حسان بن ثابت

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 18 دقيقة قراءة

سيرة حسان بن ثابت

بابُ حَسَّانَ [٥١٨] حَسَّانُ بنُ ثابتِ بنِ المنذِرِ بنِ حرامِ (١) بنِ عمرِو بنِ زِيدِ مَنَاةَ ابنِ عَدِيِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ الأنصاريُّ (٢)، الشاعرُ، يُكنَى أبا الوليد، وقيل: يُكنَى أبا عبدِ الرحمنِ، وقيل: أبا الحسامِ، وأمُّه الفُرَيعةُ بنتُ خالدِ بن جَسْرٍ (٣) بنِ لَوذانَ بنِ عبدِ وُدِّ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ الخزرجِ بنِ كعبِ بنِ ساعدةَ الأنصاريةُ (٤).

كان يُقالُ له: شاعرُ رسولِ اللهِ .

رُوِّينا عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها وصَفت رسولَ اللهِ فقالتْ: كان واللهِ كما قال فيه شاعرُه حَسَّانُ بنُ ثابتٍ:

مَتَى يَبْدُ في الدَّاجِي البَهِيمِ جَبِينُه … يَلُحْ مثلَ مِصْباحِ الدُّجَى المُتَوَقِّدِ فَمَنْ كان أو مَن قد يكونُ كأحمدِ … نِظامٌ لِحَقٍّ أو نَكَالٌ لِمُلْحِدِ (١)

ورُوِّينا من حديثِ عوفٍ الأعرابيِّ وجريرِ بنِ حازمٍ عن محمدِ بنِ سيرينَ، ومِن حديثِ السُّدِّيِّ عن البراءِ، ومن حديثِ سِمَاكِ بنِ حربٍ وأبي إسحاقَ -دخَل حديثُ بعضهم في بعضٍ- أنَّ الذين كانوا يَهْجُونَ رسولَ اللهِ مِن مُشرِكِي قُرَيشٍ عبدُ اللهِ بنُ الزِّبَعْرَى، وأبو سفيانَ ابنُ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، وعمرُو بنُ العاصي، وضِرَارُ بنُ الخَطَّابِ، فقال قائلٌ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه: اهجُ عَنَّا القومَ الذين يَهجُوننا (٢)، فقال: إنْ أَذِن ليَ رسولُ اللهِ فَعَلَتُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ائذَنْ له، فقال رسولُ اللهِ : "إنَّ عَلِيًّا ليس عندَه ما يُرَادُ في ذلك منه"، أو: "ليس في ذلك هُنالك، ثمَّ قال: "ما يَمْنَعُ القومَ الذين نَصَروا رسولَ اللهِ بِسِلاحِهِم أن يَنصُرُوه بألسِنَتِهِم؟ فقال حَسَّانُ: أنا لها، وأخَذ بِطَرفِ لسانِه وقال: واللهِ ما يَسُرُّني به مِقْوَلٌ (١) بينَ بُصْرَى وصنعاءَ، قال رسولُ اللهِ : "كيفَ تَهْجُوهم وأنا منهم؟ وكيفَ تَهْجُو أبا سُفيانَ وهو ابنُ عَمِّي؟ فقال: واللهِ لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِن العَجِينِ، فقال له: "ائتِ أبا بكرٍ، فإنَّه أعلَمُ بأنسابِ القومِ منك"، فكان يَمْضِي إلى أبي بكرٍ ليَقِفَهُ على أنسابِهم، [فكان يقولُ له] (٢): كُفَّ عن فُلانةَ وفُلانةَ، واذكُرْ فُلانةَ وفُلانةَ، فجعَل حَسَّانُ يَهجُوهم، فلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيشٌ شعرَ حَسَّانَ، قالوا: إنَّ هذا لَشِعرٌ ما غابَ عنه ابنُ أبي قُحَافَةَ، أَوْ متَى (٣) شَعُرَ ابنُ أبي قُحافةَ (٤)؟

فمِن شعرٍ حَسَّانَ في أبي سفيانَ بنِ الحارثِ (٥):

و (١) إنَّ سَنَامَ المَجْدِ في (٢) آلِ هاشمِ … بَنُو بنتِ مخزومٍ ووَالِدُكَ العَبْدُ ومَن ولَدَتْ أبناءَ زُهْرَةَ مِنهُمُ … كِرَامٌ (٣) ولم يَقْرَبْ عَجائِزَكَ المَجْدُ ولَسْتَ كَعَبَّاسِ ولا كَابنِ أُمِّهِ … ولكِنْ لَئِيمٌ لا يَقومُ (٤) له زَنْدُ وإنَّ امْرَأً كانت سُمَيَّةُ (٥) أُمَّهُ … وسَمْرَاءُ مَغمُورٌ (٦) إذا بَلَغَ الجَهْدُ وأنتَ هَجِينٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ … كما نِيطَ خلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ فلمَّا بلَغ هذا الشِّعرُ أبا سفيانَ، قال: هذا كلامٌ لم يَغِبْ عنه ابنُ أبي قُحافةَ.

قال أبو عمرَ رضي الله عنه: يعني بقولِه: بنتِ مخزومٍ، فاطمةَ بنتَ عمرِو بنِ عائذِ بنِ عِمْرانَ بنِ مخزومٍ فيما ذكَر أهلُ النَّسَبِ، وهي أمُّ أبي طالبٍ وعبدِ اللهِ والزبيرِ بني عبدِ المطلبِ.

وقولُه:

* ومَن ولَدَتْ أبناءَ زُهْرَةَ منهمُ * يعني حمزةَ وصَفِيَّةَ، أُمُّهما هالةُ بنتُ أُهَيبٍ (١) بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ زُهْرةَ، والعباسَ، وابنُ أُمِّه شقيقُه ضرَارُ بنُ عبدِ المُطّلِبِ، أُمُّهما نُتَيلةُ (٢) امرأةٌ من النَّمِر بنِ قاسِطٍ، وسُمَيَّةُ أمُّ أبي سفيانَ، وسَمْراءُ أمُّ أبيه.

ومِن قولِ حَسَّانَ أيضًا في أبي سفيانَ (٣):

هَجَوْتَ محمدًا فَأَجَبْتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاك الجَزَاءُ هَجَوْتَ مُطَهَّرًا بَرًّا حَنِيفًا … أمينَ اللهِ شِيمتُه الوَفَاءُ أَتَهْجُوه ولستَ له بِكُفءٍ … فَشَرُّكما لخيرِكما الفِدَاءُ فَإنَّ أبِي وَوَالِدَه وعِرْضِي … لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ وهذا الشعرُ أَوَّلُه (٤):

عَفَتْ ذاتُ الأَصَابِعِ فَالجِوَاءُ (٥) … إلى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلَاءُ قال مصعبٌ الزُّبَيريُّ: هذه القصيدةُ، قال حَسَّانُ صدرَها في الجاهليةِ وآخِرَها في الإسلامِ.

قال (١): وهجَم حَسَّانُ على فتيةٍ مِن قومِه يَشْرَبون الخمرَ، فَعَيَّرَهم في ذلك، فقالوا: يا أبا الوليدِ، ما أخَذْنا هذا إلا منك، وإنَّا لَنَهُمُّ بتركِها ثم يُثَبِّطُنا عن ذلك قولُك (٢):

ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقَاءُ فقال: هذا شيءٌ قُلتُهُ في الجاهليةِ، واللهِ ما شَرِبتُها منذُ أسلَمتُ.

قال ابنُ سيرينَ: وانْتدَبَ لهجوِ المشركين ثلاثةٌ مِن الأنصارِ: حَسَّانُ [بنُ ثابتٍ] (٣)، وكعبُ بنُ مالكٍ، وعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ، فكان حَسَّانُ وكعبُ بنُ مالكٍ يُعارِضانِهم بمثلِ قولِهم في الوقائعِ والأيامِ والمآثِرِ، ويَذْكُرانِ مَثالِبَهم، وكان عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ يُعَيِّرُهم بالكفرِ وعبادةِ ما لا يَسْمَعُ ولا ينفعُ، فكان قولُه يومَئذٍ أهونَ القولِ عليهم، وكان قولُ حَسَّانَ وكعبٍ أشَدَّ القولِ عليهم، فلمَّا أسلَموا وفَقِهوا كان أشَدُّ القولِ عليهم قولَ عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ (٤).

ورُوِّينا مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ عن أبي هريرةَ وغيرِه أنَّ رسولَ اللهِ كان يقولُ لحَسَّانَ: "اهْجُهُم -يعني المشركين- ورُوحُ القُدُسِ معك" (١)، وأنَّه قال لحَسَّانَ: "اللهمَّ أَيِّدَه بِرُوُحِ القُدُسِ" (٢)، لمُناضَلتِه عن المسلمين، وقال : "إنَّ قولَه فيهم أشَدُّ عليهم [مِن وقْعِ النَّبْلِ] (٣) ".

ومَرَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه بِحَسَّانَ وهو يُنشِدُ الشعرَ في مسجدِ رسولِ اللهِ ، فقال: أَتُنشِدُ الشعرَ (٤) -أو قال: مثلَ هذا الشعرِ- في مسجدِ رسولِ الله ؟ فقال له حَسَّانُ: قد كنتُ أُنشِدُ فيه (٥) مَن هو خيرٌ منك، يعني النَّبِيَّ ، فسكَت عمرُ (٦).

ورُوِي عن عمرَ رضي الله عنه أنَّه نَهَى أن يُنشِدَ الناسُ شيئًا مِن مُناقَضةِ الأنصارِ ومُشرِكِي قُريشٍ، وقال: في ذلك شَتْمُ الحيِّ والميتِ،

وتجديدُ الصَّغائِنِ، وقد هَدَمَ اللهُ أمرَ الجاهليةِ بما جاء مِن الإسلامِ (١).

وروَى ابنُ دُرَيدٍ (٢)، عن أبي حاتمٍ، عن أبي عُبَيدةَ، قال: فَضَلَ حَسَّانُ الشُّعَراءَ بِثَلاثٍ: كان شاعرَ الأنصارِ في الجاهليَّةِ، وشاعرَ النَّبِيِّ في النُّبوةِ، وشاعرَ اليمنِ كُلِّها في الإسلامِ (٣).

قال أبو عُبيدةَ: واجتَمَعتِ العربُ على أنَّ أشعرَ أهلِ المَدَرِ (٤) يثربُ، ثم عبدُ القيسِ، ثم ثَقِيفٌ، وعلى أن أشعرَ أهلِ المَدَرِ حَسَّانُ بنُ ثابتٍ (٥).

وقال أبو عُبيدةَ: حَسَّانُ بنُ ثابتٍ شاعرُ الأنصارِ في الجاهليةِ، وشاعرُ أهلِ اليمنِ في الإسلامِ، وهو شاعرُ أهلِ القُرَى (٦).

وعن أبي عُبيدةَ وأبي عمرِو بنِ العَلاءِ (٧)، أَنَّهما قالا: حَسَّانُ بنُ ثابتٍ أشعرُ أهلِ الحضرِ، [وقال أحدُهما: أهلُ المَدَرِ (١).

وقال الأصمعيُّ: حَسَّانُ بنُ ثابتٍ أحدُ فُحُولِ الشعراءِ، فقال له أبو حاتمٍ: تأتي له أشعارٌ لَيِّنةٌ، فقال الأصمعيُّ: [تُنسَبُ إليه أشياءُ لا نَصِحُّ عنه] (٢) (٣).

وروى ابنُ أخي الأصمعيِّ، [عن عَمِّه] (٤)، قال: الشعرُ نَكِدٌ، يَقْوَى في الشَّرِّ ويَسْهُلُ، فإذا دخَل فى الخيرِ ضَعُفَ ولَانَ، هذا حَسَّانُ فَحْلٌ مِن فُحُولِ (٥) الجاهليةِ، فلمَّا جَاءَ الإسلامُ سقَط شِعْرُه (٦).

وقال مَرَّةً أُخرى: شعرُ حَسَّانَ في الجاهليةِ من أجودِ الشعرِ (٥).

وقيل لحَسَّانَ: لانَ شِعْرُك -أو هَرِمَ شعرُك- في الإسلام يا أبا الحسامِ، فقال للقائلِ: يا ابنَ أخي، إنَّ الإسلامَ يَحْجِزُ عن الكذب -[أو يمنعُ مِن الكذبِ- وإنَّ الشعرَ يُزَيِّنُه الكذبُ] (٧)، يعني أنَّ شأنَ التجويدِ في الشعرِ الإفراطُ في الوصفِ، والتَّزَيُّنُ (٨) بغيرِ الحقِّ، وذلك كلُّه كَذِبٌ (٩).

وقال الحُطيئةُ: أبلِغوا الأنصارَ أن شاعرَهم أشعرُ العربِ حيثُ يقولُ:

يُغْشَونَ حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهم … لا يَسْأَلونَ عن السَّوَادِ المُقْبِلِ (١)

وقال عبدُ الملكِ بنُ مرْوانَ: أمدحُ بيتٍ قالَتْه العربُ بيتُ حَسَّانَ هذا (٢).

وقال قومٌ في حَسَّانَ: إنَّه كان ممن خاضَ في الإفْكِ على عائشةَ رضي الله عنها، وإنَّه جُلِدَ في ذلك، وأنكَر قومٌ أن يكونَ حَسَّانُ خاضَ في الإِفْكِ أو جُلِدَ فيه، ورَوَوْا عن عائشةَ رضي الله عنها مَا أَنَّهَا بَرَّأَتْه مِن ذلك.

ذكَر الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ، عن هشامِ ابنِ سُلَيمانَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن محمدِ بنِ السائبِ ابنِ بَرَكَةً، عن أُمِّهِ، أنَّها كانَت مع عائشةَ رضي الله عنها في الطَّوَافِ، ومعها أُمُّ حكيمٍ بنتُ خالدِ بنِ العاصِي، وأمُّ حكيمٍ بنتُ عبدِ اللهِ بنِ أبي ربيعةَ، فَتَذَا كَرْنَ (٣) حَسَّانَ (٤) فابتَدَرْناه (٥) بالسَّبِّ فقالت عائشةُ رضي الله عنها: ابن الفُرَيعَةِ تَسُبَّانِ؟ إنِّي لأَرجُو أن يُدخِلَه اللهُ الجَنَّةَ بِذَبِّهِ عن النَّبِيِّ بلسانِه، أليس القائلَ:

[هَجَوْتَ محمدًا فَأَجَبْتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ] (١)

فإنَّ أبي ووَالِدَه وعِرْضِي … لِعِرْضِ محمدٍ منكمْ وِقَاءُ فَبَرَّأَتْه مِن أن يكونَ افتَرَى عليها.

[وروَى مسلمُ بنُ خالدٍ، عن يوسفَ بنِ ماهكَ، عن أبيه نحوَ هذا الخبرِ، وزاد] (٢): فقالَتا: أليسَ مِمَّن لعنه اللهُ في الدُّنيا والآخرةِ بما قال فيكِ؟ فقالَتْ: لم يَقُلْ شيئًا، ولكنَّه الذي يقولُ:

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ (٣) بِرِيبَةٍ … وتُصبحُ غَرْثَى مِن لُحُومِ الغَوَافِلِ فإنْ كان ما قد قِيلَ عَنِّي قُلتُه … فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي (٤)

وقال أكثرُ أهلِ الأخبارِ والسِّيَرِ: إنَّ حَسَّانَ مِنَ ثابِتٍ كان مِن أَجبَنِ النَّاسِ، وذكَرُوا مِن جُبنِه أشياءَ مُستَشنَعَةً (٥) رَوَوْها عن الزُّبَيرِ أنَّه حَكَاها عنه، كَرِهتُ ذِكرَها لِنَكارتِها (٦).

ومَن ذكَرها قال: إنَّ حَسَّانَ لم يَشهَدْ مع رسولِ الله شيئًا مِن مَشاهدِه لِجُبنِه.

وأنكَر بعضُ أهلِ العلمِ بالخبرِ ذلك، وقالوا: لو كان حَقًّا لَهُجِيَ به، [فإنَّه قَد هَجا قَومًا، فلم يَهْجُه أحدٌ مِنهم بالجُبْنِ، ولو كان ذلك لَهُجِيَ به] (١)، وقيل: إنه (٢) إنَّما أصَابَه ذلك الجُبْنُ منذُ ضرَبَه صفوانُ بنُ المُعَطَّلِ بالسَّيفِ.

وقال ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، أنَّ رسولَ اللهِ أعطَى حَسَّانَ عِوَضًا مِن ضربةِ صَفوانَ الموضعَ الذي بالمدينةِ، وهو قصرُ بني حُدَيلةَ (٣)، وأعطاه سِيرينَ أَمَةً قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ له عبدَ الرحمنِ بنَ حَسَّانَ (٤).

قال أبو عمرَ رضي الله عنه: أمَّا إعطاءُ رسولِ اللهِ سيرينَ أختَ مارِيةَ لحَسَّانَ فَمَرْوِيٌّ مِن وُجُوهٍ، وأكثرُها أن ذلك ليس لضربةِ صَفْوَانَ، بل لِذَبِّهِ بلسانِه عن النَّبِيِّ في هجاءِ المشركينَ له، واللهُ أعلمُ (٥).

ومِن جَيِّدِ شعرِ حَسَّانَ ما ارتَجَلَه بينَ يَدَيِ النَّبِيِّ فِي حِينِ قُدُومِ وَفْدِ بني تميمٍ، إذْ أَتَوْه بخطيبِهم وشاعرِهم، ونادَوْه مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ أنِ اخرُجْ إلينا يا مُحَمَّدُ، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٤، ٥].

وكانت حُجُراتُه تسعًا (١)، كُلُّها مِن شَعَرٍ مُعَلَّقةٌ (٢) مِن خَشَبِ العَرْعَرِ (٣)، فخرَج رسولُ اللهِ إليهم، وخطَب خطيبُهم مُفْتخِرًا، فلمَّا سكَت أمَر رسولُ اللهِ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أن يخطُبَ بمعنَى ما خطَب به خطيبُهم، فخطَب ثابتٌ، فأحسَن، ثم قام شاعرُهم، وهو الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ، فقال:

نحنُ (٤) الملوكُ فلا حَيٌّ يُقارِبُنا (٥) … فِينا العَلَاءُ وفِينا تُنْصَبُ البِيَعُ ونحنُ نُطْعِمُهم في القَحْطِ ما أكَلوا … مِن العَبِيطِ (٦) إذا لم يُؤْنَسِ الفَزَعُ (٧)

ونَنْحَرُ الكُومَ عَبْطًا (٨) في أَرُومتِنا … للنازِلِينَ إذا ما أُنزِلوا شَبِعوا تلك المكارمُ حُزْناها مُقَارَعَةً … إذا الكِرامُ على أمثالِها اقْتَرَعوا ثم جلَس، فقال رسولُ اللهِ لحَسَّان بنِ ثابتٍ: "قُمْ"، فقام وقال:

إنَّ الذَّوائبَ مِن فِهْرٍ وإِخْوَتَهُمْ … قد بَيَّنوا سُنَّةً للنَّاسِ تُتَّبَعُ يَرْضَى بها كلُّ مَن كانَتْ سَرِيرَتُهُ … تَقْوَى الإلهِ وبالأمرِ الذي شَرَعُوا قومٌ إذا حارَبوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ … أو حَاوَلوا النَّفْعَ في أشياعِهِم نَفَعُوا سَجِيَّةٌ تلكَ مِنهُم غيرُ مُحْدَثَةٍ … إنَّ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ لو كان في الناسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ … فَكُلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِم تَبَعُ لا يَرْقَعُ (١) الناسُ ما أَوْهَتْ أكُفُّهُمُ … عندَ الدِّفَاعِ ولا يُوهُونَ ما رقَعُوا (٢)

ولا يَضِنُّونَ عن جَارٍ بفضلِهمُ … ولا يَمَسُّهمُ في مَطْمَعٍ طَبَعُ أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ في النَّاسِ عِفَّتُهُمْ … لا يَبْخَلون ولا يُرْدِيهُمُ طَمَعُ خُذْ مِنْهُمُ ما أَتَوا عَفْوًا إذا عَطَفُوا … ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأَمْرَ الذي مَنْعُوا فإنَّ في حَرْبِهِمْ فَاتْرُكُ عَدَاوَتَهُمْ … شَرًّا يُخَاصُ إليه الصَّابُ والسَّلَعُ (١)

أَكْرِمْ بقومٍ رسولُ اللهِ شِيعتُهُمْ … إذا تَفَرَّقَتِ الأهواءُ والشِّيَعُ (٢)

فقال التَّمِيميُّونَ عندَ ذلك: ورَبِّكم إنَّ خَطِيبَ القومِ أخطبُ مِن خطيبِنا، وإنَّ شاعِرَهم أشعَرُ مِن شاعِرِنا، وما انتصَفْنا ولا قارَبْنا (٣).

وتُوفِّي (٤) حَسَّانُ بنُ ثابتٍ رحمه الله قبلَ الأربعينَ في خلافةِ عليٍّ رضي الله عنه، وقيل: بل ماتَ حَسَّانُ سنةَ خمسينَ وهو ابنُ مائةٍ وعشرينَ سنةً، [وقيل: إنَّ حَسَّانَ بنَ ثابتٍ تُوفِّي سنةَ أربعٍ وخمسينَ.

ولم يختلِفوا أنَّه عاشَ عشرينَ ومائةَ سَنَةٍ] (٥)؛ منها سِتُّونَ في الجاهليةِ وسِتُّونَ في الإسلامِ، وأدرَك النَّابِغةَ الذُّبْيانيَّ، وأنشَده مِن شِعْرِه، وأنشَد الأعشَى وكلاهما قال له: إنَّك شاعرٌ.

حسان بن ثابت حسب الإصابة في تمييز الصحابة

١٧٠٩- حسّان بن ثابت بن المنذر «١»

: بن حرام بن عمرو بن زيد بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النّجار الأنصاريّ الخزرجيّ ثم النجاريّ، شاعر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

وأمه الفريعة- بالفاء والعين المهملة مصغّرا- بنت خالد بن حبيش بن لوذان، خزرجية أيضا.

أدركت الإسلام فأسلمت وبايعت. وقيل: هي أخت خالد لا ابنته.

يكنى: أبا الوليد، وهي الأشهر، وأبا المضرّب، وأبا الحسام، وأبا عبد الرحمن.

روى عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أحاديث، روى عنه سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وآخرون.

قال أبو عبيدة: فضل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وكان مع ذلك جبانا.

وفي الصّحيحين من طريق سعيد بن المسيّب، قال: مرّ عمر بحسان في المسجد وهو ينشد فلحظ إليه فقال: كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال:

أنشدك اللَّه، أسمعت النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: «أجب عنّي، اللَّهمّ أيّده بروح القدس»

«٢» .


(١) أسد الغابة ت (١١٥٣) ، الاستيعاب ت (٥٢٥) ، التاريخ لابن معين ١٠٧، طبقات خليفة ٨٨، تاريخ خليفة ٢٠٢، التاريخ الكبير ٣/ ٤٩، المعارف ٢/ ١٢٨، ١٩٧- ١٣٢، تاريخ الفسوي ١/ ٢٣٥، الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٣، الأغاني ٤/ ١٣٤، - ١٦٩، معجم الطبراني ٤/ ٤٤، تهذيب الكمال ٢٥١، تاريخ الإسلام ٢/ ٢٧٧، تهذيب التهذيب ٢/ ٢٤٧- ٢٤٨، خلاصة تهذيب الكمال ٧٥، شذرات الذهب ١/ ٤١، ٦٠.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٣٣٥ عن عبد اللَّه بن عمر بلفظه وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والنسائي ٢/ ٤٨ كتاب المساجد باب ٢٤ الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد حديث رقم ٧١٦. وأحمد في المسند ٢/ ٢٦٩، البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٤٨، ١٠/ ١٢٦، ٢٣٧- وعبد الرزاق في المصنف حديث رقم ٢٠٥٠٩.

وأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: مرّ عمر على حسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فقال: أفي مسجد رسول اللَّه تنشد الشعر؟ فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك.

وفي الصّحيحين عن البراء أنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال لحسان: «اهجهم- أو هاجهم- وجبريل معك»

«١»

وقال أبو داود: حدثنا لؤيّ، عن ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن عائشة- أنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائما يهجو الذين كانوا يهجون النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم «إنّ روح القدس مع حسّان ما دام ينافح عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم»

«٢» . روى ابن إسحاق في المغازي، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع «٣» حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، فمرّ بنا رجل يهودي، فجعل يطيف بالحصن، فقالت له صفية: إن هذا اليهودي لا آمنة أن يدلّ على عوراتنا، فانزل إليه فأقتله. فقال: يغفر اللَّه لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت صفية: فلما قال ذلك أخذت عمودا، ونزلت من الحصن حتى قتلت اليهوديّ. فقالت: يا حسّان، انزل فاسلبه. فقال: ما لي بسلبه من حاجة.

مات حسان قبل الأربعين في قول خليفة. وقيل سنة أربعين. وقيل خمسين: وقيل أربع وخمسين، وهو قول ابن هشام، حكاه عنه ابن البرقي، وزاد وهو ابن عشرين ومائة سنة أو نحوها.

وذكر ابن إسحاق أنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قدم المدينة ولحسان ستون سنة.

قلت: فلعل هذا يكون على قول من قال: إنه مات سنة أربعين بلغ مائة أو دونها، أو في سنة خمسين ومائة وعشرة، أو سنة أربع وخمسين مائة وأربع عشرة.

والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل عاش مائة وأربع سنين، جزم به ابن أبي


(١) أخرجه البخاري ٤/ ١٣٦ ومسلم في فضائل الصحابة (١٥٣) .
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٢٢ كتاب الأدب باب ما جاء في الشعر حديث رقم ٥٠١٥.
(٣) فارع: اسم أطم من آطام المدينة، وفارع: قرية في أعلى الشراة بالشين المعجمة بها نخل كثير، وبها مياه من عيون تجري تحت الأرض. انظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٠١٣.

خيثمة عن المدائني [وقال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين، وفي الإسلام ستين، ومات وهو ابن عشرين ومائة]

«١» .

حسان بن ثابت حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) حَسًّان بن ثَابِت بن المُنذر بن حرَام بن عمرو بن زيد منَاة بن عَديّ بن عَمْرو بن مالك بن النجار. واسمه تيم اللَّه، بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي، ثم من بني مالك بن النجار، يكنى أبا الوليد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو الحسام، لمناضلته عن رسول اللَّه ولتقطيعه أعراض المشركين، وأمه: الفُرَيعة بنت خالد بن خنس (١) بن لَوذان بن عبد وُدّ بن زيد ابن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية، يقال له: شاعر رسول اللَّه ، ووصفت عائشة رسول اللَّه فقالت: كان واللَّه كما قال فيه حسان: (٢)

متى يبدُ في الداجي البهيم جَبينُه … يَلُحْ مثلَ مصباح الدجى المتوقد فمن كان أو من ذا يكون كأحمدٍ … نِظَامٌ لِحقّ أو نكَالٌ لمُلْحدِ وكان رسول اللَّه ينصب له منبراً في المسجد، يقوم عليه قائماً، يفاخر عن رسول اللَّه ، ورسول اللَّه يقول: إن اللَّه يؤيد حسان بروح القُدُس، ما نافح عن رسول اللَّه .

ورُوي أن الذين كانوا يهجون رسول اللَّه من مشركي قريش: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد اللَّه بن الزَبَعْرَي، وعمرو بن العاص، وضِرَار بن الخطاب.

وقال قائل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: اهجُ القوم الذين يهجوننا، فقال: إن أذن رسول اللَّه فعلت (٣)، فقال رسول اللَّه: إن علياً ليس عنده ما يراد من ذلك. ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول اللَّه بأسيافهم أن ينصروه بألسنتهم؟. فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه وقال: واللَّه ما يسرني به مِقْول بين بُصْرى وصنعاء، قال رسول اللَّه : كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ فقال: يا رسول اللَّه، لأسُلَّنَّك منهم كما تسلّ الشعرة من العجين، فقال: ائت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك.

فكان يمضي إلى أبي بكر رضي الله عنه ليقفه على أنسابهم، فكان يقول له: كُفَّ عن فلانة وفلانة، واذكر فلانة وفلانة. فجعل يهجوهم، فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا: هذا شعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة.

فمن قول حسان في أبي سفيان بن الحارث (٤):

وأنَّ سَنَام المجد من آل هاشمٍ … بنو بنت مخزُومٍ ووالدُك العَبْدُ ومن ولدَتْ أبناء زُهْرَةَ منهم … كرام ولم يقْرَبْ عجائِزَك المَجْد ولستَ كعباسٍ ولا كابن أمَّه … ولكن لئيم لا يقام له زند (٥)

وأنَّ امرأ كانت سُمَيَّةُ أمَّه … وسمراء مغموز (٦) إذا بلغ الجهد فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا شعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة.

يعني بقوله بنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهي أم أبي طالب، وعبد اللَّه، والزبير، بني عبد المطلب، وقوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم، يعني حمزة وصفية، أمهما: هَالة بنت وُهَيب بن عبد مناف بن زهرة، وقوله: عباس وابن أمه، وهو ضرار بن عبد المطلب، أمهما: نُتَيلة، امرأة من النمر بن قاسط، وسمية أم أبي سفيان، وسمراء أم أبيه الحارث.

قال ابن سيرين: انتدب لهجو رسول اللَّه من المشركين من ذكرنا وغيرهم، فانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان، وكعب بن مالك، وعبد اللَّه بن رَواحة، فكان حسان وكعب يعارضانهم، مثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر، ويذكرون مثالبهم، وكان عبد اللَّه بن رَوَاحة يعيرهم بالكفر وبعبادة ما لا يسمع ولا ينفع، فكان قوله أهون القول عليهم، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم، فلما أسلموا وفَقِهوا كان قول عبد اللَّه أشدَّ القول عليهم.

ونهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن إنشاد شيء من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال:

في ذلك شتم الحي والميت، وتجديد الضغائن. وقد هدم اللَّه أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام.

وقال ابن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: فَضَل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام (١).

وقال أبو عبيدة: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدر حسان.

وقال الأصمعي: الشعر نَكِد يقوى في الشر ويسهل، فإذا دخل في الخبر يضعف (٢). لأن هذا حسانَ كان من فحول الشعراء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره.

وقيل لحسان: لأن شعرك وهرم يا أبا الحسام، فقال للسائل: يا ابن أخي، إن الإسلام يحجُز عن الكذب. يعني أن الإجادة في الشعر هو الإفراط في الذي يقوله، وهو كذب يمنع الإسلام منه، فلا يجئ الشعر جيداً.

أخبرنا أبو الفضل المنصور بن أبي الحسن بن أبي عبد اللَّه الطبري الفقيه الشافعي بإسناده إلى أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا حَوْثَرَة، أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه: أن رسول اللَّه جلد الذين قالوا لعائشة ما قالوا ثمانين ثمانين: حسان بن ثابت، ومِسْطَحَ بن أثَاثَة، وحَمْنةَ بنت جحش.

وكان حسان ممن خاض في الإفك، فجلد فيه في قول بعضهم، وأنكر قوم ذلك، وقالوا: إن عائشة كانت في الطواف، ومعها أم حكيم بنت (٣) خالد بن العاص، وأم حكيم بنت عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فذكرتا حسان بن ثابت وسبتاه، فقالت عائشة: إني لأرجو أن يدخله اللَّه الجنة بذَبَه عن النبي بلسانه، أليس القائل:

فإن أبي ووالدُه وعِرْضي … لعِرْض محمَّد منكم وِقَاءُ (١)

وبرأته من أن يكون افترى عليها، فقالتا: ألم يقل فيك؟ فقالت: لم يقل شيئاً، ولكنه الذي يقول:

حَصَانٌ رَزَان ما تُزَنّ بريبة … وتُصبح غَرْثي من لحوم الغوافلِ فإن كان ما قد قيل عَنَّيَ قُلتُه … فلا رفعت سوطي إلى أناملي (٢)

وكان حسان من أجبن الناس حتى أن النبي جعله مع النساء في الآطام يوم الخندق:

أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي البغدادي، بإسناده إلى يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق قال:

حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصبيان، حيث خندق النبي قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يُطِيف بالحصن، قالت له صفية: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا امنه أن يدل على عورتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول اللَّه وأصحابه، فانزل إليه فاقتله، قال: يغفر اللَّه لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفْتِ ما أنا بصاحب هذا.

قالت صفية: فلما قال ذلك أخذت عموداً، ونزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل فاسلبه، فقال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.

ولم يشهد مع النبي شيئاً من مشاهده لجبنه، ووهب له النبي جاريته سيرين أخت مارية، فأولدها عبد الرحمن بن حسان، فهو وإبراهيم بن رسول اللَّه ابنا خالة.

أَخبرنا أَبو ياسر عبد الوهاب بن هبة اللَّه بإسناده، عن عبد اللَّه بن أحمد، حدثني أبي، أخبرنا معاوية بن هشام، أخبرنا سفيان، عن عبد اللَّه بن عثمان (ح) قال أبي: وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن خُثَيم، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عبد الرحمن بن حسَّان، عن أبيه، قال: لعن رسول اللَّه زوارات القبور.

وتوفي حسان قبل الأربعين في خلافة علي، وقيل: بل مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة، لم يختلفوا في عمره وأنه عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام، وكذلك عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وأبو جده حَرَام، عاش كل واحد منهم مائة وعشرين سنة، ولا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، وعاش كل منهم مائة وعشرين سنة غيرهم. قال سعيد بن عبد الرحمن: ذكر عند أبي عبد الرحمن عمر أبيه، وأجداده، فاستلقى على فراشه وضحك، فمات وهو ابن ثمان وأربعين سنة.

أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).

أسئلة شائعة - حسان بن ثابت

من هو حسان بن ثابت رضي الله عنه؟

هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، الشاعر المشهور، يكنى أبا الوليد، ويلقب بشاعر رسول الله ﷺ، وكان يدافع عن النبي ﷺ بلسانه ويهجو مشركي قريش.

بم دعا له النبي ﷺ؟

كان رسول الله ﷺ يقول له: اهجهم وروح القدس معك، ودعا له فقال: اللهم أيده بروح القدس، وقال ﷺ في شعره للمشركين: إن قوله فيهم أشد عليهم من وقع النبل.

كم عاش حسان وفي أي زمن توفي؟

عاش رضي الله عنه عشرين ومائة سنة؛ ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، وتوفي قبل الأربعين في خلافة علي رضي الله عنه، وقيل سنة خمسين، وقيل سنة أربع وخمسين.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 24 محرّم
هلال متناقص اليوم 25.2 / 29.5
الإضاءة 20%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
أستغفر الله