سيرة حسان بن ثابت
بابُ حَسَّانَ [٥١٨] حَسَّانُ بنُ ثابتِ بنِ المنذِرِ بنِ حرامِ (١) بنِ عمرِو بنِ زِيدِ مَنَاةَ ابنِ عَدِيِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ الأنصاريُّ (٢)، الشاعرُ، يُكنَى أبا الوليد، وقيل: يُكنَى أبا عبدِ الرحمنِ، وقيل: أبا الحسامِ، وأمُّه الفُرَيعةُ بنتُ خالدِ بن جَسْرٍ (٣) بنِ لَوذانَ بنِ عبدِ وُدِّ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ الخزرجِ بنِ كعبِ بنِ ساعدةَ الأنصاريةُ (٤).
كان يُقالُ له: شاعرُ رسولِ اللهِ ﷺ.
رُوِّينا عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها وصَفت رسولَ اللهِ ﷺ فقالتْ: كان واللهِ كما قال فيه شاعرُه حَسَّانُ بنُ ثابتٍ:
مَتَى يَبْدُ في الدَّاجِي البَهِيمِ جَبِينُه … يَلُحْ مثلَ مِصْباحِ الدُّجَى المُتَوَقِّدِ فَمَنْ كان أو مَن قد يكونُ كأحمدِ … نِظامٌ لِحَقٍّ أو نَكَالٌ لِمُلْحِدِ (١)
ورُوِّينا من حديثِ عوفٍ الأعرابيِّ وجريرِ بنِ حازمٍ عن محمدِ بنِ سيرينَ، ومِن حديثِ السُّدِّيِّ عن البراءِ، ومن حديثِ سِمَاكِ بنِ حربٍ وأبي إسحاقَ -دخَل حديثُ بعضهم في بعضٍ- أنَّ الذين كانوا يَهْجُونَ رسولَ اللهِ ﷺ مِن مُشرِكِي قُرَيشٍ عبدُ اللهِ بنُ الزِّبَعْرَى، وأبو سفيانَ ابنُ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، وعمرُو بنُ العاصي، وضِرَارُ بنُ الخَطَّابِ، فقال قائلٌ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه: اهجُ عَنَّا القومَ الذين يَهجُوننا (٢)، فقال: إنْ أَذِن ليَ رسولُ اللهِ ﷺ فَعَلَتُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ائذَنْ له، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ عَلِيًّا ليس عندَه ما يُرَادُ في ذلك منه"، أو: "ليس في ذلك هُنالك، ثمَّ قال: "ما يَمْنَعُ القومَ الذين نَصَروا رسولَ اللهِ ﷺ بِسِلاحِهِم أن يَنصُرُوه بألسِنَتِهِم؟ "، فقال حَسَّانُ: أنا لها، وأخَذ بِطَرفِ لسانِه وقال: واللهِ ما يَسُرُّني به مِقْوَلٌ (١) بينَ بُصْرَى وصنعاءَ، قال رسولُ اللهِ ﷺ: "كيفَ تَهْجُوهم وأنا منهم؟ وكيفَ تَهْجُو أبا سُفيانَ وهو ابنُ عَمِّي؟ "، فقال: واللهِ لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِن العَجِينِ، فقال له: "ائتِ أبا بكرٍ، فإنَّه أعلَمُ بأنسابِ القومِ منك"، فكان يَمْضِي إلى أبي بكرٍ ليَقِفَهُ على أنسابِهم، [فكان يقولُ له] (٢): كُفَّ عن فُلانةَ وفُلانةَ، واذكُرْ فُلانةَ وفُلانةَ، فجعَل حَسَّانُ يَهجُوهم، فلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيشٌ شعرَ حَسَّانَ، قالوا: إنَّ هذا لَشِعرٌ ما غابَ عنه ابنُ أبي قُحَافَةَ، أَوْ متَى (٣) شَعُرَ ابنُ أبي قُحافةَ (٤)؟
فمِن شعرٍ حَسَّانَ في أبي سفيانَ بنِ الحارثِ (٥):
و (١) إنَّ سَنَامَ المَجْدِ في (٢) آلِ هاشمِ … بَنُو بنتِ مخزومٍ ووَالِدُكَ العَبْدُ ومَن ولَدَتْ أبناءَ زُهْرَةَ مِنهُمُ … كِرَامٌ (٣) ولم يَقْرَبْ عَجائِزَكَ المَجْدُ ولَسْتَ كَعَبَّاسِ ولا كَابنِ أُمِّهِ … ولكِنْ لَئِيمٌ لا يَقومُ (٤) له زَنْدُ وإنَّ امْرَأً كانت سُمَيَّةُ (٥) أُمَّهُ … وسَمْرَاءُ مَغمُورٌ (٦) إذا بَلَغَ الجَهْدُ وأنتَ هَجِينٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ … كما نِيطَ خلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ فلمَّا بلَغ هذا الشِّعرُ أبا سفيانَ، قال: هذا كلامٌ لم يَغِبْ عنه ابنُ أبي قُحافةَ.
قال أبو عمرَ رضي الله عنه: يعني بقولِه: بنتِ مخزومٍ، فاطمةَ بنتَ عمرِو بنِ عائذِ بنِ عِمْرانَ بنِ مخزومٍ فيما ذكَر أهلُ النَّسَبِ، وهي أمُّ أبي طالبٍ وعبدِ اللهِ والزبيرِ بني عبدِ المطلبِ.
وقولُه:
* ومَن ولَدَتْ أبناءَ زُهْرَةَ منهمُ * يعني حمزةَ وصَفِيَّةَ، أُمُّهما هالةُ بنتُ أُهَيبٍ (١) بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ زُهْرةَ، والعباسَ، وابنُ أُمِّه شقيقُه ضرَارُ بنُ عبدِ المُطّلِبِ، أُمُّهما نُتَيلةُ (٢) امرأةٌ من النَّمِر بنِ قاسِطٍ، وسُمَيَّةُ أمُّ أبي سفيانَ، وسَمْراءُ أمُّ أبيه.
ومِن قولِ حَسَّانَ أيضًا في أبي سفيانَ (٣):
هَجَوْتَ محمدًا فَأَجَبْتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاك الجَزَاءُ هَجَوْتَ مُطَهَّرًا بَرًّا حَنِيفًا … أمينَ اللهِ شِيمتُه الوَفَاءُ أَتَهْجُوه ولستَ له بِكُفءٍ … فَشَرُّكما لخيرِكما الفِدَاءُ فَإنَّ أبِي وَوَالِدَه وعِرْضِي … لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ وهذا الشعرُ أَوَّلُه (٤):
عَفَتْ ذاتُ الأَصَابِعِ فَالجِوَاءُ (٥) … إلى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلَاءُ قال مصعبٌ الزُّبَيريُّ: هذه القصيدةُ، قال حَسَّانُ صدرَها في الجاهليةِ وآخِرَها في الإسلامِ.
قال (١): وهجَم حَسَّانُ على فتيةٍ مِن قومِه يَشْرَبون الخمرَ، فَعَيَّرَهم في ذلك، فقالوا: يا أبا الوليدِ، ما أخَذْنا هذا إلا منك، وإنَّا لَنَهُمُّ بتركِها ثم يُثَبِّطُنا عن ذلك قولُك (٢):
ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقَاءُ فقال: هذا شيءٌ قُلتُهُ في الجاهليةِ، واللهِ ما شَرِبتُها منذُ أسلَمتُ.
قال ابنُ سيرينَ: وانْتدَبَ لهجوِ المشركين ثلاثةٌ مِن الأنصارِ: حَسَّانُ [بنُ ثابتٍ] (٣)، وكعبُ بنُ مالكٍ، وعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ، فكان حَسَّانُ وكعبُ بنُ مالكٍ يُعارِضانِهم بمثلِ قولِهم في الوقائعِ والأيامِ والمآثِرِ، ويَذْكُرانِ مَثالِبَهم، وكان عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ يُعَيِّرُهم بالكفرِ وعبادةِ ما لا يَسْمَعُ ولا ينفعُ، فكان قولُه يومَئذٍ أهونَ القولِ عليهم، وكان قولُ حَسَّانَ وكعبٍ أشَدَّ القولِ عليهم، فلمَّا أسلَموا وفَقِهوا كان أشَدُّ القولِ عليهم قولَ عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ (٤).
ورُوِّينا مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ عن أبي هريرةَ وغيرِه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقولُ لحَسَّانَ: "اهْجُهُم -يعني المشركين- ورُوحُ القُدُسِ معك" (١)، وأنَّه ﷺ قال لحَسَّانَ: "اللهمَّ أَيِّدَه بِرُوُحِ القُدُسِ" (٢)، لمُناضَلتِه عن المسلمين، وقال ﷺ: "إنَّ قولَه فيهم أشَدُّ عليهم [مِن وقْعِ النَّبْلِ] (٣) ".
ومَرَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه بِحَسَّانَ وهو يُنشِدُ الشعرَ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: أَتُنشِدُ الشعرَ (٤) -أو قال: مثلَ هذا الشعرِ- في مسجدِ رسولِ الله ﷺ؟ فقال له حَسَّانُ: قد كنتُ أُنشِدُ فيه (٥) مَن هو خيرٌ منك، يعني النَّبِيَّ ﷺ، فسكَت عمرُ (٦).
ورُوِي عن عمرَ رضي الله عنه أنَّه نَهَى أن يُنشِدَ الناسُ شيئًا مِن مُناقَضةِ الأنصارِ ومُشرِكِي قُريشٍ، وقال: في ذلك شَتْمُ الحيِّ والميتِ،
وتجديدُ الصَّغائِنِ، وقد هَدَمَ اللهُ أمرَ الجاهليةِ بما جاء مِن الإسلامِ (١).
وروَى ابنُ دُرَيدٍ (٢)، عن أبي حاتمٍ، عن أبي عُبَيدةَ، قال: فَضَلَ حَسَّانُ الشُّعَراءَ بِثَلاثٍ: كان شاعرَ الأنصارِ في الجاهليَّةِ، وشاعرَ النَّبِيِّ ﷺ في النُّبوةِ، وشاعرَ اليمنِ كُلِّها في الإسلامِ (٣).
قال أبو عُبيدةَ: واجتَمَعتِ العربُ على أنَّ أشعرَ أهلِ المَدَرِ (٤) يثربُ، ثم عبدُ القيسِ، ثم ثَقِيفٌ، وعلى أن أشعرَ أهلِ المَدَرِ حَسَّانُ بنُ ثابتٍ (٥).
وقال أبو عُبيدةَ: حَسَّانُ بنُ ثابتٍ شاعرُ الأنصارِ في الجاهليةِ، وشاعرُ أهلِ اليمنِ في الإسلامِ، وهو شاعرُ أهلِ القُرَى (٦).
وعن أبي عُبيدةَ وأبي عمرِو بنِ العَلاءِ (٧)، أَنَّهما قالا: حَسَّانُ بنُ ثابتٍ أشعرُ أهلِ الحضرِ، [وقال أحدُهما: أهلُ المَدَرِ (١).
وقال الأصمعيُّ: حَسَّانُ بنُ ثابتٍ أحدُ فُحُولِ الشعراءِ، فقال له أبو حاتمٍ: تأتي له أشعارٌ لَيِّنةٌ، فقال الأصمعيُّ: [تُنسَبُ إليه أشياءُ لا نَصِحُّ عنه] (٢) (٣).
وروى ابنُ أخي الأصمعيِّ، [عن عَمِّه] (٤)، قال: الشعرُ نَكِدٌ، يَقْوَى في الشَّرِّ ويَسْهُلُ، فإذا دخَل فى الخيرِ ضَعُفَ ولَانَ، هذا حَسَّانُ فَحْلٌ مِن فُحُولِ (٥) الجاهليةِ، فلمَّا جَاءَ الإسلامُ سقَط شِعْرُه (٦).
وقال مَرَّةً أُخرى: شعرُ حَسَّانَ في الجاهليةِ من أجودِ الشعرِ (٥).
وقيل لحَسَّانَ: لانَ شِعْرُك -أو هَرِمَ شعرُك- في الإسلام يا أبا الحسامِ، فقال للقائلِ: يا ابنَ أخي، إنَّ الإسلامَ يَحْجِزُ عن الكذب -[أو يمنعُ مِن الكذبِ- وإنَّ الشعرَ يُزَيِّنُه الكذبُ] (٧)، يعني أنَّ شأنَ التجويدِ في الشعرِ الإفراطُ في الوصفِ، والتَّزَيُّنُ (٨) بغيرِ الحقِّ، وذلك كلُّه كَذِبٌ (٩).
وقال الحُطيئةُ: أبلِغوا الأنصارَ أن شاعرَهم أشعرُ العربِ حيثُ يقولُ:
يُغْشَونَ حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهم … لا يَسْأَلونَ عن السَّوَادِ المُقْبِلِ (١)
وقال عبدُ الملكِ بنُ مرْوانَ: أمدحُ بيتٍ قالَتْه العربُ بيتُ حَسَّانَ هذا (٢).
وقال قومٌ في حَسَّانَ: إنَّه كان ممن خاضَ في الإفْكِ على عائشةَ رضي الله عنها، وإنَّه جُلِدَ في ذلك، وأنكَر قومٌ أن يكونَ حَسَّانُ خاضَ في الإِفْكِ أو جُلِدَ فيه، ورَوَوْا عن عائشةَ رضي الله عنها مَا أَنَّهَا بَرَّأَتْه مِن ذلك.
ذكَر الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ، عن هشامِ ابنِ سُلَيمانَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن محمدِ بنِ السائبِ ابنِ بَرَكَةً، عن أُمِّهِ، أنَّها كانَت مع عائشةَ رضي الله عنها في الطَّوَافِ، ومعها أُمُّ حكيمٍ بنتُ خالدِ بنِ العاصِي، وأمُّ حكيمٍ بنتُ عبدِ اللهِ بنِ أبي ربيعةَ، فَتَذَا كَرْنَ (٣) حَسَّانَ (٤) فابتَدَرْناه (٥) بالسَّبِّ فقالت عائشةُ رضي الله عنها: ابن الفُرَيعَةِ تَسُبَّانِ؟ إنِّي لأَرجُو أن يُدخِلَه اللهُ الجَنَّةَ بِذَبِّهِ عن النَّبِيِّ ﷺ بلسانِه، أليس القائلَ:
[هَجَوْتَ محمدًا فَأَجَبْتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ] (١)
فإنَّ أبي ووَالِدَه وعِرْضِي … لِعِرْضِ محمدٍ منكمْ وِقَاءُ فَبَرَّأَتْه مِن أن يكونَ افتَرَى عليها.
[وروَى مسلمُ بنُ خالدٍ، عن يوسفَ بنِ ماهكَ، عن أبيه نحوَ هذا الخبرِ، وزاد] (٢): فقالَتا: أليسَ مِمَّن لعنه اللهُ في الدُّنيا والآخرةِ بما قال فيكِ؟ فقالَتْ: لم يَقُلْ شيئًا، ولكنَّه الذي يقولُ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ (٣) بِرِيبَةٍ … وتُصبحُ غَرْثَى مِن لُحُومِ الغَوَافِلِ فإنْ كان ما قد قِيلَ عَنِّي قُلتُه … فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي (٤)
وقال أكثرُ أهلِ الأخبارِ والسِّيَرِ: إنَّ حَسَّانَ مِنَ ثابِتٍ كان مِن أَجبَنِ النَّاسِ، وذكَرُوا مِن جُبنِه أشياءَ مُستَشنَعَةً (٥) رَوَوْها عن الزُّبَيرِ أنَّه حَكَاها عنه، كَرِهتُ ذِكرَها لِنَكارتِها (٦).
ومَن ذكَرها قال: إنَّ حَسَّانَ لم يَشهَدْ مع رسولِ الله ﷺ شيئًا مِن مَشاهدِه لِجُبنِه.
وأنكَر بعضُ أهلِ العلمِ بالخبرِ ذلك، وقالوا: لو كان حَقًّا لَهُجِيَ به، [فإنَّه قَد هَجا قَومًا، فلم يَهْجُه أحدٌ مِنهم بالجُبْنِ، ولو كان ذلك لَهُجِيَ به] (١)، وقيل: إنه (٢) إنَّما أصَابَه ذلك الجُبْنُ منذُ ضرَبَه صفوانُ بنُ المُعَطَّلِ بالسَّيفِ.
وقال ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطَى حَسَّانَ عِوَضًا مِن ضربةِ صَفوانَ الموضعَ الذي بالمدينةِ، وهو قصرُ بني حُدَيلةَ (٣)، وأعطاه سِيرينَ أَمَةً قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ له عبدَ الرحمنِ بنَ حَسَّانَ (٤).
قال أبو عمرَ رضي الله عنه: أمَّا إعطاءُ رسولِ اللهِ ﷺ سيرينَ أختَ مارِيةَ لحَسَّانَ فَمَرْوِيٌّ مِن وُجُوهٍ، وأكثرُها أن ذلك ليس لضربةِ صَفْوَانَ، بل لِذَبِّهِ بلسانِه عن النَّبِيِّ ﷺ في هجاءِ المشركينَ له، واللهُ أعلمُ (٥).
ومِن جَيِّدِ شعرِ حَسَّانَ ما ارتَجَلَه بينَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حِينِ قُدُومِ وَفْدِ بني تميمٍ، إذْ أَتَوْه بخطيبِهم وشاعرِهم، ونادَوْه مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ أنِ اخرُجْ إلينا يا مُحَمَّدُ، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٤، ٥].
وكانت حُجُراتُه ﷺ تسعًا (١)، كُلُّها مِن شَعَرٍ مُعَلَّقةٌ (٢) مِن خَشَبِ العَرْعَرِ (٣)، فخرَج رسولُ اللهِ ﷺ إليهم، وخطَب خطيبُهم مُفْتخِرًا، فلمَّا سكَت أمَر رسولُ اللهِ ﷺ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أن يخطُبَ بمعنَى ما خطَب به خطيبُهم، فخطَب ثابتٌ، فأحسَن، ثم قام شاعرُهم، وهو الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ، فقال:
نحنُ (٤) الملوكُ فلا حَيٌّ يُقارِبُنا (٥) … فِينا العَلَاءُ وفِينا تُنْصَبُ البِيَعُ ونحنُ نُطْعِمُهم في القَحْطِ ما أكَلوا … مِن العَبِيطِ (٦) إذا لم يُؤْنَسِ الفَزَعُ (٧)
ونَنْحَرُ الكُومَ عَبْطًا (٨) في أَرُومتِنا … للنازِلِينَ إذا ما أُنزِلوا شَبِعوا تلك المكارمُ حُزْناها مُقَارَعَةً … إذا الكِرامُ على أمثالِها اقْتَرَعوا ثم جلَس، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لحَسَّان بنِ ثابتٍ: "قُمْ"، فقام وقال:
إنَّ الذَّوائبَ مِن فِهْرٍ وإِخْوَتَهُمْ … قد بَيَّنوا سُنَّةً للنَّاسِ تُتَّبَعُ يَرْضَى بها كلُّ مَن كانَتْ سَرِيرَتُهُ … تَقْوَى الإلهِ وبالأمرِ الذي شَرَعُوا قومٌ إذا حارَبوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ … أو حَاوَلوا النَّفْعَ في أشياعِهِم نَفَعُوا سَجِيَّةٌ تلكَ مِنهُم غيرُ مُحْدَثَةٍ … إنَّ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ لو كان في الناسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ … فَكُلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِم تَبَعُ لا يَرْقَعُ (١) الناسُ ما أَوْهَتْ أكُفُّهُمُ … عندَ الدِّفَاعِ ولا يُوهُونَ ما رقَعُوا (٢)
ولا يَضِنُّونَ عن جَارٍ بفضلِهمُ … ولا يَمَسُّهمُ في مَطْمَعٍ طَبَعُ أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ في النَّاسِ عِفَّتُهُمْ … لا يَبْخَلون ولا يُرْدِيهُمُ طَمَعُ خُذْ مِنْهُمُ ما أَتَوا عَفْوًا إذا عَطَفُوا … ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأَمْرَ الذي مَنْعُوا فإنَّ في حَرْبِهِمْ فَاتْرُكُ عَدَاوَتَهُمْ … شَرًّا يُخَاصُ إليه الصَّابُ والسَّلَعُ (١)
أَكْرِمْ بقومٍ رسولُ اللهِ شِيعتُهُمْ … إذا تَفَرَّقَتِ الأهواءُ والشِّيَعُ (٢)
فقال التَّمِيميُّونَ عندَ ذلك: ورَبِّكم إنَّ خَطِيبَ القومِ أخطبُ مِن خطيبِنا، وإنَّ شاعِرَهم أشعَرُ مِن شاعِرِنا، وما انتصَفْنا ولا قارَبْنا (٣).
وتُوفِّي (٤) حَسَّانُ بنُ ثابتٍ رحمه الله قبلَ الأربعينَ في خلافةِ عليٍّ رضي الله عنه، وقيل: بل ماتَ حَسَّانُ سنةَ خمسينَ وهو ابنُ مائةٍ وعشرينَ سنةً، [وقيل: إنَّ حَسَّانَ بنَ ثابتٍ تُوفِّي سنةَ أربعٍ وخمسينَ.
ولم يختلِفوا أنَّه عاشَ عشرينَ ومائةَ سَنَةٍ] (٥)؛ منها سِتُّونَ في الجاهليةِ وسِتُّونَ في الإسلامِ، وأدرَك النَّابِغةَ الذُّبْيانيَّ، وأنشَده مِن شِعْرِه، وأنشَد الأعشَى وكلاهما قال له: إنَّك شاعرٌ.