الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٠١
الحديث رقم ٨٠١ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ. وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ. وَقَوْلُهُ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِيهَا تَفَاوُتًا لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ فِي الِاعْتِدَالِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ: فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَبَ هُنَيَّةً، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ نَهَضَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاطْمَأْنِينَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ الطُّمَأْنِينَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي بَابِ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) يَأْتِي مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي بَابِ سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ. وَقَوْلُهُ: رَفَعَ أَيْ مِنَ الرُّكُوعِ، فَاسْتَوَى أَيْ: قَائِمًا. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تُرْجِمَ لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ جَالِسًا بَعْدَ قَوْلِهِ فَاسْتَوَى؛ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ السُّكُونِ بِالْجُلُوسِ وَفِيهِ بُعْدٌ، أَوْ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إِلْحَاقَ الِاعْتِدَالِ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِجَامِعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ، فَيُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ.
قَوْلُهُ: (يَنْعَتُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يَصِفُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَاقَهُ شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا. فَصَرَّحَ بِوَصْفِ أَنَسٍ لِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ لَا آلُو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وَلَامٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا وَاوٌ خَفِيفَةٌ أَيْ: لَا أُقَصِّرُ. وَزَادَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخِلُّونَ بِتَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى نَقُولَ بِالنَّصْبِ. وَقَوْلُهُ: قَدْ نَسِيَ؛ أَيْ: نَسِيَ وُجُوبَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ. قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ وَقْتَ الْقُنُوتِ حَيْثُ كَانَ مُعْتَدِلًا أَوْ وَقْتَ التَّشَهُّدِ حَيْثُ كَانَ جَالِسًا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ: قُلْنَا: قَدْ نَسِيَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ. أَيْ: لِأَجْلِ طُولِ قِيَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا رَفَعَ) أَيْ وَرَفْعُهُ إِذَا رَفَعَ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَيْ وَجُلُوسُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ زَمَانَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَاعْتِدَالِهِ وَجُلُوسِهِ مُتَقَارِبٌ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الِاسْتِثْنَاءُ الَّذِي مَرَّ فِي بَابِ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ. الْحَدِيثَ، وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَى الْوَهْمِ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ تَوْهِيمَ الرَّاوِي الثِّقَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَيُحَقِّقِ الِاتِّحَادَ أَوِ الِاخْتِلَافَ مِنْ مَخَارِجِ الْحَدِيثِ اهـ.
وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فَوَجَدْتُ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ، لَكِنِ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةُ ذِكْرِ الْقِيَامِ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَكَمُ عَنْهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ فِي سِوَى ذَلِكَ، إِلَّا مَا زَادَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ مِنْ
قَوْلِهِ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ظَهَرَ مِنَ الْأَخْذِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ الْمُسْتَثْنَى الْقِيَامُ لِلْقِرَاءَةِ، وَكَذَا الْقُعُودُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُعُودُ لِلتَّشَهُّدِ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ رُكْنٌ طَوِيلٌ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ يَعْنِي الَّذِي قَبْلَهُ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ هُوَ نَصٌّ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ؛ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَمْ يُسَنَّ فِيهِ تَكْرِيرُ التَّسْبِيحَاتِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَأَيْضًا فَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ فِي الِاعْتِدَالِ أَطْوَلُ مِنَ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الرُّكُوعِ، فَتَكْرِيرُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا يَجِيءُ قَدْرَ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَقَدْ شُرِعَ فِي الِاعْتِدَالِ ذِكْرٌ أَطْوَلُ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مِلْءَ السَّماوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ إِلَخْ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ الْآخَرَيْنِ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ تَرْكُ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَنْ زَادَ فِي الِاعْتِدَالِ ذِكْرًا غَيْرَ مَأْثُورٍ، وَمنْ ثَمَّ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ جَوَازَ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ بِالذِّكْرِ خِلَافًا لِلْمُرَجَّحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ أَيْضًا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ بِالْبَقَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَرَأَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ أَنْ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ قِيَامًا طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ صَعْبٌ، وَالْأَقْوَى جَوَازُ الْإِطَالَةِ بِالذِّكْرِ اهـ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ؛ فَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ كَيْفَ الْقِيَامُ مِنَ الرُّكُوعِ: وَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ يَدْعُو أَوْ سَاهِيًا وَهُوَ لَا يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا إِعَادَةَ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ. فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُصَحِّحُ مَعَ هَذَا بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِتَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ، وَتَوْجِيهُهُمْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أُطِيلَ انْتَفَتِ الْمُوَالَاةُ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ مَعْنَى الْمُوَالَاةِ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ فَصْلٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الْأَرْكَانِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ كَوْنِهِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ لَيْسَ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَعُ بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَكَذَا السُّجُودُ وَالِاعْتِدَالُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ قَرِيبًا مُعْتَدِلَةً؛ فَكَانَ إِذَا أَطَالَ الْقِرَاءَةَ أَطَالَ بَقِيَّةَ الْأَرْكَانِ، وَإِذَا أَخَفَّهَا أَخَفَّ بَقِيَّةَ الْأَرْكَانِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِالصَّافَّاتِ، وَثَبَتَ فِي السُّنَنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ حَزَرُوا فِي السُّجُودِ قَدْرَ عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ بِدُونِ الصَّافَّاتِ اقْتَصَرَ عَلَى دُونِ الْعَشْرِ، وَأَقَلُّهُ كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَنِ أَيْضًا ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَامَ، وَالْأَوَّلُ يُشْعِرُ بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ. وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْصت) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ خَفِيفَةٌ. وَلِلْبَاقِينَ بِأَلِفٍ مَوْصُولَةٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ بَعْضَهُمْ ضَبَطَهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْمُشَدَّدَةِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ أَصْلَهُ انْصَوَتَ فَأَبْدَلَ مِنَ الْوَاوِ تَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى، وَقِيَاسُ إِعْلَالِهِ إنْصَاتَ تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا، قَالَ: وَمَعْنَى إنْصَاتَ اسْتَوَتْ قَامَتُهُ بَعْدَ الِانْحِنَاءِ كَأَنَّهُ أَقْبَلَ شَبَابُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَعَمْرُو بْنُ دَهْمَانَ الْهُنَيْدَةَ عَاشَهَا … وَتِسْعِينَ عَامًا ثُمَّ قَوَّمَ فَأنْصَاتَا
وَعَادَ سَوَادُ الرَّأْسِ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ … وَعَاوَدَهُ شَرْخُ الشَّبَابِ الَّذِي فَاتَا
اهـ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ التِّينِ - وَهُوَ السَّفَاقُسِيُّ - أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ. وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ. وَقَوْلُهُ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِيهَا تَفَاوُتًا لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ فِي الِاعْتِدَالِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ: فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَبَ هُنَيَّةً، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ نَهَضَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاطْمَأْنِينَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ الطُّمَأْنِينَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي بَابِ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) يَأْتِي مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي بَابِ سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ. وَقَوْلُهُ: رَفَعَ أَيْ مِنَ الرُّكُوعِ، فَاسْتَوَى أَيْ: قَائِمًا. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تُرْجِمَ لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ جَالِسًا بَعْدَ قَوْلِهِ فَاسْتَوَى؛ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ السُّكُونِ بِالْجُلُوسِ وَفِيهِ بُعْدٌ، أَوْ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إِلْحَاقَ الِاعْتِدَالِ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِجَامِعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ، فَيُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ.
قَوْلُهُ: (يَنْعَتُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يَصِفُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَاقَهُ شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا. فَصَرَّحَ بِوَصْفِ أَنَسٍ لِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ لَا آلُو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وَلَامٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا وَاوٌ خَفِيفَةٌ أَيْ: لَا أُقَصِّرُ. وَزَادَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخِلُّونَ بِتَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى نَقُولَ بِالنَّصْبِ. وَقَوْلُهُ: قَدْ نَسِيَ؛ أَيْ: نَسِيَ وُجُوبَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ. قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ وَقْتَ الْقُنُوتِ حَيْثُ كَانَ مُعْتَدِلًا أَوْ وَقْتَ التَّشَهُّدِ حَيْثُ كَانَ جَالِسًا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ: قُلْنَا: قَدْ نَسِيَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ. أَيْ: لِأَجْلِ طُولِ قِيَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا رَفَعَ) أَيْ وَرَفْعُهُ إِذَا رَفَعَ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَيْ وَجُلُوسُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ زَمَانَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَاعْتِدَالِهِ وَجُلُوسِهِ مُتَقَارِبٌ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الِاسْتِثْنَاءُ الَّذِي مَرَّ فِي بَابِ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ. الْحَدِيثَ، وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَى الْوَهْمِ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ تَوْهِيمَ الرَّاوِي الثِّقَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَيُحَقِّقِ الِاتِّحَادَ أَوِ الِاخْتِلَافَ مِنْ مَخَارِجِ الْحَدِيثِ اهـ.
وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فَوَجَدْتُ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ، لَكِنِ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةُ ذِكْرِ الْقِيَامِ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَكَمُ عَنْهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ فِي سِوَى ذَلِكَ، إِلَّا مَا زَادَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ مِنْ
قَوْلِهِ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ظَهَرَ مِنَ الْأَخْذِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ الْمُسْتَثْنَى الْقِيَامُ لِلْقِرَاءَةِ، وَكَذَا الْقُعُودُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُعُودُ لِلتَّشَهُّدِ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ رُكْنٌ طَوِيلٌ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ يَعْنِي الَّذِي قَبْلَهُ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ هُوَ نَصٌّ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ؛ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَمْ يُسَنَّ فِيهِ تَكْرِيرُ التَّسْبِيحَاتِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَأَيْضًا فَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ فِي الِاعْتِدَالِ أَطْوَلُ مِنَ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الرُّكُوعِ، فَتَكْرِيرُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا يَجِيءُ قَدْرَ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَقَدْ شُرِعَ فِي الِاعْتِدَالِ ذِكْرٌ أَطْوَلُ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مِلْءَ السَّماوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ إِلَخْ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ الْآخَرَيْنِ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ تَرْكُ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَنْ زَادَ فِي الِاعْتِدَالِ ذِكْرًا غَيْرَ مَأْثُورٍ، وَمنْ ثَمَّ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ جَوَازَ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ بِالذِّكْرِ خِلَافًا لِلْمُرَجَّحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ أَيْضًا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ بِالْبَقَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَرَأَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ أَنْ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ قِيَامًا طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ صَعْبٌ، وَالْأَقْوَى جَوَازُ الْإِطَالَةِ بِالذِّكْرِ اهـ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ؛ فَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ كَيْفَ الْقِيَامُ مِنَ الرُّكُوعِ: وَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ يَدْعُو أَوْ سَاهِيًا وَهُوَ لَا يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا إِعَادَةَ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ. فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُصَحِّحُ مَعَ هَذَا بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِتَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ، وَتَوْجِيهُهُمْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أُطِيلَ انْتَفَتِ الْمُوَالَاةُ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ مَعْنَى الْمُوَالَاةِ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ فَصْلٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الْأَرْكَانِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ كَوْنِهِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ لَيْسَ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَعُ بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَكَذَا السُّجُودُ وَالِاعْتِدَالُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ قَرِيبًا مُعْتَدِلَةً؛ فَكَانَ إِذَا أَطَالَ الْقِرَاءَةَ أَطَالَ بَقِيَّةَ الْأَرْكَانِ، وَإِذَا أَخَفَّهَا أَخَفَّ بَقِيَّةَ الْأَرْكَانِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِالصَّافَّاتِ، وَثَبَتَ فِي السُّنَنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ حَزَرُوا فِي السُّجُودِ قَدْرَ عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ بِدُونِ الصَّافَّاتِ اقْتَصَرَ عَلَى دُونِ الْعَشْرِ، وَأَقَلُّهُ كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَنِ أَيْضًا ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَامَ، وَالْأَوَّلُ يُشْعِرُ بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ. وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْصت) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ خَفِيفَةٌ. وَلِلْبَاقِينَ بِأَلِفٍ مَوْصُولَةٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ بَعْضَهُمْ ضَبَطَهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْمُشَدَّدَةِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ أَصْلَهُ انْصَوَتَ فَأَبْدَلَ مِنَ الْوَاوِ تَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى، وَقِيَاسُ إِعْلَالِهِ إنْصَاتَ تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا، قَالَ: وَمَعْنَى إنْصَاتَ اسْتَوَتْ قَامَتُهُ بَعْدَ الِانْحِنَاءِ كَأَنَّهُ أَقْبَلَ شَبَابُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَعَمْرُو بْنُ دَهْمَانَ الْهُنَيْدَةَ عَاشَهَا … وَتِسْعِينَ عَامًا ثُمَّ قَوَّمَ فَأنْصَاتَا
وَعَادَ سَوَادُ الرَّأْسِ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ … وَعَاوَدَهُ شَرْخُ الشَّبَابِ الَّذِي فَاتَا
اهـ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ التِّينِ - وَهُوَ السَّفَاقُسِيُّ - أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ