سيرة سهيل بن عامر
[٢٤٩٧] سهيل بن عامرِ بنِ سعدٍ الأنصاريُّ (١)، استشهد يومَ بئرِ معونة.
[٢٤٩٨] سهيل بن عمرو بنِ عبدِ شمس بنِ عبدِ وُدِّ بن نصرِ بنِ مالك بنِ حِسْلِ بنِ عامرِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالب القُرَشِيُّ العَامِرِيُّ (٢)، يُكنَى أبا يزيد، كان أحد الأشراف من قريش وسادتهم (٣) في الجاهلية، أُسر يوم بدر كافرًا، وكان خطيب قريش، فقال عمر: يا رسولَ اللهِ، انزع ثَنتيه (٤)، فلا يقومُ عليك خطيبًا أبدًا، فقال (٥): "دَعُه؛ فعسى أن يقوم مَقَامًا تَحمَدُه".
وكان الذي أسره مالك بن الدُّخْشم، فقال في ذلك:
أَسرتُ سُهَيلا [فما أبتغي] (٦) … أسيرًا به مِن جميع الأُمم [وخِنْدِفُ تعلمُ] (٧) أنَّ الفتى … سُهَيلًا فَنَاها إذا تُصْطَلَمْ (٨)
ضَرَبتُ بذِي الشَّفْرِ (١) حتى انثى … وأكرَهتُ سيفي (٢) على ذِي العَلَمُ فقدم (٣) مِكْرَرُ بنُ حفص (٤) بنِ الأَخْيف (٥) العامري فقاطعهم في فدائه، وقال (٦): ضعوا رِجْلي في القِد (٧) حتى يأتيكم الفداء، ففعلوا (٨).
وكان سهيلٌ أَعْلَمَ مشقوق الشَّفة، وهو الذي جاء [في الصلح] (٩) يومَ الحديبية، فقال رسولُ اللهِ ﷺ حين رآه: "قد سَهُلَ (١٠) أمرُكم"، وعقد مع رسولِ اللهِ ﷺ الصلح يومئذ، وهو كان مُتَوَلّي ذلك دون سائر قريش (١١)، وهو الذي مدحه أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ، فقال (١):
أبا يزيد رأيتُ سَيْبَك (٢) واسعًا … وسِجَالَ كَفِّك [تَستَهِلُّ وتَمْطُرُ] (٣)
وقال فيه ابنُ قيس الرُّقَيَّاتِ حينَ منع خُزاعةَ مِن بني بكرٍ بعد الحديبية، وكانوا أخواله، فقال (٤):
منهم ذو النَّدَى سُهَيل (٥) بن عمرو … عِصْمةُ الناس حين جُبَّ (٦) الوفاء حاط أخواله خُزاعةَ لمَّا … كَثُرتهم بمكة الأحياءُ وكان المقام الذي قامه في الإسلام الذي قاله (٧) رسول الله ﷺ لعمرَ: "دَعْه، فعسى أن يقومَ مَقامًا تَحمَدُه"، فكان مقامه في ذلك أنَّه لمَّا ماج أهل مكة عند وفاة النبي ﷺ وارْتدِادِ (٨) مَنِ ارتَدَّ مِن العرب قام (٩) سهيل بن عمرو خطيبًا، فقال: واللهِ إِنِّي لأعلمُ أنَّ هذا الدِّينَ سَيَمتَدُّ امتداد الشمس في طُلُوعِها إلى غُرُوبِها، فلا يَغُرَّنَّكُم هذا مِن أنفسكم - يعني أبا سفيان - فإنَّه ليَعْلَمُ مِن هذا الأمر ما أعلم، ولكنَّه قد جَثَمَ (١) على صدرِه حسدُ بني هاشم، وأتى في خطبته بمثل ما جاء به (٢) أبو بكر الصِّدِّيقُ بالمدينة، فكان ذلك معنى قول رسولِ اللهِ ﷺ فيه لعمر (٣)، والله أعلم.
روى ابن المبارك، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعتُ الحسن، يقولُ: [حضر الناسُ] (٤) باب عمر بن الخطاب وفيهم سهيل ابن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذِنُه، فجعل يأذَنُ (٥) لأهل بدرٍ؛ لصهيب، وبلال، وأهل بدر، وكان يُحِبُّهم، وكان قد أوصى بهم، فقال أبو سفيان: ما رأيتُ (٦) كاليوم قَطُّ، إنَّه ليُؤذَنُ لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يُلْتَفتُ إلينا، فقال سهيل ابن عمرو قال الحسن -: ويا له من رجل ما كان أعقله -: أيُّها القومُ، إنِّي والله قد أرَى الذي في وُجُوهِكم؛ فإن كنتُم غِضَابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِي القومُ ودُعِيتُم، فأسرعوا وأبطَأْتُم، أما واللهِ لَمَا سبقوكم به مِن الفضل أشدُّ عليكم فوتًا مِن بابكم هذا الذي تتنافسون عليه (٧)، ثم قال: أيُّها القومُ، إِنَّ هؤلاء القوم (٢) قد سبقوكم بما تَرَوْن، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبَقوكم إليه، فانظُروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله أن يرزقكم شهادةً، ثم نفَضَ ثوبه (١)، فقام ولحق بالشام، قال (٢) الحسنُ: فصدق، والله لا يجعل الله عبدا له (٣) أسرع إليه كعبدٍ أبطأ عنه (٤).
وذكر الزُّبَيرُ، عن عمه مصعب، عن نوفل بن عُمارة، قال: جاء الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب، فجَلَسا وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأوَّلون يأتون عمر، فيقولُ: هلهنا ياسهيل، هلهنا [يا حارثُ] (٥)، فَيُنَجِّيهما عنه (٦)، فجعل الأنصارُ يَأْتون فَيُنَجِّيهما عنه كذلك، حتى صارا (٧) في آخرِ الناسِ، فلما خرجا مِن عند عمر، قال الحارثُ بنُ هشام لسهيل بن عمرو: ألم (٨) تَرَ ما صُنع بنا؟ فقال له (٩) سهيل: إِنَّه (١٠) الرجل لا لوم عليه؛ ينبغي أن نرجع باللَّوم على أنفسنا، دُعِيَ القومُ فأسرعوا، ودعينا فأَبْطَأنا، فلما قام (١) من عند عمر أتياه، فقالا له (٢): يا أمير المؤمنين، قد رَأَيْنا ما فعلت بنا اليوم، وعلمنا أنَّا (٣) أُتِينَا مِن قِبل أنفسنا، فهل من شيء نستدرك به ما فاتنا من الفضل؟ فقال: لا أعلَمُه (٤) إِلَّا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر الروم، فخرجا إلى الشام (٥) فماتا بها (٦).
قالوا: وكان سهيل بن عمرو بعد أن أسلم كثير الصلاة والصوم والصدقة، وخرج بجماعة أهلِه إلَّا بنتَه (٧) هندًا إلى الشامِ مجاهدًا حتى ماتوا كلُّهم هناك (٨)، فلم يبق من ولده أحدٌ إِلَّا [ابنته هندا] (٩)، وفاختة بنت عتبة بن سهيل، فقدم بها على عمر، فزَوَّجَها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان الحارثُ قد خرج مع سهيل، فلم يرجع ممن خرج معهما إلا عبد الرحمن (١٠)، وفاخته، فقال: زَوجوا الشريد
(١) كان ذلك في تمام السنة الثالثة من الهجرة بعد أربعة أشهر من أحد وبئر معونة ماء من مياه بنى سليم. ينظر: «جوامع السيرة» لابن حزم: ١٧٨.