«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٨

الحديث رقم ٩٨ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عظة الإمام النساء وتعليمهن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٩٨ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ».

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ .

بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ

إسناد حديث رقم ٩٨ من صحيح البخاري

٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٩٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَهْدِهِ وَبَعْدِهِ، فَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَظْهَرُ.

وَالْمُرَادُ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّنَا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا قَوَّى بِهِ الْكِرْمَانِيُّ دَعْوَاهُ بِكَوْنِ السِّيَاقِ مُخْتَلِفًا حَيْثُ قِيلَ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَجُلٌ بِالتَّنْكِيرِ، وَفِي الْعَبْدِ بِالتَّعْرِيفِ، وَحَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ: إِذَا الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَجْرَيْنِ لِمُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَقَعُ فِي الِاسْتِقْبَالِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ مَشَى فِيهِ مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الرُّوَاةِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مُخْتَلِفٌ، فَقَدْ عَبَّرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِإِذَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَعَبَّرَ فِي النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: أَيُّمَا رَجُلٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ مُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى النَّكِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الرَّابِعَةُ: حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ حُكْمُ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مُطَّرِدٌ فِي جُلِّ الْأَحْكَامِ حَيْثُ يَدْخُلْنَ مَعَ الرِّجَالِ بِالتَّبَعِيَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَمَبَاحِثُ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَجْرَانِ) هُوَ تَكْرِيرٌ لِطُولِ الْكَلَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) - أَيِ الشَّعْبِيُّ - أَعْطَيْنَاكَهَا، ظَاهِرُة أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ صَالِحًا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَلِهَذَا جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ: الْخِطَابُ لِصَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِلَّا فَالْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ حَاصِلٌ لَهُ.

قَوْلُهُ: (يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا) أَيْ: يُرْحَلُ لِأَجْلِ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهَا كَمَا عِنْدَهُ فِي الْجِهَادِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيِ: النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ وَسَكَنُوهَا، فَاكْتَفَى أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِعُلَمَائِهِ إِلَّا مَنْ طَلَبَ التَّوَسُّعَ فِي الْعِلْمِ فَرَحَلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّعْبِيُّ - مَعَ كَوْنِهِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ - بِقَوْلِهِ: كَانَ، وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ. وإِنَّمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِحِفْظِهِ وَأَجْلَبَ لِحِرْصِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ.

٣٢ - بَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ

٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ .

[الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٧٣٢٥، ٥٨٨٣، ٥٨٨١، ٥٨٨٠، ٥٢٤٩، ٤٨٩٥، ١٤٤٩، ١٤٣١، ٩٨٩، ٩٧٩، ٩٧٧، ٩٧٥، ٩٦٤، ٩٦٢، ٨٦٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ) نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ النَّدْبِ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَهْلَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَهْلِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ. وَاسْتُفِيدَ الْوَعْظُ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَوَعَظَهُنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٩٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباحٍ أسلمَ (١) الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (٢): «رسول الله» (، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن (٣) كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء (وَمَعَهُ بِلَالٌ) أي: ابن (٤) رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «معه بلالٌ» بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] (فَظَنَّ) (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين (٥) أسمع الرِّجال، فـ «أنَّ» مع اسمها

وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ» وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «أنَّه لم يُسمع» بدون ذكر «النِّساء» (فَوَعَظَهُنَّ) بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦٣٠٤] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة (٢) لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه (٣) كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها (وَالخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه ليصرفه في مصارفه لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه خبرُه، والجملة حاليَّةٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ «وقال إسماعيل» أي: ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: «قال ابن عبَّاسٍ»: (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ) فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩].

(٣٣) هذا (بابُ الحِرْصِ عَلَى) تحصيل (الحَدِيثِ) المُضَاف إلى النَّبيِّ ، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَهْدِهِ وَبَعْدِهِ، فَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَظْهَرُ.

وَالْمُرَادُ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّنَا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا قَوَّى بِهِ الْكِرْمَانِيُّ دَعْوَاهُ بِكَوْنِ السِّيَاقِ مُخْتَلِفًا حَيْثُ قِيلَ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَجُلٌ بِالتَّنْكِيرِ، وَفِي الْعَبْدِ بِالتَّعْرِيفِ، وَحَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ: إِذَا الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَجْرَيْنِ لِمُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَقَعُ فِي الِاسْتِقْبَالِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ مَشَى فِيهِ مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الرُّوَاةِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مُخْتَلِفٌ، فَقَدْ عَبَّرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِإِذَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَعَبَّرَ فِي النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: أَيُّمَا رَجُلٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ مُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى النَّكِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الرَّابِعَةُ: حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ حُكْمُ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مُطَّرِدٌ فِي جُلِّ الْأَحْكَامِ حَيْثُ يَدْخُلْنَ مَعَ الرِّجَالِ بِالتَّبَعِيَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَمَبَاحِثُ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَجْرَانِ) هُوَ تَكْرِيرٌ لِطُولِ الْكَلَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) - أَيِ الشَّعْبِيُّ - أَعْطَيْنَاكَهَا، ظَاهِرُة أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ صَالِحًا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَلِهَذَا جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ: الْخِطَابُ لِصَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِلَّا فَالْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ حَاصِلٌ لَهُ.

قَوْلُهُ: (يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا) أَيْ: يُرْحَلُ لِأَجْلِ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهَا كَمَا عِنْدَهُ فِي الْجِهَادِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيِ: النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ وَسَكَنُوهَا، فَاكْتَفَى أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِعُلَمَائِهِ إِلَّا مَنْ طَلَبَ التَّوَسُّعَ فِي الْعِلْمِ فَرَحَلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّعْبِيُّ - مَعَ كَوْنِهِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ - بِقَوْلِهِ: كَانَ، وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ. وإِنَّمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِحِفْظِهِ وَأَجْلَبَ لِحِرْصِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ.

٣٢ - بَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ

٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ .

[الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٧٣٢٥، ٥٨٨٣، ٥٨٨١، ٥٨٨٠، ٥٢٤٩، ٤٨٩٥، ١٤٤٩، ١٤٣١، ٩٨٩، ٩٧٩، ٩٧٧، ٩٧٥، ٩٦٤، ٩٦٢، ٨٦٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ) نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ النَّدْبِ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَهْلَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَهْلِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ. وَاسْتُفِيدَ الْوَعْظُ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَوَعَظَهُنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٩٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباحٍ أسلمَ (١) الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (٢): «رسول الله» (، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن (٣) كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء (وَمَعَهُ بِلَالٌ) أي: ابن (٤) رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «معه بلالٌ» بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] (فَظَنَّ) (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين (٥) أسمع الرِّجال، فـ «أنَّ» مع اسمها

وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ» وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «أنَّه لم يُسمع» بدون ذكر «النِّساء» (فَوَعَظَهُنَّ) بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦٣٠٤] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة (٢) لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه (٣) كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها (وَالخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه ليصرفه في مصارفه لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه خبرُه، والجملة حاليَّةٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ «وقال إسماعيل» أي: ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: «قال ابن عبَّاسٍ»: (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ) فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩].

(٣٣) هذا (بابُ الحِرْصِ عَلَى) تحصيل (الحَدِيثِ) المُضَاف إلى النَّبيِّ ، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل