سيرة سعيد بن عبيد القاري
(ع س) سَعِيد بن عُبَيْد القَارِي. وقيل: سعد، وقد تقدم، روى عبد الرزاق عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن عبيد، وكان يدعى في زمن النبي ﷺ:
القاري، وكان لقي عدوا فانهزم منهم، فقال له عمر: هل لك في الشام، لعل اللَّه أن يمن عليك بالشهادة؟ قال: لا، إلا العدوّ الّذي فررت منهم، قال: فخطبهم بالقادسية، فقال: إنا لاقو العدوِّ غداً إن شاء اللَّه، وإنا مُسْتَشْهَدون، فلا تغسلوا عنا دماً، ولا نُكَفَّن إلا في ثوب كان علينا.
أخرجه أبو نعيم وأبو موسى، وقال أبو موسى: أَورده أَبو زكريا مستدركاً على جده، يعني ابن منده، وأورده جده في سعد؛ إلا أن الطبراني وغيره أوردوه في سعد، وسعيد جميعاً. قلت: وقد أورده أبو نعيم فيهما جميعاً، وقد أخذ بعض العلماء، وهو عبد الغني بن سرور المقدسي (١) على أبي نعيم هذه الترجمة، وقال: قال - يعني أبا نعيم: سَعْدُ بْنُ عُبَيد بن النّعْمَان بن قيسِ بن عمرو بن زيد بن أُمَيّة القاري الأنصاري، وذكر ما تقدم ذكره في سعد بن عبيد من شهوده بدراً وغير ذلك، ثم قال: وقال، يعنى أبا نعيم، بعد تراجم كثيرة: سعد بن النعمان بن قيس بن عَمْرو الظفري شهد بدراً، قال: وروى، يعني أبا نعيم، بإسناده عن عروة فيمن شهد بدراً من الأنصار:
سعد بن النّعْمَان بن قيسِ بن عمرو بن زيد بن أُمية الظفري، فإن أبا نعيم أسقط أباه ونسبه إلى جده، فإنه سعد بن عبيد بن النعمان، وقال: ذكر أبو نعيم في ترجمة أخرى في باب سعيد:
سعيد بن عبيد القاري، وكان لفي عدواً فانهزم منهم، فقال عمر: هل لك في الشام؟ وقد ذكرناه في هذه الترجمة، قال عبد الغني: هذه التراجم الثلاث لرجل واحد، وهو سَعْد بن عُبَيد ابن النُّعْمَان بن قَيْس بن عمرو بن زَيْد بن أُمية القاري المذكور في الترجمة الأولى، والترجمة التي قال فيها: سعيد، لا قائل به.
قلت: هذا القول وهم منه، فإن أبا نعيم قد روى سعيداً عن الطبراني، وهو الإمام الثقة الحافظ، وقال أبو موسى، كما ذكرناه عنه أول الترجمة: أورده أبو زكريا مستدركاً على جده، وأورده جده في سعد، إلا أن الطبراني وغيره أوردوه في سعد، وسعيد جميعاً، فهذا كلام أبي موسى يوافق أبا نعيم في أن الطبراني أخرجه، وزاد على أبي نعيم بقوله: «وغيره» فكيف يقول عبد الغني: لا قائل به. فلو ترك أبو نعيم هذه الترجمة كما تركها ابن منده لاستدركوه عليه،
كما استدركوه على ابن منده، وحيث ذكره قِيل هما واحد، ولم يقل أحد إنه سعيد، فما الحيلة؟ اللَّه المستعان.
وقول عبد الغني إن سعد بن النعمان بن قيس الظفري أسقط أبو نعيم أباه عبيداً، ونسبه إلى جده، وجعله في الرواية عن ابن لَهِيعَة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة ظفرياً، وساق نسبه إلى زيد ابن أُمية، وهذا تناقض ظاهر، وعبد الغني قد وافق وصرح أن هذا الإسناد إلى عروة لا يعتمد عليه، ولا يوثق به، لما فيه من مخالفة الناس، فأما سعد بن عبيد، وسعيد بن عبيد، فهما واحد، وقد نبه أبو نعيم وأبو موسى، فقالا: قيل: سعد، وقال الطبراني وغيره: سعيد، وأما كونه جعل سعد بن عبيد هو سعد بن النعمان، وأن أبا نعيم نسبه في إحداهما إلى أبيه عبيد، وفي الثانية إلى جده، فكيف يكون هو هو؟! وسعد بْنُ عُبَيد بن النّعْمَان بن قيسِ بن عمرو بن زيد بن أمية ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وسعد بن النعمان لم ينسبه أبو نعيم؛ إنما قال: سعد بن النعمان الظَّفَرِي، وظفر اسمه كعب، وهو ابن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأَوس، لا يجتمعان إلا في مالك بن الأوس بعد عدة آباءٍ! والذي يقع لي أن عبد الغني رأى في ترجمة سعد بن النعمان الظفري من كتاب أبي نعيم ما رواه بإسناده عن ابن لَهِيعَة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة في تسمية من شهد بدراً من الأنصار: سعد بن النّعْمَان بن قيسِ بن عمرو بن زيد بن أمية، فعبد الغني قد طعن في هذا الإسناد في غير موضع، وقال: إنه يخالف أهل السير، فكيف يعتمد عليه الآن، وأبو نعيم قد صَدَّر هذه الترجمة بأنه ظفري، وقد روى في ترجمة سعد بن عبيد، عن ابن شهاب وموسى بن عقبة وابن إسحاق، وغيرهم أنه من بني أمية بن زيد من بني عَمْرو بن عوف، واللَّه أعلم.
(١) هو أبو محمد عبد الغنى بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، ولد سنة ٥٤١، وقد انتهى إليه حفظ الحديث متنا وإسنادا ومعرفة بفنونه، مع الورع والعبادة، وتوفى سنة ٦٠٠، ينظر العبر للذهبي: ٤/ ٣١٣.