الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٨
الحديث رقم ٧٨ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخروج في طلب العلم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
⦗٢٧⦘
بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَهُوَ مُطَابِقٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِلْمَاعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا صَرِيحًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ، إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الِاسْتِيعَابِ إِنَّهُ عَقَلَ الْمَجَّةَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ، وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا التَّرَدُّدِ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ إِنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ لَمَّا مَاتَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِدِيِّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ أَلْغَى الْكَسْرَ وَجَبَرَهُ غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا فَقَدِ اعْتَرَضَ الْمُهَلَّبُ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رُؤْيَتِهِ وَالِدَهُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُرَاجَعَتِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَفِيهِ السَّمَاعُ مِنْهُ، وَكَانَ سِنُّهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعًا، فَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ مَحْمُودٍ. وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ مَحْمُودٍ ضَبْطُهُ لِسَمَاعِ شَيْءٍ، فَكَانَ ذِكْرُ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْلَى لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ نَقْلَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ لَا الْأَحْوَالِ الْوُجُودِيَّةِ، وَمَحْمُودٌ نَقَلَ سُنَّةً مَقْصُودَةً فِي كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّ مَجَّةً فِي وَجْهِهِ، بَلْ فِي مُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ تُثْبِتُ كَوْنَهُ صَحَابِيًّا. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَيْسَ فِيهَا نَقْلُ سُنَّةٍ مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ حَتَّى تَدْخُلَ فِي هَذَا الْبَابِ. ثُمَّ أَنْشَدَ
وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِالَّذِي فِيهِ
انْتَهَى. وَهُوَ جَوَابٌ مُسَدَّدٌ. وَتَكْمِلَتُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِلَفْظِ السَّمَاعِ فِي التَّرْجَمَةِ هُوَ أَوْ مَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مِنْ نَقْلِ الْفِعْلِ أَوِ التَّقْرِيرِ، وَغَفَلَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ، فَقَالَ: يَحْتَاجُ الْمُهَلَّبُ إِلَى ثُبُوتِ أَنَّ قِصَّةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ صَحِيحَةٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، انْتَهَى. وَالْبُخَارِيُّ قَدْ أَخْرَجَ قِصَّةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورَةَ فِي مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ فِي الصَّحِيحِ، فَالْإِيرَادُ مُوَجَّهٌ وَقَدْ حَصَلَ جَوَابُهُ. وَالْعَجَبُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ عَلَى كِتَابِ يَغْفُلُ عَمَّا وَقَعَ فِيهِ فِي الْمَوَاضِعِ الْوَاضِحَةِ وَيَعْتَرِضُهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِ وُرُودِهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ دَلْوٍ) زَادَ النَّسَائِيُّ: مُعَلَّقٍ وَلِابْنِ حِبَّانَ مُعَلَّقَةٍ وَالدَّلْوُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ وَلَهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا: مِنْ بِئْرٍ بَدَلَ دَلْوٍ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَاءَ أُخِذَ بِالدَّلْوِ مِنَ الْبِئْرِ وَتَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدَّلْوِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ إِحْضَارِ الصِّبْيَانِ مَجَالِسَ الْحَدِيثِ وَزِيَارَةُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ فِي دُوِرِهِمْ وَمُدَاعَبَتُهُ صِبْيَانَهُمْ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَسْمِيعِ مَنْ يَكُونُ ابْنَ خَمْسٍ، وَمَنْ كَانَ دُونَهَا يُكْتَبُ لَهُ حُضُورٌ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا فِي تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِكَ اعْتِبَارُ الْفَهْمِ، فَمَنْ فَهِمَ الْخِطَابَ سَمِعَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ابْنِ خَمْسٍ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِتَحْدِيدِ الْخَمْسِ أَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ، لَا أَنَّ بُلُوغَهَا شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ ضَبْطُ الْفُقَهَاءِ سِنَّ التَّمْيِيزِ بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَالْمُرَجَّحُ أَنَّهَا مَظِنَّةٌ لَا تَحْدِيدٌ. وَمِنْ أَقْوَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ الْمَرَدَّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَهْمِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ مَا أَوْرَدَهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: ذَهَبْتُ بِابْنِي - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ - إِلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فَحَدَّثَهُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الصَّبِيِّ الْحَدِيثَ وَالْقُرْآنَ وَهُوَ فِي هَذَا السِّنِّ، يَعْنِي إِذَا كَانَ فَهِمًا.
وَقِصَّةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِي الْحَافِظِ فِي تَسْمِيعِهِ لِابْنِ أَرْبَعٍ بَعْدَ أَنِ امْتَحَنَهُ بِحِفْظِ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَشْهُورَةٌ.
١٩ - بَاب الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ
وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ:، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي
صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُرُوجِ) أَيِ: السَّفَرِ (فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا مَرْفُوعًا صَرِيحًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْمُصَنِّفُ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مُصَغَّرًا هُوَ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ) هُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا ثُمَّ شَدَدْتُ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ. فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي. فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، وَتَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ، وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا فَسِرْتُ حَتَّى وَرَدْتُ مِصْرَ فَقَصَدْتُ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ. . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ.
وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ أَخْرَجَهَا الْخَطِيبُ فِي الرِّحْلَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَارُودِ الْعَنْسِيِّ - وَهُوَ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَادَّعَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا يَنْقُضُ الْقَاعِدَةَ الْمَشْهُورَةَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَيْثُ يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَحَيْثُ يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ يَكُونُ فِيهِ عِلَّةٌ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْجَزْمِ هُنَا، ثُمَّ أَخْرَجَ طَرَفًا مِنْ مَتْنِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، فَقَالَ:: وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ، وَالْقَاعِدَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ غَيْرُ مُنْتَقَضَةٍ، وَنَظَرُ الْبُخَارِيِّ أَدَقُّ مِنْ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ حَيْثُ ذَكَرَ الِارْتِحَالَ فَقَطْ جَزَمَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ حَسَنٌ وَقَدِ اعْتُضِدَ. وَحَيْثُ ذَكَرَ طَرَفًا مِنَ الْمَتْنِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، لِأَنَّ لَفْظَ الصَّوْتِ مِمَّا يُتَوَقَّفُ فِي إِطْلَاقِ نِسْبَتِهِ إِلَى الرَّبِّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تأويل (١) فَلَا يَكْفِي فِيهِ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا وَلَوِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر اللَّام الخفيفة بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، لا بلامٍ مُشدَّدةٍ كما وقع للزَّركشيِّ، قال (١) في «فتح الباري»: وهو سبق قلمٍ، أو خطأٌ من النَّاسخ. انتهى، الكَلاعيُّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ «قاضي حمص» (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الخولانيُّ الحمصيُّ (قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ) وللأَصيليِّ: «قال: حدَّثنا الأَوزاعيُّ» بفتح الهمزة؛ نسبةً إلى الأوزاع؛ قرية بقُرْب دمشق خارج باب الفراديس، أو لبطنٍ من حِمْيَر، أو همْدان؛ بسكون الميم، أو لأوزاع (٢) القبائل، أي: فِرَقها، أبو عمرٍو عبد الرَّحمن بن عمرو بن يُحْمِد (٣)، أحد الأعلام، من أتباع التَّابعين، المُتوفَّى سنة سبع وخمسين ومئةٍ (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين (بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) مِنَ التَّماري؛ وهو التَّجادل والتَّنازع (هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى) بن عمران ﵇؛ هل هو خَضِرٌ أم لا؟ وأتى بضمير الفصل لأنَّه لا يُعطَف على الضَّمير المرفوع المتَّصل إلَّا إذا أُكِّد بالمنفصل، وسقطت لفظة «هو» من رواية ابن عساكر، فعطف (٤) على المرفوع المتَّصل بغير تأكيدٍ ولا فصلٍ، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين، وزاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٧٤]: قال ابن عبَّاسٍ: هو خَضِرٌ (فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ، أَقْرَأُ هذهِ الأمَّةِ، المَقُولُ فيه عن عمر: سيِّد المسلمين (فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) هلمَّ إلينا (فَقَالَ: إِنِّي
تَمَارَيْتُ أَنَا (١) وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بضمِّ اللَّام وكسر القاف وتشديد الياء؛ مصدَرٌ بمعنى اللِّقاء، يُقَال: لقيته لقاءً بالمدِّ، ولُقًا بالقصر، ولقيًّا بالقصر (٢) بالتشديد (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ) قصَّته؟ (فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى) ﵇ (فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) من ذرِّيَّة يعقوب بن إسحاق بن الخليل عليهم الصلاة والسلام، وعند مسلمٍ: «بينما موسى في قومه يذكِّرهم أيَّام الله» (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لم يُسمَّ (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال»: (أَتَعْلَمُ) بهمزة الاستفهام، وفي رواية الأربعة: «تعلم» بحذفها، وللكُشْمِيهَنِيِّ في رواية أبي ذَرٍّ (٣): «هل تعلم» (أَحَدًا أَعْلَمَ) بنصبهما مفعولًا وصفةً، وفي رواية الحَمُّويي: «أنَّ أحدًا أعلمُ» (مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا) إنَّما نفى الأعلميَّة بالنَّظر لِمَا في اعتقاده (فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: بَلَى) وللكُشْمِيهَنيِّ (٤) والحَمُّويي: «بل» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) أعلم منك، أي: في شيءٍ خاصٍّ (فَسَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) وفي السَّابقة [خ¦٧٤]: «إليه» بدل «لقيِّه» وزيادة: «موسى» (فَجَعَلَ اللهُ) تعالى (لَهُ الحُوتَ آيَةً) علامةً دالَّةً له على مكانه (وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى) وللأَصيليِّ: «ﷺ» (٥) (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «في الماء» (فَقَالَ فَتَى مُوسَى) يوشع (لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا) أي: حين نزلنا (إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) وفي حرف (٦) عبد الله: (وما أنسانيه أن أذكره إلَّا الشَّيطان) وكانا تزوَّدا حوتًا وخبزًا، فكانا يُصِيبان منه عند الغداء والعشاء، فلمَّا انتهيا إلى الصَّخرة على ساحل
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَهُوَ مُطَابِقٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِلْمَاعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا صَرِيحًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ، إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الِاسْتِيعَابِ إِنَّهُ عَقَلَ الْمَجَّةَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ، وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا التَّرَدُّدِ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ إِنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ لَمَّا مَاتَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِدِيِّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ أَلْغَى الْكَسْرَ وَجَبَرَهُ غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا فَقَدِ اعْتَرَضَ الْمُهَلَّبُ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رُؤْيَتِهِ وَالِدَهُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُرَاجَعَتِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَفِيهِ السَّمَاعُ مِنْهُ، وَكَانَ سِنُّهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعًا، فَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ مَحْمُودٍ. وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ مَحْمُودٍ ضَبْطُهُ لِسَمَاعِ شَيْءٍ، فَكَانَ ذِكْرُ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْلَى لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ نَقْلَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ لَا الْأَحْوَالِ الْوُجُودِيَّةِ، وَمَحْمُودٌ نَقَلَ سُنَّةً مَقْصُودَةً فِي كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّ مَجَّةً فِي وَجْهِهِ، بَلْ فِي مُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ تُثْبِتُ كَوْنَهُ صَحَابِيًّا. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَيْسَ فِيهَا نَقْلُ سُنَّةٍ مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ حَتَّى تَدْخُلَ فِي هَذَا الْبَابِ. ثُمَّ أَنْشَدَ
وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِالَّذِي فِيهِ
انْتَهَى. وَهُوَ جَوَابٌ مُسَدَّدٌ. وَتَكْمِلَتُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِلَفْظِ السَّمَاعِ فِي التَّرْجَمَةِ هُوَ أَوْ مَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مِنْ نَقْلِ الْفِعْلِ أَوِ التَّقْرِيرِ، وَغَفَلَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ، فَقَالَ: يَحْتَاجُ الْمُهَلَّبُ إِلَى ثُبُوتِ أَنَّ قِصَّةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ صَحِيحَةٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، انْتَهَى. وَالْبُخَارِيُّ قَدْ أَخْرَجَ قِصَّةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورَةَ فِي مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ فِي الصَّحِيحِ، فَالْإِيرَادُ مُوَجَّهٌ وَقَدْ حَصَلَ جَوَابُهُ. وَالْعَجَبُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ عَلَى كِتَابِ يَغْفُلُ عَمَّا وَقَعَ فِيهِ فِي الْمَوَاضِعِ الْوَاضِحَةِ وَيَعْتَرِضُهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِ وُرُودِهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ دَلْوٍ) زَادَ النَّسَائِيُّ: مُعَلَّقٍ وَلِابْنِ حِبَّانَ مُعَلَّقَةٍ وَالدَّلْوُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ وَلَهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا: مِنْ بِئْرٍ بَدَلَ دَلْوٍ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَاءَ أُخِذَ بِالدَّلْوِ مِنَ الْبِئْرِ وَتَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدَّلْوِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ إِحْضَارِ الصِّبْيَانِ مَجَالِسَ الْحَدِيثِ وَزِيَارَةُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ فِي دُوِرِهِمْ وَمُدَاعَبَتُهُ صِبْيَانَهُمْ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَسْمِيعِ مَنْ يَكُونُ ابْنَ خَمْسٍ، وَمَنْ كَانَ دُونَهَا يُكْتَبُ لَهُ حُضُورٌ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا فِي تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِكَ اعْتِبَارُ الْفَهْمِ، فَمَنْ فَهِمَ الْخِطَابَ سَمِعَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ابْنِ خَمْسٍ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِتَحْدِيدِ الْخَمْسِ أَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ، لَا أَنَّ بُلُوغَهَا شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ ضَبْطُ الْفُقَهَاءِ سِنَّ التَّمْيِيزِ بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَالْمُرَجَّحُ أَنَّهَا مَظِنَّةٌ لَا تَحْدِيدٌ. وَمِنْ أَقْوَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ الْمَرَدَّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَهْمِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ مَا أَوْرَدَهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: ذَهَبْتُ بِابْنِي - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ - إِلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فَحَدَّثَهُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الصَّبِيِّ الْحَدِيثَ وَالْقُرْآنَ وَهُوَ فِي هَذَا السِّنِّ، يَعْنِي إِذَا كَانَ فَهِمًا.
وَقِصَّةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِي الْحَافِظِ فِي تَسْمِيعِهِ لِابْنِ أَرْبَعٍ بَعْدَ أَنِ امْتَحَنَهُ بِحِفْظِ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَشْهُورَةٌ.
١٩ - بَاب الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ
وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ:، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي
صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُرُوجِ) أَيِ: السَّفَرِ (فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا مَرْفُوعًا صَرِيحًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْمُصَنِّفُ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مُصَغَّرًا هُوَ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ) هُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا ثُمَّ شَدَدْتُ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ. فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي. فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، وَتَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ، وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا فَسِرْتُ حَتَّى وَرَدْتُ مِصْرَ فَقَصَدْتُ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ. . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ.
وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ أَخْرَجَهَا الْخَطِيبُ فِي الرِّحْلَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَارُودِ الْعَنْسِيِّ - وَهُوَ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَادَّعَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا يَنْقُضُ الْقَاعِدَةَ الْمَشْهُورَةَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَيْثُ يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَحَيْثُ يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ يَكُونُ فِيهِ عِلَّةٌ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْجَزْمِ هُنَا، ثُمَّ أَخْرَجَ طَرَفًا مِنْ مَتْنِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، فَقَالَ:: وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ، وَالْقَاعِدَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ غَيْرُ مُنْتَقَضَةٍ، وَنَظَرُ الْبُخَارِيِّ أَدَقُّ مِنْ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ حَيْثُ ذَكَرَ الِارْتِحَالَ فَقَطْ جَزَمَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ حَسَنٌ وَقَدِ اعْتُضِدَ. وَحَيْثُ ذَكَرَ طَرَفًا مِنَ الْمَتْنِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، لِأَنَّ لَفْظَ الصَّوْتِ مِمَّا يُتَوَقَّفُ فِي إِطْلَاقِ نِسْبَتِهِ إِلَى الرَّبِّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تأويل (١) فَلَا يَكْفِي فِيهِ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا وَلَوِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر اللَّام الخفيفة بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، لا بلامٍ مُشدَّدةٍ كما وقع للزَّركشيِّ، قال (١) في «فتح الباري»: وهو سبق قلمٍ، أو خطأٌ من النَّاسخ. انتهى، الكَلاعيُّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ «قاضي حمص» (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الخولانيُّ الحمصيُّ (قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ) وللأَصيليِّ: «قال: حدَّثنا الأَوزاعيُّ» بفتح الهمزة؛ نسبةً إلى الأوزاع؛ قرية بقُرْب دمشق خارج باب الفراديس، أو لبطنٍ من حِمْيَر، أو همْدان؛ بسكون الميم، أو لأوزاع (٢) القبائل، أي: فِرَقها، أبو عمرٍو عبد الرَّحمن بن عمرو بن يُحْمِد (٣)، أحد الأعلام، من أتباع التَّابعين، المُتوفَّى سنة سبع وخمسين ومئةٍ (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين (بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) مِنَ التَّماري؛ وهو التَّجادل والتَّنازع (هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى) بن عمران ﵇؛ هل هو خَضِرٌ أم لا؟ وأتى بضمير الفصل لأنَّه لا يُعطَف على الضَّمير المرفوع المتَّصل إلَّا إذا أُكِّد بالمنفصل، وسقطت لفظة «هو» من رواية ابن عساكر، فعطف (٤) على المرفوع المتَّصل بغير تأكيدٍ ولا فصلٍ، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين، وزاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٧٤]: قال ابن عبَّاسٍ: هو خَضِرٌ (فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ، أَقْرَأُ هذهِ الأمَّةِ، المَقُولُ فيه عن عمر: سيِّد المسلمين (فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) هلمَّ إلينا (فَقَالَ: إِنِّي
تَمَارَيْتُ أَنَا (١) وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بضمِّ اللَّام وكسر القاف وتشديد الياء؛ مصدَرٌ بمعنى اللِّقاء، يُقَال: لقيته لقاءً بالمدِّ، ولُقًا بالقصر، ولقيًّا بالقصر (٢) بالتشديد (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ) قصَّته؟ (فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى) ﵇ (فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) من ذرِّيَّة يعقوب بن إسحاق بن الخليل عليهم الصلاة والسلام، وعند مسلمٍ: «بينما موسى في قومه يذكِّرهم أيَّام الله» (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لم يُسمَّ (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال»: (أَتَعْلَمُ) بهمزة الاستفهام، وفي رواية الأربعة: «تعلم» بحذفها، وللكُشْمِيهَنِيِّ في رواية أبي ذَرٍّ (٣): «هل تعلم» (أَحَدًا أَعْلَمَ) بنصبهما مفعولًا وصفةً، وفي رواية الحَمُّويي: «أنَّ أحدًا أعلمُ» (مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا) إنَّما نفى الأعلميَّة بالنَّظر لِمَا في اعتقاده (فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: بَلَى) وللكُشْمِيهَنيِّ (٤) والحَمُّويي: «بل» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) أعلم منك، أي: في شيءٍ خاصٍّ (فَسَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) وفي السَّابقة [خ¦٧٤]: «إليه» بدل «لقيِّه» وزيادة: «موسى» (فَجَعَلَ اللهُ) تعالى (لَهُ الحُوتَ آيَةً) علامةً دالَّةً له على مكانه (وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى) وللأَصيليِّ: «ﷺ» (٥) (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «في الماء» (فَقَالَ فَتَى مُوسَى) يوشع (لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا) أي: حين نزلنا (إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) وفي حرف (٦) عبد الله: (وما أنسانيه أن أذكره إلَّا الشَّيطان) وكانا تزوَّدا حوتًا وخبزًا، فكانا يُصِيبان منه عند الغداء والعشاء، فلمَّا انتهيا إلى الصَّخرة على ساحل