سيرة المسور بن مخرمة
ابن نَوْفل بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كِلَاب، ويكنى أبا عبد الرحمن، وأُمُّه، عاتكةُ بنت عوف بن عبْد عوف بن عَبْدٍ بن الحارث بن زُهْرة، وهى أخت عبد الرحمن بن عوف وكانت من المهاجرات المبايعات. فولد المسورُ بن مخرمة: عبْدَ الرحمن وبه كان يُكنى. وآمِنَة، ورملةَ، وأمَّ بكْر، وصُفَيًّا، وأمُّهُم، أَمَةُ الله بِنْتُ شُرَحْبِيل بن حَسَنَة.
وَعَبدَ الله، وهشامًا، ومحمدًا، والحصينَ، وحفصةَ، وأُمُّهُم ابنةُ الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وعمْرًا، وحَمْزَةَ، وجعفرًا، وعوْنًا، لا بقيّة لأحد منهم، وهم لأمهات أولاد شتّى. وبُرَيْهَةَ، وأُمُّها، باديةُ بِنْتُ غيلان بن سلمة بن مُعَتِّب من ثَقِيف.
قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسورُ بن مخرمة ابنُ ثمانى سنين وقد حفظ عنه أحاديث.
قال: حَدَثَّنَا على بن الجَعْد وهشام أبو الوليد الطيالسى، قالا: حَدَثَّنَا ليث بن سعد، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يقول: إنّ بنى هشام بن المغيرة استأذنوا أن ينكحوا ابنتهم عليًّا على ابنتى، فلا آذن، ثمّ لا آذن، إلّا أن يحبّ عليٌّ أن يطلِّقَ ابنتى، وَيَنْكِحَ ابنتَهم، فإنما ابنتى بِضْعَةٌ منى، يَرِيْبُنْى ما رَابَهَا ويُؤْذِيْنِى ما آذاها (١).
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد، قال: حَدَثَّنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فاطمة بضعة منى، أو مُضْغَةٌ منى، فمَنْ آذاها آذانى. قال هشام: حَدَثَّنَا بهذا سنة ثمان وستين ومائة، وقدم علينا إلى عَبَّادان.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العَقَدِيُّ، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن المسور، قال: مَرَّ بي يهودىُّ وأنا قائم خلف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ قال: فقال لى: ارفع ثوبَه عن ظهره، فذهبت أرفعه، فنضحَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في وجهى من الماء.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، أن المسور: احتكر طعامًا فرأى سحابًا من سحاب الخريف فكرهه، فلمّا أصبح أتى السوق، فقال: من جاءنى وَلَّيْتُه. فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فأتاه بالسوق، فقال: أَجُنِنْتَ يا مسور؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنى رأيت سحابًا من سحاب الخريف فكرهته، فكرهت ما ينفع النَّاس، فكرهت أن أربح فيه، وأردت أن لا أربح فيه فقال: جزاك الله خيرًا.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر -قال مَرَّة إنَّ المِسْوَرَ، وقال مَرّةً عن المسور- أنّ المسْورَ خرج تاجرًا إلى سوق ذى المجاز أو عكاظ، فإذا رجل من الأنصار يَؤُمّ الناسَ أَرَتُّ أو ألْثَغُ، فأخّره وقدّم رَجُلًا، فغضب الرجلُ المُؤَخَّرُ، فأتى عُمَرَ فقال: يا أمير المؤمنين إن المسور أخّرنى وقدّم رجلًا، فغضب عُمَرُ وجعل يقول: واعجبًا لك يا مسور وجعل يُرسل إلى بيته، فلمّا قَدِمَ المسور أُخْبر بذلك، فأتاه فلمّا رآه طالعًا قال: واعجبًا لك يا مسور فقال: لا تَعْجَل يا أمير المؤمنين فوالله ما أردتُ إلّا الخير قال: وأنّى الخير في هذا؟ فقال: إنَّ سوق عكاظ أو ذى المجاز اجتمع فيها ناسٌ كثير، عامتهم لم يسمع القرآن، وكان الرجلُ أَرَتَّ أو ألْثَغَ فخشيت أن يتفرقوا بالقرآن على لسانه فأخرته وقدمت رجلًا عربيًّا بيّنًا فقال عمرُ: جزاك الله خيرًا (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: لمّا وَلِىَ عَبْدُ الرحمن بن عوف الشورى، قلتُ: إنَّ تَرْكِى خالِىَ وقد تحمّل أمَرَ المسلمين خطأٌ، فلزِمْتُه لزومًا لم أكن ألْزمه، ولم يك شيئًا أحبّ إليَّ مِنْ أن يليها عبدُ الرحمن أو سعدُ، فخرجت يومًا فأدركنى عمرو بن العاص فنادانى، يا مسورُ، يا مسورُ، فأقبلت عليه فقال: ما ظَنُّ خالِكَ بالله إنْ وَلَّى أحدًا وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِمّنْ يُوَلّى؟ قال المسور: فقال لى شيئًا أشتهيه، فجئْتُ عبد الرحمن بن عوف فوجدْتُه مضطجعًا في رشّ دار المال واضعًا إحدى رجليه على الأرض، فقلتُ له: لو رأيتَ رجلًا قال لى كذا وكذا. فجلس فقال لى: مَنْ هو؟ فقلت: لا أخبرك، فحلف لا يكلّمنى إذًا، فأخبرتُه فقال: والله لأن توضع سكّينٌ في لُبَّتِى حتّى تخرج من سُرّتى، أحبُّ إليَّ مِنْ أن لا أتبع عمر بن الخطّاب.
قال: وطرقنى عَبْدُ الرحمن في صُبحِ الليلةِ التى بُويع فيها عُثْمانُ، فقال لى: يابن أختى اكْفنى هذه الناحية -يعنى المهاجرين- وأَكْفِيك هذه الناحية -يعنى الأنصار- وادْعُ عليًّا وعُثْمانَ، وكنت أحبُّ عليًّا، فقلت بأيّهما أبدأُ؟ قال: بأيّهما شِئْتَ. فجئْتُ عليًّا فقلت: إنّ خالى يدعوك يقول: وافنى في دار المال. فقال: أرسلك إلى أحد معى؟ قلت: عثمان. قال: بأيّهما أمرك أن تبدأ؟ قلت: قد سَأَلْتُه، فقال: بأيّهما شئت. قال: ثمّ ذهبت إلى عثمان، فقلت: إن خالى يدعوك. فقال لى عثمان: أرسلك إلى أحد معى؟ فقلت: عليّ. فقال: بأيّهما أمرك أن تبدأ؟ فقلت: قد قلْتُ له، فقال: بأيّهما شئت. وقلت له: يقول لك وافنى في دار المال. قال: ووعدهم دار المال إلى مَنْ جَمَعَ. قال: فدخلْتُ معهم، ووالله ما في الدار رجل إلّا من المهاجرين الأولين غيرى. قال: فذاك حين شاورهم واجْتُمِعَ على بيعة عثمان فبايعوه جميعًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه.
قال: وحدثنى عبد الحميد بن عمران بن أبى أنس، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة. قال: وحدثنا موسى بن يعقوب، عن عمه، عن ابن الزبير. قال: وحدثنا ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصين، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبّاس. قالوا: بعث عثمان بن عفّان بالمسور بن مخرمة إلى معاوية يُعْلِمه أنه مَحْصُورٌ، ويأمره أن يبعث إليه جيشًا سريعًا يمنعونه، فلمّا قدم على معاوية وأبلغه ذلك، ركب معاوية نجائبه ومعه معاوية بن حُدَيْج، ومسلم بن عقبة، فسار من دمشق إلى عثمان عشرًا، فدخل المدينة نصف الليل، فدقّ باب عثمان فدخل فأكبّ عليه فقبل رأسه، فقال عثمان: فأين الجيش؟ فقال معاوية: لا والله ما جئتك إِلَّا في ثلاثة رهط، فقال عثمان: لا وصل الله رحمك، ولا أعزّ نصرك ولا جزاك عنى خيرًا، فوالله ما أُقتل إلّا فيك ولا يُنْقم على إلّا مِنْ أجلك، فقال معاوية: بأبي أنت وأمى إنى لو بعثت إليك جيشًا فسمعوا به عاجلوك فقتلوك قبل أن يبلغ الجيش إليك، ولكن معى نجائب لا تُساير، ولم يشعرْ بى أحدٌ، فاخرجْ معى، فوالله ما هى إِلَّا ثلاث ليالٍ حتّى ترى مَعالم الشام، فإنها أكثر الإسلام رجالًا، وأحسنه فيك رأيًا، فقال عثمان: بئس ما أشرتَ به، وأبىَ أن يجيبه إلى ذلك.
فخرج معاوية إلى الشام راجعًا، وقدم المسور يريد المدينة، فلقى معاوية بذى المَرْوَةَ راجعًا إلى الشام، فقدم المسور على عثمان وهو ذامٌّ لمعاوية غيرُ عاذرٍ له. فلمّا كان في حصره الآخر بعث المسْورَ أيضًا إلى معاوية فأغذّ السير حتّى قدم عليه فقال: إن عثمان بعثنى إليك لتبعث إليه الرجال والخيول، وتنصره بالحق وتمنعه من الظلم.
فقال: إن عثمان أحسن فأحسن الله به، ثمّ غيّر فغيّر الله به، فشددت عليه، فقال: يا مسورُ، تركتم عثمان حتّى إذا كانت نفسه في حنجرته، قلتم: اذهب فادفع عنه الموت، وليس ذلك بيدى، ثمّ أنزلنى في مشربة على رأسه، فما دخل عليّ داخل حتّى قُتل عثمان رحمة الله عليه ورضوانه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: قال لى معاوية: يا مسور، أنت ممن قَتَلَ عثمان، فقال المسور: أنا والله يا معاوية نصحتُه واعتزلتُه، وأنت غَشَشْتَه وخَذَلْتَه، فإن شئْتَ أخبرْتُ القوم خبرك وخَبرى حين قدمتُ عليك الشام، فقال معاوية: لا يا أبا عبد الرحمن.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، أن مروان دعا المسور يُشْهِدُهُ حين تَصَدَّقَ بداره على عبد الملك بن مروان، فقال المِسْوَر: وتَرِثُ فيها العبسيّة؟ قال: لا. قال: فلا أشْهد. قال: وَلِمَ؟ قال: إنما أخذت من إحدى يديك فجعلته في الأخرى. قال: وما أنت وذاك أحكم أنت؟ إنما أنت شاهد. قال المسور: فكلّما فَجَرْتُم فَجْرَةً شُهّدتُ عليها. قال عبد الله: وكانت العبسية امرأة مروان.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهرى، عن عروة، قال: قال المسور بن مخرمة: لقد وارت الأرضُ أقوامًا لو رأونى جالسًا معكم لاستحييتُ منهم.
قال: أخبرنا عبدُ الملك بن عمرو أبو عامر العَقَدِى وخالدُ بن مخلد البجلى وعبدُ العزيز بن عبد الله الأويسى من بنى عامر بن لؤى، قالوا: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة، قالت: كان المسور لا يَشْرَب من الماء الذى يوضع في المسجد، ويكرهه ويرى أنه صدقة.
قال: أخبرنا خالدُ بن مخلد، قال: حَدَثَّنَا عَبدُ الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة، قالت: سمع المسور بن مخرمة ابنًا له وهو يقول: أشركت بالله أو كفرت بالله، فضرب صدره، ثمّ قال له: قل أستغفر الله، قل آمنت بالله ثلاثًا.
أخبرنا محمّد بن معاوية النيسابورى، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، قال: حدثتنى عمتى أم بكر بنت المسور، قالت: كان المسور بن مخرمة إذا قدم مكّة طاف لكل يوم غاب سَبْعًا، وكان يقْرِنُ بين الأسابيع، ثمّ يصلى لكل أسبوع ركعتين (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، أن أباها كان نَقْشُ خاتمه: المسور بن مخرمة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، قالت: ما ترك أبي المسورُ بن مخرمة الركعتين بعد العصر حتّى مات.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أبي عون مولى المسور، قال: رأيت المسور بن مخرمة إذا وضعت الجنازة، استأخر عن القبور أن يجلس عليها.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، أنه كان يصوم الدهر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، قالت: رأيت المسور يَدَّهِنُ في مُدْهُن (٢) من عظام الفيل.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: لمّا حَضَرْتُ عُمَرَ حين قرأ علينا كتابَ صدقاتِهِ وعنده المهاجرون، فَبَرَكْتُ وأنا أريد أن أقول: يا أمير المؤمنين إنك تحتسب الخير وتنْويه، وإنّى أخشى أنْ يأتى رجالٌ لا يحتسبون بمثل حسبتك ولا ينوون نيَّتك، يحتجّون بك بقطع المواريث، ثمّ استحييت أن افتأت على المهاجرين، وإنّى لأظن لو قلْتُ ذلك ما تَصَدَّقَ بشيءٍ أبدًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: أخبرنى عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: كُنْتُ آخُذُ عطاء أبي من عمر، وأبي جالس في بيته لا يُكَلِّفهُ يأتى.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن زفر بن عقيل، عن المسور بن مخرمة، أنه رآه يُدْخِلُ الناسَ ليالى مِنى مَنْ كان مِنْ وراءِ العقبة يقول: ادخلوا مِنى.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، قالت: ما حجّ أبي قط إلّا وقف على قُزَح، وهو المَشْعَرُ الحرامُ (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: قدمت عَلَى عَلِيّ الكوفة، وهو يعطى النَّاس في بيتٍ له بابان على غير كتاب، فقال: يا بن مخرمة:
هذا جَنَاىَ وخيارُه فِيْه … إذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إلى فِيْهِ فقلت يا أمير المؤمنين: إن النَّاس يتراجعون عليك، قال: أو قد فعلوا؟ قلت: نعم. قال: فاكتبوهم، فَكُتِبُوا (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، أنه وَجَدَ يوم القادسية إبريقَ ذهبٍ عليه الياقوتُ والزَّبَرْجَدُ فلم يَدْرِ ما هو؟ فلقيه فارسيٌّ فقال: آخذه بعشرة آلاف، فعرف أنه شيء، فذهب به إلى سعد بن أبي وقّاص فأخبره خبره، فَنَفَّلَهُ إياه، وقال: لا تَبِعْهُ بعشرة آلاف، فباعه له سعدٌ بمائة ألف، فدفعها إلى المسور، ولم يُخَمِّسْها (٤).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: كنا نَتَعَلّمُ من عُمَرَ بنِ الخَطّابِ الوَرَعَ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أبي عون،
قال: رأيت المسور بن مخرمة حين خرج إلى مكّة في وجهه الذى قُتِلَ فيه، كَتَبَ وصيَّتَهُ، ودفعها مختومةً إلى رجال من بنى زهرة، وأشْهدهم أنْ ما فيها حقّ، وأمرهم أن يَشْهدوا على ما فيها وهى مختومة، فقبضوها على ذلك، فلمّا قُتل المسور دفعوا الكتاب إلى عبد الرحمن بن المسور، وكانت الوصيّةُ إليه، فَأَنْفَذَ ما فيها.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا زكريا بن يحيى السعدى، عن أبيه، عن عطاء بن زيد الليثى، عن سفيان، أو شقير مولى مروان بن الحكم، قال: لحِقَ المسورُ بابنِ الزبير بمكةَ، فأقام معه هناك، وابنُ الزبير لا يقْطَعُ أمْرًا دونه (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: لمّا دنا الحصينُ بن نمير من مكّة، أخرج المسورُ بن مخرمة سلاحًا قد حمله من المدينة ودروعا فَفَرَّقَها في مواليه، كُهول فُرسٍ جُلدٍ، فدعانى ثمّ قال لى: يا مولى عبد الرحمن بن مسور. قلت: لبيك، قال: اختر درعًا من هذه الدروع. قال فاخترت (٢) درعًا وما يُصْلِحُها، وأنا يومئذ شابٌّ غُلامٌ حَدَثٌ، قال: فرأيت أولئك الفُرس قد غَضِبوا، وقالوا: تُخيّر هذا الصبى علينا، والله لو جاء الجِدُّ لَتَرَكَكَ. قال المسور: لتجدُنَ عنده حزمًا. فلمّا كانت الوقعة، لبس المسور سلاحه درعًا وما يُصْلِحُها، وأَحْدَقَ به مواليه، ثمّ انكشفوا عنه، واختلط الناسُ، فالمسور يضربُ بسيفه، وابن الزبير في الرعيل الأول يَرْتَجِزُ قُدُمًا، ومصعبُ بن عبد الرحمن معه يفعلان الأفاعيل، إلى أَنْ أَحْدَقَتْ جماعةٌ منهم بالمسور، فقام دونه مواليه فذبّوا عنه كلّ الذّبِّ، وجعل يصيح بهم ويكنّيهم بكناهم، فما خُلِصَ إليه، ولقد قَتَلُوا من أهل الشام يومئذ نَفَرًا (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، وأبي عون، قالا: أصاب المسورَ بن مخرمة حَجَرٌ من المنجنيقِ ضَرَبَ البَيتَ، فانفلق منه فلقةٌ، فأصابت خَدَّ المسور وهو قائم يصلّى، فمرض منها أيامَا، ثمّ هَلَكَ في اليوم الذى جاء فيه نعى يزيدُ بن معاوية بمكّة، وابنُ الزبير يومئذ لا يتسمّى بالخلافة، الأمْرُ شُوْرَى (١).
قال محمّد بن عمر: فذكرت ذلك لشرحبيل بن أبي عون. فقال: أخبرنى أبي، قال: قال لى المسور بن مخرمة: يا مولى عبد الرحمن، صُبَّ لى وَضُوْءًا. فقلت: أين تذهب؟ فقال: إلى المسجد. فصببت له وَضُوءًا فأسبغ الوضوء، وخرج وعليه درع له خفيفٌ يَلْبَسُها إذا لم يكن له قتال، فلمّا بلغ الحِجْرَ قال: خُذْ دِرْعِى. قال: فأخذْتُها فلبسْتُها، وجلستُ قريبًا منه، والحجارة يُرْمى بها البيتُ، وهو يصلى في الحِجْر، فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، فقلْتُ: أى مولاى، إنى أرى الحجارة اليوم كثيرة، فلو لبستَ درعكَ ومِغْفَركَ، أو تحوّلْتَ عن هذا الموضع، أو رجعْتَ إلى منزلك، فإنى لا آمن عليك، فوالله ما يُغْنى شيئًا إنهم لعالون علينا، وإنما نحن لهم أغراض. فقال: ويحك، وهل بُدٌّ من الموت على كل حال؟ والله لأن يموتَ الرجلُ وهو على بَصِيْرَتِهِ نَاكِيًا لعدوّه أو مُبْليًا عُذْرًا حتّى يموتَ؛ أحسن وآجَرُ له من أن يدْخلَ مَدْخَلًا فيُدْخلَ عليه فيُساق إلى الموتِ فتُضْرَبُ عُنُقه على المذلّة والصَّغَار. ثم قال: هاتِ دَرْعى، فأخَذَها فَلَبِسَها، وأبى أن يَلْبَسَ المغفَر. قال: وتقبلُ ثلاثة أحجار من المنجنيق فيضرب الأول الركن الذى يلى الحجر فخرق الكعبة حتّى تغيّب، ثمّ اتّبعه الثانى في موضعه، ثمّ اتّبعه الثالث في موضعه، وقد سدّ الحجرُ الحِجْر، ثمّ رمى فَنَبَا الحَجَرُ وَتَكَسّرُ منه كِسْرَةٌ فتَضْرِب خَدَّ المسور وصدْغَه الأيسَرَ فَهَشَمَهُ هَشْمًا، قال: فَغُشِىَ عليه، واحتملْتُه أنا ومولًى له يُقال له: سُلَيْم. وجاء الخبرُ ابنَ الزبير، فأقبلَ يَعْدُو إلينا، فكان فيمن يحْمله، وأدْركنا مصعبُ بن عبد الرحمن، وعبيدُ بنُ عمير، فمكثَ يومه ذلك لا يَتَكَلَّمَ، حتّى كان من الليل فأفاقَ، وعَهِدَ ببعضِ ما يريدُ، وجعل عبيدُ بن عمير، يقولُ: يا أبا عبد الرحمن، كيف ترى في قتال مَنْ ترى؟ فقال: على ذلك قُتِلْنا. فقال عبيد بن عمير: ابسط يدك، فضرب عليها عبيد بن عمير، فكان ابن الزبير لا يفارِقُه يُمَرِّضُه حَتَّى مَاتَ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، قالت: كنت أرى العظام تنزع من صَفْحَتِهِ، وما مكث إلّا خَمْسَةَ أيام حتّى مات (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر، عن أبي عون، قال: جاء نَعيُ يزيد بن معاوية ليلًا، وكان أهل الشام يُؤْذون ابن الزبير، وعِدةٌ مِمّنْ معه، فقال ابن الزبير: اسكتوا عن هذا الخبر حتّى نُصْبح. قال أبو عون: فجئت حتّى قمتُ في مَشْربة لنا في دار مخرمة بن نوفل، فصحت بأعلى صوتى: يا أهل الشام، يا أهل النفاق، يا أهل الشؤم، قد والله الذى لا إله إِلَّا هو مات يزيد. فصاح أهل الشام وسبّوا وانكسروا، فلمّا أصبحنا جاءنا فتى شابٌّ فاستأمن، فآمنّاه، فجاء إلى ابن الزبير وعبد الله بن صفوان في أشياخ من قريش جلوس في الحجر، والمسورُ بن مخرمة في البيت يموتُ، فخَطَب فقال: إنكم يا معشر قريش إنما هذا الأمرُ أمرُكم والسلطان سلطانُكم، وإنما خرَجْنا في طاعة رجل منكم، وقد هَلَكَ ذلك الرجل، فإن رأيتم أن تأذنوا لنا فنطوف بالبيت وننصرف إلى بلادنا، حتّى يجتمع رأيكم على رجلٍ منكم فندخل في طاعتكم.
فقال ابن الزبير: لا، ولا كرامة.
فقال عبد الله بن صفوان: لِمَ؟ بَلَى نفعل ذلك.
ثمّ قال ابن الزبير: انطلق بنا يا أبا صفوان إلى المسور، فإنا لا نقطع أمرًا دونه، فقاما حتّى دخلا على المسور، فقال ابن الزبير: ما ترى يا أبا عبد الرحمن في أهل الشام فإنهم استأذنوا أن يطوفوا بالبيت وينصرفوا إلى بلادهم، فقال المسور: أَجلسونى، فأُجلس. فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} الآية [سورة البقرة: ١١٤]، وقد خربوا بيت الله، وأخافوا عُوَّاذَهُ، فَأَخِفْهُم كما أخافوا عُوّاذَ الله، فتراجعوا شيئًا من مراجعةٍ، وغُلِبَ المسور، فاضطجع ومات ذلك اليوم، رحمه الله ورضى عنه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدثنى شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: حضرْنا غُسْل المسور وبنوه حضور، قال: فَوَلِيَ ابنُ الزبير غَسْلَه، فغسله الغَسْلَةَ الأولى بالماء القَراح، والثانية بالماء والسِّدْر، والثالثة بالماء والكافور، وَوَضَّأَهُ بعد أن فرغ من غسله، ومضمضه، وأنشقه، ثمّ كفّناه في ثلاثة أثواب، أحدها حِبَرَة، قال: فرأيت ابن الزبير حمله بين العمودين فما فارقه حتّى صلّى عليه بالحجون، وإنا لنطأ به القتلى وأهلَ الشام، وصلوا عليه معنا، ونهانا ابن الزبير يومئذ أن نحمل معه مِجْمَرَة، ثمّ انتهينا إلى قبره، فنزل بنوه في قبره، وابن الزبير يَسُلُّه من قبل رِجْلَىْ القبر (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: فحدثنى عبد الملك بن شبيب، عن أبي وهب، عن عطية بن قيس، قال: لمّا مر بجنازة المسور بن مخرمة يوم جاءهم نعى يزيد بن معاوية، ترك أهلُ الشام القتال، وسلموا الأمر، وكلموا ابن الزبير أن يطوفوا بالبيت وينصرفوا، فأبى ابنُ الزبير.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: أخبرنا شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: قال: رأيت عبد الرحمن بن المسور يوم مات المسور طرح ردائه ومشى في قميص.
قال: أخبرنا معن بن عيسى، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، أن المسور بن مخرمة دُفن بالحجون (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حَدَثَّنَا عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة، قالت: وُلد المسور بمكّة بعد الهجرة بسنتين، وتُوفّى بمكّة يوم جاء نعى يزيد بن معاوية إلى مكّة، لهلال شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين، والمسور يومئذ ابن اثنتين وستين سنة.
قال محمّد بن عمر: قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمسور بن مخرمة ابن ثمانى سنين، وقد حفظ عنه - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وعبد الرحمن بن عوف، رحمة الله عليهم أجمعين.