سيرة الزبير بن العوام
ابن خُوَيْلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قصيّ، وأُمّه صَفيّةُ بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن الفُرافصة الحَنَفيّ في حديث رواه أنّ الزّبير بن العوّام كان يكنى أبا عبد الله.
قالوا: وكان للزبير من الولد أحد عشر ذكرًا وتسع نسوة: عبدُ الله وعُروة والمنذر وعاصمٌ والمُهاجر دَرَجا، وخَديجة الكبرى وأمّ الحسن وعائشة، وأمّهم أسماء بنت أبى بكر الصدّيق، وخالد وعمرو وحبيبة وسَوْدة وهند، وأُمّهم أمّ خالد، وهي أمَة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أُمَيّة، ومُصْعَب وحَمْزَة وَرَمْلَة، وأمّهم الرّباب بنت أُنَيْف بن عُبيد بن مصاد بن كعب بن عُليم بن جناب من كلب، وعُبيدة وجعفر، وأمّهما زينب، وهي أمّ جعفر بنت مَرْثَد بن عمرو بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة، وزينب وأُمّها أُمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط، وخديجة الصّغرى وأمّها الحلال بنت قيس بن نوفل بن جابر بن شجْنَة بن أُسامة بن مالك بن نصر بن قُعين من بنى أسد.
قال: وأُخبرتُ عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزّبير بن العوّام إنّ طلحة بن عُبيد الله التيميّ يسمّى بَنيه بأسماءِ الأنبياء، وقد عَلمَ أنْ لا نبيّ بعد محمّد، وإنى أُسمّى بَنيّ بأسماء الشهداء لعلّهم أن يُستَشْهَدوا، فسَمّى عبد الله بعبد الله بن جَحش، والمنذر بالمنذر بن عمرو، وعروة بعروة بن مسعود، وحمزة بحمزة بن عبد المطّلب، وجعفرًا بجعفر بن أبي طالب، ومصعبًا بمصعب بن عُمير، وعُبيدة بعبيدة بن الحارث، وخالدًا بخالد بن سعيد، وعَمرًا بعمرو بن سعيد بن العاص، قُتل يوم اليرموك.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قال: حدّثني هشام بن عروة عن أبيه قال: قاتلَ الزّبيرُ بمكّة، وهو غلام، رجلًا فكَسَرَ يَدَهُ وضربه ضربًا شديدًا، فمُرّ بالرجل على صفيّة وهو يُحْمَلُ فقالَت: ما شأنه؟ قالوا: قاتلَ الزّبير، فقالت:
كَيفَ رَأيْتَ زَبْرَا … أَأَقِطًا أَوْ تمرا … أمْ مُشْمَعِلًّا صَقْرَا؟ (١)
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة أن صفيّة كانت تضرب الزّبير ضربًا شديدًا وهو يتيم، فقيل لها: قتلته، خلعتِ فؤاده، أهلكتِ هذا الغلام، قالت:
وإنّما أَضْرِبُهُ لِكَيْ يَلَبْ … ويهزمَ الجيشَ ويأتى بالسَّلَبْ (٢)
قال وكسر يد غلامٍ ذات يومٍ فجئَ بالغلام إلى صفيّة، وقيل لها ذلك، فقالت صفيّة:
كَيفَ وجَدتَ زَبْرا … أَأَقِطًا أَوْ تمرا … أم مُشمَعِلًّا صَقرَا؟
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرني مصعب بن ثابث قال: حدّثني أبو الأسود محمّد بن عبد الرّحمن بن نوفل قال: وكان إسلام الزّبير بعد أبى بكر، كان رابعًا أو خامسًا.
قال: وأَخبرتُ عن حمّاد بن أُسامة عن هشام بن عروة أن الزّبير أسلم وهو ابن ستّ عشرة سنة، ولم يتخلّف عن غزوة غزاها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قالوا: وهاجر الزّبير إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قَتادة قال: لمّا هاجر الزّبير بن العوّام من مكّة إلى المدينة نزل على المنذر بن محمّد بن عقبة بن أُحيحة بن الجُلاح.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين الزّبير وبين ابن مسعود.
قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك المدنيّ قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين آخى بين أصحابه آخى بين الزّبير وطلحة.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَةَ عن هشام بن عروة عن أبيه قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن عبد الرّحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عروة قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين الزّبير بن العوام وكعب بن مالك.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن هشام بن عروة عن بَشير بن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك قال: كان النّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، آخى بين الزبير وبين كعب بن مالك.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان الزّبير بن العوّام يُعْلِمُ (١) بعصابة صفراء، وكان يحدّث أنّ الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بُلْق عليها عمائم صُفْر، فكان على الزّبير يومئذ عصابة صفراء (٢).
قال: أخبرنا وكيع عن هشام بن عروة عن رجل من ولد الزّبير، قال مرّةً عن يحيَى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير وقال مرّة عن حمزة بن عبد الله، قال: كان على الزّبير يوم بدر عمامةٌ صفراء معتجرَّا بها، وكانت على الملائكة يومئذ عمائمُ صُفْر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: أخبرنا هَمّام عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت على الزّبير رَيْطَةٌ صفراء مُعْتَجرًا بها يوم بدر، فقال النّبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّ الملائكة نزلت على سيماء الزّبير.
قال: أخبرنا أبو أُسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة قال: لم يكن مع النّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم بدر غيرَ فرَسَين أحَدُهما عليه الزّبير.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا سعيد بن زيد قال: أخبرنا عليّ بن زيد قال: أخبرنا سعيد بن المسيّب قال: رُخّصَ للزّبير بن العَوّام في لُبْس الحرير.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: سُئل سعيد بن أبي عروبة عن لُبس الحرير فأخبرنا عن قتادة عن أنس بن مالك أن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رَخّصَ للزّبير في قميص حرير.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا خَطّ الدّورَ بالمدينة جعل للزبير بقيعًا واسعًا.
قال: أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر المدنيّ قال: أخبرنا يحيَى بن آدم قال: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماءَ ابنة أبى بكر أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أقْطَعَ الزّبير نخلًا.
قال: أخبرنا أنَس بن عياض وعبد الله بن نُمير الهَمْدانى قالا: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أقطع الزّبير أرضًا فيها نَخْلٌ كانت من أموال بنى النّضير، وأنّ أبا بكر أقْطَعَ الزّبير الجُرُفَ، قال أنس بن عياض في حديثه: أرْضًا مَواتًا. وقال عبد الله بن نُمير في حديثه: وأنّ عمر أقطع الزّبير العقيقَ أجمعَ.
قالوا: وشهد الزّبير بن العوّام بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وثَبَتَ معه يوم أُحُد، وبايعه على الموت، وكانت مع الزّبير إحدى رايات المهاجرين الثلاث في غزوة الفتح.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: أبَواكَ والله مِنَ الذين اسْتَجابوا لله وَالرّسول مِنْ بَعْد ما أصابَهُم القَرْحُ.
قال: أخبرنا المُعَلّى بن أسد قال: أخبرنا محمّد بن حُمْران، حدّثني أبو سعيد عبد الله بن بُسْر عن أبي كَبْشة الأنْماريّ قال: لمّا فتح رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مكّة كان الزّبير بن العوّام على المُجَنِّبَة اليسرى، وكان المِقْداد بن الأسود على المُجَنِّبَة اليمنى، فلمّا دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مكّة وهَدَأ النّاس جاءا بفرسيهما فقام رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَمْسَحُ الغبارَ عن وجوههما بثوبه وقال: إنى قد جعلتُ للفرس سهمَين وللفارس سهمًا فَمَنْ نَقَصَهما نَقَصَه الله.
ذكر قول النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إنَّ لكُلّ نَبيّ حَواريًّا وحواريّي الزّبير بن العوّام
قال: أخبرنا أنس بن عياض اللّيثى عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ النّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: لكلّ أُمّة حَواريّ وحواريّي الزّبير ابن عَمّتى (١).
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن الحسن أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: لكلّ نبيّ حواريّ وإنّ حواريّي الزّبير.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم وهشام أبو الوليد الطيالسيّ قالا: أخبرنا أبو الأحوص قال: وأخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا سلام بن أبي مُطيع قال: وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زائدة بن قدامة كلّهم عن عاصم بن بَهْدَلَة عن زِرّ بن حبيش قال: جاء ابن جُرْمُوزٍ يَسْتأذِنُ على عليّ، رضي الله عنه، فقال له الآذِنُ: هذا ابن جرموز قاتل الزّبير على الباب يستأذن، فقال عليّ، عليه السلام: ليَدْخُلْ قاتل ابنِ صَفيّةَ النّار، سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: إن لكلّ نبيٍّ حواريًّا وحواريّي الزّبير، قال سلام بن أبي مطيع من بَيْنهم عن عاصم عن زِرٍّ قال: كنت عند عليّ ولم يقل في حديثه ليدخل قاتل ابن صفيّة النار، وقالوا جميعًا في إسنادهم (٢).
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان عن محمّد بن المنْكدر عن جابر قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَنْ يأتينى بخبر القوم يوم الأحزاب؟ فقال الزّبير: أنا، فقال: من يأتينى بخبر القوم؟ فقال الزّبير: أنا، فقال: من يأتينى بخبر القوم؟ فقال الزّبير: أنا. فقال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّ لكلّ نبيّ حواريًّا وإنّ حواريّي الزّبيرُ.
قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: أخبرنا فُليح بن سليمان أبو يحيَى قال: حدّثني محمّد بن المنكَدر عن جابر بن عبد الله قال: نَدَبَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،
النّاس يوم الخندق يأتيه بخبر بنى قريظة، فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم الثالثة فانتدب الزّبير، فأخذ بيده وقال: إنّ لكلّ نبيّ حواريًّا وحواريّي الزّبير.
قال: أخبرنا عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، حدّثني المُنْكَدر بن محمّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: إنّ لكلّ نبيّ حواريًّا وحواريّي الزّبير.
قال: وأخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة [عن أيوب] عن نافع قال: سمع ابن عمر رجلًا يقول أنا ابن حواريّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال ابن عمر: إنْ كُنْتَ من آل الزّبير وإلا فلا (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همّام بن يحيَى عن هشام بن عروة أنّ غلامًا مرّ بابن عمر فسُئلَ من هو فقال: ابن حواريّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال فقال ابن عمر: إنْ كنتَ من ولد الزّبير وإلّا فلا، قال فسُئل: هل كان أحدٌ يقال له حواريّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، غيرُ الزّبير؟ قال: لا أعلمه.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمَة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزّبير قال: قلت لأبى يومَ الأحزاب: قد رأيْتُكَ يَاأَبَهْ، تُحْمَلُ على فرس لك أشقر، قال: قد رأيْتَنى أىْ بُنَيّ؟ قلت: نعم، قال: فإنّ رسول الله حينئذ جمع لي أبَوَيْهِ يقول فِداك أبى وأمى (٢).
قَال: أخبرنا عفّان بن مسلم ووهب بن جرير بن حازم وهشام أبو الوليد الطيالسى قالوا: أخبرنا شُعْبة عن جامع بن شدّاد قال: سمعتُ عامرَ بن عبد الله بن الزّبير يحدّث عن أبيه قال: قلت للزّبير: ما لي لا أسمعك تُحَدّثُ عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما يحدّث فلان وفلان؟ قال: أما إنى لم أفارقه منذُ أسلمتُ ولكنى سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: مَنْ كَذَبَ عَلَيّ فَلْيَتَبَوّأ مَقْعَدًا من النّار. قال وهب بن جرير فما حديثه عن الزّبير: والله ما قال مُتَعَمّدًا وأنْتُم تقولون متعمّدًا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة عن هشام بن عروة أنّ الزّبير بُعث إلى مصر فقِيل له: إنّ بها الطاعون، فقال: إنّما جِئْنا للطعن والطاعون، قال فوضعوا السّلاليمَ فصَعِدوا عليها.
قال: أخبرنا أنس بن عِياض أبو ضَمْرَة اللّيثيّ عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزّبير بن العوّام لمّا قُتِل عُمَرُ مَحا نفسه من الديوان.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا قيس بن الربيع عن أبي حُصين أنّ عثمان بن عفّان أجاز الزّبير بن العوّام بستّمائة ألف فنزل على أخواله بنى كاهل فقال: أيّ المال أجود؟ قالوا: مال أصبهان، قال: أعطونى من مال أصبهان.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أفلحُ بن سعيد المدنى قال: أخبرنا محمّد بن كعب القُرَظيّ أنّ الزّبير كان لا يُغَيّرُ، يعني الشيب.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ربما أخذت بالشعر على مَنْكِبى الزّبير وأنا غلام فأتَعَلّقُ به على ظهره.
قال محمّد بن عمر: وكان الزّبير بن العوّام رجلًا ليس بالطويل ولا بالقصير، إلى الخفّة ما هو في اللحم، ولحيته خفيفة، أسمرَ اللّون أشعَر، رحمه الله.
ذكر وصيَّةِ الزّبيْر وقضاء دَيْنِهِ وجميع تَرِكتِه
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا حفص بن غياثٍ عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ الزّبير بن العوّام جعل دارًا له حَبيسًا على كلّ مردودة من بناته.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ الزّبير بن العوّام أوصى بثلثه.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حَمّاد بن أُسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزّبير قال: لمّا وقف الزّبير يومَ الجمل دعانى فقمتُ إلى جنبه فقال: يا بُنيّ إنّهُ لا يُقْتَلُ اليومَ إلّا ظالمٌ أو مظلومٌ وإنى لا أرانى إلّا سأُقتَلُ اليومَ مظلومًا وإنّ من أكْبَرِ همّى لَدَيْنِى (١)، أفَتَرى دَيْننا يُبْقى من مالنا شيئًا؟ ثمّ قال: يا بُنى بعْ مالنا واقْض ديني وأوْص بالثّلُث فَإن فضل من مالنا من بعد قضاء الدّين شئٌ فثُلثُه لوَلدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله بن الزّبير قد وازى بعضَ بنى الزّبير خُبَيْبٌ وعَبّادٌ، قال وله يومئذ تسعُ بنات. قال عبد الله بن الزّبير: فجعل يوصينى بدَيْنه ويقول يا بُنيّ إنْ عجِزْتَ عن شئٍ منه فاستعِنْ عليه مولاىَ، قال فوالله ما دَرَيْتُ ما أراد حتَّى قلتُ يا أبَتِ من مولاك؟ قال: الله، قال: فوالله ما وقعتُ في كُرْبةٍ من دَيْنه إلّا قلت يا مولى الزّبير اقْض عنه دينه، فيَقْضيه. قال وقُتلَ الزّبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرَضين فيها الغابة، وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودارَين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصرَ. قال وإنّما كان دَيْنهُ الذي كان عليه أنّ الرجل كان يَأتيه بالمال ليستودعه إيّاه فيقول الزّبير: لا ولكن هو سَلَفٌ، إنى أخْشَى عليه الضّيْعَةَ. وما وَلىَ إمارةً قطّ ولا جبايةً ولا خراجًا ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوٍ مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومع أبى بكر وعمر وعثمان.
قال عبد الله بن الزّبير: فحَسَبْتُ ما عليه من الدّيْن فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف: فلقىَ حكيمُ بن حزامٍ عبدَ الله بن الزّبير فقال: يابن أخى كم على أخى من الدّين؟ قال فكتمه وقال: مائة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تتّسع لهذه، فقال له عبد الله: أفرأيتك إنْ كانت ألفىْ ألف ومائتى ألف؟ قال: ما أراكم تُطيقون هذا فإن عَجزْتُمْ عن شئ منه فاستعينوا بي.
وكان الزّبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف فباعها عبد الله بن الزّبير بألف ألف وستّمائة ألف، ثمّ قام فقال: مَنْ كان له على الزّبير شئٌ فَلْيُوافنا بالغابة، قال فأتاه عبدُ الله بن جعفر وكان له على الزّبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله بن الزّبير: إنْ شئْتُمْ تركتُها لكم وإن شئتُم فأخّروها فيما تُؤخّرون، إنْ أخّرْتُمْ شيئًا، فقال عبد الله بن الزّبير: لا، قال: فاقطَعوا لي قطْعة، فقال له عبد الله: لك من هاهنا إلى هاهنا، قال فباعه منها بقضاء ديْنه فأوفاه وبقى منها أربعة أسْهُم ونصف.
قال فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزّبير وابن زَمْعَة، قال فقال له معاوية: كم قُوّمَت الغابةُ؟ قال: كلّ سهمٍ مائةَ ألف، قال: كم بقىَ؟ قال: أربعةُ أسهم ونصف، قال فقال المنذر بن الزّبير: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال ابن زَمْعة: قد أخذتُ سهمًا بمائة ألف، فقال معاوية: فكم بقى؟ قال: سهمٌ ونصف، قال: أخذته بخمسين ومائة ألف.
قال وباع عبدُ الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستّمائة ألف، فلمّا فرغ ابن الزّبير من قضاء دينه قال بنو الزّبير: اقْسِمْ بيننا ميراثنا، قال: لا والله لا أقسِمُ بينكم حتَّى أنادىَ في الموسم أربع سنين ألا مَنْ كان له على الزّبير دين فَلْيَأتنا فَلْنَقْضِهِ. قال فجعل كلّ سنة ينادى بالموسم، فلمّا مضت أربع سنين قسم بينهم. قال وكان للزّبير أربع نسوة، قال وَرَبّعَ الثُّمُن فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائة ألف. قال فجميع ماله خمسة وثلاثون ألفَ ألف ومائتا ألف.
قال: أخبرنا عبد الله بن مَسْلَمَة بن قَعْنَب قال: وحدّثنا سفيان بن عُيينة قال: اقْتُسِمَ ميراث الزّبير على أربعين ألف ألف.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت قيمة ما ترك الزّبير أحدًا وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو حمزة عبد الواحد بن ميمون عن عروة قال: كان للزّبير بمصرَ خططٌ وبالإسكندريّة خطط وبالكوفة خطط وبالبصرة دور، وكانت له غَلَّاتٌ تَقْدَمُ عليه من أعراض المدينة.
ذكر قتل الزّبير ومن قَتَلَه وأين قَبْرُه، وكم عاش، رحمه الله تعالى
قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيَبُ قال: أخبرنا ثابت بن يزيد عن هلال بن خَبّاب عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه أتى الزّبير فقال: أين صَفيّةُ بنت عبد المطّلب حيث تقاتلُ بسيفك عليّ بن أبي أطالب بن عبد المطّلب؟ قال فرجع الزّبير فلقيَه ابن جُرْموزٍ فقتله، فأتى ابن عبّاس عليًّا فقال: إلى أين قاتلُ ابن صفيّة؟ قال عليّ: إلى النار.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عمران بن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد، يعني الوالبى، قال: دعا الأحنفُ بنى تميم فلم يجيبوه، ثمّ دعا بنى سعد فلم يجيبوه، فاعتزل في رهطٍ فمرّ الزّبير على فرس له يقال له ذو النعال، فقال الأحنف: هذا الّذى كان يُفسدُ بين النّاس، قال فاتّبَعَهُ رجلان ممّن كان معه فَحَمَلَ عليه أحدهما فطعنه، وحمل عليه الآخر فقتله، وجاء برأسه إلى الباب فقال: ائْذَنوا لقاتل الزّبير، فسمعه عليّ فقال: بَشّر قاتلَ ابن صفيّة بالنّار، فألقاه وذهب.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فُضيل بن مرزوق قال: حدّثني سفيان بن عُقبة عن قُرّة بن الحارث عن جَوْن بن قَتادة قال: كنت مع الزّبير بن العوّام يوم الجمل وكانوا يسلّمون عليه بالإمْرَة، فجاء فارس يسير فقال: السلام عليك أيّها الأمير، ثمّ أخبره بشئ، ثمّ جاء آخَرُ ففعل مثل ذلك، ثمّ جاء آخَرُ ففعل مثل ذلك، فلمّا التقى القوم ورأى الزّبير ما رأى قال: واجَدْعَ أنْفِياه، أو يا قطعَ ظَهْرياه، قال فُضَيْلٌ لا أدرى أيّهما قال. ثمّ أخذه أفْكَلُ، قال فجعل السلاح ينتقض، قال جَوْن فقلت: ثكلَتْنى أُمّى، أهَذا الّذى كنتُ أريد أن أموتَ معه؟ والّذى نفسى بيده ما أرى هذا إلّا من شئ قد سمعه أو رآه وهو فارس رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلمّا تشَاغَلَ النّاس انصرفَ فَقَعَد على دابّته ثمّ ذهب وانصرف جَوْنٌ فجلس على دابّته فلحِقَ بالأحنف، قال فأتَى الأحنفَ فارسان فنزلا وأكبّا عليه يناجيانه، فرفع الأحنفُ رأسه فقال: يا عمرو، يعني ابن جُرْموز، يا فلان، فأتياه فأكبّا عليه فناجاهما ساعة ثمّ انصرف، ثمّ جاء عمرو بن جرموز بعد ذلك إلى الأحنف فقال: أدركتُهُ في وادى السّباع فقتلتُه، فكان قُرّة بن الحارث بن الجون يقول: والّذى نفسى بيده إن كان صاحبُ الزبير إلا الأحنف.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدى قال: أخبرنا الأسود بن شَيْبان عن خالد بن سُمَير أنّه ذكر الزّبير في حديث رواه قال: فركب الزّبير فأصابه أخو بنى تميم بوادى السّباع، قالوا خرج الزّبير بن العوّام يوم الجمل وهو يوم الخميس لعشر ليالٍ خلون من جمادى الآخرة سنةَ ستٍّ وثلاثين بعد القتال على فرس له يُقال له ذو الخِمار منطلقًا يريد الرّجوع إلى المدينة، فلقيه رجلٌ من بنى تميم يقال له النّعِرُ بن زَمّام المُجاشِعيّ بسَفْوان فقال له: يا حواريّ رسول الله إلَيّ إلَيّ فأنت في ذمّتى لا يَصل إليك أحَدٌ من النّاس، فأقبل معه وأقبل رجل من بنى تميم آخَرُ إلى الأحنف بن قيس فقال له فيما بينه وبينه: هذا الزّبير في وادى السباع، فرفع الأحنف صوته وقال: ما أصنع وما تأمرونى إنْ كان الزّبير لفّ بين غارَين (١) من المسلمين قَتَلَ أحدُهما الآخر ثمّ هو يريد اللّحاق بأهْله، فسمعه عُمير بن جرموز التميمى وفُضالة بن حابس التميمى ونُفَيْع أو نُفَيْلُ بن حابس التميمى فركبوا أفراسهم في طلبه فلحقوه فَحَمَلَ عليه عُمَير بن جرموز فطعنه طعنة خفيفة، فحمل عليه الزّبير فلمّا ظنّ أنّ الزّبير قاتله دعا: يا فُضالة، يا نُفَيْعُ، ثمّ قال: الله الله يا زبيرُ! فكف عنه ثمّ سار فحمل عليه القوم جميعًا فقتلوه، رحمه الله، فطعنه عُمير بن جرموز طعنةً أثْبَتَتْهُ فوقع، فاعتَوَرُوه وأخذوا سيفه وأخذ ابن جرموز رأسه فحمله حتَّى أتى به وبسيفه عليًّا فأخذه عليّ وقال: سيفٌ والله طال ما جلا به عن وجه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الكَرْبَ ولكِنّ الحَينَ ومصارعَ السّوء. ودُفِنَ الزّبير، رحمه الله، بوادى السباع، وجلس عليّ يبكى عليه هو وأصحابه.
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل، وكانت تحت الزّبير بن العوّام، وكان أهل المدينة يقولون: مَنْ أرَادَ الشّهَادَةَ فَلْيَتَزَوّجْ عاتكة بنت زيد، كانت عند عبد الله بن أبي بكر فقُتل عنها، ثم كانت عند عمر بن الخطّاب فقُتل عنها، ثمّ كانت عند الزّبير فقُتل عنها، فقالت (٢):
غَدَرَ ابنُ جُرْموز بفارس بُهمةٍ … يَوْمَ اللّقاء وكان غيرَ مُعَرِّدِ يا عمرو لو نبّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ … لا طائِشًا رَعِشَ الجنَان ولا اليد شَلّت يمينُك إنْ قتَلتَ لَمُسلمًا … حَلّتْ عَليْكَ عُقوبةُ المُتَعَمِّد ثكلتك أُمّك هلْ ظفِرْتَ بمثْلِه … فيمن مضى فيما تروحُ وتَغتدى؟
كمْ غمْرَةً قد خاضها لم يَثْنِه … عنها طرادُك يابنَ فَقْع القرْدد وقال جرير بن الخَطَفى (١):
إنّ الرّزيّةَ مَنْ تضَمّنَ قبرَهُ … وادىَ السّباع لكلّ جَنْب مَصْرَعُ لمّا أتى خبَرُ الزّبيرِ تواضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجبَالُ الخُشّعُ وبكى الزّبيرَ بنَاتُه في مَأتَمٍ … ماذا يرُدّ بكاءَ مَنْ لا يَسْمَعُ!
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عُبيد الله بن عروة بن الزّبير عن أخيه عبد الله بن عروة عن عروة قال: قُتل أبى يوم الجمل وقد زاد على الستّين أربع سنين.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: سمعتُ مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير يقول: شهد الزّبير بن العوّام بدرًا وهو ابن تسع وعشرين سنة، وقتل وهو ابن أربع وستّين سنة.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثني جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسن ذكر الزّبير فقال: يا عجبًا للزّبير، أخذ بِحَقْوَىْ أعرابيّ من بنى مجاشع، أجرْنى أجرْنى، حتَّى قُتل، والله ما كان له بقِرْنٍ، أما والله لقد كنت في ذمّة منيعة!
قال: أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: جاء ابنُ جُرْموز يستأذن على عليّ فاستجفاه فقال: أما أصحاب البلاء، فقال عليّ: بفيك التراب، إنى لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزّبير من الذين قال الله في حقّهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [سورة الحجر: ٤٧].
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال عليّ إنى لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزّبير من الذين قال الله في حقّهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [سورة الحجر: ٤٧].
ومن حلفاءِ بنى أَسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وهم حلفاء الزّبير بن العوّام