الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٢٨
الحديث رقم ٩٢٨ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الِاسْتِمَاعِ إِلَى الْخُطْبَةِ
٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَفْظُ هَذَا وَإِنَّ (١) وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْمُصَنِّفِينَ لَهَا بِلَفْظِ وَبَعْدُ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّرَ بِهَا كَلَامَهُ فَيَقُولُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَمَّا بَعْدُ حَمْدِ اللَّهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَلَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ تَتَبَّعَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا أَمَّا بَعْدُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي خُطْبَةِ الْأَرْبَعِينَ الْمُتَبَايِنَةِ لَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا. مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ خُطْبَةً قَالَ: أَمَّا بَعْدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَظَاهِرُهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذَلِكَ.
٣٠ - بَاب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَلَا عُمُومَ لَهُ اهـ. وَلَا اخْتِصَاصَ بِذَلِكَ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ، وَظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا كَمَا يَقُولُ بِهِ فِي أَصْلِ الْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهُمَا قَائِمًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلُ بِبَابَيْنِ وَلَفْظُهُ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ وَلِلنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ وَغَفَلَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فَعَزَا هَذَا اللَّفْظَ لِلصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ: كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَالَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لَا كَلَامَ فِيهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ أَوْ يَدْعُوَهُ سِرًّا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي إِيجَابِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ إِقَامَةَ الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِلٌ تَحْتَ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ عَارَضَ الشَّافِعِيَّ بِأَنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجِلْسَةِ الْوُسْطَى فَلْتَكُنْ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجِلْسَةِ الْأُولَى، وَهَذَا مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ جُلَّ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ الْأُولَى وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ الْمُضَعَّفِ فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: لَمْ يُوجِبْهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّهَا جِلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ تَجِبْ، وَقَدَّرَهَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا بِقَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَبِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَتِهَا فَقِيلَ: لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَقِيلَ: لِلرَّاحَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - يَكْفِي السُّكُوتُ بِقَدْرِهَا، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَنْ خَطَبَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ. وَقَدْ أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يُوجِبَ الْقِيَامَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣٠) (بابُ) حكمِ (القَعْدَةِ) الكائنة (بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ).
٩٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) الرَّقاشيُّ البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما، وسقط في غير رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «بن عمر» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وسقط لغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر «بن عمر» ﵄ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) استدلَّ به الشَّافعيَّة على وجوب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته ﵊ على ذلك، مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ ذلك يتوقَّف على ثبوت أنَّ إقامة الخطبتين داخلةٌ تحت كيفيَّة الصَّلاة، وإلَّا فهو استدلالٌ بمُجرَّد الفعل. انتهى. فهو أصلٌ لا يتناول الخطبة لأنَّها ليست بصلاةٍ حقيقةً، وعُورِض أيضًا الاستدلال للوجوب بمواظبته عليه بأنَّه ﵊ قد واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظبته دليلًا على شرطيَّة الجلسة بينهما فلتكن دليلًا على شرطيَّة الجلسة الأولى، وأُجيب بأنَّ كلَّ الرِّوايات عن ابن عمر ليس فيها هذه الجلسة الأولى، وهي من رواية عبد الله بن عمر المُضعَّف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف الَّتي بين الخطبتين، ولم يشترط الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة هذه القعدة، إنَّما قالوا بسنِّيَّتها للفصل بين الخطبتين، نعم نقل الحافظ العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ» اشتراطها عن مشهور مذهب أحمد، وقال المازريُّ من المالكيَّة: يُشترَط القيام لهما والجلوس بينهما، وقال
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَفْظُ هَذَا وَإِنَّ (١) وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْمُصَنِّفِينَ لَهَا بِلَفْظِ وَبَعْدُ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّرَ بِهَا كَلَامَهُ فَيَقُولُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَمَّا بَعْدُ حَمْدِ اللَّهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَلَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ تَتَبَّعَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا أَمَّا بَعْدُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي خُطْبَةِ الْأَرْبَعِينَ الْمُتَبَايِنَةِ لَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا. مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ خُطْبَةً قَالَ: أَمَّا بَعْدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَظَاهِرُهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذَلِكَ.
٣٠ - بَاب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَلَا عُمُومَ لَهُ اهـ. وَلَا اخْتِصَاصَ بِذَلِكَ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ، وَظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا كَمَا يَقُولُ بِهِ فِي أَصْلِ الْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهُمَا قَائِمًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلُ بِبَابَيْنِ وَلَفْظُهُ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ وَلِلنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ وَغَفَلَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فَعَزَا هَذَا اللَّفْظَ لِلصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ: كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَالَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لَا كَلَامَ فِيهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ أَوْ يَدْعُوَهُ سِرًّا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي إِيجَابِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ إِقَامَةَ الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِلٌ تَحْتَ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ عَارَضَ الشَّافِعِيَّ بِأَنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجِلْسَةِ الْوُسْطَى فَلْتَكُنْ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجِلْسَةِ الْأُولَى، وَهَذَا مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ جُلَّ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ الْأُولَى وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ الْمُضَعَّفِ فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: لَمْ يُوجِبْهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّهَا جِلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ تَجِبْ، وَقَدَّرَهَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا بِقَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَبِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَتِهَا فَقِيلَ: لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَقِيلَ: لِلرَّاحَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - يَكْفِي السُّكُوتُ بِقَدْرِهَا، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَنْ خَطَبَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ. وَقَدْ أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يُوجِبَ الْقِيَامَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣٠) (بابُ) حكمِ (القَعْدَةِ) الكائنة (بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ).
٩٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) الرَّقاشيُّ البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما، وسقط في غير رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «بن عمر» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وسقط لغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر «بن عمر» ﵄ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) استدلَّ به الشَّافعيَّة على وجوب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته ﵊ على ذلك، مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ ذلك يتوقَّف على ثبوت أنَّ إقامة الخطبتين داخلةٌ تحت كيفيَّة الصَّلاة، وإلَّا فهو استدلالٌ بمُجرَّد الفعل. انتهى. فهو أصلٌ لا يتناول الخطبة لأنَّها ليست بصلاةٍ حقيقةً، وعُورِض أيضًا الاستدلال للوجوب بمواظبته عليه بأنَّه ﵊ قد واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظبته دليلًا على شرطيَّة الجلسة بينهما فلتكن دليلًا على شرطيَّة الجلسة الأولى، وأُجيب بأنَّ كلَّ الرِّوايات عن ابن عمر ليس فيها هذه الجلسة الأولى، وهي من رواية عبد الله بن عمر المُضعَّف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف الَّتي بين الخطبتين، ولم يشترط الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة هذه القعدة، إنَّما قالوا بسنِّيَّتها للفصل بين الخطبتين، نعم نقل الحافظ العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ» اشتراطها عن مشهور مذهب أحمد، وقال المازريُّ من المالكيَّة: يُشترَط القيام لهما والجلوس بينهما، وقال