الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٦
الحديث رقم ٧٥٦ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
⦗١٥٢⦘
وَسَلَّمَ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي الحديث: أنَّ من سُعِيَ به من الولاة يُسأَل عنه في موضع عمله أهلُ الفضل، وأنَّ الإمام يَعْزِلُ من شُكِيَ منه وإن كُذِبَ عليه إذا رآه مصلحةً. قال الإمام (١) مالكٌ: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل ممَّن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
والحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٥٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة الخزرجيِّ الأنصاريِّ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ) فيها (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) أي: في كلِّ ركعةٍ، منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، سواءٌ أسرَّ الإمام أم جهر.
قال المَازِرِيُّ (٢): اختلف الأصوليُّون في مثل هذا اللَّفظ؛ يعني: قوله: «لا صلاة … » إلى آخره.
فقِيلَ: هو (٣) مُجمَلٌ لأنَّه حقيقة في نفي الذَّات، والذَّات واقعةٌ، والواقع لا يرتفع، فينصرف (٤) لنفي الحكم، وهو متردِّدٌ بين نفي الكمال ونفي الصحة، وليس أحدهما أَوْلى، فيلزم الإجمال، وهو خطأٌ لأنَّ العرب لم تضعه لنفي الذَّات، وإنَّما تورده للمبالغة، ثمَّ تذكر الذَّات ليحصل (٥)
ما أرادت من المُبالَغة. وقِيلَ: هو عامٌّ مخصوصٌ، عامٌّ في نفي الذَّات وأحكامها، ثمَّ خُصَّ بإخراج الذَّات لأنَّ الرَّسول لا يكذب. وقِيلَ: هو عامٌّ غير مخصوصٍ لأنَّ العرب لم تضعه لنفي الذَّات، بل لنفي كلِّ أحكامها، وأحكامها في مسألتنا الكمال والصِّحَّة، وهو عامٌّ فيهما. وردَّه المحقِّقون بأنَّ العموم إنَّما يحسن إذا لم يكن فيه تنافٍ، وهو هنا لازمٌ لأنَّ نفيَ الكمال (١) يصحُّ معه الإجزاء، ونفي الصِّحَّة لا يصحُّ معه الإجزاء (٢)، وصار المحقِّقون إلى الوقف، وأنَّه تردُّدٌ (٣) بين نفي الكمال والإجزاء (٤)، فإجماله من هذا الوجه، لا ممَّا قاله الأوَّلون، وعلى هذا المذهب يتخرَّج (٥) قوله: «لا صلاة»، وتعقَّبه الأُبِّيُّ فقال: ما رَدَّ به الأوَّل لا يرفع الإجمال لأنَّه وإن سُلِّم أنَّه لنفي الحكم فالأحكام متعدِّدةٌ، وليس أحدهما أَوْلى -كما تقدَّم-، وإنَّما الجواب ما قِيلَ: من أنَّه لا يمتنع نفي الذَّات، أي: الحقيقة الشَّرعيَّة لأنَّ الصَّلاة في عرف الشَّرع اسمٌ للصَّلاة الصَّحيحة، فإذا فُقِد شرطُ صحَّتها انتفت، فلا بدَّ من (٦) تعلُّق النَّفي بالمُسمَّى الشَّرعيِّ، ثمَّ لو سُلِّم عَوْدُه إلى الحكم فلا يلزم الإجمال لأنَّه في نفي الصِّحَّة أظهر؛ لأنَّ مثل هذا اللَّفظ يُستعمَل عرفًا لنفي الفائدة كقولهم: لا عِلْم إِلَّا ما نفع، ونفي الصِّحَّة أظهر (٧) في بيان نفي الفائدة، وأيضًا اللَّفظ يشعر بالنَّفي العامِّ، ونفي الصِّحَّة أقرب إلى العموم من نفي الكمال لأنَّ الفاسد لا اعتبار له بوجهٍ، ومن قال: إنَّه عامٌّ مخصوصٌ فالمُخصِّص (٨) عنده الحسُّ؛ لأنَّ الصَّلاة قد وقعت كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فإنَّ الحسَّ يشهد بأنَّها لم تدمِّر الجبال. انتهى.
وقال في «فتح القدير»: قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» هو مشترك الدَّلالة لأنَّ النَّفيَ لا يَرِدُ إلَّا على النِّسَب، لا على نفس المُفرَد، والخبر الَّذي هو متعلِّق الجارِّ محذوفٌ،
فيمكن (١) تقديره: «صحيحةٌ» فيوافق رأي الشَّافعيِّ، أو «كاملةٌ» فيخالفه، وفيه نظرٌ لأنَّ مُتعلِّق المجرور الواقع خبرًا استقرارٌ عامٌّ، فالحاصل: لا صلاة كائنةٌ، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصِّحَّة، هذا هو الأصل بخلاف: «لا صلاة لجار المسجد … » إلى آخره، «ولا صلاة للعبد الآبق» فإنَّ قيام الدَّليل على الصِّحَّة أوجب كون المراد كونًا خاصًّا، أي: كاملةٌ، فعلى هذا يكون من حذف الخبر، لا من وقوع الجارِّ والمجرور خبرًا.
ثمَّ إنَّ الشَّافعيَّة يثبتون ركنيَّة الفاتحة، لا (٢) على معنى الوجوب عند الحنفيَّة، فإنَّهم لا يقولون بوجوبها قطعًا بل ظنًّا، غير أنَّهم لا يخصُّون الفرضيَّة والرُّكنيَّة بالقطعيِّ، فلهم أن يقولوا: نقول بموجب الوجه المذكور، وإن جوَّزنا الزِّيادة بخبر الواحد، لكنَّها ليست بلازمةٍ هنا، فإنَّا إنَّما قلنا بركنيَّتها وافتراضها بالمعنى الَّذي سمَّيتموه وجوبًا، فلا زيادة (٣).
واختلف المالكيَّة: هل تجب الفاتحة في كلِّ ركعةٍ أو الجُلِّ؟ والقولان في «المُدَوَّنة»، وشَهَّر ابن شَاسٍ الرِّواية الأولى، قال القاضي عبد الوهَّاب: وهو المشهور من المذهب، والَّذي رُجِع إليه هي (٤) الرِّواية الثَّانية، قال القَرَافِيُّ: وهو ظاهر المذهب، قاله (٥) بَهْرَامُ.
وحديث الباب لا دلالة فيه على وجوبها في كلِّ ركعةٍ، بل مفهومه الدَّلالة على الصِّحَّة بقراءتها في ركعةٍ واحدةٍ منها لأنَّ فعلها في ركعةٍ واحدةٍ يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك
الصَّلاة، والأصل عدم وجوب الزِّيادة على المرَّة الواحدة، نعم يدلُّ للقائلين بوجوبها في كلِّ ركعةٍ -وهم الجمهور- قوله ﵊: «وافعل ذلك في صلاتك كلِّها» بعد أن أمره بالقراءة، وقوله في حديث أحمد وابن حبَّان: «ثمَّ افعل ذلك في كلِّ ركعةٍ»، ولم يفرضها الحنفيَّة لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فتجوز الصَّلاة بأيِّ قراءةٍ كانت، قالوا: والزِّيادة على النَّصِّ تكون نسخًا لإطلاقه، وذا غيرُ جائزٍ، ولا يجوز أن يُجعَل بيانًا للآية لأنَّه لا إجمال فيها؛ إذ المُجمَل ما يتعذَّر العمل به قبل البيان، والآية ليست كذلك، وتعيين (١) الفاتحة إنَّما ثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم تاركه وتجزئ الصَّلاة بدونه.
والفرض: آيةٌ قصيرةٌ عند أبي حنيفة كـ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] وقال صاحباه: آيةٌ طويلةٌ أو ثلاث آياتٍ قصارٍ، وتتعيَّن ركعتان لفرض القراءة لقوله ﵊: «القراءة في الأوليين قراءةٌ في الأخريين»، وتُسَنُّ في الأخريين (٢) الفاتحة خاصَّةً، وإن سبَّح فيهما أو سكت جاز لعدم فرضيَّة القراءة فيهما.
لنا قوله ﵊: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» رواه الإسماعيليُّ بسند حديث الباب من طريق العبَّاس بن الوليد النَّرْسِيِّ، أحد شيوخ البخاريِّ، وقوله ﵊: «لا صلاة إِلَّا بقراءة فاتحة الكتاب» رواه ابن خزيمة.
واستدلَّ من أسقطها عن المأموم مطلقًا -كالحنفيَّة- بحديث: «من صلَّى خلف إمامٍ فقراءة الإمام له قراءةٌ». قال في «الفتح»: وهو حديثٌ ضعيفٌ عند الحفَّاظ، واستدلَّ من أسقطها عنه في الجهريَّة -كالمالكيَّة- بحديث: «فإذا قرأ فأنصتوا» رواه مسلمٌ، ولا دلالة فيه لإمكان الجمع
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي الحديث: أنَّ من سُعِيَ به من الولاة يُسأَل عنه في موضع عمله أهلُ الفضل، وأنَّ الإمام يَعْزِلُ من شُكِيَ منه وإن كُذِبَ عليه إذا رآه مصلحةً. قال الإمام (١) مالكٌ: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل ممَّن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
والحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٥٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة الخزرجيِّ الأنصاريِّ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ) فيها (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) أي: في كلِّ ركعةٍ، منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، سواءٌ أسرَّ الإمام أم جهر.
قال المَازِرِيُّ (٢): اختلف الأصوليُّون في مثل هذا اللَّفظ؛ يعني: قوله: «لا صلاة … » إلى آخره.
فقِيلَ: هو (٣) مُجمَلٌ لأنَّه حقيقة في نفي الذَّات، والذَّات واقعةٌ، والواقع لا يرتفع، فينصرف (٤) لنفي الحكم، وهو متردِّدٌ بين نفي الكمال ونفي الصحة، وليس أحدهما أَوْلى، فيلزم الإجمال، وهو خطأٌ لأنَّ العرب لم تضعه لنفي الذَّات، وإنَّما تورده للمبالغة، ثمَّ تذكر الذَّات ليحصل (٥)
ما أرادت من المُبالَغة. وقِيلَ: هو عامٌّ مخصوصٌ، عامٌّ في نفي الذَّات وأحكامها، ثمَّ خُصَّ بإخراج الذَّات لأنَّ الرَّسول لا يكذب. وقِيلَ: هو عامٌّ غير مخصوصٍ لأنَّ العرب لم تضعه لنفي الذَّات، بل لنفي كلِّ أحكامها، وأحكامها في مسألتنا الكمال والصِّحَّة، وهو عامٌّ فيهما. وردَّه المحقِّقون بأنَّ العموم إنَّما يحسن إذا لم يكن فيه تنافٍ، وهو هنا لازمٌ لأنَّ نفيَ الكمال (١) يصحُّ معه الإجزاء، ونفي الصِّحَّة لا يصحُّ معه الإجزاء (٢)، وصار المحقِّقون إلى الوقف، وأنَّه تردُّدٌ (٣) بين نفي الكمال والإجزاء (٤)، فإجماله من هذا الوجه، لا ممَّا قاله الأوَّلون، وعلى هذا المذهب يتخرَّج (٥) قوله: «لا صلاة»، وتعقَّبه الأُبِّيُّ فقال: ما رَدَّ به الأوَّل لا يرفع الإجمال لأنَّه وإن سُلِّم أنَّه لنفي الحكم فالأحكام متعدِّدةٌ، وليس أحدهما أَوْلى -كما تقدَّم-، وإنَّما الجواب ما قِيلَ: من أنَّه لا يمتنع نفي الذَّات، أي: الحقيقة الشَّرعيَّة لأنَّ الصَّلاة في عرف الشَّرع اسمٌ للصَّلاة الصَّحيحة، فإذا فُقِد شرطُ صحَّتها انتفت، فلا بدَّ من (٦) تعلُّق النَّفي بالمُسمَّى الشَّرعيِّ، ثمَّ لو سُلِّم عَوْدُه إلى الحكم فلا يلزم الإجمال لأنَّه في نفي الصِّحَّة أظهر؛ لأنَّ مثل هذا اللَّفظ يُستعمَل عرفًا لنفي الفائدة كقولهم: لا عِلْم إِلَّا ما نفع، ونفي الصِّحَّة أظهر (٧) في بيان نفي الفائدة، وأيضًا اللَّفظ يشعر بالنَّفي العامِّ، ونفي الصِّحَّة أقرب إلى العموم من نفي الكمال لأنَّ الفاسد لا اعتبار له بوجهٍ، ومن قال: إنَّه عامٌّ مخصوصٌ فالمُخصِّص (٨) عنده الحسُّ؛ لأنَّ الصَّلاة قد وقعت كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فإنَّ الحسَّ يشهد بأنَّها لم تدمِّر الجبال. انتهى.
وقال في «فتح القدير»: قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» هو مشترك الدَّلالة لأنَّ النَّفيَ لا يَرِدُ إلَّا على النِّسَب، لا على نفس المُفرَد، والخبر الَّذي هو متعلِّق الجارِّ محذوفٌ،
فيمكن (١) تقديره: «صحيحةٌ» فيوافق رأي الشَّافعيِّ، أو «كاملةٌ» فيخالفه، وفيه نظرٌ لأنَّ مُتعلِّق المجرور الواقع خبرًا استقرارٌ عامٌّ، فالحاصل: لا صلاة كائنةٌ، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصِّحَّة، هذا هو الأصل بخلاف: «لا صلاة لجار المسجد … » إلى آخره، «ولا صلاة للعبد الآبق» فإنَّ قيام الدَّليل على الصِّحَّة أوجب كون المراد كونًا خاصًّا، أي: كاملةٌ، فعلى هذا يكون من حذف الخبر، لا من وقوع الجارِّ والمجرور خبرًا.
ثمَّ إنَّ الشَّافعيَّة يثبتون ركنيَّة الفاتحة، لا (٢) على معنى الوجوب عند الحنفيَّة، فإنَّهم لا يقولون بوجوبها قطعًا بل ظنًّا، غير أنَّهم لا يخصُّون الفرضيَّة والرُّكنيَّة بالقطعيِّ، فلهم أن يقولوا: نقول بموجب الوجه المذكور، وإن جوَّزنا الزِّيادة بخبر الواحد، لكنَّها ليست بلازمةٍ هنا، فإنَّا إنَّما قلنا بركنيَّتها وافتراضها بالمعنى الَّذي سمَّيتموه وجوبًا، فلا زيادة (٣).
واختلف المالكيَّة: هل تجب الفاتحة في كلِّ ركعةٍ أو الجُلِّ؟ والقولان في «المُدَوَّنة»، وشَهَّر ابن شَاسٍ الرِّواية الأولى، قال القاضي عبد الوهَّاب: وهو المشهور من المذهب، والَّذي رُجِع إليه هي (٤) الرِّواية الثَّانية، قال القَرَافِيُّ: وهو ظاهر المذهب، قاله (٥) بَهْرَامُ.
وحديث الباب لا دلالة فيه على وجوبها في كلِّ ركعةٍ، بل مفهومه الدَّلالة على الصِّحَّة بقراءتها في ركعةٍ واحدةٍ منها لأنَّ فعلها في ركعةٍ واحدةٍ يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك
الصَّلاة، والأصل عدم وجوب الزِّيادة على المرَّة الواحدة، نعم يدلُّ للقائلين بوجوبها في كلِّ ركعةٍ -وهم الجمهور- قوله ﵊: «وافعل ذلك في صلاتك كلِّها» بعد أن أمره بالقراءة، وقوله في حديث أحمد وابن حبَّان: «ثمَّ افعل ذلك في كلِّ ركعةٍ»، ولم يفرضها الحنفيَّة لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فتجوز الصَّلاة بأيِّ قراءةٍ كانت، قالوا: والزِّيادة على النَّصِّ تكون نسخًا لإطلاقه، وذا غيرُ جائزٍ، ولا يجوز أن يُجعَل بيانًا للآية لأنَّه لا إجمال فيها؛ إذ المُجمَل ما يتعذَّر العمل به قبل البيان، والآية ليست كذلك، وتعيين (١) الفاتحة إنَّما ثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم تاركه وتجزئ الصَّلاة بدونه.
والفرض: آيةٌ قصيرةٌ عند أبي حنيفة كـ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] وقال صاحباه: آيةٌ طويلةٌ أو ثلاث آياتٍ قصارٍ، وتتعيَّن ركعتان لفرض القراءة لقوله ﵊: «القراءة في الأوليين قراءةٌ في الأخريين»، وتُسَنُّ في الأخريين (٢) الفاتحة خاصَّةً، وإن سبَّح فيهما أو سكت جاز لعدم فرضيَّة القراءة فيهما.
لنا قوله ﵊: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» رواه الإسماعيليُّ بسند حديث الباب من طريق العبَّاس بن الوليد النَّرْسِيِّ، أحد شيوخ البخاريِّ، وقوله ﵊: «لا صلاة إِلَّا بقراءة فاتحة الكتاب» رواه ابن خزيمة.
واستدلَّ من أسقطها عن المأموم مطلقًا -كالحنفيَّة- بحديث: «من صلَّى خلف إمامٍ فقراءة الإمام له قراءةٌ». قال في «الفتح»: وهو حديثٌ ضعيفٌ عند الحفَّاظ، واستدلَّ من أسقطها عنه في الجهريَّة -كالمالكيَّة- بحديث: «فإذا قرأ فأنصتوا» رواه مسلمٌ، ولا دلالة فيه لإمكان الجمع