الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٤٧
الحديث رقم ٨٤٧ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مُكْثِ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ
٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ) أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، ثَانِيهَا: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، ثَالِثُهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيتِ وَفِي فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ. وَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَصْرَحُهَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَالْمَعْنَى إِذَا صَلَّى صَلَاةً فَفَرَغَ مِنْهَا أَقْبَلَ عَلَيْنَا، لِضَرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ يَأْتِي فِيهِ نَحْوُ ذَلِكَ، وَسِيَاقُ سَمُرَةَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ. قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ ﷺ مِنْ قَصْدِ التَّعْلِيمِ وَالْمَوْعِظَةِ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ تَعْرِيفُ الدَّاخِلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ انْقَضَتْ، إِذْ لَوِ اسْتَمَرَّ الْإِمَامُ عَلَى حَالِهِ لَأَوْهَمَ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ مَثَلًا. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: اسْتِدْبَارُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومِينَ إِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْإِمَامَةِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ زَالَ السَّبَبُ، فَاسْتِقْبَالُهُمْ حِينَئِذٍ يَرْفَعُ الْخُيَلَاءَ وَالتَّرَفُّعَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥٧ - بَاب مُكْثِ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ
٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ.
٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ.
٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا قَالَتْ كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْقُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ الْمِقْدَادِ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْقُرَشِيَّةُ وَقَالَ ابْنُ
أَبِي عَتِيقٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ الْفِرَاسِيَّةِ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ: (بَابُ مُكْثِ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ) أَيْ وَبَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقَوْمِ، فَيُلَائِمُ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُكْثَ لَا يَتَقَيَّدُ بِحَالٍ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْبَابِ مَسْأَلَةَ تَطَوُّعِ الْإِمَامِ فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لَنَا آدَمُ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: قَالَ لَنَا، لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا مُغَايَرَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْفُوعِ، هَذَا الَّذِي عَرَفْتُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا حَمَلَهُ مُذَاكَرَةً، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، لِأَنِّي وَجَدْتُ كَثِيرًا مِمَّا قَالَ فِيهِ: قَالَ لَنَا، فِي الصَّحِيحِ قَدْ أَخْرَجَهُ فِي تَصَانِيفَ أُخْرَى بِصِيغَةِ: حَدَّثَنَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ) أَيِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يُصَلِّيَانِ الْفَرِيضَةَ ثُمَّ يَتَطَوَّعَانِ فِي مَكَانِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعُهُ) أَيْ قَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَوْلُهُ: (لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ) ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى، وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلِابْنِ مَاجَهْ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ زَادَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي فِي السُّبْحَةِ (١)، وَلِلْبَيْهَقِيِّ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلْيَتَقَدَّمْ الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَصِحَّ) هُوَ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ، وَذَلِكَ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ وَاضْطِرَابُهُ تَفَرَّدَ بِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي تَارِيخِهِ وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا بِلَفْظِ: لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ الْإِمَامُ حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْتِبَاسِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَةِ. وَفِي مُسْلِمٍ: عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ مُعَاوِيَةَ الْجُمُعَةَ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ فَفِي هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى طَرِيقِ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَحْوَالًا لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُتَطَوَّعُ بَعْدَهَا أَوْ لَا يُتَطَوَّعُ، الْأَوَّلُ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَتَشَاغَلُ قَبْلَ التَّطَوُّعِ بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ ثُمَّ يَتَطَوَّعُ؟ وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَبْدَأُ بِالتَّطَوُّعِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَتَعَيَّنُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ بِالذِّكْرِ، بَلْ إِذَا تَنَحَّى مِنْ مَكَانِهِ كَفَى. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ فِي التَّنَحِّي، قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَوْ تَخْرُجَ وَيَتَرَجَّحُ تَقْدِيمُ الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ بِتَقْيِيدِهِ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِدُبُرِ الصَّلَاةِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِدُبُرِ الصَّلَاةِ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلَ الدُّثُورِ فَإِنَّ فِيهِ: تُسَبِّحُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ جَزْمًا، فَكَذَلِكَ مَا شَابَهَهُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي لَا يُتَطَوَّعُ بَعْدَهَا فَيَتَشَاغَلُ الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مَكَانٌ بَلْ إِنْ شَاءُوا انْصَرَفُوا وَذَكَرُوا، وَإِنْ شَاءُوا مَكَثُوا وَذَكَرُوا. وَعَلَى الثَّانِي إِنْ كَانَ لِلْإِمَامِ عَادَةٌ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ
أَوْ يَعِظَهُمْ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ فَهَلْ يُقْبِلُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا أَوْ يَنْفَتِلُ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ مِنْ قِبَلِ الْمَأْمُومِينَ وَيَسَارَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَيَدْعُو؟ الثَّانِي هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. وَيَحْتَمِلُ إِنْ قَصُرَ زَمَنُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَمِرَّ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ (١) مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا أَلْيَقُ بِالدُّعَاءِ، وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا لَوْ طَالَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ) هِيَ تَابِعِيَّةٌ وَلَا أَعْرِفُ عَنْهَا رَاوِيًا غَيْرَ الزُّهْرِيِّ، وَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي نِسْبَتِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ مَوْصُولًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وقَوْلُهُ: (فَنُرَى) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نُظَنُّ.
قَوْلُهُ: (مِنَ النِّسَاءِ) زَادَ فِي بَابِ التَّسْلِيمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ أَيِ الرِّجَالِ، وَهُوَ لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا) جَمْعُ صَاحِبَةٍ وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْمَشْهُورُ صَوَاحِبُ كَضَوَارِبَ وَضَارِبَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ صَوَاحِبَ وَهُوَ جَمْعُ صَاحِبَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يُسَلِّمُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْإِشَارَةَ إِلَى أَقَلِّ مِقْدَارٍ كَانَ يَمْكُثُهُ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْهُ بِتَمَامِهِ، وَفِيهِ: أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ فَانْصَرَفْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الرِّجَالُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعَيْبٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرِوَايَتُهُمَا مَوْصُولَةٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ أَيْضًا. وَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي نَسَبِ هِنْدٍ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفِرَاسِيَّةُ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي فِرَاسٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ آخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ كِنَانَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقُرَشِيَّةُ، فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ إِنَّ كِنَانَةَ جِمَاعُ قُرَيْشٍ فَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ جِمَاعَ قُرَيْشٍ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُ النِّسْبَتَيْنِ لِهِنْدٍ عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بِالْأَصَالَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمُخَالَفَةِ (٢). وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِرِوَايَةِ اللَّيْثِ الْأَخِيرَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْقُرَشِيَّةَ تَصْحِيفٌ مِنَ الْفِرَاسِيَّةِ، لِقَوْلِهِ فِيهِ: عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنَّ امْرَأَةً وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ لِأَنَّهَا تَابِعِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّ التَّقْصِيرَ فِيهِ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ: وَفِي الْحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الْإِمَامِ أَحْوَالَ الْمَأْمُومِينَ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي اجْتِنَابِ مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُورِ. وَفِيهِ اجْتِنَابُ مَوَاضِعِ التُّهَمِ، وَكَرَاهَةُ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَاتِ فَضْلًا عَنْ الْبُيُوتِ.
وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ إِذَا كَانُوا رِجَالًا فَقَطْ أَنْ لَا يُسْتَحَبَّ هَذَا الْمُكْثُ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ قُدَامَةَ حَدِيثَ عَائِشَةَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«مُطِرنا بنوء كذا وكذا» (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) وسقطت «الواو» لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر، وقد أجاز العلماء أن يُقال: مُطِرنا في نوء كذا.
٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: «ابن منيرٍ» كما في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر؛ بصيغة اسم الفاعل من «أنار»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «ابن المنير» بالألف واللَّام؛ لأنَّ الاسم إذا كان في الأصل صفةً يجوز فيه الوجهان، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن هارون» (قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء وفتح الميم (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «بن مالكٍ» (قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) من باب إضافة المُسمَّى إلى اسمه، أو لفظةُ «ذات» مُقحَمةٌ (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) الأوَّل (١) (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى) أي: فرغ من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الشَّريف (٢) (فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ) الغير الحاضرين في المسجد (قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ) أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، ثَانِيهَا: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، ثَالِثُهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيتِ وَفِي فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ. وَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَصْرَحُهَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَالْمَعْنَى إِذَا صَلَّى صَلَاةً فَفَرَغَ مِنْهَا أَقْبَلَ عَلَيْنَا، لِضَرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ يَأْتِي فِيهِ نَحْوُ ذَلِكَ، وَسِيَاقُ سَمُرَةَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ. قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ ﷺ مِنْ قَصْدِ التَّعْلِيمِ وَالْمَوْعِظَةِ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ تَعْرِيفُ الدَّاخِلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ انْقَضَتْ، إِذْ لَوِ اسْتَمَرَّ الْإِمَامُ عَلَى حَالِهِ لَأَوْهَمَ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ مَثَلًا. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: اسْتِدْبَارُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومِينَ إِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْإِمَامَةِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ زَالَ السَّبَبُ، فَاسْتِقْبَالُهُمْ حِينَئِذٍ يَرْفَعُ الْخُيَلَاءَ وَالتَّرَفُّعَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥٧ - بَاب مُكْثِ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ
٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ.
٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ.
٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا قَالَتْ كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْقُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ الْمِقْدَادِ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْقُرَشِيَّةُ وَقَالَ ابْنُ
أَبِي عَتِيقٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ الْفِرَاسِيَّةِ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ: (بَابُ مُكْثِ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ) أَيْ وَبَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقَوْمِ، فَيُلَائِمُ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُكْثَ لَا يَتَقَيَّدُ بِحَالٍ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْبَابِ مَسْأَلَةَ تَطَوُّعِ الْإِمَامِ فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لَنَا آدَمُ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: قَالَ لَنَا، لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا مُغَايَرَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْفُوعِ، هَذَا الَّذِي عَرَفْتُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا حَمَلَهُ مُذَاكَرَةً، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، لِأَنِّي وَجَدْتُ كَثِيرًا مِمَّا قَالَ فِيهِ: قَالَ لَنَا، فِي الصَّحِيحِ قَدْ أَخْرَجَهُ فِي تَصَانِيفَ أُخْرَى بِصِيغَةِ: حَدَّثَنَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ) أَيِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يُصَلِّيَانِ الْفَرِيضَةَ ثُمَّ يَتَطَوَّعَانِ فِي مَكَانِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعُهُ) أَيْ قَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَوْلُهُ: (لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ) ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى، وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلِابْنِ مَاجَهْ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ زَادَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي فِي السُّبْحَةِ (١)، وَلِلْبَيْهَقِيِّ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلْيَتَقَدَّمْ الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَصِحَّ) هُوَ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ، وَذَلِكَ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ وَاضْطِرَابُهُ تَفَرَّدَ بِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي تَارِيخِهِ وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا بِلَفْظِ: لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ الْإِمَامُ حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْتِبَاسِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَةِ. وَفِي مُسْلِمٍ: عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ مُعَاوِيَةَ الْجُمُعَةَ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ فَفِي هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى طَرِيقِ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَحْوَالًا لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُتَطَوَّعُ بَعْدَهَا أَوْ لَا يُتَطَوَّعُ، الْأَوَّلُ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَتَشَاغَلُ قَبْلَ التَّطَوُّعِ بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ ثُمَّ يَتَطَوَّعُ؟ وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَبْدَأُ بِالتَّطَوُّعِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَتَعَيَّنُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ بِالذِّكْرِ، بَلْ إِذَا تَنَحَّى مِنْ مَكَانِهِ كَفَى. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ فِي التَّنَحِّي، قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَوْ تَخْرُجَ وَيَتَرَجَّحُ تَقْدِيمُ الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ بِتَقْيِيدِهِ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِدُبُرِ الصَّلَاةِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِدُبُرِ الصَّلَاةِ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلَ الدُّثُورِ فَإِنَّ فِيهِ: تُسَبِّحُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ جَزْمًا، فَكَذَلِكَ مَا شَابَهَهُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي لَا يُتَطَوَّعُ بَعْدَهَا فَيَتَشَاغَلُ الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مَكَانٌ بَلْ إِنْ شَاءُوا انْصَرَفُوا وَذَكَرُوا، وَإِنْ شَاءُوا مَكَثُوا وَذَكَرُوا. وَعَلَى الثَّانِي إِنْ كَانَ لِلْإِمَامِ عَادَةٌ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ
أَوْ يَعِظَهُمْ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ فَهَلْ يُقْبِلُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا أَوْ يَنْفَتِلُ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ مِنْ قِبَلِ الْمَأْمُومِينَ وَيَسَارَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَيَدْعُو؟ الثَّانِي هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. وَيَحْتَمِلُ إِنْ قَصُرَ زَمَنُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَمِرَّ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ (١) مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا أَلْيَقُ بِالدُّعَاءِ، وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا لَوْ طَالَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ) هِيَ تَابِعِيَّةٌ وَلَا أَعْرِفُ عَنْهَا رَاوِيًا غَيْرَ الزُّهْرِيِّ، وَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي نِسْبَتِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ مَوْصُولًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وقَوْلُهُ: (فَنُرَى) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نُظَنُّ.
قَوْلُهُ: (مِنَ النِّسَاءِ) زَادَ فِي بَابِ التَّسْلِيمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ أَيِ الرِّجَالِ، وَهُوَ لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا) جَمْعُ صَاحِبَةٍ وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْمَشْهُورُ صَوَاحِبُ كَضَوَارِبَ وَضَارِبَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ صَوَاحِبَ وَهُوَ جَمْعُ صَاحِبَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يُسَلِّمُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْإِشَارَةَ إِلَى أَقَلِّ مِقْدَارٍ كَانَ يَمْكُثُهُ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْهُ بِتَمَامِهِ، وَفِيهِ: أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ فَانْصَرَفْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الرِّجَالُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعَيْبٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرِوَايَتُهُمَا مَوْصُولَةٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ أَيْضًا. وَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي نَسَبِ هِنْدٍ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفِرَاسِيَّةُ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي فِرَاسٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ آخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ كِنَانَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقُرَشِيَّةُ، فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ إِنَّ كِنَانَةَ جِمَاعُ قُرَيْشٍ فَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ جِمَاعَ قُرَيْشٍ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُ النِّسْبَتَيْنِ لِهِنْدٍ عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بِالْأَصَالَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمُخَالَفَةِ (٢). وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِرِوَايَةِ اللَّيْثِ الْأَخِيرَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْقُرَشِيَّةَ تَصْحِيفٌ مِنَ الْفِرَاسِيَّةِ، لِقَوْلِهِ فِيهِ: عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنَّ امْرَأَةً وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ لِأَنَّهَا تَابِعِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّ التَّقْصِيرَ فِيهِ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ: وَفِي الْحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الْإِمَامِ أَحْوَالَ الْمَأْمُومِينَ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي اجْتِنَابِ مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُورِ. وَفِيهِ اجْتِنَابُ مَوَاضِعِ التُّهَمِ، وَكَرَاهَةُ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَاتِ فَضْلًا عَنْ الْبُيُوتِ.
وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ إِذَا كَانُوا رِجَالًا فَقَطْ أَنْ لَا يُسْتَحَبَّ هَذَا الْمُكْثُ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ قُدَامَةَ حَدِيثَ عَائِشَةَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«مُطِرنا بنوء كذا وكذا» (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) وسقطت «الواو» لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر، وقد أجاز العلماء أن يُقال: مُطِرنا في نوء كذا.
٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: «ابن منيرٍ» كما في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر؛ بصيغة اسم الفاعل من «أنار»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «ابن المنير» بالألف واللَّام؛ لأنَّ الاسم إذا كان في الأصل صفةً يجوز فيه الوجهان، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن هارون» (قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء وفتح الميم (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «بن مالكٍ» (قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) من باب إضافة المُسمَّى إلى اسمه، أو لفظةُ «ذات» مُقحَمةٌ (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) الأوَّل (١) (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى) أي: فرغ من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الشَّريف (٢) (فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ) الغير الحاضرين في المسجد (قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا،