سيرة خالد بن الوليد بن المغيرة
(ب د ع) خَالِدُ بن الوَليد بن المُغِيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مَخْزوم، أبو سليمان، وقيل:
أبو الوليد، القرشي المخزومي، أمه لبابه الصغرى، وقيل: الكبرى، والأول أصح، وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي أُخت ميمونة بنت الحارث زَوج النبي ﷺ، وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وهو ابن خالد أولاد العباس الذين من لبابة.
وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية، أما القبة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب، قاله الزبير بن بكار.
ولما أراد الإسلام قدم على رسول اللَّه ﷺ هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري،
فلما رآهم رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها.
وقد اختلف في وقت إسلامه وهجرته، فقيل: هاجر بعد الحديبية وقبل خيبر، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وخيبر بعدها في المحرم سنة سبع، وقيل: بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول اللَّه ﷺ من بني قريظة، وليس بشيء. وقيل: كان إسلامه سنة ثمان، وقال بعضهم:
كان على خيلُ رسول اللَّه ﷺ يوم الحديبية، وكانت الحديبية سنة ست، وهذا القول مردود، فإن الصحيح أن خالد بن الوليد كان على خيل المشركين يوم الحديبيّة.
أخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي البغدادي بإسناده إلى يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن مَرْوَانَ بن الحكم والمسوَّر بن مَخْرَمة حدثناه جميعاً: أن رسول اللَّه ﷺ خرج يريد زيارة البيت لا يريد حرباً، وساق معه الهدى سبعين بدنة، فسار رسول اللَّه ﷺ حتى [إذا]
انتهى إلى عُسْفان لقيه بُسْر بن سفيان الكعبي، كعب خزاعة، قال: يا رسول اللَّه، هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا بالعُوْذِ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون اللَّه أن لا تدخل عليهم مكة عنوة أبداً، وهذا هو خالد بن الوليد في خيل قريش قد قدموه إلى كُراع الغَميم (١)، فقال رسول اللَّه ﷺ:
يا ويح قريش، قد أكلتها الحرب. وذكر الحديث فهذا صحيح، يقول فيه: إنه كان على خيل قريش.
أخبرنا إسماعيل بن عبيد اللَّه بن علي وغيره، قالوا بإسنادهم إلى أبي عيسى محمد بن عيسى، أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن هِشَام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، قال: نزلنا مع رسول اللَّه ﷺ منزلاً فجعل الناس يمرون، فيقول رسول اللَّه ﷺ: من هذا يا أبا هريرة؟ فأقول: فلان، فيقول:
نِعْمَ عبد اللَّه هذا، حتى مر خالد بن الوليد، فقال: من هذا؟ قلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد اللَّه خالد بن الوليد، سيف من سيوف اللَّه. ولعل هذا القول كان بعد غزوة مؤتة، فإن النبي ﷺ إنما سمى خالد سيفاً من سيوف اللَّه فيها، فإنه خطب الناس وأعلمهم بقتل زيد وجعفر وابن رواحة، وقال:
ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه خالد بن الوليد، ففتح اللَّه عليه، وقال خالد: لقد اندق يومئذ في يدي سبعة أسياف فما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية، ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول اللَّه ﷺ أعِنَّةَ الخيل فيكون في مقدمتها في محاربة العرب، وشهد مع رسول اللَّه ﷺ فتح مكة فأبلى فيها، وبعثه رسول اللَّه ﷺ إلى «العُزَّى» وكان بيتاً عظيماً لمضر تبجله فهدمها، وقال:
يا عُزُّ كُفْرانكِ لا سبحانك … إني رأيتُ اللَّه قد أهانكِ (٢)
ولا يصح لخالد مشهد مع رسول اللَّه ﷺ قبل فتح مكة، ولما فتح رسول اللَّه ﷺ مكة بعثه إلى بني جَذِيمة من بني عامر بن لؤي،
فقتل منهم من لم يَجُز له قتله، فقال النبي ﷺ: اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد.
فأرسل مالاً مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه فَودَى القتلى، وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم، حتى ثمن مِيْلَغَة (٣) الكلب، وفضل معه فضلة من المال فقسمها فيهم، فلما أخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك استحسنه.
ولما رجع خالد بن الوليد من بني جذيمة أنكر عليه عبد الرحمن بن عوف ذلك، وجرى بينهما كلام، فسب خالد عبد الرحمن بن عوف، فغضب النبي ﷺ وقال لخالد: لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه (٤).
وكان على مقدمة رسول اللَّه ﷺ يوم حنين في بني سليم، فجرح خالد، فعاده رسول اللَّه ﷺ، ونفث في جرحه فبرأ، وأرسله رسول اللَّه ﷺ إلى أكَيْدِر (١) بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل، فأسره، وأحضره عند رسول اللَّه ﷺ فصالحه على الجزية، ورده إلى بلده، وأرسله رسول اللَّه ﷺ سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنِ مَذْحِج، فقدم معه رجال منهم فأسلموا، ورجعوا إلى قومهم بنجران، ثم إن أبا بكر أمَّره بعد رسول اللَّه ﷺ على قتال المرتدين، منهم: مسيلمة الحنفي في اليمامة، وله في قتالهم الأثر العظيم. ومنهم مالك بن نويرة، في بني يربوع من تميم وغيرهم، إلا أن الناس اختلفوا في قتل مالك بن نويرة، فقيل: إنه قُتل مسلماً لظنَ ظنه خالد به، وكلام سمعه منه، وأنكر عليه أبو قتادة وأقسم أنه لا يقاتل تحت رايته، وأنكر عليه ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وله الأثر المشهور في قتال الفرس والروم، وافتتح دمشق، وكان في قلنسوته التي يقاتل بها شعر من شعر رسول اللَّه ﷺ يستنصر به وببركته، فلا يزال منصوراً.
أخبرنا أَبو الفضل بن أَبي الحسن بن أَبي عبد اللَّه المخزومي، بإسناده إلى أحمد بن علي بن المثنى، قال:
حدثنا سُرَيج بن يونس، أخبرنا هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أَبيه، قال: قال خالد بن الوليد:
اعتمرنا مع رسول اللَّه ﷺ في عمرة اعتمرها، فحلق شعره، فاستبق الناس إلى شعره، فسبقت إلى الناصية فأخذتها، فاتخذت قلنسوة، فجعلتها في مقدم القلنسوة، فما وجهته في وجه إلا وفتح له.
وروى عن النبي ﷺ، روى عنه ابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، والمقدام بن معديكرب وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وغيرهم. وروى معمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيف، عن عبد اللَّه بن عباس، عن خالد بن الوليد: أنه دخل مع رسول اللَّه ﷺ بيت ميمونة، فأتى بِضَبَ محنُوذٍ (٢)، فأهوى إليه رسول اللَّه ﷺ يريد أن يأكل منه، فقالوا: يا رسول اللَّه، هو ضب. فرفع رسول اللَّه ﷺ يده، فقلت: أحرام هو؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه. قال خالد: فاجتزرته فأكلته ورسول اللَّه ﷺ ينظر.
ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من (لا إله إلا اللَّه) وأنا مُتَتَرِّس بها.
وتوفى بحمص من الشام، وقيل: بلى توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين، في خلافة عمر بن الخطاب.
وأوصى إلى عمر رضي الله عنه، ولما بلغ عمر أن نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد، قال عمر:
ما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نَقْعٌ أو لَقْلَقة، قيل: لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لِمَّتها على قبر خالد، يعني حلقت رأسها. ولما حضرته الوفاة حبس فرسه وسلاحه في سبيل اللَّه.
قال الزبير بن أبي بكر (١): وقد انقرض ولد خالد بن الوليد، فلم يبق منهم أحد، وورث أيوب بن سلمة دورهم بالمدينة.
أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).
سريج بن يونس: بالسين المهملة والجيم.
والعوذ المطافيل: يريد النساء والصبيان، والعوذ في الأصل: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت وبعد ما تضع أياماً. والمطفل: الناقة معها فصيلها.
قوله: نقع ولقلقة، فالنقع: رفع الصوت، وقيل: أراد شق الجيوب، واللقلقة: الجلبة، كأنه حكاية الأصوات إذا كثرت، واللقلق: اللسان.