّ قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ

قَوْلُهُ (بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ ظَاهِرَيْنِ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْخَطَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وَأَجَابَ بِأَنَّ إِخْرَاجَ الْعِبَادِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَكَذَلِكَ تَنْجِيزَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَمَّا دَوَامُ ذَلِكَ فَزِيَادَةٌ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْمُجَازَاةِ لَوْ كَانَتْ لَازِمَةً، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَتِ الْمُجَازَاةُ لَا تَزِيدُ فِي الْعَادَةِ عَلَى الْمُدَّةِ - وَمُدَّةُ الدُّنْيَا مُتَنَاهِيَةٌ - جَازَ أَنْ تَتَنَاهَى مُدَّةُ الْمُجَازَاةِ فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالدَّوَامِ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ اللِّقَاءِ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَطَاءِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَاللِّقَاءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلرِّضَا فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّازِمِ وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ، كَذَا نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ حُصُولُ أَنْوَاعِ الرِّضْوَانِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا اللِّقَاءُ فَلَا إِشْكَالَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جمرة: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَنْزِلِ لِسَاكِنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَصْلِ لَهُ

فَإِنَّ الْجَنَّةَ مِلْكُ اللَّهِ ﷿، وَقَدْ أَضَافَهَا لِسَاكِنِهَا بِقَوْلِهِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ دَوَامِ رِضَاهُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ لَكَانَ خَبَرًا مِنْ بَابِ عِلْمِ الْيَقِينِ، فَأَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ عَيْنِ الْيَقِينِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَبَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بَعْضِهِ، وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُهُ، وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي السُّؤَالِ لِقَوْلِهِمْ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا شَيْئًا أَفْضَلَ مِمَّا هُمْ فِيهِ فَاسْتَفْهَمُوا عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَالْفَضْلَ وَالِاغْتِبَاطَ إِنَّمَا هُوَ فِي رِضَا اللَّهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَا عَدَاهُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ فَهُوَ مِنْ أَثَرِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رِضَا كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِحَالِهِ مَعَ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهِمْ وَتَنْوِيعِ دَرَجَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ أَجَابُوا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَعْطَيْتُنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ثَانِيهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ (فَأُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَذِنَ لَهُ فَزَرَعَ فَأَسْرَعَ.

قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الشِّبَعِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا يَسَعُكَ شَيْءٌ بِالْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ مِنَ الْوُسْعِ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ قَوْلُهُ قُرَشِيًّا وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَكْثَرِهِمْ زَرْعٌ. قُلْتُ: وَتَعْلِيلُهُ يَرُدُّ عَلَى نَفْيِهِ الْمُطْلَقِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِهِمْ زَرْعًا صَدَقَ قَوْلُهُ أَنَّ الزَّارِعَ الْمَذْكُورَ مِنْهُمْ، وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفْيَ الشِّبَعِ لَا يُوجِبُ الْجُوعَ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ وَهِيَ الْكِفَايَةُ، وَأَكْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلتَّنَعُّمِ وَالِاسْتِلْذَاذِ لَا عَنِ الْجُوعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الشِّبَعِ فِيهَا وَالصَّوَابُ أَنْ لَا شِبَعَ فِيهَا إِذْ لَوْ كَانَ لَمَنَعَ دَوَامَ أَكْلِ الْمُسْتَلِذِّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ جِنْسُ الْآدَمِيِّ، وَمَا طُبِعَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

٣٩ - بَاب ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِبْلَاغِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، يُقَالُ: افْرُقْ: اقْضِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَ، النَّبَأُ الْعَظِيمُ: الْقُرْآنُ، ﴿صَوَابًا﴾ حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ.

قَوْلُهُ: بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْإِبْلَاغِ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابْنُ التِّينِ.

قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: بَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَالثَّنَاءُ وَذِكْرَ اللَّهِ الْإِجَابَةُ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ - رَفَعَهُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ ذِكْرُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ إِذَا أَطَاعُوهُ أَوْ بِعَذَابِهِ إِذَا عَصَوْهُ، وَذِكْرُ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يَدْعُوَهُ وَيَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَيُبَلِّغُوا رِسَالَاتَهُ إِلَى الْخَلْقِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى طَاعَتِهِ ذَكَرَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَإِذَا ذَكَرَهُ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذَكَرَهُ بِلَعْنَتِهِ، قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَعُونَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عِبَارَةٍ أَكْثَرُهَا عَنْ أَهْلِ الزُّهْدِ وَمَرْجِعُهَا إِلَى مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالثَّوَابِ أَوِ الْمَحَبَّةِ وَالْوَصْلِ أَوِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَذِكْرُ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ إِلَى آخِرِهِ، فَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَيَشْرَكُهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ سَائِرُ الْعِبَادِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ بِاللِّسَانِ وَعِنْدَمَا يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَ رَبِّهِ فَيَكُفُّ، وَنُقِلَ عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ

قَوْمٌ: إِنَّ هَذَا الذِّكْرَ أَفْضَلُ، قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَوْلُهُ بِلِسَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَعْظَمُ مِنْ ذِكْرِهِ بِقَلْبِهِ وَوُقُوفِهِ عَنْ عَمَلِ السَّيِّئَةِ. قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّفَاضُلُ بِصِحَّةِ التَّقَابُلِ بِذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِهِ بِالْقَلْبِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، وَأَمَّا وُقُوفُهُ بِسَبَبِ الذِّكْرِ عَنْ عَمَلِ السَّيِّئَةِ فَقَدْرٌ زَائِدٌ يَزْدَادُ بِسَبَبِهِ فَضْلُ الذِّكْرِ، فَظَهَرَ صِحَّةُ مَا نَقَلَهُ عَنِ الْقَوْمِ دُونَ مَا تَخَيَّلَهُ.

قَوْلُهُ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ إِلَخْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَشَارَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نُوحًا بِمَا بَلَّغَ بِهِ مَنْ أَمَرَهُ وَذَكَّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَكَذَلِكَ فَرَضَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ تَبْلِيغَ كِتَابِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ مَذْكُورٌ بِأَنَّهُ أُمِرَ بِالتِّلَاوَةِ عَلَى الْأُمَّةِ وَالتَّبْلِيغِ إِلَيْهِمْ أَنَّ نُوحًا كَانَ يُذَكِّرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ.

قَوْلُهُ: غُمَّةً: هَمٌّ وَضِيقٌ) هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ

نَبَأَ نُوحٍ﴾ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى غُمَّةً شَيْءٌ لَيْسَ ظَاهِرًا، يُقَالُ الْقَوْمُ فِي غُمَّةٍ إِذَا غَطَّى عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَالْتَبَسَ، وَمِنْهُ غُمَّ الْهِلَالُ إِذَا غَشِيَهُ شَيْءٌ فَغَطَّاهُ، وَالْغَمُّ مَا يغشى الْقَلْبَ مِنَ الْكَرْبِ.

قَوْلُهُ: قَالَ مُجَاهِدٌ اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ افْرُقِ اقْضِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ قَالَ اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ اقْضُوا إِلَيَّ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ أَظْهِرُوا الْأَمْرَ وَمَيِّزُوهُ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى شُبْهَةٌ ثُمَّ اقْضُوا بِمَا شِئْتُمْ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ افْرُقِ اقْضِ فَمَعْنَاهُ أَظْهِرِ الْأَمْرَ وَافْصِلْهُ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى شُبْهَةٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُقَالُ افْرُقِ اقْضِ فَلَا يَكُونُ مِنْ كَلَامِ مُجَاهِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ إِعَادَةُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ.

قَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ) أَيْ يَأْتِي النَّبِيَّ (فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُهُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حِينَ يَأْتِيهِ، (فَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مَأْمَنَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَجْلِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِإِجَارَةِ الَّذِي يَسْمَعُ الذِّكْرَ حَتَّى يَسْمَعَهُ، فَإِنْ آمَنَ فَذَاكَ وَإِلَّا فَيَبْلُغُ مَأْمَنَهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِ مَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّبَأُ الْعَظِيمُ: الْقُرْآنُ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سُمِّيَ نَبَأً؛ لِأَنَّهُ يُنَبَّأُ بِهِ، وَالْمَعْنَى بِهِ إِذَا سَأَلُوا عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ فَأَجِبْهُمْ وَبَلِّغِ الْقُرْآنَ إِلَيْهِمْ، قَالَ الرَّاغِبُ: النَّبَأُ الْخَبَرُ ذُو الْفَائِدَةِ الْجَلِيلَةِ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ غَالِبٌ، وَحَقُّ الْخَبَرِ الَّذِي يُسَمَّى نَبَأً أَنْ يَتَعَرَّى عَنِ الْكَذِبِ.

قَوْلُهُ: صَوَابًا: حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُرِيدُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أَيْ حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ فَهُوَ الَّذِي يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْكَلَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَادَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ آيَةً مُنَاسِبَةً لِلتَّرْجَمَةِ يَذْكُرُ مَعَهَا بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا تِلْكَ الْآيَةُ مِمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ فِي تَفْسِيرٍ وَنَحْوِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ بِالتَّرْجَمَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي مُنَاسَبَتِهَا أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ ﴿صَوَابًا﴾ بِقَوْلِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي الدُّنْيَا يَشْمَلُ ذِكْرَ اللَّهِ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ فَنَاسَبَ قَوْلُهُ ذِكْرَ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.

(تَنْبِيهٌ):

لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا وَلَعَلَّهُ بَيَّضَ لَهُ فَأَدْبَجَهُ النُّسَّاخُ كَغَيْرِهِ، وَاللَّائِقُ بِهِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ - أَيْ مِنَ النَّاسِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ - ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ - أَيْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ قَدْ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي - إِلَى أَنْ قَالَ - يَقُولُ الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ سُؤَالَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا مِنَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَمِنَ اللَّهِ الْأَمْرُ وَالْإِجَابَةُ انْتَهَى. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ فَاكْتَفَى فِيهِ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَفِي كِتَابِهِ مِنْ ذَلِكَ نَظَائِرُ.

٤٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّهرين -النِّيل والفرات- وأنَّ عنصرهما في السَّماء الدُّنيا والمشهور أنَّهما في السَّابعة، وشقُّ الصَّدر عند الإسراء، وذكر نهر الكوثر في السَّماء الدُّنيا، والمشهور أنَّه في الجنَّة، ونسبة (١) الدُّنوِّ والتَّدلِّي إلى الله تعالى والمشهور في الحديث أنَّه جبريل، وتصريحه بامتناعه (٢) من الرُّجوع إلى سؤال ربِّه التَّخفيف كان عند الخامسة (٣) فخالف ثابتًا عن أنسٍ، وأنَّه وضع عنه في كلِّ مرَّةٍ خمسًا، وأنَّ المراجعة كانت تسع مرَّاتٍ، وقوله: «فعلا به إلى الجبَّار فقال: وهو مكانه (٤)»، وقد سبق ما فيه ورجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث: أنَّ موسى أمره بالرُّجوع بعد أن انتهى التَّخفيف إلى الخمس فامتنع، وزيادته ذكر التَّور في الطَّست وسبق ما فيه. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «بتفضيل كلام الله» كما نبَّهت عليه ثَمَّ (٥).

(٣٨) (بابُ كَلَامِ الرَّبِّ) تعالى (مَعَ أَهْلِ الجَنَّةِ) فيها.

٧٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ

(الخُدْرِيِّ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ) وهم فيها: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ) يا (رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) خصَّه رعايةً للأدب (فَيَقُولُ) تعالى لهم: (هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ) : (أَلَا) بالتَّخفيف (أُعْطِيكُمْ) بضمِّ الهمزة (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟) الذي أعطيتكم من نعيم الجنَّة (فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ) جلَّ وعزَّ: (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) ومفهومه أنَّ لله أن يسخط على أهل الجنَّة؛ لأنَّه متفضِّلٌ عليهم بالإنعامات كلِّها، سواءٌ كانت دنيويَّةً أو أخرويَّةً، وكيف لا والعمل المتناهي لا يقتضي إلَّا جزاءً متناهيًا؟ وفي الجملة لا يجب على الله شيءٌ أصلًا، قاله الكِرمانيُّ، وهو مأخوذٌ من كلام ابن بطَّالٍ، وظاهر الحديث أيضًا: أنَّ الرِّضا أفضل من اللِّقاء، وأُجِيب بأنَّه لم يقل: أفضل من كلِّ شيءٍ، بل أفضل من الإعطاء، واللِّقاء يستلزم (١) الرِّضا، فهو من باب إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم كذا نقله في «الكواكب» قال في «الفتح»: ويحتمل أن يُقال: المراد: حصول أنواع الرِّضوان، ومن جملتها اللِّقاء، وحينئذٍ فلا إشكال، والمطابقة ظاهرةٌ.

وأخرجه في «الرِّقاق» في «باب صفة الجنَّة والنَّار» [خ¦٦٥٤٩].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله