الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨١٢
الحديث رقم ٨١٢ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب السجود على الأنف.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَالسُّجُودِ عَلَى الطِّينِ
٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْيَدَيْنِ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُرَادُ بِهِمَا الْكَفَّانِ لِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ بِلَفْظِ الْكَفَّيْنِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالرِّجْلَيْنِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ الْمَذْكُورَةِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا قَبْلُ بِبَابٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْجَبْهَةُ دُونَ غَيْرِهَا بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَيُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ. قَالَ: وَهَذَا غَايَتُهُ أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ. قَالَ: وَأَضْعَفُ مِنْ هَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ سَجَدَ وَجْهِي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِضَافَةِ السُّجُودِ إِلَى الْوَجْهِ انْحِصَارُ السُّجُودِ فِيهِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ مُسَمَّى السُّجُودِ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ زِيَادَةٍ عَلَى الْمُسَمَّى، وَأَضْعَفُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ بِقِيَاسٍ شَبَهِيٍّ كَأَنْ يُقَالَ: أَعْضَاءٌ لَا يَجِبُ كَشْفُهَا فَلَا يَجِبُ وَضْعُهَا. قَالَ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ مُسَمَّى السُّجُودِ يَحْصُلُ بِوَضْعِهَا دُونَ كَشْفِهَا، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ كَشْفَ الرُّكْبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ لِمَا يُحْذَرُ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ كَشْفِ الْقَدَمَيْنِ فَلِدَلِيلٍ لَطِيفٍ وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ وَقَّتَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ بِمُدَّةٍ تَقَعُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِالْخُفِّ، فَلَوْ وَجَبَ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ لَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ الْمُقْتَضِي لِنَقْضِ الطَّهَارَةِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ. انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: يُخَصُّ لَابِسُ الْخُفِّ لِأَجْلِ الرُّخْصَةِ. وَأَمَّا كَشْفُ الْيَدَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ في بَابِ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ قُبَيْلَ أَبْوَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَفِيهِ أَثَرُ الْحَسَنِ فِي نَقْلِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الْكَشْفِ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي الرُّكُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَمُرَادُهُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَةَ أَنَّ وَضْعَ الْجَبْهَةِ إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِعَانَةِ الْأَعْظُمِ السِّتَّةِ غَالِبًا. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي مُرَادِهِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْجَبْهَةِ كَهَذَا الْحَدِيثِ لَا تُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمَنْصُوصَ فِيهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الْجَبْهَةِ إِمَّا لِكَوْنِهَا أَشْرَفَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ أَشْهَرَهَا فِي تَحْصِيلِ هَذَا الرُّكْنِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي غَيْرِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجَبْهَةِ لِلْوُجُوبِ وَغَيْرِهَا لِلنَّدْبِ، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِتَصَرُّفِهِ.
١٣٤ - بَاب السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ
٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ جِهَةِ وُهَيْبٍ، وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ) وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ قَبْلُ.
قَوْلُهُ فِيهِ (عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَلَى الثَّانِيَةِ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى الَّتِي فِي حُكْمِ الطَّرْحِ، أَوِ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِنَحْوِ: حَاصِلًا. أَيِ اسْجُدْ عَلَى الْجَبْهَةِ حَالَ كَوْنِ السُّجُودِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عَازِبٍ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنُِ) بفتح الياء وكسر النُّون وضمِّها، أي: لم يقوِّس (أَحَدٌ مِنَّا) ولابن عساكر: «أحدُنا» (ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ) الشَّريفة (عَلَى الأَرْضِ) هذا موضع التَّرجمة، وخصَّ الجبهة بالذِّكر لأنَّها أدخلُ في الوجوب من بقيَّة الأعضاء السَّبعة؛ ولذا لم يُختلَف في وجوب السُّجود بها واختُلِف في غيرها من بقيَّة الأعضاء، وليس فيه ما ينفي الزِّيادة الَّتي في غيره، أو أنَّ العادة أنَّ وضع الجبهة إنَّما هو بالاستعانة بالسِّتَّة الأعضاء الأخرى غالبًا.
(١٣٤) (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ) وسقط للأَصيليِّ الباب والتَّرجمة.
٨١٢ - وبه قال: (حدَّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ البصريُّ، ولابن عساكر: «المُعَلَّى» بزيادة «ال» (قَالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ الباهليُّ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ) عبد الله (١) (بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة (أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ) أي: أسجد على الجبهة، حال كون السُّجود على سبعة أعظمٍ، فلفظ «على» الثَّانية متعلِّقةٌ (٢) بمحذوفٍ كما مرَّ، والأولى متعلِّقةٌ
بـ «أُمِرت» (وَأَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) كأنَّه ضمَّن «أشار» معنى «أمرَّ» بتشديد الرَّاء؛ فلذا عدَّاه بـ «على» دون «إلى»، ووقع في بعض الأصول من رواية كريمة هنا بلفظ: «إلى» بدل «على»، وعند النَّسائيِّ من طريق سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن ابن طاوسٍ قال: ووضع يده على جبهته، وأمرَّها على أنفه، وقال: «هذا واحدٌ» أي: أنَّهما كالعضو الواحد لأنَّ عظم الجبهة هو الَّذي منه عظم الأنف، وإلَّا لزم أن تكون الأعضاء ثمانيةً، وعُورِض بأنَّه يلزم منه أن يكتفي بالسُّجود على الأنف كما يكتفي بالسُّجود على بعض الجبهة، وأُجيب بأنَّ الحقَّ أنَّ مثل هذا لا يعارض التَّصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يعتقد أنَّهما كعضوٍ واحدٍ فذاك في التَّسمية والعبارة، لا في الحكم الَّذي دلَّ عليه الأمر، وعند أبي حنيفة يجزئ أن يسجد عليه دون جبهته، وعند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والأكثرين يجزئ على بعض الجبهة، ويُستحَبُّ على الأنف، قال الخطَّابيُّ: لأنَّه إنَّما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا، والجبهة هي الواقعة في صريح اللَّفظ، فلو ترك السُّجود على الأنف جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يَجُزْ، وقال أبو حنيفة وابن القاسم: له أن يقتصر على أيِّهما شاء، وقال الحنابلة وابن حَبيبٍ: يجب عليهما لظاهر الحديث، وأُجيب بأنَّ ظاهره أنَّهما في حكم عضوٍ واحدٍ كما مرَّ، وقوله: «وأشار بيده … » إلى آخره؛ جملةٌ معترضةٌ بين المعطوف عليه وهو «الجبهة»، والمعطوف وهو قوله: (وَاليَدَيْنِ) أي: باطن الكفَّين (وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ) أصابع (القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَ) لا (١) (الشَّعَرَ) بفتح النُّون وسكون الكاف وكسر الفاء آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ والنَّصب، وهو بمعنى: «الكفِّ» في السَّابقة [خ¦٨١٠] ومنه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: كافتةً، اسمٌ لِمَا يُكْفَت، أي: يُضَمُّ ويُجمَع.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْيَدَيْنِ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُرَادُ بِهِمَا الْكَفَّانِ لِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ بِلَفْظِ الْكَفَّيْنِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالرِّجْلَيْنِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ الْمَذْكُورَةِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا قَبْلُ بِبَابٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْجَبْهَةُ دُونَ غَيْرِهَا بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَيُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ. قَالَ: وَهَذَا غَايَتُهُ أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ. قَالَ: وَأَضْعَفُ مِنْ هَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ سَجَدَ وَجْهِي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِضَافَةِ السُّجُودِ إِلَى الْوَجْهِ انْحِصَارُ السُّجُودِ فِيهِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ مُسَمَّى السُّجُودِ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ زِيَادَةٍ عَلَى الْمُسَمَّى، وَأَضْعَفُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ بِقِيَاسٍ شَبَهِيٍّ كَأَنْ يُقَالَ: أَعْضَاءٌ لَا يَجِبُ كَشْفُهَا فَلَا يَجِبُ وَضْعُهَا. قَالَ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ مُسَمَّى السُّجُودِ يَحْصُلُ بِوَضْعِهَا دُونَ كَشْفِهَا، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ كَشْفَ الرُّكْبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ لِمَا يُحْذَرُ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ كَشْفِ الْقَدَمَيْنِ فَلِدَلِيلٍ لَطِيفٍ وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ وَقَّتَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ بِمُدَّةٍ تَقَعُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِالْخُفِّ، فَلَوْ وَجَبَ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ لَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ الْمُقْتَضِي لِنَقْضِ الطَّهَارَةِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ. انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: يُخَصُّ لَابِسُ الْخُفِّ لِأَجْلِ الرُّخْصَةِ. وَأَمَّا كَشْفُ الْيَدَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ في بَابِ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ قُبَيْلَ أَبْوَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَفِيهِ أَثَرُ الْحَسَنِ فِي نَقْلِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الْكَشْفِ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي الرُّكُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَمُرَادُهُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَةَ أَنَّ وَضْعَ الْجَبْهَةِ إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِعَانَةِ الْأَعْظُمِ السِّتَّةِ غَالِبًا. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي مُرَادِهِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْجَبْهَةِ كَهَذَا الْحَدِيثِ لَا تُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمَنْصُوصَ فِيهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الْجَبْهَةِ إِمَّا لِكَوْنِهَا أَشْرَفَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ أَشْهَرَهَا فِي تَحْصِيلِ هَذَا الرُّكْنِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي غَيْرِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجَبْهَةِ لِلْوُجُوبِ وَغَيْرِهَا لِلنَّدْبِ، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِتَصَرُّفِهِ.
١٣٤ - بَاب السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ
٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ جِهَةِ وُهَيْبٍ، وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ) وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ قَبْلُ.
قَوْلُهُ فِيهِ (عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَلَى الثَّانِيَةِ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى الَّتِي فِي حُكْمِ الطَّرْحِ، أَوِ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِنَحْوِ: حَاصِلًا. أَيِ اسْجُدْ عَلَى الْجَبْهَةِ حَالَ كَوْنِ السُّجُودِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عَازِبٍ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنُِ) بفتح الياء وكسر النُّون وضمِّها، أي: لم يقوِّس (أَحَدٌ مِنَّا) ولابن عساكر: «أحدُنا» (ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ) الشَّريفة (عَلَى الأَرْضِ) هذا موضع التَّرجمة، وخصَّ الجبهة بالذِّكر لأنَّها أدخلُ في الوجوب من بقيَّة الأعضاء السَّبعة؛ ولذا لم يُختلَف في وجوب السُّجود بها واختُلِف في غيرها من بقيَّة الأعضاء، وليس فيه ما ينفي الزِّيادة الَّتي في غيره، أو أنَّ العادة أنَّ وضع الجبهة إنَّما هو بالاستعانة بالسِّتَّة الأعضاء الأخرى غالبًا.
(١٣٤) (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ) وسقط للأَصيليِّ الباب والتَّرجمة.
٨١٢ - وبه قال: (حدَّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ البصريُّ، ولابن عساكر: «المُعَلَّى» بزيادة «ال» (قَالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ الباهليُّ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ) عبد الله (١) (بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة (أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ) أي: أسجد على الجبهة، حال كون السُّجود على سبعة أعظمٍ، فلفظ «على» الثَّانية متعلِّقةٌ (٢) بمحذوفٍ كما مرَّ، والأولى متعلِّقةٌ
بـ «أُمِرت» (وَأَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) كأنَّه ضمَّن «أشار» معنى «أمرَّ» بتشديد الرَّاء؛ فلذا عدَّاه بـ «على» دون «إلى»، ووقع في بعض الأصول من رواية كريمة هنا بلفظ: «إلى» بدل «على»، وعند النَّسائيِّ من طريق سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن ابن طاوسٍ قال: ووضع يده على جبهته، وأمرَّها على أنفه، وقال: «هذا واحدٌ» أي: أنَّهما كالعضو الواحد لأنَّ عظم الجبهة هو الَّذي منه عظم الأنف، وإلَّا لزم أن تكون الأعضاء ثمانيةً، وعُورِض بأنَّه يلزم منه أن يكتفي بالسُّجود على الأنف كما يكتفي بالسُّجود على بعض الجبهة، وأُجيب بأنَّ الحقَّ أنَّ مثل هذا لا يعارض التَّصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يعتقد أنَّهما كعضوٍ واحدٍ فذاك في التَّسمية والعبارة، لا في الحكم الَّذي دلَّ عليه الأمر، وعند أبي حنيفة يجزئ أن يسجد عليه دون جبهته، وعند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والأكثرين يجزئ على بعض الجبهة، ويُستحَبُّ على الأنف، قال الخطَّابيُّ: لأنَّه إنَّما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا، والجبهة هي الواقعة في صريح اللَّفظ، فلو ترك السُّجود على الأنف جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يَجُزْ، وقال أبو حنيفة وابن القاسم: له أن يقتصر على أيِّهما شاء، وقال الحنابلة وابن حَبيبٍ: يجب عليهما لظاهر الحديث، وأُجيب بأنَّ ظاهره أنَّهما في حكم عضوٍ واحدٍ كما مرَّ، وقوله: «وأشار بيده … » إلى آخره؛ جملةٌ معترضةٌ بين المعطوف عليه وهو «الجبهة»، والمعطوف وهو قوله: (وَاليَدَيْنِ) أي: باطن الكفَّين (وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ) أصابع (القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَ) لا (١) (الشَّعَرَ) بفتح النُّون وسكون الكاف وكسر الفاء آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ والنَّصب، وهو بمعنى: «الكفِّ» في السَّابقة [خ¦٨١٠] ومنه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: كافتةً، اسمٌ لِمَا يُكْفَت، أي: يُضَمُّ ويُجمَع.