سيرة بحيرا
ذكره ابن مندة، وتبعه أبو نعيم، وقصته معروفة في المغازي، وما أدري أدرك البعثة أم لا؟ وقد وقع في بعض السّير عن الزهريّ أنه كان من يهود تيماء. وفي «مروج الذّهب» للمسعوديّ أنه كان نصرانيا من عبد القيس يقال له جرجيس، فأما قصته فذكر ابن إسحاق في المغازي أن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام فخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم معه، فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان إليه علم النصرانية. فلما نزل الركب، وكانوا كثيرا ما ينزلون فلا يكلمهم، فرأى بحيرا محمّدا صلّى اللَّه عليه وسلم والغمامة تظلله، فنزل إليهم وصنع لهم طعاما وجمعهم عنده، فتخلّف محمد لصغره في رحالهم، فأمرهم أن يدعوه فأحضره بعضهم، فجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها عنده من صفته.
فلما فرغوا جعل يسأله عن أشياء من حاله، وهو يخبره، فيوافق ذلك ما عنده، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، فأقبل على عمه، فقال: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه من يهود، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
ويقال: إن نفرا من أهل الكتاب رأوا منه ما رأى بحيرا، فأرادوه فردّهم عنه بحيرا وذكّرهم اللَّه وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم لا يستطيعون الوصول إليه، فلم يزل بهم حتى صدّقوه، ورجعوا.
ورجع به أبو طالب إلى بلده بعد فراغه من تجارته بالشّام.
وذكر أبو نعيم في «الدّلائل» ، عن الواقديّ، وكذا هو في «طبقات ابن سعد» عنه
[ (١) ] أسد الغابة ت (٣٦١) ، الاستيعاب ت (٢٣٠) تجريد أسماء الصحابة ١/ ٤٣، الوافي بالوفيات ١٠/ ٧٧.
بإسناده أنه كان له حينئذ اثنتا عشرة سنة، وذكر القصة مبسوطة جدّا، وزاد: إن أولئك النفر كانوا من يهود.
وقد وردت هذه القصة بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي موسى الأشعريّ أخرجها التّرمذيّ وغيره، ولم يسم فيها الراهب، وزاد فيها لفظة منكرة، وهي قوله: وأتبعه أبو بكر بلالا، وسبب نكارتها أن أبا بكر حينئذ لم يكن متأهّلا، ولا اشترى يومئذ بلالا. إلا أن يحمل على أن هذه الجملة الأخيرة مقتطعة من حديث آخر أدرجت في هذا الحديث.
وفي الجملة هي وهم من أحد رواته.
وأخرج ابن مندة من تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء المتروكين بأسانيده عن ابن عباس- أن أبا بكر الصديق صحب النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، والنبي صلّى اللَّه عليه وسلم ابن عشرين، وهم يريدون الشام في تجارة. حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة قعد في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الّذي في ظلّ السّدرة؟ فقال: محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، فقال: هذا واللَّه نبيّ، ما استظل نحتها بعد عيسى ابن مريم إلا محمّد.
ووقع في قلب أبي بكر التصديق، فلما بعث نبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم اتبعه، فهذا إن صحّ يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب.
وفي «شرف المصطفى لأبي سعيد النّيسابوريّ» أنّه صلّى اللَّه عليه وسلم مرّ ببحيرا أيضا لما خرج في تجارة خديجة ومعه ميسرة، وأن بحيرا قال له: قد عرفت العلامات فيك كلها إلا خاتم النبوة فاكشف لي عن ظهرك، وأنه كشف له عن ظهره فرآه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنّك رسول اللَّه النبي الأمي الّذي بشرّ به عيسى ابن مريم، ثم ذكر القصّة مطولة جدا. فاللَّه أعلم.
وإنما ذكرته في هذا القسم، لأن تعريف الصحابي لا ينطبق عليه، وهو مسلم لقي النبي صلّى اللَّه عليه وسلم مؤمنا به. ومات على ذلك. فقولنا: مسلم يخرج من لقيه مؤمنا به قبل أن يبعث كهذا الرجل واللَّه أعلم.