سيرة حويطب بن عبد العزى
ابن أَبِى قَيس بن عَبْد وُدّ بن نصر بن مَالِك بن حِسْل بن عَامِر بن لُؤَى، وأمه زينب بنت عَلْقَمَة بن غزوان بن يَرْبوع بن الحارث بن مُنْقذ بن عمرو بن مَعِيص بن عامر بن لؤى.
فَوَلَدَ حُوَيْطِب بن عبد العزى: أبا سفيان، وأمه بنت أبى سفيان بن حرب بن أميّة وأبا الحكم، وأُمُّه أم كلثوم بنت زَمْعَة بن قَيْس بن عَبْد شَمْس من بنى عامر بن لؤى (١)، وعبدَ الرحمن وأُمُّه أُنيسة بنت حَفْص بن الأحنف من بنى عامر بن لؤى.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة الأشهلى عن أبيه قال: كان حُوَيْطِب بن عَبد العُزَّى العامِريّ قد بلغ عشرين ومائة سنة: ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، فلما وُلِّىَ مروانُ بن الحكَم المدينةَ في عَمَلِهِ (٢) الأول دخل عليه حُوَيْطِب مع مَشْيَخَةٍ جِلَّة: حَكِيم بن حِزام، ومَخْرَمَةَ بن نَوْفل، فتحدثوا عنده، ثم تفرقوا، فدخل عليه حُوَيطب يومًا بعد ذلك فتحدث عنده. فقال مروان: مَا سِنُّك؟ فأَخْبَره. فقال له مروان: تأخَّر إسلامُك أيها الشيخ حتى سَبَقَك الأحْدَاث، فقال حُوَيْطِب: الله المستعان، والله لقد هَمَمْتُ بالإسلام غَيْرَ مَرّة، كل ذلك يَعوقنى أبوك عنه وينهانى، ويقول: تَضَع شَرَفك وتَدَع دينَ آبائك لِدين مُحْدَث، وتصير تابعًا؟! قال: فأسكت والله مروان، وندم على ما كان قال له. ثم قال حُوَيْطِب: أَمَا كَانَ أَخْبَرَك عثمان رحمه الله ما كان لَقِى من أبيك حين أسلم؟!، فازداد مروان غَمًّا. ثم قال حُويطب: ما كان في قريش أحد من كبرائها الذين [بَقوا.] على دين قومهم إلى أَنْ فُتِحَت مكة كانَ أكرَه لما هو عليه منى، ولكن المقادير! ولقد شهدتُ بدرًا مع المشركين فرأيت عِبَرًا، رأيت الملائكة تَقْتُل وتأسِر بين السماء والأرض فقلت: هذا رجل ممنوع، ولم أَذكر ما رأيت، فانهزمنا راجعين إلى مكة، فأقمنا بمكة وقريش تُسْلم رجلًا رجلًا، فلما كان يوم الحُدَيْبِية حضرتُ وشهدت الصُّلْح، ومشيت فيه حتى تَمّ، وكل ذلك أريد الإسلام، ويأبىَ الله إلا ما يريد فلما كَتَبنا صُلْحَ الحُدَيْبِية كنتُ أنا أَحَدَ شهُودِه، وقلتُ: لا تَرى قريش من محمد إلا ما يسوءها قد رَضِيَت أن دَافَعَتْه بالرَّاح. ولما قدم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في عُمْرة القَضية، وخَرَجَت قريش عن مكة، كنتُ فيمن تخلّف بمكة أنا وَسُهَيْل بن عَمْرو لأن يخرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا مَضَى الوقتُ، وهو ثلاث، فلما انقَضَت الثلاث، أقبلتُ أنا وسُهَيْل بن عَمْرو فقلت: قد مضى شرطك فاخرُج من بَلَدِنا فصاح: يا بِلال لَا تَغِيب الشمس وأحد من المسلمين بمكة ممن قدم معنا (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن جعفر بن محمود عن أبيه قال: وحدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أَبِى سَبْرَة عن موسى بن عُقْبة عن المُنْذِر بن جَهْم قالا: قال حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى: لما دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مكة عام الفتح خِفْتُ خوفًا شديدًا فخرجت من بيتى، وَفرَّقتُ عيالى في مواضع يأمنون فيها، ثم انتهيتُ إلى حائطِ عَوْف، فكنتُ فيه، فإذا أنا بأبى ذَر الغِفاريّ، وكان بيني وبينه خُلَّة، والخُلَّة أبدًا نافعة، فلما رأيتُه هَرَبت منه، فقال: يا أبا محمد، قلتُ: لَبَّيْك، قال: مَا لَكَ؟ قلتُ: الخَوْفَ، قال: لَا خَوْفَ عليك، تعَالَ أنت آمِن بأَمَان الله فرجعت إليه، وسلّمتُ عليه. فقال لي: اذهَبْ إلى منزلك. قال: فقلتُ: وهل لي سبيل إلي منزلى، والله ما أرانى أصل إلى بيتي حيًّا حتى أُلقى فأُقتل، أو يُدخل عَلَيَّ منزلى فأُقْتَل، وإن عيالى لفى مَواضِعَ شَتّى. قال: فاجْمَعْ عيالك معك في موضع، وأنا أَبلغُ معك منزلك. فبلغ معي وجعل ينادى على بابى: إن حُوَيْطِبًا آمِن فلا يُهَجْ.
ثم انصرف أبو ذَر إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأخبره فقال: أوَليس قد أَمَّنَّا الناسَ كُلَّهم إلا من أمرتُ بقتله؟! قال: فاطمأننتُ، ورددتُ عيالى إلى مواضعهم، وعاد إليَّ أبو ذَر فقال: يا أبا محمد حتى متى وإلى متى، قد سُبِقْتَ في المواطن كلِّها، وفاتك خيرٌ كثير، وبقى خير كثير، فَأْتِ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأسْلِم تَسْلَم، ورسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَبَرُّ الناس، وأوصل الناس، وأحلم الناس، شَرَفُه شَرَفُك وعِزُّه عِزُّك. قال: قلتُ: فأنا أخْرُج معك فآتيه.
قال: فخرجت معه حتى أتيت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بالبَطْحَاء، وعنده أبو بكر وعمر، فوقفتُ على رأسه، وقد سألت أبا ذر: كيف يقال له إِذَا سُلِّم عليه؟ قال: قل السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله، فقلتها، فقال: وعليك السلام، أَحُوَيْطِب؟ قال: قلتُ: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الحمدُ لله الذي هَدَاك، قال: وسُرَّ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بإسلامى واستقرضنى مالًا، فأقرضته أربعين ألف درهم، وشهدت معه حُنَيْنًا والطائف، وأعطانى من غنائم حُنَيْن مائة بَعِير.
ثم قدم حُويطب بن عبد العُزّى بعد ذلك المدينة فنزلها وله بها دار بالبلاط (١) عند أصحاب المصاحف (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: باع حويطب داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فقيل له: يا أبا محمد أربعين ألف دينار؟ قال: وما أربعون ألف دينار لرجل عنده خمسة من العيال، قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: هو والله يومئذ [يُوَفِّر] (٣) عليهم القوت في كل شهر، ومات حويطب بن عبد العزى بالمدينة سنة أربع وخمسين، في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وكان له يوم مات مائة وعشرون سنة.