سيرة سراقة بن مالك
(ب د ع) سُرَاقَةُ بن مَالِك بن جُعْشُم بن مالك بن عَمْرو بن تَيْم بن مُدْلِج بن مرّة بن عبد مناة بن كنانة الكناني المدلجي، يكنى أبا سفيان.
كان ينزل قديداً (١)، يعد في أهل المدينة، ويقال: سكن مكة.
روى عنه الصحابة: ابن عباس، وجابر، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وابنه محمد بن سراقة.
أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن عبد القاهر الطوسي، أخبرنا أحمد بن علي بن بدران، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الفارسي الجوهري، أخبرنا أبو بكر القطِيعي، أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، أخبرنا عمرو بن محمد أبو سعيد، أخبرنا إِسرائيل، عن أَبي إِسحاق، عن البراءِ قال: اشترى أبو بكر، هو الصديق، رضي الله عنه، من عازب سَرْجاً بثلاثةَ عشر درهماً، فقال له أبو بكر: مُرِ البراءَ فليحمله إلى منزلي، فقال: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت لما خرج رسول اللَّه ﷺ وأنت معه؟
فقال أبو بكر: خرجنا فأدْلَجْنا (٢) فأحيينا ليلتنا ويومنا .. وذكر الحديث إلى أن قال: فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا إلا سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس له، فقلت: يا رسول اللَّه، هذا الطَلَبُ قد لَحِقنا، قال: لا تَحْزَنْ، إنَّ اللَّه معنا، حتى إذا دَنَا منَّا قَدْرَ رمح أو رمحين - أو قال: رمحين أو ثلاثة - قال: قلت: يا رسول اللَّه، هذا الطَّلَب قد لحقنا، وبَكَيت، قال: لم تبكي؟ قال: قلت:
واللَّه ما أبكي على نفسي، ولكني أبكي عليك، قال: فدعا عليه، فقال: اللَّهمّ، اكفِنَاه بما شئت، فساخَتْ فرسهُ إلى بطنها في أرض صَلْد، ووثب عنها، وقال: يا محمد، قد علمتُ أن هذا عَمَلُك، فادع اللَّه أن ينجيني مما أنا فيه، فو اللَّه لأعميَن على مَنْ ورائي من الطَلَب، فدعا له رسول اللَّه ﷺ، فأطلق. ورجع إلى أصحابه. الحديث.
وأخبرنا أبو جعفر بن السّمين بإسناده، عن يونس بن بُكير، عن ابن إِسحاق قال:
فحدّثني محمد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشم، عن عمه سراقة بن جعشم قال:
لما خرج رسول اللَّه ﷺ من مكة إلى المدينة مُهاجراً، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رَدّه عليهم، وذكر حديث طَلَبه، وما أصاب فرسَه، وأنه سقط، عنه ثلاث مرات، قال: فلما رأيت ذلك علمت أنه ظاهر، فناديت: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، أنظروني أكلمكم، فو اللَّه لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيءٌ تكرهونه، فقال رسول اللَّه لأبي بكر: قل له: ما تبتغي منا؟ فقال لي أبو بكر، فقلت: تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، فكتب لي كتاباً في عَظْم، أو في رقعة أو خزفة، ثم ألقاه، فأخذته، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فلم أذكر شيئاً مما كان، حتى إذا فتح اللَّه على رسوله مكة، وفرغ من حنين والطائف، خرجت، ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجِعِرَّانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ حتى دَنَوتُ من رسول اللَّه ﷺ، وهو على ناقته، واللَّه لكأني أنظر إلى ساقه، في غرزة (١) كأنه جمّارة، فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول اللَّه، هذا كتابك لي، وأنا سراقة بن مالك بن جعشم، فقال رسول اللَّه: هذا يوم وفاءٍ وبِر، أدنه، فدنوت منه، فأسلمت.
وذكر حديث سؤاله عن ضَالّة الإبل.
وروى ابن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن أن رسول اللَّه ﷺ قال لسراقة بن مالك:
كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى ومِنْطَقَتَه وتاجه؟ قال: فلما أتى عمر بسوَاريْ كسرى ومِنْطقته (٢) وتاجه، دعا سراقة بن مالك وألبسه إياهما وكان سراقة رجلاً أزَبَّ (٣) كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، وقل: اللَّه أكبر، الحمد للَّه الذي سلبهما كسرى بن هرمز، الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقَة رجلاً أعرابياً، من بني مُدْلِج، ورفع عمر صوته. وكان سراقة شاعراً، وهو القائل لأبي جهل:
أبَا حكَمٍ واللَّه لَوْ كُنْتَ شاهداً … لأمْر جوادي إذ تَسُوخ قوائِمُهْ علمت ولم تَشْكُك بأن مُحَمَّداً … رسولٌ ببُرْهان فمن ذا يُقَاومه عَلَيْك بكفِّ القومِ عنه فإنني … أرى أمرَه يوماً ستَبْدُو مَعَالمه بِأمرٍ يَوَدّ الناس فيه بأسْرهم … بأنَّ جميعَ الناس طُرًّا يُسَالمه مات سُرَاقة بن مالك سنةَ أربع وعشرين، أولَ خلافة عثمان، رضي الله عنه، وقيل: إنه مات بعد عثمان، واللَّه أعلم.
أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).