ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الصَّلاة»، والله أعلم.
(١٦٠) (بابُ مَا جَاءَ فِي) أكل (الثُّومِ النِّيء) بنونٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ فهمزةٍ ممدودةٍ (١)، وقد تُدغَم، وهو مجرورٌ صفةً لسابقه المضموم المُثلَّثة؛ أي غير النَّضيج (وَ) ما جاء في أكل (البَصَلِ وَالكُرَّاثِ) بضمِّ الكاف وتشديد الرَّاء آخره مُثلَّثة.
(وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) بجرِّ لام «القول» عطفًا على المجرور السَّابق، ومقول قوله ﵊: (مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ) أو الكراث، أي: النِّيء (مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ) كالأكل للتَّشهِّي، والتَّأدُّم بالخبز (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) بنون التَّوكيد (٢) المُشدَّدة، وليس هذا لفظ حديثٍ، بل هو من تفقُّه المصنِّف وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى، والتَّقييد بالجوع أو غيره مأخوذٌ من كلام الصَّحابيِّ في بعض طرق حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ»، ولفظه: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكُرَّاث، فغلبتنا الحاجة، فأكلنا منه … » الحديثَ، والحاجة تشمل الجوع وغيره، وأصرح منه ما في حديث أبي سعيدٍ: «لم نَعْدُ (٣) أن فُتِحت خيبرُ، فوقعنا في هذه البقلة والنَّاس جياعٌ … » الحديثَ.
٨٥٣ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ)
مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ) سنة سبعٍ من الهجرة: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي: الثُّومَ-) يحتمل أن يكون القائل: «يعني» هو عبيد الله العمريُّ، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ ﵀ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) بنون التوكيد (١) المُشدَّدة، أي: المكان الَّذي أعدَّه ليصلِّي فيه مدَّة إقامته بخيبر، أو المراد بـ «المسجد»: الجنس، والإضافة إلى المسلمين، ويدلُّ له رواية أحمد عن يحيى القطَّان فيه بلفظ: «فلا يقرَبن المساجد» وحكمُ رحبةِ المسجد حكمُه لأنَّها منه؛ ولذا كان ﵊ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وجدت منه إلى البقيع كما ثبت في «مسلمٍ» عن عمر ﵁، ويلحق بالثوم كل ذي ريح كريه. وألحق بعضهم به مَنْ بِفِيِهِ بخرٌ، أو لجرحه رائحةٌ، وكالمجذوم والأبرص، وأصحاب الصَّنائع الكريهة كالسَّمَّاك، وتاجر الكتَّان، والغزل، وعُورِض بأنَّ آكل الثُّوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع بخلاف الأبخر والمجذوم (٢)، فكيف يلحق المضطر بالمختار؟ انتهى. وزاد مسلمٌ من رواية ابن نُميرٍ عن عبيد الله: «حتَّى يذهب ريحها»، وسمَّى الثُّوم بالشَّجرة، والشَّجرة (٣): ما كان على ساقٍ، وما لا ساق له يُسمَّى نجمًا، كما أنَّ اسم كلٍّ منهما قد يُطلَق على الآخر، ونطقُ أفصحِ الفصحاء من أقوى الدَّلائل.