الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٩٦
الحديث رقم ٩٩٦ من كتاب «كتاب الوتر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ساعات الوتر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ
٩٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حالٌ مِن فاعل «يصلِّي» في قوله: «يصلِّي (١) ركعتين قبل صلاة الغداة»، لا يُقالُ: إنَّها لإنشاءِ التَّشبيه لأنَّ الجملةَ الإنشائيَّة لا تقعُ حالًا، قاله في «المصابيح» (قَالَ حَمَّادٌ) المذكور بالسَّند السَّابق في تفسير «كأنَّ الأذان»: (أَيْ: سُرْعَةً) ولأبوي ذرٍّ والوقت كما في الفرع، وزاد في «الفتح»: وابن شبُّويه: «بسرعةٍ» بموحَّدةٍ قبل السِّين، والمعنى: أنَّه ﵊ كان يُسرِع بركعتي الفجر إسراعَ من يسمعُ إقامة الصَّلاة خشيةَ فوات أوَّل الوقت، ويلزم منه تخفيفُ القراءة فيهما، فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما.
ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قاضي الكوفة (قَالَ: حَدَّثَنَا) سليمان بن مهران (الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسْلِمٌ)
هو أبو الضُّحى الكوفيُّ، لا ابنُ كيسان (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ عبد الرَّحمن الكوفيُّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ) صالحٌ لجميع أجزائِه، و «كلَّ» بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أو بالرَّفع: مبتدأٌ، خبرُه ما بعدَه وهو (١) قوله: (أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) قبيل الصُّبح، ولأبي داودَ عن مسروقٍ: «قلت لعائشةَ: متى كان يوتر رسول الله ﷺ؟ فقالت: أوتر أوَّلَ اللَّيل، وأوسطَه، وآخرَه، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السَّحر» فقد يكونُ أوترَ مِنْ أوَّله لشكوى حصلت له، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك، وكان آخرَ أمرِه أَنْ أخَّرَه إلى آخرِ اللَّيل، ويُحتَملُ أَنْ يكونَ فعلَه أوَّلَه وأوسطَه لبيان الجواز، وأخَّرَه إلى آخر اللَّيل تنبيهًا على أنَّه الأفضل لمن يثق بالانتباه، وفي «صحيح مسلم»: «مَن خاف ألَّا يقومَ آخر اللَّيلِ فليُوتِرْ أوَّلَه، ومن طمع أن يقومَ آخرَه فليُوتِرْ آخرَ اللَّيل، فإنَّ صلاةَ آخر اللَّيل مشهودةٌ» وذلك أفضل، وورد عن عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وغيرهم، واستحبَّه مالكٌ، وقد قال ﵊ لأبي بكرٍ: «متى تُوتِر؟» قال: أوَّلَ اللَّيل، وقال لعمرَ: «متى تُوتِر؟» قال: آخرَ اللَّيل، فقال لأبي بكرٍ: «أخذتَ بالحزم»، وقال لعمرَ: «أخذت بالقوَّة». واستُشكِل اختيار الجمهور لفعل عمرَ في ذلك مع أنَّ أبا بكرٍ أفضلُ منه، وأُجيبَ بأنَّهم فهموا من الحديث ترجيحَ فعلِ عمرَ لأنَّه وَصَفَهُ بالقوَّة، وهي أفضل من الحزم لمن أُعطيها.
وقد اتَّفقَ السَّلف والخَلَف على أنَّ وقته من بعد صلاة العشاء إلى الفجر الثَّاني لحديث معاذ عند أحمد مرفوعًا: «زادني ربِّي صلاةً وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر (٢)». قال المحامليُّ: ووقتها المختار إلى نصف اللَّيل. وقال القاضي أبو الطَّيِّب وغيره: إلى نصفه، أو ثلثه، والأقرب فيهما أن يُقَالَ: إلى بُعَيدِ ذلك ليجامع وقت العشاء المختار، مع أنَّ ذلك
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِي رَكْعَات ويوتر بِرَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي. قَالَ مُسلم: بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَاعد، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ فَرَكَعَ، وَيُصلي بَين أَذَان الْفجْر وَالْإِقَامَة رَكْعَتَيْنِ) . وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، قَالَت: (وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي من اللَّيْل عشر رَكْعَات ويوتر بِسَجْدَة، وَيسْجد سَجْدَتي الْفجْر، فَذَلِك ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث الْأسود بن يزِيد: (أَنه دخل على عَائِشَة فَسَأَلَهَا عَن صَلَاة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِاللَّيْلِ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاث عشرَة رَكْعَة من اللَّيْل، ثمَّ إِنَّه يُصَلِّي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَيتْرك رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قبض حِين قبض وَهُوَ يُصَلِّي من اللَّيْل تسع رَكْعَات آخر صلَاته من اللَّيْل الْوتر) . وروى أَيْضا من حَدِيث سعد بن هِشَام فِي حَدِيث طَوِيل: أَنه سَأَلَ عَائِشَة قَالَ: (قلت حدثيني عَن قيام اللَّيْل! فَأخْبرت بِهِ ثمَّ قَالَ: حدثيني عَن وتر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: كَانَ يُوتر بثمان رَكْعَات لَا يجلس إلاّ فِي الثَّامِنَة والتاسعة، وَلَا يسلم إلاّ فِي التَّاسِعَة، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس، فَتلك إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، يَا بني، فَلَمَّا أسن وَأخذ اللَّحْم أوتر بِسبع رَكْعَات لم يجلس إلاّ فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة، وَلم يسلم إلاّ فِي السَّابِعَة، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس، فَتلك تسع رَكْعَات يَا بني) . إعلم أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أطلقت على جَمِيع صلَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي اللَّيْل الَّتِي كَانَ فِيهَا الْوتر: وترا، فجملتها إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَهَذَا كَانَ قبل أَن يبدن وَيَأْخُذ اللَّحْم، فَلَمَّا بدن وَأخذ اللَّحْم أوتر بِسبع رَكْعَات، وَهَهُنَا أَيْضا أطلقت على الْجَمِيع: وترا، وَالْوتر مِنْهَا ثَلَاث رَكْعَات، أَربع قبله من النَّفْل وَبعده رَكْعَتَانِ، فالجميع تسع رَكْعَات. فَإِن قلت: قد صرحت فِي الصُّورَة الأولى بقولِهَا: (لَا يجلس إلاّ فِي الثَّامِنَة وَلَا يسلم إلاّ فِي التَّاسِعَة) ، وصرحت فِي الصُّورَة الثَّانِيَة بقولِهَا: (لم يجلس إلاّ فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة، وَلم يسلم إلاّ فِي السَّابِعَة) . قلت: هَذَا اقْتِصَار مِنْهَا على بَيَان جُلُوس الْوتر وَسَلَامه، لِأَن السَّائِل إِنَّمَا سَأَلَ عَن حَقِيقَة الْوتر وَلم يسْأَل عَن غَيره، فأجابت مبينَة بِمَا فِي الْوتر من الْجُلُوس على الثَّانِيَة بِدُونِ سَلام، وَالْجُلُوس أَيْضا على الثَّالِثَة بِسَلام وَهَذَا عين مَذْهَب أبي حنيفَة، وَسكت عَن جُلُوس الرَّكْعَات الَّتِي قبلهَا وَعَن السَّلَام فِيهَا، كَمَا أَن السُّؤَال لم يَقع عَنْهَا، فجوابها قد طابق سُؤال السَّائِل، غير أَنَّهَا أطلقت على الْجَمِيع: وترا فِي الصُّورَتَيْنِ لكَون الْوتر فِيهَا، وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ مَا روى الطَّحَاوِيّ: من حَدِيث يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتر بعدهمَا: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَيقْرَأ فِي الْوتر: قل هُوَ الله أحد، وَقل أعوذ بِرَبّ الفلق، وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس) . وَأخرج من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقْرَأ فِي الْوتر فِي الرَّكْعَة الأولى: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَة: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَة: قل هُوَ الله أحد) . وَقد وَقع الِاخْتِلَاف فِي أعداد رَكْعَات صلَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِاللَّيْلِ من سبع وتسع وَإِحْدَى عشرَة وَثَلَاث عشرَة إِلَى سبع عشرَة رَكْعَة، وَقدر عدد رَكْعَات الْفَرْض فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. فَإِن قلت: مَا تَقول فِي هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: كل وَاحِد من الروَاة مثل عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَزيد بن خَالِد وَغَيرهم أخبر بِمَا شَاهده، وَأما الِاخْتِلَاف عَن عَائِشَة فَقيل: هُوَ من الروَاة عَنْهَا، وَقيل: هُوَ مِنْهَا: وَيحْتَمل أَنَّهَا أخْبرت عَن حالات: مِنْهَا: مَا هُوَ الْأَغْلَب من فعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمِنْهَا: مَا هُوَ نَادِر: وَمِنْهَا: مَا هُوَ اتّفق من اتساع الْوَقْت وضيقه على مَا ذَكرْنَاهُ.
٢ - (بابُ ساعاتِ الوِتْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَاعَات الْوتر، أَي: أوقاته.
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ أوْصَانِي النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ
مطابقته هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قبل النّوم سَاعَة من سَاعَات الْوتر، وساعات الْوتر هُوَ اللَّيْل كُله، غير أَن أَوله من مغيب الشَّفق على الِاخْتِلَاف، وَلَكِن لَا يجوز تَقْدِيمه على صَلَاة الْعشَاء. وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث أوردهُ البُخَارِيّ من طَرِيق أبي عُثْمَان عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (وَأَن أوتر قبل أَن نَام) . وَوجه أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالوتر لأبي هُرَيْرَة قبل النّوم خشيَة أَن يستولي عَلَيْهِ النّوم، فَأمره بِالْأَخْذِ بالثقة، وَبِهَذَا وَردت الْأَخْبَار عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهَا: حَدِيث
عَائِشَة: (من خَافَ أَن لَا يَسْتَيْقِظ آخر اللَّيْل فليوتر أول اللَّيْل، وَمن علم أَن يَسْتَيْقِظ آخر اللَّيْل فَإِن صلَاته آخر اللَّيْل محضورة، وَذَلِكَ أفضل) .
٥٩٩ - حدَّثنا أبُو النعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ لابنِ عُمَرَ أرَأيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ نُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ فَقَالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ويُصَلِّي الرَّكّعَتِيْنِ قَبّلَ صَلَاةَ الغَدَاةِ وَكَانَ الأذَانَ بِأُذُنَيْهِ قَالَ حَمَّادٌ أيْ سُرْعَةً..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يُصَلِّي من اللَّيْل) ، فَإِن قَوْله: (من اللَّيْل) مَجْمُوع اللَّيْل لِأَنَّهُ مُبْهَم يصلح لجَمِيع أَجزَاء اللَّيْل حَيْثُ لم يعين بَعْضًا مِنْهُ، وَهُوَ سَاعَات الْوتر، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: لَيْسَ للوتر وَقت معِين لَا يجوز فِي غَيره، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوتر كل اللَّيْل.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي: الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: أنس بن سِيرِين أَخُو مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو حَمْزَة، مَاتَ بعد أَخِيه مُحَمَّد، وَمَات مُحَمَّد سنة عشر وَمِائَة. الرَّابِع: عب الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بكنيته.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة: عَن خلف بن هِشَام وَأبي كَامِل الجحدري عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة عَن حَمَّاد بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أريت؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام مَعْنَاهُ: أَخْبرنِي. قَوْله: (نطيل) ، بنُون الْجمع من: أَطَالَ يُطِيل إِذا طول، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أطيل) ، بِهَمْزَة الْمُتَكَلّم وَحده. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (أطيل) بِلَفْظ مَجْهُول الْمَاضِي ومعروف الْمُضَارع. قلت: لَا أَدْرِي مَجْهُول الْمَاضِي رِوَايَة أم لَا؟ قَوْله: (وَكَانَ) ، بتَشْديد النُّون. قَوْله: (بأذنيه) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الذَّال وَضمّهَا تَثْنِيَة أذن، ويروى: (بِإِذْنِهِ) بِالْإِفْرَادِ وَقَوله: (وَكَأن الْأَذَان بأذنه) عبارَة عَن سرعته بركعتي الْفجْر، وَالْمرَاد من الْأَذَان الْإِقَامَة، وَالْحَاصِل أَنه: كَانَ يُخَفف الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتي الْفجْر مثل من كَانَ يسمع إِقَامَة الصَّلَاة ويسرع خشيَة فَوَات الْوَقْت عَنهُ. وَقَالَ الْمُهلب: وَكَأن الْأَذَان بِإِذْنِهِ يُرِيد الْإِقَامَة من أجل التغليس بِالصَّلَاةِ. قَوْله: قَالَ حَمَّاد) ، وَهُوَ ابْن زيد الرَّاوِي. قيل: وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قلت: وَفِيه نظر. قَوْله: (بِسُرْعَة) بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت وَابْن شبويه، وَفِي رِوَايَة غَيرهم (سرعَة) بِغَيْر الْبَاء وَهُوَ تَفْسِير من الرَّاوِي لقَوْله: (كَأَن الْأَذَان بأذنيه) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَن صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي على أَن الْوتر رَكْعَة وَاحِدَة، وَقد ذكرنَا الْجَواب عَنهُ مستقصىً فِي الْبَاب الَّذِي قبله. الثَّالِث: فِيهِ الصَّلَاة بِرَكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الصُّبْح. الرَّابِع: تَخْفيف الْقِرَاءَة فيهمَا.
٦٩٩ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ كُلَّ اللَّيْلِ أوْتَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على أَن كل اللَّيْل سَاعَات الْوتر، وأولها من بعد صَلَاة الْعشَاء، وَآخِرهَا إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق. وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث خَارِجَة: أَن وقته مَا بَين الْعشَاء وطلوع الْفجْر، وَاسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيّ.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق بن مُعَاوِيَة أَبُو عَمْرو النَّخعِيّ الْكُوفِي، قاضيها. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: مُسلم بن صبيح أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. الْخَامِس: مَسْرُوق بن عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: ابْن الأجدع، وَهُوَ لقب عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كل اللَّيْل) ، يجوز فِي: كل، الرّفْع وَالنّصب. أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة بعده خَبره، وَأما النصب فعلى الظَّرْفِيَّة لقَوْله: (أوتر) ، وَالْمرَاد مِنْهُ أَنه أوتر فِي جَمِيع اللَّيْل أَو فِي جَمِيع سَاعَات اللَّيْل، يَعْنِي: إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ جزئيات اللَّيْل أَو أجزاؤه. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مَسْرُوق، (عَن عَائِشَة قَالَت: من كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وانْتهى وتره إِلَى السحر) . وَله عَن عَائِشَة: (من كل اللَّيْل، قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، فَانْتهى وتره إِلَى السحر) ، وَله فِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَت: (كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَانْتهى وتره إِلَى آخر اللَّيْل) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مَسْرُوق قَالَ: قلت لعَائِشَة: مَتى كَانَ يُوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: كل ذَلِك قد فعل: أوتر أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، وَلَكِن انْتهى وتره حِين مَاتَ إِلَى السحر) . انْتهى. قلت: قد يكون أوتر من أَوله لشكوى حصلت، وَفِي وَسطه لاستيقاظه إِذْ ذَاك وَآخره غَايَة لَهُ، وَمعنى قَوْله: وانْتهى وتره إِلَى السحر أَي: كَانَ آخر أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أخر الْوتر إِلَى آخر اللَّيْل، وَيُقَال: فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول اللَّيْل وأوسطه، بَيَان للْجُوَاز، وتأخيره إِلَى آخر اللَّيْل تَنْبِيه على الْأَفْضَل لمن يَثِق بالانتباه، وَكَانَ بعض السّلف يوترون أول اللَّيْل، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعُثْمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبَعْضهمْ يوترون آخر اللَّيْل مِنْهُم: عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم من التَّابِعين، وَأما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي هُرَيْرَة بالوتر قبل النّوم فَهُوَ اخْتِيَار مِنْهُ لَهُ حِين خشِي عَلَيْهِ من اسْتِيلَاء النّوم، فَأمره بِالْأَخْذِ بالثقة، وَالتَّرْغِيب فِي الْوتر فِي آخر اللَّيْل هُوَ لمن قوي عَلَيْهِ، وَلم تكن عَادَته أَن تغلبه عَيناهُ، وَعند ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي قَتَادَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر، مَتى توتر؟ قَالَ: قبل أَن أَنَام. وَقَالَ لعمر: مَتى توتر؟ فَقَالَ: أَنَام ثمَّ أوتر. فَقَالَ لأبي بكر أخذت بالحزم أَو بالوثيقة، وَقَالَ لعمر: أخذت بِالْقُوَّةِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن هِشَام حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب: (أَن أَبَا بكر وَعمر تذاكرا الْوتر عِنْد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أَبُو بكر: أما أَنا فَإِنِّي أَنَام على وتر فَإِن استيقظت صليت شفعا حَتَّى الصَّباح. وَقَالَ عمر: لَكِن أَنَام على شفع ثمَّ أوتر فِي السحر. فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر: حذر هَذَا، ولعمر: قوي هَذَا) . وَفِي فَوَائِد سمويه من حَدِيث ابْن عقيل (عَن جَابر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر: أَي حِين توتر؟ قَالَ: أول اللَّيْل بعد الْعَتَمَة) . وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي أول وَقت الْوتر، وَآخره فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
٣ - (بابُ إيقَاظِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهْلَهُ بالوِتْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إيقاظ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والإيقاظ مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَقَوله: (أَهله) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (بالوتر) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (للوتر) ، بِاللَّامِ.
٧٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثني أبي عنْ عائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي وَأَنا رَاقِدَةٌ مُعْترِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ فإذَا أرَادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فأوْتَرْتُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَفَائِدَة وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ لكل أحد أَن يوقظ امْرَأَته لأجل صَلَاة الْوتر إِذا نَامَتْ قبل الإيتار. وَفِيه تَأْكِيد لأمر الْوتر والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ} (طه: ٢٣١) . وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الْوتر فِي حق النِّسَاء.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَقد ذكر
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حالٌ مِن فاعل «يصلِّي» في قوله: «يصلِّي (١) ركعتين قبل صلاة الغداة»، لا يُقالُ: إنَّها لإنشاءِ التَّشبيه لأنَّ الجملةَ الإنشائيَّة لا تقعُ حالًا، قاله في «المصابيح» (قَالَ حَمَّادٌ) المذكور بالسَّند السَّابق في تفسير «كأنَّ الأذان»: (أَيْ: سُرْعَةً) ولأبوي ذرٍّ والوقت كما في الفرع، وزاد في «الفتح»: وابن شبُّويه: «بسرعةٍ» بموحَّدةٍ قبل السِّين، والمعنى: أنَّه ﵊ كان يُسرِع بركعتي الفجر إسراعَ من يسمعُ إقامة الصَّلاة خشيةَ فوات أوَّل الوقت، ويلزم منه تخفيفُ القراءة فيهما، فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما.
ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قاضي الكوفة (قَالَ: حَدَّثَنَا) سليمان بن مهران (الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسْلِمٌ)
هو أبو الضُّحى الكوفيُّ، لا ابنُ كيسان (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ عبد الرَّحمن الكوفيُّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ) صالحٌ لجميع أجزائِه، و «كلَّ» بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أو بالرَّفع: مبتدأٌ، خبرُه ما بعدَه وهو (١) قوله: (أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) قبيل الصُّبح، ولأبي داودَ عن مسروقٍ: «قلت لعائشةَ: متى كان يوتر رسول الله ﷺ؟ فقالت: أوتر أوَّلَ اللَّيل، وأوسطَه، وآخرَه، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السَّحر» فقد يكونُ أوترَ مِنْ أوَّله لشكوى حصلت له، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك، وكان آخرَ أمرِه أَنْ أخَّرَه إلى آخرِ اللَّيل، ويُحتَملُ أَنْ يكونَ فعلَه أوَّلَه وأوسطَه لبيان الجواز، وأخَّرَه إلى آخر اللَّيل تنبيهًا على أنَّه الأفضل لمن يثق بالانتباه، وفي «صحيح مسلم»: «مَن خاف ألَّا يقومَ آخر اللَّيلِ فليُوتِرْ أوَّلَه، ومن طمع أن يقومَ آخرَه فليُوتِرْ آخرَ اللَّيل، فإنَّ صلاةَ آخر اللَّيل مشهودةٌ» وذلك أفضل، وورد عن عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وغيرهم، واستحبَّه مالكٌ، وقد قال ﵊ لأبي بكرٍ: «متى تُوتِر؟» قال: أوَّلَ اللَّيل، وقال لعمرَ: «متى تُوتِر؟» قال: آخرَ اللَّيل، فقال لأبي بكرٍ: «أخذتَ بالحزم»، وقال لعمرَ: «أخذت بالقوَّة». واستُشكِل اختيار الجمهور لفعل عمرَ في ذلك مع أنَّ أبا بكرٍ أفضلُ منه، وأُجيبَ بأنَّهم فهموا من الحديث ترجيحَ فعلِ عمرَ لأنَّه وَصَفَهُ بالقوَّة، وهي أفضل من الحزم لمن أُعطيها.
وقد اتَّفقَ السَّلف والخَلَف على أنَّ وقته من بعد صلاة العشاء إلى الفجر الثَّاني لحديث معاذ عند أحمد مرفوعًا: «زادني ربِّي صلاةً وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر (٢)». قال المحامليُّ: ووقتها المختار إلى نصف اللَّيل. وقال القاضي أبو الطَّيِّب وغيره: إلى نصفه، أو ثلثه، والأقرب فيهما أن يُقَالَ: إلى بُعَيدِ ذلك ليجامع وقت العشاء المختار، مع أنَّ ذلك
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِي رَكْعَات ويوتر بِرَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي. قَالَ مُسلم: بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَاعد، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ فَرَكَعَ، وَيُصلي بَين أَذَان الْفجْر وَالْإِقَامَة رَكْعَتَيْنِ) . وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، قَالَت: (وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي من اللَّيْل عشر رَكْعَات ويوتر بِسَجْدَة، وَيسْجد سَجْدَتي الْفجْر، فَذَلِك ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث الْأسود بن يزِيد: (أَنه دخل على عَائِشَة فَسَأَلَهَا عَن صَلَاة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِاللَّيْلِ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاث عشرَة رَكْعَة من اللَّيْل، ثمَّ إِنَّه يُصَلِّي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَيتْرك رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قبض حِين قبض وَهُوَ يُصَلِّي من اللَّيْل تسع رَكْعَات آخر صلَاته من اللَّيْل الْوتر) . وروى أَيْضا من حَدِيث سعد بن هِشَام فِي حَدِيث طَوِيل: أَنه سَأَلَ عَائِشَة قَالَ: (قلت حدثيني عَن قيام اللَّيْل! فَأخْبرت بِهِ ثمَّ قَالَ: حدثيني عَن وتر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: كَانَ يُوتر بثمان رَكْعَات لَا يجلس إلاّ فِي الثَّامِنَة والتاسعة، وَلَا يسلم إلاّ فِي التَّاسِعَة، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس، فَتلك إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، يَا بني، فَلَمَّا أسن وَأخذ اللَّحْم أوتر بِسبع رَكْعَات لم يجلس إلاّ فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة، وَلم يسلم إلاّ فِي السَّابِعَة، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس، فَتلك تسع رَكْعَات يَا بني) . إعلم أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أطلقت على جَمِيع صلَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي اللَّيْل الَّتِي كَانَ فِيهَا الْوتر: وترا، فجملتها إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَهَذَا كَانَ قبل أَن يبدن وَيَأْخُذ اللَّحْم، فَلَمَّا بدن وَأخذ اللَّحْم أوتر بِسبع رَكْعَات، وَهَهُنَا أَيْضا أطلقت على الْجَمِيع: وترا، وَالْوتر مِنْهَا ثَلَاث رَكْعَات، أَربع قبله من النَّفْل وَبعده رَكْعَتَانِ، فالجميع تسع رَكْعَات. فَإِن قلت: قد صرحت فِي الصُّورَة الأولى بقولِهَا: (لَا يجلس إلاّ فِي الثَّامِنَة وَلَا يسلم إلاّ فِي التَّاسِعَة) ، وصرحت فِي الصُّورَة الثَّانِيَة بقولِهَا: (لم يجلس إلاّ فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة، وَلم يسلم إلاّ فِي السَّابِعَة) . قلت: هَذَا اقْتِصَار مِنْهَا على بَيَان جُلُوس الْوتر وَسَلَامه، لِأَن السَّائِل إِنَّمَا سَأَلَ عَن حَقِيقَة الْوتر وَلم يسْأَل عَن غَيره، فأجابت مبينَة بِمَا فِي الْوتر من الْجُلُوس على الثَّانِيَة بِدُونِ سَلام، وَالْجُلُوس أَيْضا على الثَّالِثَة بِسَلام وَهَذَا عين مَذْهَب أبي حنيفَة، وَسكت عَن جُلُوس الرَّكْعَات الَّتِي قبلهَا وَعَن السَّلَام فِيهَا، كَمَا أَن السُّؤَال لم يَقع عَنْهَا، فجوابها قد طابق سُؤال السَّائِل، غير أَنَّهَا أطلقت على الْجَمِيع: وترا فِي الصُّورَتَيْنِ لكَون الْوتر فِيهَا، وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ مَا روى الطَّحَاوِيّ: من حَدِيث يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتر بعدهمَا: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَيقْرَأ فِي الْوتر: قل هُوَ الله أحد، وَقل أعوذ بِرَبّ الفلق، وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس) . وَأخرج من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقْرَأ فِي الْوتر فِي الرَّكْعَة الأولى: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَة: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَة: قل هُوَ الله أحد) . وَقد وَقع الِاخْتِلَاف فِي أعداد رَكْعَات صلَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِاللَّيْلِ من سبع وتسع وَإِحْدَى عشرَة وَثَلَاث عشرَة إِلَى سبع عشرَة رَكْعَة، وَقدر عدد رَكْعَات الْفَرْض فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. فَإِن قلت: مَا تَقول فِي هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: كل وَاحِد من الروَاة مثل عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَزيد بن خَالِد وَغَيرهم أخبر بِمَا شَاهده، وَأما الِاخْتِلَاف عَن عَائِشَة فَقيل: هُوَ من الروَاة عَنْهَا، وَقيل: هُوَ مِنْهَا: وَيحْتَمل أَنَّهَا أخْبرت عَن حالات: مِنْهَا: مَا هُوَ الْأَغْلَب من فعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمِنْهَا: مَا هُوَ نَادِر: وَمِنْهَا: مَا هُوَ اتّفق من اتساع الْوَقْت وضيقه على مَا ذَكرْنَاهُ.
٢ - (بابُ ساعاتِ الوِتْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَاعَات الْوتر، أَي: أوقاته.
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ أوْصَانِي النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ
مطابقته هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قبل النّوم سَاعَة من سَاعَات الْوتر، وساعات الْوتر هُوَ اللَّيْل كُله، غير أَن أَوله من مغيب الشَّفق على الِاخْتِلَاف، وَلَكِن لَا يجوز تَقْدِيمه على صَلَاة الْعشَاء. وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث أوردهُ البُخَارِيّ من طَرِيق أبي عُثْمَان عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (وَأَن أوتر قبل أَن نَام) . وَوجه أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالوتر لأبي هُرَيْرَة قبل النّوم خشيَة أَن يستولي عَلَيْهِ النّوم، فَأمره بِالْأَخْذِ بالثقة، وَبِهَذَا وَردت الْأَخْبَار عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهَا: حَدِيث
عَائِشَة: (من خَافَ أَن لَا يَسْتَيْقِظ آخر اللَّيْل فليوتر أول اللَّيْل، وَمن علم أَن يَسْتَيْقِظ آخر اللَّيْل فَإِن صلَاته آخر اللَّيْل محضورة، وَذَلِكَ أفضل) .
٥٩٩ - حدَّثنا أبُو النعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ لابنِ عُمَرَ أرَأيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ نُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ فَقَالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ويُصَلِّي الرَّكّعَتِيْنِ قَبّلَ صَلَاةَ الغَدَاةِ وَكَانَ الأذَانَ بِأُذُنَيْهِ قَالَ حَمَّادٌ أيْ سُرْعَةً..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يُصَلِّي من اللَّيْل) ، فَإِن قَوْله: (من اللَّيْل) مَجْمُوع اللَّيْل لِأَنَّهُ مُبْهَم يصلح لجَمِيع أَجزَاء اللَّيْل حَيْثُ لم يعين بَعْضًا مِنْهُ، وَهُوَ سَاعَات الْوتر، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: لَيْسَ للوتر وَقت معِين لَا يجوز فِي غَيره، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوتر كل اللَّيْل.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي: الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: أنس بن سِيرِين أَخُو مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو حَمْزَة، مَاتَ بعد أَخِيه مُحَمَّد، وَمَات مُحَمَّد سنة عشر وَمِائَة. الرَّابِع: عب الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بكنيته.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة: عَن خلف بن هِشَام وَأبي كَامِل الجحدري عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة عَن حَمَّاد بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أريت؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام مَعْنَاهُ: أَخْبرنِي. قَوْله: (نطيل) ، بنُون الْجمع من: أَطَالَ يُطِيل إِذا طول، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أطيل) ، بِهَمْزَة الْمُتَكَلّم وَحده. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (أطيل) بِلَفْظ مَجْهُول الْمَاضِي ومعروف الْمُضَارع. قلت: لَا أَدْرِي مَجْهُول الْمَاضِي رِوَايَة أم لَا؟ قَوْله: (وَكَانَ) ، بتَشْديد النُّون. قَوْله: (بأذنيه) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الذَّال وَضمّهَا تَثْنِيَة أذن، ويروى: (بِإِذْنِهِ) بِالْإِفْرَادِ وَقَوله: (وَكَأن الْأَذَان بأذنه) عبارَة عَن سرعته بركعتي الْفجْر، وَالْمرَاد من الْأَذَان الْإِقَامَة، وَالْحَاصِل أَنه: كَانَ يُخَفف الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتي الْفجْر مثل من كَانَ يسمع إِقَامَة الصَّلَاة ويسرع خشيَة فَوَات الْوَقْت عَنهُ. وَقَالَ الْمُهلب: وَكَأن الْأَذَان بِإِذْنِهِ يُرِيد الْإِقَامَة من أجل التغليس بِالصَّلَاةِ. قَوْله: قَالَ حَمَّاد) ، وَهُوَ ابْن زيد الرَّاوِي. قيل: وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قلت: وَفِيه نظر. قَوْله: (بِسُرْعَة) بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت وَابْن شبويه، وَفِي رِوَايَة غَيرهم (سرعَة) بِغَيْر الْبَاء وَهُوَ تَفْسِير من الرَّاوِي لقَوْله: (كَأَن الْأَذَان بأذنيه) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَن صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي على أَن الْوتر رَكْعَة وَاحِدَة، وَقد ذكرنَا الْجَواب عَنهُ مستقصىً فِي الْبَاب الَّذِي قبله. الثَّالِث: فِيهِ الصَّلَاة بِرَكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الصُّبْح. الرَّابِع: تَخْفيف الْقِرَاءَة فيهمَا.
٦٩٩ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ كُلَّ اللَّيْلِ أوْتَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على أَن كل اللَّيْل سَاعَات الْوتر، وأولها من بعد صَلَاة الْعشَاء، وَآخِرهَا إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق. وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث خَارِجَة: أَن وقته مَا بَين الْعشَاء وطلوع الْفجْر، وَاسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيّ.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق بن مُعَاوِيَة أَبُو عَمْرو النَّخعِيّ الْكُوفِي، قاضيها. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: مُسلم بن صبيح أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. الْخَامِس: مَسْرُوق بن عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: ابْن الأجدع، وَهُوَ لقب عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كل اللَّيْل) ، يجوز فِي: كل، الرّفْع وَالنّصب. أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة بعده خَبره، وَأما النصب فعلى الظَّرْفِيَّة لقَوْله: (أوتر) ، وَالْمرَاد مِنْهُ أَنه أوتر فِي جَمِيع اللَّيْل أَو فِي جَمِيع سَاعَات اللَّيْل، يَعْنِي: إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ جزئيات اللَّيْل أَو أجزاؤه. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مَسْرُوق، (عَن عَائِشَة قَالَت: من كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وانْتهى وتره إِلَى السحر) . وَله عَن عَائِشَة: (من كل اللَّيْل، قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، فَانْتهى وتره إِلَى السحر) ، وَله فِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَت: (كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَانْتهى وتره إِلَى آخر اللَّيْل) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مَسْرُوق قَالَ: قلت لعَائِشَة: مَتى كَانَ يُوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: كل ذَلِك قد فعل: أوتر أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، وَلَكِن انْتهى وتره حِين مَاتَ إِلَى السحر) . انْتهى. قلت: قد يكون أوتر من أَوله لشكوى حصلت، وَفِي وَسطه لاستيقاظه إِذْ ذَاك وَآخره غَايَة لَهُ، وَمعنى قَوْله: وانْتهى وتره إِلَى السحر أَي: كَانَ آخر أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أخر الْوتر إِلَى آخر اللَّيْل، وَيُقَال: فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول اللَّيْل وأوسطه، بَيَان للْجُوَاز، وتأخيره إِلَى آخر اللَّيْل تَنْبِيه على الْأَفْضَل لمن يَثِق بالانتباه، وَكَانَ بعض السّلف يوترون أول اللَّيْل، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعُثْمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبَعْضهمْ يوترون آخر اللَّيْل مِنْهُم: عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم من التَّابِعين، وَأما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي هُرَيْرَة بالوتر قبل النّوم فَهُوَ اخْتِيَار مِنْهُ لَهُ حِين خشِي عَلَيْهِ من اسْتِيلَاء النّوم، فَأمره بِالْأَخْذِ بالثقة، وَالتَّرْغِيب فِي الْوتر فِي آخر اللَّيْل هُوَ لمن قوي عَلَيْهِ، وَلم تكن عَادَته أَن تغلبه عَيناهُ، وَعند ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي قَتَادَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر، مَتى توتر؟ قَالَ: قبل أَن أَنَام. وَقَالَ لعمر: مَتى توتر؟ فَقَالَ: أَنَام ثمَّ أوتر. فَقَالَ لأبي بكر أخذت بالحزم أَو بالوثيقة، وَقَالَ لعمر: أخذت بِالْقُوَّةِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن هِشَام حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب: (أَن أَبَا بكر وَعمر تذاكرا الْوتر عِنْد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أَبُو بكر: أما أَنا فَإِنِّي أَنَام على وتر فَإِن استيقظت صليت شفعا حَتَّى الصَّباح. وَقَالَ عمر: لَكِن أَنَام على شفع ثمَّ أوتر فِي السحر. فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر: حذر هَذَا، ولعمر: قوي هَذَا) . وَفِي فَوَائِد سمويه من حَدِيث ابْن عقيل (عَن جَابر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر: أَي حِين توتر؟ قَالَ: أول اللَّيْل بعد الْعَتَمَة) . وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي أول وَقت الْوتر، وَآخره فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
٣ - (بابُ إيقَاظِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهْلَهُ بالوِتْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إيقاظ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والإيقاظ مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَقَوله: (أَهله) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (بالوتر) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (للوتر) ، بِاللَّامِ.
٧٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثني أبي عنْ عائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي وَأَنا رَاقِدَةٌ مُعْترِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ فإذَا أرَادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فأوْتَرْتُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَفَائِدَة وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ لكل أحد أَن يوقظ امْرَأَته لأجل صَلَاة الْوتر إِذا نَامَتْ قبل الإيتار. وَفِيه تَأْكِيد لأمر الْوتر والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ} (طه: ٢٣١) . وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الْوتر فِي حق النِّسَاء.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَقد ذكر