سعد

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 36 دقيقة قراءة

سيرة سعد

ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، ويكنى أبا عمرو، وأمّه كبشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج وهي من المبايعات. وكان لسعد بن معاذ من الولد عمرو وعبد الله وأمّهما هند بنت سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وهي من المبايعات خلف عليها سعد بعد أخيه أوس بن معاذ، وهي عمّة أسيد بن حُضير بن سماك. وكان لعمرو بن سعد بن معاذ من الولد تسعة نفر وثلاث نسوة منهم عبد الله بن عمرو قُتل يوم الحرّة. ولسعد بن معاذ اليوم عقب.

أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: كان إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير على يد مصعب بن عمير العبدري، وكان مصعب قدم المدينة قبل السبعين أصحاب العقبة الآخرة يدعو الناس إلى الإسلام ويقرئهم القرآن بأمر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا أسلم سعد بن معاذ لم يبق في بني عبد الأشهل أحد إلّا أسلم يومئذ فكانت دار بني عبد الأشهل أوّل دارٍ من الأنصار أسلموا جميعًا رجالهم ونساؤهم، وحوّل سعد بن معاذ مصعب بن عمير وأبا أمامة أسعد بن زرارة إلى داره فكانا يدعوان الناس إلى الإسلام في دار سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابني خالة، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يكسران أصنام بني عبد الأشهل (١).

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن سعد بن إبراهيم وعن ابن أبي عون قالا: آخى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بين سعد بن معاذ وسعد بن أبي وقّاص. قال وأمّا محمّد بن إسحاق فقال: آخى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجرّاح فالله أعلم أيّ ذلك كان.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن قدامة عن عمر بن الحصين قال: كان لواء الأوس يوم بدر مع سعد بن معاذ. وشهد سعد مع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يوم أُحُد وثبت معه حين ولّى النّاس، وشهد الخندق.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبدي قال: أخبرنا أبو المتوكّل أنّ نبيّ الله، - صلى الله عليه وسلم -، ذكر الحمّى فقال: مَن كانت به فهي حظّه من النار. فسألها سعد بن مُعاذ ربّه فلزمَتْه فلم تفارقه حتى فارَق الدّنْيا.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جدّه عن عائشة قالت: خرجتُ يوم الخندق أقفو آثار الناس فسمعتُ وئيد الأرض ورائي، تعني حسّ الأرض، فالتفتّ فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنّه، فجلستُ إلى الأرض، قالت فمرّ سعد وهو يرتجز ويقول:

لَبِّثْ قَلِيلًا يُدْرِكِ الهَيْجا حَمَلْ (١) … ما أحْسَنَ المَوْتَ إذا حانَ الأجلْ!

قالت وعليه درع قد خرجتْ منه أطرافه، فأنا أتَخَوّف على أطراف سعد. وكان سعد من أطول الناس وأعظمهم، قالت فقمتُ فاقتحمتُ حديقة فإذا فيها نَفَر من المسلمين وفيهم عمر بن الخطّاب، - رحمه الله -، وفيهم رجل عليه تَسْبِغَة له، تعني المِغْفَر، قالت فقال لي عمر: ما جاء بك؟ والله إنّك لجريئة! وما يؤمنكِ أن يكون تحوّزٌ أو بلاء؟ قالت فما زال يلومني حتى تمنّيْتُ أن الأرض انشقّتْ ساعتئذٍ فدخلتُ فيها، قالت فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله، قالت فقال: ويحك يا عمر! إنّك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوّز أو الفرار إلّا إلى الله؟ قالت ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركين من قريش يقال له ابن العَرِقَة بسهم فقال: خذها وأنا ابن العرقة! فأصاب أكْحَلَه فدعا الله سَعدٌ فقال: اللّهمّ لا تُمِتْني حتى تشفيني من قريظة، وكانوا مَوَاليه وحلفاءه في الجاهليّة، قالت فرقأ كَلْمه، تعني جرحه، وبعث الله، تبارك وتعالى، الرّيح على المشركين {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (٢) [سورة الأحزاب: ٢٥].

فلحق أبو سفيان بمَن معه بتهامة، ولحق عُيينة بمن معه بنجد، ورجعت بنو قُريظة فتحصّنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى المدينة فأمر بقبّةٍ فضُرِبت على سعد بن معاذ في المسجد، قالت فجاءه جبريل، - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ثناياه النقع فقال: أقد وضَعتَ السّلاح؟ فوالله ما وضعَت الملائكة السلاح بعدُ، اخرج إلى بني قريظة فقاتِلْهم. قالت فلبس رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لأمَته وأذّن في الناس بالرحيل، قالت فمرّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، على بني غنم وهم جيران المسجد فقال لهم: من مرّ بكم؟ قالوا: مرّ بنا دحية الكلبيّ، وكان دحية تُشبه لحيته وسُنّة وجهه بجبريل، - عليه السلام -، قالت فأتاهم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلمّا اشتدّ حَصْرُهم واشتدّ البلاء عليهم قيل لهم انزلوا على حُكم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -. فاستشاروا أبا لُبابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنّه الذبْح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال لهم رسول الله: انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فبعث رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى سعد فحُمل على حمارٍ عليه إكاف من ليفٍ وحفّ به قومُه فجعلوا يقولون: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، ولا يرجع إليهم شيئًا، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنَى لي أن لا أبالي في الله لَوْمَةَ لائم.

قال ابن سعد: فلمّا طلع على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قال: قوموا إلى سيّدكم فأنزلوه، فقال عمر: سيّدنا الله، فقال: أنزِلوه، فأنزَلوه فقال له رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: احكم فيهم، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تُقتَل مقاتلتُهم وتُسبَى ذراريّهم وتقسم أموالهم. فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله وحكم رسوله. قالت ثمّ دعَا الله سعد فقال: اللّهمّ إن كنْتَ أبقيت على نبيّك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنتَ قطعتَ الحربَ بينه وبينهم فاقبضني إليك.

قالت فانفجر كَلْمه وقد كان بَرأَ حتى ما يُرى منه شيء إلا مثل الخرص (١)، ورجع إلى قبّته التي ضرب عليه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -. قالت فحضره رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر وعمر، قالت فوالّذي نفس محمّد بيده إنّي لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حُجرتي، وكانوا كما قال الله {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [سورة الفتح: ٢٩]. قال فقلت: فكيف كان رسول الله يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنّه كان إذا وَجَدَ فإنّما هو آخِذٌ بلحيته (٢).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: فنام رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه ملَك، أو قال جبريل، حين استيقظ فقال: من رجل من أمّتك مات الليلة استبشر بموته أهل السماء؟ قال: لا أعلم إلّا أنّ سعدًا أمسى دَنِفًا، ما فعل سعد؟ قالوا: يا رسول الله قد قُبض، وجاءه قومه فاحتملوه إلى ديارهم، قال فصلّى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، الصبْح ثمّ خرج ومعه الناس فبتّ الناسَ مشيًا حتى إنّ شسوع نعالهم لتنقطع من أرجلهم وإنّ أرديتهم لتقع عن عواتقهم، فقال له رجل: يا رسول الله قد بَتَتّ النّاسَ، قال فقال: إني أخشى أن تسبقنا إليه الملائكة كما سبقتنا إلى حنظلة.

قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زيد عن زيد بن أسلم عن عائشة قالت: رُئي سعد بن معاذ في بعض تلك المواطن وعلى عاتقه الدرع وهو يقول:

لا بأسَ بالموتِ إذا حانَ الأجَلْ قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: رُمي سعد بن معاذ في أكحله فلم يرقإ الدم حتى جاء النبيّ، - عليه السلام -، فأخذ بساعده فارتفع الدم إلى عضده. قال فكان سعد يقول: اللهمّ لا تُمتْني حتى تشفيني من بني قريظة. قال فنزلوا على حكمه فقال النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -: احكم فيهم، فقال: إني أخشى يا رسول الله أن لا أصيب فيهم حكم الله، ثمّ قال: احكم فيهم، قال فحكم أن تُقتل مقاتلتهم وتسبَى ذراريّهم، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: أصبت فيهم حكم الله. ثمّ عاد الدم فلم يرقأ حتى مات، - رضي الله عنه -.

قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: لمّا كان يوم قريظة قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: ادعوا سيّدكم يحكم في عبيده، يعني سعد بن معاذ، فجاء فقال له: احكم، فقال: أخشَى ألا أصيبَ فيهم حكم الله، قال: احكم، فحكم فقال: أصبتَ حكم الله ورسوله.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ويحيَى بن عبّاد وهشام أبو الوليد الطيالسي قالوا: أخبرنا شعبة قال: أنبأني سعد بن إبراهيم قال: سمعتُ أبا أُمامة بن سهل بن حُنيف يحدّث عن أبي سعيد الخدريّ أنّ أهل قريظة لمّا نزلوا على حكم سعد بن معاذ أرسل إليه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فجاء على حمار فلمّا دنا قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: قوموا إلى سيّدكم، أو إلى خيركم، فقال: يا سعد إنّ هؤلاء قد نزلوا على حكمك، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريّهم، فقال: لقد حكمتَ فيهم بحكم الملك، قال عفّان: الملِك، وقال يحيَى وأبو الوليد: الملَك، وقول عفّان أصوب.

قال: حدّثنا يحيَى بن عبّاد وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن محمّد بن زياد عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أنّ بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل رسول الله، - عليه السلام -، إلى سعد بن معاذ فأُتي به محمولًا على حمار وهو مُضْنًى من جرحٍ أصابه في الأكحل من يده يوم الخندق، قال فجاء فجلس إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: أشِرْ عليّ في هؤلاء، قال: إنّي أعلم أنّ الله قد أمرك فيهم بأمرٍ أنت فاعل ما أمرك الله به. قال: أجلْ ولكن أشِرْ عليّ فيهم، فقال: لو وليتُ أمرهم قتلتُ مقاتلتهم وسبيتُ ذراريّهم وقسمتُ أموالهم، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: والّذي نفسي بيده لقد أشرتَ عليّ فيهم الذي أمرني الله به (١).

قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حِبّان بن العَرِقَة، رماه في الأكحل فضرب عليه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، خيمة في المسجد ليعوده من قريب. ولمّا رجع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل - صلى الله عليه وسلم -، وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعتَ السلاح، والله ما وضعناهُ، اخرُجْ إليهم. فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: فأين؟ قال: ها هنا، وأشار إلى بني قُرَيظة. فخرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إليهم (٢).

قال عبد الله بن نمير فأخبرنا هشام بن عروة قال: فأخبرني أبي أنّهم نزلوا على حكم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فرَدّ الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة وتسبَى الذّرّيّة والنّساء وتُقسم أموالهم.

قال عبد الله بن نُمير فأخبرنا هشام بن عروة قال: قال أبي فأُخبِرْتُ أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قال: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله.

قال: أخبرنا خالد بن مَخْلد البَجَلي قال: حدّثني محمّد بن صالح التمّار عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عامر بن سعد يحدّث عن أبيه سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا حكم سعد بن معاذ في بني قريظة أن تُقتل من جرت عليه المواسى وأن تُقسم أموالهم وذراريّهم قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات.

قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ سعدًا كان قد تحجّر كَلْمُهُ للبُرء، قالت فدعا سعد فقال: اللّهمّ إنّك تعلم أنّه ليس أحد أحبّ إليّ أن أجاهد فيك من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه، اللّهمّ فإنّي أظنّ أنّك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنتَ قد وضعت الحرب فيما بيننا وبينهم فافجرْها واجعلْ موتتي فيها. قال ففُجر من ليلته، قال فلم يَرُعْهُمْ، ومعهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار، إلا الدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الدم الذي يأتينا من قِبَلكم؟ فإذا سعد جرحه يَغْذُو (١) دمًا فمات منها (٢).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرني معاذ بن محمّد عن عطاء بن أبي مسلم عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا انفجرت يد سعد بالدم قام إليه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فاعتنقه والدم ينفح في وجه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ولحيته لا يريد أحد أن يقي رسولَ الله، - صلى الله عليه وسلم -، الدمَ إلا ازداد منه رسول الله قربًا حتى قضى (٣).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن رجل من الأنصار قال: لمّا قضى سعد في بني قريظة ثمّ رجع انفجر جرحه، فبلغ ذلك النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه فأخذ رأسه فوضعه في حِجْرِه وسُجّى بثوبٍ أبيض إذا مُدّ على وجهه خرجت رجلاه، وكان رجلًا أبيض جسيمًا، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: اللهمّ إنّ سعدًا قد جاهد في سبيلك وصدّق رسولك وقضى الذي عليه فتَقَبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحًا. فلمّا سمع سعد كلام رسول الله فتح عينيه ثمّ قال: السلام عليك يا رسول الله، أما إني أشهد أنّك رسول الله. فلمّا رأى أهل سعد أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قد وضع رأسه في حجره ذعروا من ذلك فذُكر ذلك لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: إنّ أهل سعد لمّا رأوك وضعت رأسه في حجرك ذعروا من ذلك، فقال: أستأذِنُ الله من ملائكته عَدَدَكم في البيت ليشهدوا وفاة سعد. قال وأمّه تبكي وهي تقول:

وَيْل أمِّكَ سعدَا … حَزامَةً وَجِدّا فقيل لها: أتقولين الشعر على سعد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دَعُوها فغيرها من الشعراء أكذبُ (١).

أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حَوّلوه عند امرأة يقال لها رُفيدة، وكانت تُداوي الجرحى، فكان النبيّ، - عليه السلام -، إذا مرّ به يقول: كيف أمسيتَ؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحتَ؟ فيخبره، حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها فثقل فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، كما كان يسأل عنه، وقالوا قد انطلقوا به، فخرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وخرجنا معه فأسرعَ المشيَ حتى تقطّعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه: يا رسول الله أتعبتنا في المشي، فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى البيت وهو يُغسل وأمّه تبكيه وهي تقول:

وَيْل أمّ سعدٍ سعدا … حَزَامَةً وَجِدّا فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: كلّ نائحة تكذب إلا أمّ سعد. ثمّ خرج به، قال يقول له القوم أو من شاء الله منهم: يا رسول الله ما حملنا ميّتًا أخفّ علينا من سعد. فقال: وما يمنعه (١) من أن يَخِفّ عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، قد سمّى عدّة كثيرة لم أحفظها، لم يهبطوا قطّ قبل يومهم قد حملوه معكم (٢).

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن أبي سفيان عن سلمة بن أسلم بن حَرِيش قال: رأيتُ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ونحن على الباب نريد أن ندخل على أثره فدخل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وما في البيت أحد إلّا سعد مسجّى. قال فرأيتُه يتخطّى فلمّا رأيتُه وقفتُ، وأومأ إليّ: قف، فوقفتُ ورددتُ مَن ورائي، وجلس ساعةً ثمّ خرج فقلتُ: يا رسول الله ما رأيتُ أحدًا وقد رأيتك تتخطّى، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: ما قدرتُ على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحدَ جناحَيْه فجلستُ، ورسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يقول: هنيئًا لك أبا عمرو، هنيئًا لك أبا عمرو، هنيئًا لك أبا عمرو.

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: فانتهى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وأمّ سعد تبكي وهي تقول:

وَيْل أمّ سعدٍ سعدَا … جَلادَةً وَجِدّا فقال عمر بن الخطّاب: مهلًا يا أمّ سعد لا تذكري سعدًا، فقال النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -: مهلًا يا عمر فكلّ باكية مُكَذَّبَة إلّا أمّ سعد ما قالت من خير فلم تكذب.

أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا ليث بن سعد قال: أخبرنا أبو الزبير عن جابر قال: رُمي سعد بن مُعاذ يوم الأحزاب فقطعوا أكحله فحسمه رسول الله بالنّار فانتفخت يده فنزفه، فحسمه أخرى.

أخبرنا عفّان بن مسلم وكثير بن هشام قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، كوى سعدَ بن معاذ من رميته.

أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي قال: أخبرنا شُعبة قال: حدّثني سماك قال: سمعتُ عبد الله بن شدّاد يقول: دخل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، على سعد بن معاذ وهو يكيد (١) بنفسه فقال: جزاك الله خيرًا من سيّد قوم فقد أنجزتَ الله ما وعدته وَلَيُنْجِزَنَّكَ الله ما وعدك (٢).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن سعد بن إبراهيم قال: لما أُخْرِجَ سرير سعد قال ناس من المنافقين: ما أخفّ جنازةَ سعد، أو سرير سعد، فقال رسول الله: لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا جنازة سعد، أو سرير سعد، ما وطئوا الأرض قبل اليوم.

قال: وحضره رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وهو يُغسل فقبض ركبته فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: دخل ملك فلم يكن له مكان فأوسعتُ له، قال وأمّه تبكي وهي تقول:

ويل أم سعد سعدا … براعة ونجدَا [وسوددا وَمجدا … وفارسا مُعَدَّا سُدّ به مَسَدَّا … يقُدُّ هامًا قَدّا] (٣)

فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: كلّ البواكي يكذبن إلّا أمّ سعد.

قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا أبي قال: سمعتُ الحسن قال: لما مات سعد بن معاذ، وكان رجلًا جسيمًا جَزْلًا، جعل المنافقون وهم يمشون خلف سريره يقولون: لم نَرَ كاليوم رجلًا أخفّ، وقالوا: أتدرون لمَ ذاك؟ ذاك لحكمه في بني قريظة. فذكر ذلك للنبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: والذي نفسي بيده لقد كانت الملائكة تحمل سريره.

قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر عن نافع قال: بلغني أنّه شهدَ سعدَ بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض. وقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لقد ضُمّ صاحبكم ضمّة ثمّ فُرج عنه.

أخبرنا إسماعيل بن أبي مسعود قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لهذا العبد الصالح الذي تحرّك له العرش وفُتحت له أبواب السماوات وشهده سبعون ألفًا من الملائكة لم ينزلوا الأرض قبل ذلك ولقد ضُمّ ضمّة ثمّ أُفرج عنه، يعني سعد بن معاذ.

أخبرنا شَبابة بن سَوّار قال: أخبرني أبو معشر عن سعيد المَقْبُري قال: لمّا دفن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، سَعْدًا قال: لو نجا أحدٌ من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُمّ ضَمَّةً اختلفت منها أضلاعه من أثر البول (١).

قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: بلغني أنّ النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، قال وهو قائم عند قبر سعد: لقد ضُغط ضغطة أو هُمز همزة لو كان أحد ناجيًا منها بعمل لنجا منها سعد.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا ميمون أبو حمزة عن إبراهيم النّخَعي أنّ النبيّ، - عليه السلام -، مدّ على قبر سعد ثوبًا أو مُدّ وهو شاهد.

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن يحيَى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن عَمْرة عن عائشة قالت: رأيتُ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يمشي أمام جنازة سعد بن معاذ.

أخبرنا محمّد بن عمر عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حمل جنازة سعد بن معاذ من بيته بين العمودين حتى خرج به من الدار. قال محمّد بن عمر: والدّار تكون ثلاثين ذراعًا.

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني سعيد بن محمّد بن أبي زيد عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدري عن أبيه عن جدّه قال: كنتُ أنا ممّن حفر لسعد قبره بالبقيع وكان يفوح علينا المسك كلّما حفرنا قَترةً من تراب حتى انتهينا إلى اللّحد.

قال رُبيح: ولقد أخبرني محمّد بن المنكدر عن محمّد بن شرحبيل بن حَسَنة قال: أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد فذهب بها ثمّ نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن محمّد بن المنكدر عن محمّد بن شرحبيل بن حَسَنة أنّ رجلًا أخذ قبضةً من تراب قبر سعد يوم دفن ففتحها بعدُ فإذا هي مسك.

رجع الحديث إلى حديث أبي سعيد الخدريّ قال: فطلع علينا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وقد فرغنا من حُفْرته ووضعنا اللِّبَن والماء عند القبر وحفرنا له عند دار عَقيل اليوم، وطلع رسول الله علينا فوضعه عند قبره ثمّ صلى عليه، فلقد رأيتُ من الناس ما ملأ البقيع.

أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن الحصين بن عبد الرحمن عن داود بن الحصين عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: لمّا انتهوا إلى قبر سعد نزل فيه أربعة نفر: الحارث بن أوس بن معاذ وأسيد بن الحُضير وأبو نائلة سِلْكان بن سلامة وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، واقف على قدميه، فلمّا وُضع في قبره تغيّر وجه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وسبّح ثلاثًا فسبّح المسلمون ثلاثًا حتى ارتجّ البقيع، ثمّ كبّر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ثلاثًا وكبّر أصحابه ثلاثًا حتى ارتجّ البقيع بتكبيره، فسُئل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، عن ذلك فقيل: يا رسول الله رأينا بوجهك تغيّرًا وسبّحت ثلاثًا، قال: تضايق على صاحبكم قبره وضُمّ ضَمَّةً لو نَجَا منها أحدٌ لنجا سعد منها ثمّ فرج الله عنه. قال محمّد بن عمر: فحدّثني غير إبراهيم بن الحصين أنّ سعدًا غسله الحارث بن أوس بن معاذ وأسيد بن حُضير، وسلمة بن سلامة بن وقش يصُبّ الماء، ورسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حاضر، فغسل بالماء الغسلة الأولى، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، ثمّ كفّن في ثلاثة أثواب صُحاريّة أُدرج فيها إدراجًا وأتى بسرير كان عند النُّبَيْط يُحمَل عليه الموتَى فوُضع على السرير فرُئي رسول الله يحمله بين عمودَيْ سريره حين رفع من داره إلى أن خرج.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إبراهيم بن الحصين وأبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن المِسور بن رفاعة القُرَظي قال: جاءت أمّ سعد بن معاذ إلى سعد في اللحد فردّها الناس، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: دعوها، فأقبلت حتى نظرت إليه وهو في اللحد قبل أن يبني عليه اللبن والتراب فقالت: احتسبتك عند الله. وعزّاها رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، على قبره وجلس ناحية، وجعل المسلمون يردّون تراب القبر ويُسَوّونَه، وتَنَحّى رسول الله فجلس حتى سُوّى على قبره ورشّ عليه الماء، ثمّ أقبل فوقف عليه فدعا له ثمّ انصرف.

أخبرنا خالد بن مَخْلد البَجَلي وأبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قالا: أخبرنا محمد بن موسى بن أبي عبيد الله مولى الفِطْرِيِّينَ قال: أخبرنا معاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرَقيّ قال: دُفن سعد بن معاذ إلى رأس دار عَقيل بن أبي طالب (١).

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جدّه عن عائشة قالت: ما كان أحد أشدّ فقدًا على المسلمين بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وصاحبيه، أو أحدهما، من سعد بن معاذ (٢).

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عتبة بن جَبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: كان سعد بن معاذ رجلًا أبيض، طوالًا، جميلًا، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية، فرُمي يوم الخندق سنة خمسٍ من الهجرة فمات من رميته تلك وهو يومئذٍ ابن سبعٍ وثلاثين سنة، فصلّى عليه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ودُفن بالبقيع.

أخبرنا محمد بن الفُضيل بن غزوان عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر قال: اهتزّ العرش لحبّ لقاء الله سعدًا. قال أنّما يعني السرير، قال إنّما تفسّخت أعواده. قال ودخل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قبره فاحتبس فلمّا خرج قيل له: يا رسول الله ما حبسك؟ قال: ضُمّ سعد في القبر ضمّةً فدعوتُ الله أن يكشف عنه.

أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لقد اهتزّ عرش الله لموت سعد بن معاذ (٣).

أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة ومحمد بن عبد الله الأنصاري وروح بن عبادة وهوذة بن خليفة قالوا: أخبرنا عوْف عن أبي نضْرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لقد اهتزّ العرش لموت سعد.

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جدّه عن عائشة قالت: قدمنا من حجّ أو عُمرة فتلقّينا بذي الحُليفة، وكان غلمان الأنصار يتلقّون أهليهم، فلقوا أسيد بن الحضير فنعوا له امرأته فتقنّع وجعل يبكي، فقلت: غفر الله لك أنت صاحب رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ولك من السابقة والقِدَم ما لك وأنت تبكي على امرأة؟ قالت فكشف رأسه وقال: صدقت، لعمري ليَحِقّنّ أن لا أبكي على أحدٍ بعد سعد بن معاذ وقد قال له رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ما قال، قالت: قلتُ وما قال له رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لقد اهتزّ العرش لوفاة سعد بن معاذ، قالت: وهو يسير بيني وبين رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -.

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن إسحاق بن راشد عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء بنت يزيد بن السّكَن أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قال لأمّ سعد بن معاذ: ألا يرقأ دمعُك ويذهب حزنُك بأنّ ابنك أوّل من ضحك الله له واهتزّ له العرش (١)؟

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سليمان التيمي عن الحسن قال: قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لقد اهتزّ عرش الرحمن لوفاة سعد بن معاذ فرحًا به قال: قوله فرحًا به تفسير من الحسن.

أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن رجل حَدَّثه عن حذيفة قال: لمّا مات سعد بن معاذ قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: اهتزّ العرش لروح سعد بن معاذ.

أخبرنا حفص بن عمر الحَوْضيّ وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي من بني عامر بن لُؤيّ قالا: أخبرنا يوسف بن الماجِشون عن أبيه عن عاصم بن عمر بن قتادة عن جَدَّته رُمَيْثَة أنّها قالت: سمعتُ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ولو أشاءُ أن أقبّل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي منه لَفَعَلتُ وهو يقول لسعد بن معاذ يوم مات: اهتزّ له عرش الرحمن (٢).

أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرقان قال: أخبرنا يزيد بن الأصمّ قال: لمّا توفّي سعد بن معاذ وحُملت جنازته قال النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -: لقد اهتزّ العرش لجنازة سعد بن معاذ.

أخبرنا وكيع بن الجراح قال: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء أنّ النبيّ، - عليه السلام -، أُتي بثوب حريرٍ فجعل أصحابه يتعجّبون من لينه فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة ألين من هذا (١).

أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: أهدى لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ثوب حرير فجعلنا نلمسه ونتعجّب منه، فقال رسول الله: أيُعجبكم هذا؟ قلنا: نعم، قال: فمناديل سعد في الجنّة أحسن من هذا. قال عبيد الله: وألين، وقال الفضل: أو ألين.

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: دخلت على أنس بن مالك، وكان واقد من أعظم الناس وأطولهم، فقال لي: من أنت؟ قال قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال فقال: إنّك بسعد لشبيه. ثمّ بكى وأكثر البكاء، ثمّ قال: يرحم الله سعدًا، كان سعد من أعظم الناس وأطولهم، ثمّ قال: بعث رسول الله جيشًا إلى أُكيدر دُومة فبعث إلى رسول الله بجُبّة من ديباج منسوجًا بالذهب فلبسها رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فجعل الناس يمسحونها وينظرون إليها فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: أتعجبون من هذه الجبّة؟ فقالوا: يا رسول الله ما رأينا قطّ أحسن منها، قال: فوالله لمناديل سعد بن مُعاذ في الجنّة أحسن ممّا ترون (٢).

سعد حسب الإصابة في تمييز الصحابة

٣١٦٩- سعد بن أبي سعد «١» :

بن سعد الأنصاري، حليف بني نوفل. قال الطّبري وغيره: شهد أحدا، واستدركه أبو موسى.

سعد حسب الاستيعاب في معرفة الأصحاب

فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، وفي ذلك نَزَلَتِ الآيةُ، وبذلك عُلِم مُرَادُ اللَّهِ منها، وعُلِمَ أنَّه أراد بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، أي: اثنتين (١) فما فوقَهما، وذلك أيضًا عندَ العلماءِ قياسٌ على الأختَيْنِ؛ إذْ لإحداهُما (٢) النِّصْفُ ولِلاثنتَيْنِ الثُّلُثَانِ، فكذلك الابْنَتَانِ.

[٢٣١٤] سعدُ بنُ مالكِ بن خالدِ بن ثعلبةَ [بن حارثةَ] (٣) بن عمرِو بن الخزرجِ بن ساعِدةَ الأنصاريُّ الساعِديُّ (٤)، هو والدُ سهلِ بن سعدٍ، ذكَر الواقديُّ (٥) أُبيِّ بن عباسِ بن سهلِ بن سعدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: تَجَهَّزَ سعدُ بنُ مالكٍ ليَخرُجَ إلى بدرٍ فماتَ، فمَوضعُ قبرِه عندَ دارِ بني قارِظٍ (٦)، فضرَب له رسولُ اللَّهِ بسهمِه وأجرِه.

[٢٣١٥] سعدُ بنُ عُبادةَ بن دُلَيم بن حارثةَ بن أبي حَلِيمةَ - ويُقالُ: ابن أبي حَزِيمةَ (٧) - بن ثعلبةَ بن طَرِيفِ بن الخزرجِ بن ساعِدةَ بن كعبِ ابن الخزرجِ الأنصاريُّ الساعِديُّ (١)، يُكنَى أبا ثابتٍ، وقد قيل: أبو قيسٍ، والأَوَّلُ أَصَحُّ، كان نقيبًا، شهِد العقبةَ، وشهِدَ (٢) بدرًا في قولِ بعضِهم، ولم يَذكُره ابن عقبةَ ولا ابن إسحاقَ في البدربِّين، وذكَره فيهم جماعةٌ غيرُهما؛ منهم الواقِديُّ، والمدائنيُّ، وابنُ الكلبيِّ (٣).

وذكَره أبو أحمدَ الحافظُ في كتابِه في الكُنَى بعدَ أن نسَب أباه وأمَّه، فقال (٤): شهِد بدرًا مع النبيِّ ، قال: ويُقالُ: لم يَشْهَدْ بدرًا، وكان عقبيًّا نقيبًا سَيّدًا جَوَادًا.

قال أبو عمرَ: كان سَيِّدًا في الأنصارِ مُقَدَّمًا وجيهًا، له رياسةٌ وسيادةٌ، يَعترِفُ قومُه له بها، يُقال: إنَّه لم يكنْ في الأوسِ والخزرجِ أربعةٌ مُطْعِمون يتوالَون (٥) في بيتٍ واحدٍ إلا قيسَ بنَ سعدِ بن عبادةَ بن دُليمٍ، ولا كان مثلُ ذلك في سائرِ العربِ أيضًا إلا ما ذكَرْنا عن صفوانَ بن أُمَيَّةَ في بابِه مِن كتابِنا هذا (١).

أخبَرنا عبدُ الرحمن إجازةً، [حدَّثنا ابن] (٢) الأعرابيِّ، حدَّثنا ابن أبي الدنيا، حدَّثني محمدُ بنُ صالحٍ القُرَشِيُّ، أخبَرنا محمدُ بنُ عمرَ، حدَّثني عبدُ اللهِ بن نافعٍ، عن أبيه (٣)، قال: مَرَّ ابن عمرَ على أُطْمِ سعدٍ، فقال لي: يا نافعُ هذه (٤) أَطْمُ جَدِّه، لقد كان مُنادِيه يُنادِي يومًا (٥) في كلِّ حولٍ: مَن أراد الشَّحْمَ واللَّحْمَ فليَأْتِ دارَ دُلَيمٍ، فماتَ دُلَيمٌ، فنادَى مُنادِي عُبادةَ بمثلِ ذلك، ثم مات عُبادةُ، فنادَى مُنادِي (٦) سعدٍ بمثلِ ذلك، ثم قد رأيتُ قيس بن سعدٍ يفعلُ ذلك، وكان قيسٌ جَوَادًا مِن أجوادِ (٧) الناسِ (٨).

وبه، عن محمدِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الظَّفْرِيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بن سعيدِ بن سعدِ بن عبادةَ، أنَّ دُلَيمًا جَدَّهم كان يُهْدِي إِلى مَنَاةَ - صنمٍ - كلَّ عامٍ عشْرَ بَدَنَاتٍ، ثم كان عُبادةُ يُهْدِيها كذلك، ثم كان سعدٌ يُهْدِيها كذلك إلى أنْ أسلَم ثم أهدَاها قيسٌ إلى الكعبةِ (١).

وبه، عن محمدِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ الأسلميُّ، حدَّثني محمدُ بنُ يحيى بن سهلٍ، عن أبيه، عن رافعِ بن خَديجٍ، قال: أقبَل أبو عبيدةَ ومعه عمرُ، فقالا لقيسِ بن سعدٍ: عَزَمْنَا عليك ألَّا تَنْحَرَ، فلم يَلتفِتْ إلى ذلك، ونحَر، فبلَغ النبيَّ ذلك، فقال: "إنَّه مِن بيتِ جُودٍ" (٢).

وفي سعدِ بن عُبادةَ وسعدِ بن معاذٍ جاء الخبرُ المأثورُ: إنَّ قريشًا سمعوا صائِحًا يَصِيحُ ليلًا على أبي قُبَيسٍ:

فإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبحْ مُحَمَّدٌ … بِمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلَافَ المُخَالِفِ (٣)

قال: فَظَنَّتْ (٤) قريشٌ أنَّهما سعدُ بنُ زِيدِ مَناةَ بن تميمٍ وسعدُ (٥) هُذَيمٍ مِن قُضاعةَ، فلمَّا كان الليلةُ الثانيةُ سمِعوا صوتًا (٦) على أبي قُبَيسٍ:

أيا سعدُ سعدَ الأوسِ كُنْ (٧) أنتَ ناصِرًا … ويا سعدُ سعدَ الخَزْرجَيْنِ الغَطارِفِ أَجِيبا إلى داعِي الهُدَي وتَمَنَّيا … على اللهِ في الفردوس مُنْيَةَ عارِفِ فإِنَّ ثوابَ اللهِ للطَّالبِ الهُدَى … جنَانٌ مِن الفردوسِ ذاتُ رَفَارِفِ قال: فقالوا: هذانِ (١) واللهِ سعدُ بنُ معاذٍ وسعدُ بنُ عُبادةَ (٢).

قال أبو عمرَ: وإليهما أرسَل رسولُ اللَّهِ يومَ الخندقِ يُشاوِرُهما فيما أراد أن يُعطِيَه (٣) عُيَيْنَةَ بن حصنٍ مِن ثمرِ (٤) المدينةِ، وذلك أنَّه أرادَ أن يُعطِيَه يومَئِذٍ ثُلُثَ ثمرِ (٥) المدينة ليَنصرِفَ بمَن معه مِن غَطَفان، ويَخذُلَ الأحزابَ، فأبَى عُيَينةُ إلا أن يأخُذَ نصفَ الثمرِ (٦)، فأرسَل رسولُ اللهِ إلى سعدِ بن معاذٍ وسعدِ بن عُبادةَ دونَ سائرِ الأنصارِ؛ لأنَّهما كانا سَيِّدَيْ، قومِهما كان سعدُ بنُ معادٍ سَيِّد الأوسِ، وسعدُ بنُ عُبادةَ سَيِّدَ الخزرجِ، فشاوَرهما في ذلك، فقالا يا رسول اللَّهِ، اللَّهِ، إن كنتَ أُمِرتَ بشيءٍ فافعَلْه وامْضِ له، وإن كان غيرَ ذلك، فواللهِ لا نُعْطِيهم إلَّا السيفَ فقال رسولُ اللَّهِ : "لم أُومَرْ بشيءٍ، ولو أُمِرتُ بشيءٍ ما شاوَرتُكما، وإنَّما هو رأيٌ أَعرِضُه عليكما"، فقالا:

واللهِ يا رسولَ اللَّهِ ما طمِعوا بذلك مِنَّا قَطُّ في الجاهليةِ، فكيفَ اليومَ وقد هَدَانا اللهُ بكَ وأكرَمَنا وأَيَّدَنا (١)؟! واللهِ لا نُعْطِيهم (٢) إلا السَّيْفَ، فَسُرَّ (٣) رسولُ اللَّهِ بقولِهما (٤)، وقال لعُيينةَ ومَن معه: "ارجِعوا، فليس بينَنا وبينَكم إلا السيفُ"، ورفَع بها صوتَه (٥).

وكانَتْ رايةُ رسولِ اللهِ يومَ الفتحِ بيدِ سعدِ بن عُبادةَ، فلمَّا مَرَّ بها على أبي سفيانَ - وكان قد أسلَم أبو سفيانَ - قال سعدٌ إذْ نظَر إليه: اليومَ يومُ الملحمةِ، اليومَ تُستَحَلُّ الحُرْمةُ (٦)، اليومَ أَذَلَّ اللهُ قريشًا، فأقبَل رسولُ اللَّهِ في كتيبةِ الأنصارِ، حتى إذا حاذَى أبا سفيانَ نادَاه: يا رسولَ اللَّهِ، أُمِرتَ بقتلِ قومِك؟ فإنَّه زعَم سعدٌ ومَن معه حينَ مَرَّ بِنا أنَّه قاتِلُنا، وقال: اليومَ يومُ الملحمةِ، اليومَ تُستَحَلُّ الحُرْمةُ (٦)، اليومَ أَذَلَّ اللهُ قريشًا، وإنِّي أَنْشُدُك الله في قومِك، فأنتَ أَبَرُّ الناسِ وأرحَمُهم وأوصَلُهم، وقال عثمانُ وعبدُ الرحمن بنُ عوفٍ: يا رسولَ اللَّهِ، [واللهِ] (٧) ما نأمَنُ سعدًا (٨) أن يكونَ منه في قريشٍ صَوْلةٌ، فقال رسولُ اللهِ : "يا (١) أبا سفيانَ، اليومَ يومُ المَرْحمةِ (٢)، اليومَ أعزَّ اللهُ فيه (٣) قريشًا" (٤).

وقال ضِرَارُ بنُ الخطابِ الفِهْرِيُّ يومَئِذٍ:

يا نَبِيَّ الهُدَى إليك لَجَا … حَيُّ قريشٍ ولاتَ حينَ لَجَاءِ (٥)

حينَ ضاقَتْ عليهم سَعَةُ الأر … ضِ وعادَاهم إلهُ السَّمَاءِ والتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَانِ على القو … مِ ونُودُوا بِالصَّيْلَمِ الصَّلْعاءِ (٦)

إنَّ سعدًا يريدُ قاصِمةَ الظَّهْ … رِ بأهلِ الحَجُونِ والبَطْحاءِ خَزْرَجيٌّ لو يستطيعُ مِن الغي … ظِ رَمَانا بالنَّسْرِ والعَوَّاءِ (٧)

وَغِرُ الصَّدْرِ لا يَهمُّ بشيءٍ … غيرَ سَفْكِ الدِّمَا وَسَبْيِ النِّسَاءِ قد تَلَظَّى على البِطَاحِ وجاءَتْ … عنه هندٌ بالسَّوْءَةِ السَّوَّاءِ إِذْ يُنَادِي بِذُلِّ حَيِّ قُرَيْشٍ … وابنُ حربٍ بِذا مِنَ الشُّهَدَاءِ فَلَئِنْ أَقْحَمَ اللِّوَاءَ ونَادَى … يا حُمَاةَ اللِّوَاءِ أَهْلَ اللِّوَاءِ ثُمَّ ثَابَتْ إِليه مِن بُهْمِ (١) الخز … رجِ والأَوْسِ أَنْجُمُ الهَيْجاءِ لَتَكُونَنَّ بِالْبِطَاحِ قُرَيْشٍ … فِقعَةَ (٢) القَاعِ في أَكُفِّ الإِمَاءِ فانْهَيَنْهُ فَإِنَّه أَسَدُ الأسْ … دِ لَدَى الغَابِ وَالِغٌ في الدِّمَاءِ إنَّه مُطْرِقٌ يُرِيدُ لنا الأم … رَ سُكُوتًا (٣) كالحَيَّةِ الصَّمَّاءِ فأرسَل رسولُ اللَّهِ إلى سعدِ بن عُبادةَ، فنزَع اللِّواءَ مِن يدِه، وجعَله بيدِ قيسٍ ابنِه، ورَأَى رسولُ اللَّهِ أَنَّ اللِّواءَ لم يَخْرُجُ عنه إذْ صار إلى ابنِه (٤)، وأبَى سعدٌ أن يُسَلِّمَ اللِّواءَ (٥) إلا بأمارةٍ مِن رسولِ اللَّهِ ، فأرسَل إليه رسولُ اللَّهِ بعِمامتِه، فعرَفها سعدٌ، فدفَع اللواءَ إلى ابنِه قيسٍ.

هكذا ذكَر يحيى بنُ سعيدٍ الأُمَوِيُّ في السِّيَرِ (٦)، ولم يذكُرِ ابن إسحاقَ هذا الشِّعْرَ، ولا ساقَ هكذا (٧) الخبرَ.

وقد رُوِي أنَّ رسولَ اللهِ [أعطَى الرَّايَةَ الزُّبَيرَ؛ إذْ نزَعها مِن] (٨)

[سعدٍ (١)، وروَي أيضًا أنَّ رسولَ اللَّهِ ] (٢) أمَر عليًّا فأخَذ الرَّايةَ، فذهَب بها حتى دخَل مَكَّةَ، فَغَرَزَها عندَ الرُّكْنِ (٣).

وتَخلَّفَ سعدُ بنُ عُبادةَ عن بيعةِ أبي بكرٍ، وخرَج عن المدينةِ، ولم يَنصرِفْ إليها إلى أن ماتَ بِحُورانَ مِن أرضِ الشامِ لسنتَيْنِ ونصفٍ مَضَتَا مِن خلافةِ عمرَ، وذلك سنةَ خمسَ عَشْرةَ، وقيل: سنةَ أربعَ عَشْرةَ، وقيل: بل ماتَ سعدُ بنُ عُبادةَ في خلافةِ أبي بكرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ، ولم يختَلِفوا أنَّه وُجِد مَيِّتًا في مُغْتسَلِه وقدِ اخضرَّ جسدُه، ولم يَشْعُروا بموتِه حتى سمِعوا قائلًا يقولُ - ولا يَرَوْن أحدًا - (٤):

قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْر … جِ سعدَ بنَ عُبَادَهْ رَمَيْناهُ بِسَهْمَينِ (٥) … فلم نُخْطِئْ فُؤَادَهْ ويُقالُ: إِنَّ الجِنَّ قتَلَتْه.

روَى ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ أَنَّه (٦) قال: سمِعتُ أنَّ الجِنَّ قالت في سعدِ بن عبادةَ، فذكَر البيتَيْنِ (٧).

سعد حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

مَعْرِفَةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَكُنْيَتِهِ وَنِسْبَتِهِ وَصِفَتِهِ وَسِنِّهِ وَوَفَاتِهِ ٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَى أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنَّ سَعْدًا لَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: " أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ "

سعد حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) سَعْد بن مَالِك، وهو سعد بن أبي وقَّاص، واسم أبي وقاص: مالك بن وُهَيب وقيل: أُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لؤي بن غَالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كِنانة القرشي الزهري، يكنى أبا إسحاق، وأُمه حَمْنة بنت سفيان بن أُمية بن عبد شمس (١)، وقيل: حمنة بنت أبي سفيان بن أُمية.

أسلم بعد ستة، وقيل بعد أربعة، وكان عمره لمَّا أسلم سبع عشرة سنة. روى عنه أنه قال:

أسلمت قبل أن تفرض الصلاة، وهو أحد الذين شهد لهم رسول اللَّه بالجنة، وأحد العشرة سادات الصحابة، وأحد الستة أصحاب الشورى، الذين أخبر عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن رسول اللَّه توفي وهو عنهم راض.

شهد بدراً، وأُحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ، وأبلى يوم أُحد بلاء عظيماً، وهو أول من أراق دماً في سبيل اللَّه، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه.

أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء بن سعد، قال: أخبرنا أبو علي قراءَة عليه، وأنا حاضر أسمع، أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبد اللَّه، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن جعفر الجابري، أخبرنا محمد بن أحمد بن المثنى، أخبرنا جعفر بن عوف، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: سمعت سعد يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه، واللَّه إنْ كنا لنغزو مع رسول اللَّه ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السَّمُر (٢)، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تُعَزِّرُنِي (٣) على الدِّين، لقد خِبْتُ إذاً وضَلَّ عملي، وكان ناس من أهل الكوفة شكوه إلى عمر بن الخطاب، فعزله عن الكوفة، وكان أكثرهم شكوى منه رجل من بني أسد.

وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران وغير واحد، بإسنادهم إلى أبي عيسى محمد ابن عيسى قال: حدثنا أبو كريب، وأبو سعيد الأشج قالا: أخبرنا أبو أمامة، عن مجالد،

عن عامر، عن جابر، قال: أقبل سعد، فقال رسول اللَّه : هذا خالي فَلْيُرِني (١) امرؤ خاله، وإنما قال هذا لأن سعداً زهْري، وأُم رسول اللَّه زُهْرية، وهو ابن عمها، فإنها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، يجتمعان في عبد مناف، وأهل الأم أخوال.

وأخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: كان أصحاب رسول اللَّه إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستَخْفَوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نَفَرٍ من أصحاب رسول اللَّه في شِعْب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين، فناكروهم، وعابوا عليهم دينهم حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد رجلاً من المشركين بلَحْيِ (٢) جمل فَشَجَّه فكان أول دم أُهريق في الإسلام (٣).

واستعمل عمر بن الخطاب سَعْداً على الجيوش الذين سَيَّرهم لقتال الفرس، وهو كان أميراً لجيش الذين هزموا الفرس بالقادسية، وبِجَلولاء أرسل بعض الذين عنده فقاتلوا الفرس بجلولاء فهزموهم، وهو الذي فتح المدائن مدائن كسرى بالعراق، وهو الذي بنى الكوفة، وولى العراق، ثم عزله، فلما حضرت عمر الوفاة جعله أحد أصحاب الشورى، وقال: إن ولي سعد الإمارة فذاك، وإلا فأوصي الخليفة بعدي أن يستعمله، فإني لم أعزله من عَجْز ولا خيانة، فولاه عثمان الكوفة ثم عزله، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

أخبرنا إسماعيل بن علي وغير واحد بإسنادهم إلى محمد بن عيسى بن سورة قال: حدثنا رجاء ابن محمد العدوي، أخبرنا جعفر بن عوف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد أَن رسول اللَّه قال: اللَّهمّ استجب لسعد إذا دعاك. وكان لا يدعو إلا استجيب له، وكان الناس يعلمون ذلك منه ويخافون دعاءه.

قال: وأخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا الحسن بن الصبّاح البَزَّار (٤) أخبرنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد ويحيى بن سعيد، سمعا ابن المسيب يقول: قال علي بن أبي طالب: ما جمع رسول اللَّه أباه وأمه لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص، قال له يوم أُحد: ارم فداك أبي وأمي، ارم أيها الغلام الحَزَوَّر (٥).

وقد روى أنه جمعهما للزبير بن العوام أيضاً، قال الزهري: رمى سعد يوم أحد ألف سهم.

ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، ولم يكن مع أحد من الطوائف المتحاربة، بل لزم بيته، وأراده (١) ابنه عمر وابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أن يدعو إلى نفسه، بعد قتل عثمان، فلم يفعل، وطلب السلامة، فلما اعتزل طمع فيه معاوية، وفي عبد اللَّه بن عمر، وفي محمد بن مسلمة، فكتب إليهم يدعوهم إلى أن يعينوه على الطلب بدم عثمان، ويقول: إنكم لا تكفرون ما ما أتيتموه من خِذْلانه إلا بذلك، فأجابه كل واحد منهم يرد عليه ما جاء به، وكتب إليه سعدٌ أبياتَ شعر:

معاويَ داؤُك الداء العَيَاء … وليس لما تجيء به دَواء أيدْعوني أبو حَسنٍ عليُّ … فلم أردُد عليه ما يشاءُ وقلت له:

اعْطِنِي سيفاً بَصيراً (٢) … تَمِيز به العداوةَ والولاءُ أتَطْمَع في الَّذِي أعيا عليّا … على ما قد طمعتَ به العفاءُ لَيَومٌ منه خيرٌ منك حيًّا … وَمَيْتاً أنتَ للمَرْءِ الفِدَاءُ وروت عنه ابنته عائشة أنه قال: رأيت في المنام، قبل أن أُسلم، كأني في ظلمة لا أبصر شيئا إذ أضاء لي قَمَر، فاتَّبعته، فكأني أنظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر، فأنظر إلى زيد بن حارثة، وإلى علي بن أبي طالب، وإلى أبي بكر، وكأني أسألهم: متى انتهيتم إلى ها هنا؟ قالوا:

الساعة، وبلغني أن رسول اللَّه يدعو إلى الإسلام مسْتخفياً، فلقيته في شِعْب أجْيَاد (٣)، وقد صلَّى العصر، فأسلمت، فما تَقَدَّمني أحد إلا هم.

وروى داود ابن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي أن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت هذه الآية فيَّ ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (٤)﴾ قال: كنت رجلاً بَرًّا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي. فقال: لا تفعلي يا أُمَّه، فإني لا أدع ديني، قال: فمكَثْت يوماً وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد جَهِدت، فقلت: واللَّه لو كانت لك ألف نفس، فخَرَجَت نَفْساً نَفْساً، ما تركت ديني هذا لشَيْءٍ. فلما رأت ذلك أكلت وشربت، فأنزل اللَّه هذه الآية.

قال أبو المِنْهال: سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معديكرب عن خبر سعد بن أبي وقاص فقال: متواضع في خِبائه، عَرَبِي في نَمِرته (١)، أسد في تاموره، يعدل في القضية، ويَقْسِم بالسَّويَّة، ويُبْعِد في السرية، ويعطف علينا عطف الأُم البرَّة، وينقل إلينا حقنا نقل الذَّرَّة (٢).

وروى سعد عن النبي أحاديث كثيرة، روى عنه بن عُمَر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والسائب بن يزيد، وعائشة، وبنوه عامر، ومصعب، ومحمد، وإبراهيم، وعائشة أولاد سعد، وابن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقيس ابن أبي حازم، وغيرهم.

أخبرنا أبو البركات الحَسَنْ بن محمد بن هبة اللَّه الشافعي الدمشقي، أخبرنا أبو العشائر محمد بن الخليل بن فارس القيسي، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن أبي العلاء المصِّيصي.

أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر (٣) بن أبي نصر، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن أحمد بن أبي ثابت، حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، أخبرنا عبد اللَّه بن يزيد، أخبرنا صدقة، عن عياض بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة عن عامر بن سعد بن أَبي وقاص، قال: قلت لأبى: يا أبه، إني أراك تصنع بهذا الحيّ من الأنصار شيئاً ما تصنعه بغيرهم، فقال:

أي بني، هل تجد في نفسك من ذلك شيئاً؟ قال: لا، ولكن أعجب من صنيعك! قال إني سَمِعتُ رسول اللَّه يقول: لا يُحِبّهم إلا مؤمن ولا يُبْغِضُهم إلا منافق.

وتوفي سعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين، قاله الواقدي، وقال أبو نُعَيم الفضل بن دُكين: مات سنة ثمان وخمسين، وقال الزبير، وعمرو بن علي، والحسن بن عثمان: توفي سعد سنة أربع وخمسين وقال إسماعيل بن محمد بن سعد: كان سعد آدم طويلاً، أفطس، وقيل: كان قصيراً دَحْداحاً غليظاً، ذا هامة، شثن الأصابع، قالته ابنته عائشة.

وتوفي بالعقيق على سبعة أميال من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إلى المدينة فأُدخل المسجد فصلى عليه مروان، وأزواج النبي .

قال ابنه عامر: كان سعد آخر المهاجرين موتاً، ولما حضرته الوفاة دعا بخَلَق جُبَّة له من صوف، فقال: كَفِّنوني فيها، فإنّي كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر، وهي علي، وإنما كنت أخبؤها لهذا.

أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).

حازم: بالحاء المهملة، والزاي.

الحُبْلَة: ثمر السَّمُر، وقيل: ثمر العضاه، يشبه اللوبياء.

التامور: عرين الأسد، وهو بيته الذي يأوي إليه.

أسئلة شائعة - سعد

بمن يكنى سعد بن معاذ ومن أمه؟

يكنى رضي الله عنه أبا عمرو، وأمه كبشة بنت رافع بن معاوية من الخزرج، وهي من المبايعات، وكان أخوه أوس بن معاذ قد تزوج هند بنت سماك ثم خلف عليها سعد بعده.

من بشّر بني عبد الأشهل بالإسلام؟

بشّرهم بالإسلام مصعب بن عمير العبدري الذي بعثه النبي ﷺ قبل بيعة العقبة الآخرة، وكان ينزل في دار سعد بن معاذ مع أسعد بن زرارة يدعوان الناس إلى الإسلام ويقرئانهم القرآن.

هل لسعد بن معاذ عقب؟

كان له ابنان عمرو وعبد الله من هند بنت سماك، وكان لعمرو بن سعد تسعة من الذكور وثلاث نسوة، منهم عبد الله بن عمرو الذي قُتل يوم الحرة، ولسعد بن معاذ اليوم عقب باقٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 24 محرّم
هلال متناقص اليوم 25.2 / 29.5
الإضاءة 19%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
لا إله إلا الله