سيرة أم معبد
مرسلًا (١).
[٣٤٦٦] أمُّ مَنِيعٍ الأنصاريَّةُ (٢)، شهِدت بيعةَ العقبةِ، واسمُها أسماءُ بنتُ عمرٍو، وقد ذكَرْناها (٣).
[٣٤٦٧] أُمُّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةُ (٤)، اسمُها عاتِكةُ بنتُ خالدٍ، أختُ حُبَيشِ ابنِ خالدٍ، قد تقدَّم ذكرُها في بابِ العينِ مِن أسماءِ النِّساءِ (٥)، وسلَف ذكرُ خبرِها في بابِ حُبَيشٍ مِن أسماءِ الرِّجالِ مِن هذا الكتابِ (٦)،
وأذكُرُه (١) هاهنا (٢):
حدَّثنا أبو القاسمِ عبدُ الوارثِ بن سفيانَ إملاءً منه عليَّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عيسى بنِ حكمِ بنِ أيوبَ بنِ سليمانَ بنِ ثابتِ بن يسارٍ الخُزَاعِيُّ الرَّبَعِيُّ الكَعْبِيُّ بِقُدَيدٍ على بابِ حانُوتِه قَرَأه (٤) لنا ظاهِرًا (٥)، قال: حدَّثني أبو هشامٍ محمدُ بنُ سليمانَ بنِ الحكمِ، عن [جدِّي (٦) أيوبَ بنِ الحَكَمِ، عن] (٧) حزامِ بنِ هشامٍ، عن أبيه هشامٍ، عن جدِّه حُبَيْشِ بنِ خالدٍ صاحبِ رسولِ اللهِ ﷺ، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا إلى المدينةِ هو وأبو بكرٍ ومولى أبي بكرٍ عامرُ بنُ فُهَيْرةَ، ودَليلُهما اللَّيْثِيُّ عبدُ اللهِ بنُ الأُرَيْقِطِ، مَرُّوا على خَيْمَتَي (٨) أمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ، وكانت مَرَةً (٩) بَرْزَةً جَلْدةً (١٠)،
تَحْتَبِي (١) بفناءِ القُبَّةِ، ثمَّ تَسْقِي وتُطعِمُ، فسألوها لحمًا وتَمْرًا لِيَشْتَرُوه منها، فلم يُصِيبُوا عندَها شيئًا من ذلك، وكان القومُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ (٢)، فنظَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى شاةٍ في كِسْرِ الخيمةِ (٣)، قال: "ما هذه الشَّاةُ يا أمَّ مَعْبَدٍ؟ "، قالَتْ: شاةٌ خَلَّفَها الجَهْدُ عن الغنمِ، قال: "هل بها مِن لبنٍ؟ "، قالَتْ: هي أَجْهَدُ مِن ذلك، قال: "أَتَأْذَنِينَ لي (٤) أَنْ أَحْلُبَها؟ "، قَالَتْ: نعمْ (٤)، بأبي أنتَ وأُمِّي، إنْ رأيتَ بها حَلْبًا فاحْلُبْها، فدَعا بها رسولُ اللهِ ﷺ، فمسَح بيدِه ضَرْعَها، وسَمَّى اللهَ، ودَعا لها في شاتِها، فتَفَاجَّتْ عليه (٥)، ودَرَّتْ واجْتَرَّتْ (٦)، ودَعا بإناءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ (٧)، فحلَب فيه ثَجًّا حتَّى عَلاه البَهَاءُ (٨)، ثمَّ سَقَاها حتَّى رَوِيَتْ، وسقَى أصحابَه حتَّى رَوُوا وشَرِبَ آخرَهم (١) ثم أراضُوا (٢)، ثمَّ حلَب فيه (٣) ثانيًا بعدَ بَدْءٍ (٤) حتَّى ملأَ الإناءَ، ثمَّ غادَره عندَها وبايَعها، وارْتَحَلوا (٥) عنها، فقَلَّ مَا لَبِثَتْ حَتَّى جاء زَوْجُها أبو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا [تُشاركُهن (٦) هزْلًا، ضُحًا (٧)] (٨)، مُخُّهُنَّ قليلٌ، فَلَمَّا رَأَى أبو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عجِب، وقال: مِن أينَ لك هذا اللَّبَنُ يا أمَّ مَعْبَدٍ والشَّاءُ (٩) عازِبٌ حِيَالٌ (١٠)، ولا حَلُوبَ في البيتِ؟ قالَتْ: لا واللهِ، إلا أنَّه مَرَّ بنا رجلٌ مُبارَكٌ، مِن حاله كذا وكذا، قال: صِفِيهِ لي يا أُمَّ مَعْبَدٍ، قالَتْ: رأيتُ (١) رجلًا ظاهرَ الوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ الوَجْهِ (٢)، حَسَنَ الخَلْقِ (٣)، لم [يَعِبْه نُحْلُهُ] (٤)، ولم [يَزْرِ به صُقْلُهُ] (٥) [وَسِيمٌ قَسِيمٌ] (٦)، في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ (٧)، وفي أشفارِه غَطَفٌ (١)، وفي عُنُقِهِ سَطَعٌ (٢)، وفي صَوْتِه صَحَلٌ (٣)، وفي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ (٤)، أَزَجُّ أَقْرَنُ (٥)، إِنْ صَمَتَ فعليه الوقارُ، وإنْ تكلَّم سَماه (٦) وعَلاه البَهاءُ، أجملُ الناسِ وأَهْيَؤُه (٧) مِن بعيدٍ، وأحسَنُه (٨)
وأجمَلُه (١) مِن قريبٍ، حُلْوُ المَنْطِقِ، فَصلٌ، لا نَزْرٌ ولا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَه خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنْحَدِرْنَ (٢)، رَبْعةٌ، لا يَأْيَسُ (٣) [مِن طُولٍ] (٤)، ولا تَقْتَحِمُه عينٌ مِن قِصَرٍ، غُصْنٌ بينَ غُصْنَيْنِ، فهو أَنْضَرُ الثلاثةِ مَنْظَرًا، وأحسَنُهم قَدْرًا، له رُفَقاءُ يَحُفُّونَ به؛ إنْ قال أنْصَتوا لقولِه، وإنْ أمَر تَبادَرُوا إلى أمرِه، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ (٥)، لا عابسٌ ولا مُفَنَّدٌ (٦)، قال أبو معْبَدٍ: هو، واللهِ، صاحبُ قريشٍ الذي ذُكِر لنا مِن أمرِه ما ذُكِر بَمَكَّةَ، ولقد هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَه، ولأَفْعَلَنَّ إِنْ وجَدتُ إلى ذلك سبيلًا، فأصبحَ صوتٌ بمَكَّةَ عاليًا (٧)، يسمَعون الصَّوْتَ ولا يَدْرُونَ مَن صاحبُه، وهو يقولُ:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ … رَفِيقَيْنِ قَالَا (٨) خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَاهَا (١) بِالْهُدَى فَاهْتَدَتْ بِهِ … فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَيالَ قُصَيٍّ ما زوَى اللهُ عنكُمُ … بهِ مِنْ فِعَالٍ لا تُجَارَى (٢) وَسُؤْدَدِ لِيَهْنِئْ بَنِي كَعْبٍ مَقَامُ فَتَاتِهِمْ … وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا … فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ … عَلَيْهِ صَرِيحًا ضَرَّةُ الشاةِ مُزْبِدِ (٣)
فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ … يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ فلمَّا سمِع حَسَّانُ بنُ ثابتٍ بذلك جعَل يُجاوِبُ الهاتفَ، وهو يقولُ:
لقد خابَ قومٌ غابَ (٤) عنهم نَبِيُّهُمْ … وقُدِّسَ مَن يَسْرِي إِليهم (٥) ويَغْتَدِي تَرَحَّلَ عن قومٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ … وحَلَّ على قومٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ هَدَاهُمْ به بعدَ الضَّلالةِ رَبُّهُمْ … وأَرشَدَهُمْ مَن يَتْبَعِ (٦) الحَقَّ يُرْشَدِ وهل يَسْتَوِي ضُلَّالُ قومٍ تَسَفَّهُوا … عمَايَتَهم هادٍ به كلُّ مُهْتَدِ لقد نَزَلَتْ منه على أهلِ يثربَ … رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عليهم بأَسْعُدِ نَبِيٌّ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَوْلَه … وَيَتْلُو كِتَابَ اللهِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ (١)
وإنْ قال في يومٍ مَقَالةَ غائبٍ … فتَصْدِيقُه (٢) في اليومِ أَوْ فِي ضُحَى الغدِ لِيَهْنِئْ أبا بكرٍ سعادةُ جَدِّهِ … [بِصُحْبَتِهِ مَن يُسْعِدِ] (٣) اللهُ يُسْعَدِ لِيَهْنِئْ بني كعبٍ مَقَامُ فَتَاتِهِمْ … ومَقْعَدُها للمؤمنينَ بِمَرْصَدِ (٤)
وحدَّثنا أبو القاسمِ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً مِنِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا مُكْرَمُ بنُ مُحْرِزٍ (٥)، عن أبيه مُحْرِزِ بنِ مَهْدِيِّ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرِو ابنِ خُوَيلدِ بنِ خالدِ بنِ مُنْقِذِ بنِ ربيعةَ، وأمُّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةُ هي بنتُ خالدٍ، أخو (٦) خُوَيْلِدٍ، واسمُها عاتكةُ، عن حزامِ بنِ هشامٍ، عن أبيه، عن (٧) حُبَيْشٍ صاحبِ النبيِّ ﷺ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ
(١) أخرجه الإمام أحمد عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بإسناده نحوه، انظر المسند: ٦/ ١٨.
(٢) البكر- بفتح فسكون-: الفتى من الإبل.