عمر بن الخطاب

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 115 دقيقة قراءة

سيرة عمر بن الخطاب

ب د ع: عُمَر بْن الخطاب بْن نفيل بْن عَبْد العزي بْن رياح بْن عَبْد اللَّه بْن قرط بْنُ رزاح بْن عدي بْن كعب بْن لؤي الْقُرَشِيّ العدوي أَبُو حَفْص وأمه حنتمة بِنْت هاشم بْن المغيرة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مخزوم، وقيل: حنتمة بِنْت هشام بْن المغيرة، فعلى هَذَا تكون أخت أَبِي جهل، وعلى الأول تكون ابْنَة عمه، قَالَ أَبُو عُمَر: ومن قَالَ ذَلِكَ، يعني: بِنْت هشام فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أَبِي جهل، والحارث ابني هشام، وليس كذلك وَإِنما هِيَ ابْنَة عمهما، لأن هشامًا وهاشما ابني المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة، وهشام والد الحارث، وأبي جهل، وكان يُقال لهاشم جد عُمَر: ذو الرمحين.

وقَالَ ابْنُ منده: أم عُمَر أخت أَبِي جهل، وقَالَ أَبُو نعيم: هِيَ بِنْت هشام أخت أَبِي جهل، وَأَبُو جهل خاله، ورواه عَنِ ابْنِ إِسْحَاق.

وقَالَ الزُّبَيْر: حنتمة بِنْت هاشم فهي ابْنَة عم أَبِي جهل، كما قَالَ أَبُو عُمَر، وكان لهاشم أولاد فلم يعقبوا.

يجتمع عُمَر، وسعيد بْن زَيْد، رضي الله عنهما، فِي نفيل.

ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، رُوِيَ عَنْ عُمَر، أَنَّهُ قَالَ: ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين.

وكان من أشرف قريش، وَإِليه كانت السفارة فِي الجاهلية، وذلك أن قريشًا كانوا إِذَا وقع بينهم حرب، أَوْ بينهم وبين غيرهم، بعثوه سفيرا، وَإِن نافرهم منافر أَوْ فاخرهم مفاخر، رضوا بِهِ، بعثوه منافرًا ومفاخرًا.

إسلام عمر بن الخطاب

لما بعث اللَّه محمدًا كَانَ عُمَر شديدًا عَلَيْهِ، وعلى المسلمين، ثُمَّ أسلم بعد رجال سبقوه، قَالَ هلال بْن يساف: أسلم عُمَر بعد أربعين رجلًا وَإِحدى عشرة امْرَأَة، وقيل: أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلًا وعشرين امْرَأَة، فكمل الرجل بِهِ أربعين رجلًا.

أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدَةَ التِّكْرِيتِيُّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَتُّوَيْهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْفَهَانِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ رَجُلا وَامْرَأَةً، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ فَصَارُوا أَرْبَعِينَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾».

وقَالَ عَبْد اللَّه بْن ثعلبة بْن صعير: أسلم عُمَر بعد خمسة وأربعين رجلًا، وَإِحدى عشرة امْرَأَة.

وقَالَ سَعِيد بْن المسيب: أسلم عُمَر بعد أربعين رجلًا وعشر نسوة، فما هُوَ إلا أن أسلم عُمَر، فظهر الْإِسْلَام بمكة.

وقَالَ الزُّبَيْر: أسلم عُمَر بعد أن دخل رَسُول اللَّهِ دار الأرقم، وبعد أربعين أَوْ نيف وأربعين بين رجال ونساء.

وكان النَّبِيّ قَدْ قَالَ: «اللهم أعز الْإِسْلَام بأحب الرجلين إليك: عُمَر بْن الخطاب، أَوْ عَمْرو بْن هشام، يعني أبا جهل».

أَنْبَأَنَا أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَبِي حَبَّةَ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: قُلْتُ: كَاهِنٌ، قَالَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَوَقَعَ الإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ»

أَنْبَأَنَا الْعَدْلُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ صَصَرَى التَّغْلِبِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، أَنْبَأَنَا الشَّرِيفُ النَّقِيبُ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ حَيْدَرَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِمَا، وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالا: أَنْبَأَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْعَلاءِ الْمِصِّيصِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ،

أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْف سُفْيَانُ الطَّائِيُّ، قَالَ: قرأت عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنَفِيِّ، قَالَ:

ذَكَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ إِسْلامِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ بِالْهَاجِرَةِ، فِي بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ، إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَابْنَ الْخَطَّابِ؟ أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ هَكَذَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ هَذَا الأَمْرُ فِي بَيْتِكَ؟! قَالَ، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ قَدْ صَبَأَتْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْمَعُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا عِنْدَ الرَّجُلِ بِهِ قُوَّةٌ، فَيَكُونَانِ مَعَهُ، وَيُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ، وَقَدْ كَانَ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ الْقَوْمُ جُلُوسًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فِي صَحِيفَةٍ مَعَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتِي تَبَادَرُوا وَاخْتَفَوْا، وَتَرَكُوا أَوْ نَسَوُا الصَّحِيفَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، قَالَ: فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ صَبَوْتِ! قَالَ: فَأَرْفَعُ شَيْئًا فِي يَدِي فَأَضْرِبُهَا بِهِ، قَالَ: فَسَالَ الدَّمُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ بَكَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: يَابْنَ الْخَطَّابِ، مَا كُنْتَ فَاعِلا فَافْعَلْ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ، فَجَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا بِكِتَابٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، قُلْتُ: مَا هَذَا الْكِتَابُ؟ أَعْطِينِيهِ، فَقَالَتْ: لا أُعْطِيكَ، لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، أَنْتَ لا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَلا تَطْهُرُ، وَهَذَا لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ! قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطَتْنِيهِ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فَلَمَّا مَرَرْتُ بِ: «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، ذَعَرْتُ وَرَمَيْتُ الصَّحِيفَةَ مِنْ يَدِي، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، فَإِذَا فِيهَا: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قَالَ: فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﷿ ذَعَرْتُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيَّ نَفْسِي، حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ حتَّى بَلَغْتُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَخَرَجَ الْقَوْمُ يَتَبَادَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوهُ مِنِّي، وَحَمِدُوا اللَّهَ ﷿ ثُمَّ قَالُوا: يَابْنَ الْخَطَّابِ، أَبْشِرْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعَا يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: إِمَّا عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَإِمَّا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، وَإِنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ لَكَ، فَأَبْشِرْ، قَالَ: فَلَمَّا عَرَفُوا مِنِّي الصِّدْقَ قُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالُوا: هُوَ فِي بَيْتٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا، وَصَفُوهُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَقَدْ عَرَفُوا شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلامِي، قَالَ: فَمَا اجْتَرَأَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ! قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «افْتَحُوا لَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ»، قَالَ: فَفَتَحُوا لِي، وَأَخَذَ رَجُلانِ بِعَضُدِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ قَالَ: فَقَالَ: «أَرْسِلُوهُ»، قَالَ: فَأَرْسَلُونِي، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَسْلِمْ يَابْنَ الْخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ»، قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً، سُمِعَتْ بِطُرِقِ مَكَّةَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ اسْتَخْفَى، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ، فَكُنْتُ لا أَشَاءُ إِنْ أَرَى رَجُلا قَدْ أَسْلَمَ يَضْرِبُ إِلا رَأَيْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: لا أُحِبُّ إِلا أَنْ يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي، وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ، فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: فَعَلْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لا تَفْعَلْ! قَالَ:

فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ! وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي وَتَرَكَنِي، قَالَ: قُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ! قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: فَعَلْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلا تَفْعَلْ! قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ! قَالَ: ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ، وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: تُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ إِسْلامُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ، وَاجْتَمَعُوا أَتَيْتَ فُلانًا رَجُلا لَمْ يَكُنْ يَكْتُمِ السِّرَّ، فَاصْغَ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يُظْهِرُ عَلَيْكَ وَيُصِيحُ وَيُعْلِنُهُ، قَالَ: فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ، فَجِئْتُ الرَّجُلَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقُلْتُ: أَعَلِمْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ فَقَالَ: أَلا إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَا، قَالَ: فَمَا زَالَ النَّاسُ يَضِرُبوِني وَأَضْرِبُهُمْ، قَالَ، فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ابْنُ الْخَطَّابِ! قَالَ: فَقَامَ عَلَى الْحِجْرِ فَأَشَارَ بِكُمِّهِ، فَقَالَ: أَلا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أُخْتِي، قَالَ: فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي، وَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا لا أُضْرَبُ، قَالَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مِثْلَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَأَمْهَلْتُ حَتَّى إِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ، وَصَلْتُ إِلَى خَالِي، فَقُلْتُ: اسْمَعْ، فَقَالَ: مَا أَسْمَعُ؟.

قَالَ قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ، قَالَ: فَقَالَ: لا تَفْعَلْ يَابْنَ أُخْتِي، قَالَ قُلْتُ: بَلْ هُوَ ذَاكَ، فَقَالَ: مَا شِئْتَ! قَالَ: فَمَا زِلْتُ أُضْرَبُ وَأَضْرِبُ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ.

أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ فِي دَارٍ فِي أَصْلِ الصَّفَا، فَلَقِيَهُ النَّحَّامُ، وَهُوَ نُعْيَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ، وَهُوَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَدْ أَسْلَمَ قِيلَ ذَلِكَ، وَعُمَرُ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَعْمَدُ إِلَى مُحَمَّدٍ الَّذِي سَفَّهَ أَحْلامَ قُرَيْشٍ، وَشَتَمَ آلْهِتَهُمْ، وَخَالَفَ جَمَاعَتَهُمْ، فَقَالَ النَّحَّامُ: وَاللَّهِ لَبِئْسَ الْمَمْشَى مَشَيْتَ يَا عُمَرُ! وَلَقَدْ فَرَّطْتَ وَأَرَدْتَ هَلَكَةَ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ! أَوْ تُرَاكَ تَفَلْتَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي زُهْرَةَ، وَقَدْ قَتَلَتْ مُحَمَّدًا؟ فَتَحَاوَرَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لأَظُنُّكَ قَدْ صَبَوْتَ، وَلَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ لَبَدَأْتُ بِكَ! فَلَمَّا رَأَى النَّحَّامُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهٍ، قَالَ: فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّ أَهْلَكَ، وَأَهْلَ خَتْنِكَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَتَرَكُوكَ، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ ضَلالَتِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ تِلْكَ بِقَوْلِهَا، قَالَ: وَأَيُّهُمْ؟ قَالَ: خَتَنُكَ، وَابْنُ عَمِّكَ، وَأُخْتُكَ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى أَتَى أُخْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَتَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ، نَظَرَ إِلَى أُولِي السَّعَةِ، فَيَقُولُ: عِنْدَكَ فُلانٌ، فَوَافَقَ ذَلِكَ ابْنَ عَمِّ عُمَرَ وَخَتْنَهُ، زَوْجَ أُخْتِهِ، سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَدَفَعَ إِلَيْه رَسُولُ اللَّهِ خَبَّابَ بْنَ الأَرَتِّ، وَقَدْ أنَزْلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى (٢)﴾.

وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ، يَعْنِي إِسْلامَهُ: وَاللَّهِ لَنَحْنُ بِالإِسْلامِ أَحَقُّ أَنْ نُبَادِيَ مِنَّا بِالُكْفِر، فَلَيَظْهَرَنَّ بِمَكَّةَ دِينُ اللَّهِ، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمُنَا بَغْيًا عَلَيْنَا نَاجَزْنَاهُمْ، وَإِنْ قَوْمُنَا أَنْصَفُونَا قَبِلْنَا مِنْهُمْ، فَخَرَجَ عُمَرُ وَأَصْحَابُهُ فَجَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ إِسْلامَ عُمَرَ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ فَقَالُوا: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ. فَخَرَجَ عُمَرُ وَخَرَجْتُ وَرَاءَ أَبِي، وَأَنَا غُلَيْمٌ أَعْقِلُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ، حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: يَا جَمِيلُ هَلْ عَلِمْتَ أَنِّي أَسْلَمْتُ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَاجَعَهُ الْكَلامَ حَتَّى قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَخَرَجَ عُمَرُ يَتْبَعُهُ، وَأَنَا مَعَ أَبِي، حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى بَابِ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ عُمَرَ قَدْ صَبَأَ. فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ! وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ.

فَثَاوَرُوهُ، فَقَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَامَتِ الشَّمْسُ عَلَى رؤوسهم، فَطَلَحَ وَعَرَّشُوا عَلَى رَأْسِهِ قِيَامًا وَهُوَ يَقُولُ: «اصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ كُنَّا ثَلاثَمِائَةِ رَجُلٍ تَرَكْتُمُوهَا لَنُا، أَوْ تَرَكْنَاهَا لَكُمْ».

وذكر ابْنُ إِسْحَاق أن الَّذِي أجار عُمَر هُوَ العاص بْن وائل أَبُو عَمْرو بْن العاص السهمي وَإِنما قَالَ عُمَر إنه خاله لأن حنتمة أم عُمَر هِيَ بِنْت هاشم بْن المغيرة، وأمها الشفاء بِنْت عَبْد قيس بْن عدي بْن سعد بْن سهم السهمية، فلهذا جعله خاله، وأهل الأم كلهم أخوال، ولهذا قَالَ النَّبِيّ لسعد بْن أَبِي وقاص: «هَذَا خالي» لأنَّه زهري، وأم رَسُول اللَّه زهرية. وكذلك القول في خاله الآخر الَّذِي أغلق الباب فِي وجهه أَنَّهُ أَبُو جهل، فعلى قول من يجعل أم عُمَر أخت أَبِي جهل، فهو خال حقيقة، وعلى قول من يجعلها ابْنَة عم أَبِي جهل، يكون مثل هَذَا.

وكان إسلام عُمَر فِي السنة السادسة، قاله مُحَمَّد بْن سعد.

أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ إِجَازَةً قَالُوا: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيوية، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْقَهْمِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو حرزة يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ذَكْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَنْ سَمَّى عُمَرَ الْفَارُوقَ؟ قَالَتْ: النَّبِيُّ .

حزرة: بفتح الحاء المهملة، وتسكين الزاي، وبعدها راء، ثُمَّ هاء.

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَزْرَقِيُّ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ، وَهُوَ الْفَارُوقُ: فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ».

وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ قَالَ لِعُمَرَ: الْفَارُوقَ أنبأنا أَبُو الْقَاسِم الْحُسَيْن بْن هبة اللَّه بْن محفوظ بْن صصري الدمشقي، أنبأنا الشريف أَبُو طَالِب عليّ بْن حيدرة بْن جَعْفَر العلوي الحسيني وَأَبُو الْقَاسِم الحسين بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد الأسدي، قالا: أنبأنا الفقيه أَبُو الْقَاسِم عليّ بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن أَبِي العلاء المصيصي، أنبأنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بْن عثمان بْن الْقَاسِم بِنْ أَبِي نصر، أنبأنا أَبُو الْحَسَن خيثمة بْن سُلَيْمَان بْن حيدرة، حَدَّثَنَا أَبُو عبيدة السري بْن يَحيى بْن أخي هناد بْن السري بالكوفة، حَدَّثَنَا شعيث بْن إِبْرَاهِيم، حَدَّثَنَا سيف بْن عُمَر، عَنْ وائل بْن دَاوُد، عَنْ يزيد البهي، قَالَ: قَالَ الزُّبَيْر بْن العوام: قَالَ رَسُول اللَّه : «اللهم أعز الْإِسْلَام بعمر بْن الخطاب»

أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو رُشَيْدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ وَالْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «كَانَ إِسْلامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّيْنَا»

قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُعَمَّرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ كَانَ الإِسْلامُ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ، لا يَزْدَادُ إِلا قُرْبًا، فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ كَانَ الإِسْلامُ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ، لا يَزْدَادُ إِلا بُعْدًا»

هجرة عمر بن الخطاب

أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ، إِذْنًا، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، إِمْلاءً، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْهِزَّانِيُّ، بِالْبَصْرَةِ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْعُثْمَانِيُّ، بِمِصْرَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ الأَبُلِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ «مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ هَاجَرَ إِلا مُخْتَفِيًا، إِلا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالْهِجْرَةِ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوْسَهُ، وَانْتَضَى فِي يَدِهِ أَسْهُمًا، وَاخْتَصَرَ عَنْزَتَهُ، وَمَضَى قِبَلَ الْكَعْبَةِ، وَالْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ أَتَى الْمُقَامَ، فَصَلَّى مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الْحَلْقِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ لَهُمْ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، لا يَرْغَمُ اللَّهُ إِلا هَذِهِ الْمَعَاطِسَ، مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكُلَهُ أُمُّهُ، وَيُوتِمَ وَلَدَهُ، وَيُرْمِلَ زَوْجَتَهُ، فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَبِعَهُ أَحَدٌ إِلا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلِمَهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ وَمَضَى لِوَجْهِهِ»

أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا لِلْهِجْرَةِ اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، قُلْنَا: الْمِيعَادُ بَيْنَنَا التَّنَاضِبُ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَمَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ لَمْ يَأْتِهَا فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ، فَأَصْبَحْتُ عِنْدَهَا أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَفُتِنَ فَافْتُتِنَ، وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاق: نزل عُمَر بْن الخطاب، وزيد بْن الخطاب، وعمرو، وعبد اللَّه، ابنا سراقة، وخنيس بْن حذافة، وسعيد بْن زَيْد بْن عَمْرو بْن نفيل، وواقد بْن عَبْد اللَّه، وخولي بْن أَبِي خولي، وهلال بْن أَبِي خولي، وعياش بْن أَبِي رَبِيعة، وخالد وَإِياس وعاقل بنو البكير، نزل هَؤُلَاءِ عَلَى رفاعة بْن المنذر، فِي بني عَمْرو بْن عوف.

أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَدْرَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى، أَخُو بَنِي فِهْرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا، فَقُلْنَا: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: هُوَ عَلَى أَثَرِي، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ»

شهوده رضي الله عنه بدرًا وغيرها من المشاهد شهد عُمَر بْن الخطاب مَعَ رَسُول اللَّه بدرًا، وأحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنينًا، وغيرها من المشاهد، وكان أشد النَّاس عَلَى الكفار، وأراد رَسُول اللَّه أن يرسله إِلَى أهل مكَّة يَوْم الحديبية، فَقَالَ: يا رَسُول اللَّه، قَدْ علمت قريش شدة عداوتي لها، وَإِن ظفروا بي قتلوني، فتركه، وأرسل عثمان.

أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ السَّمِينِ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فِي مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى بَدْرٍ، قَالَ: «وَسَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى وَادٍ يُقَالُ: ذَفِرَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ حتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِهِ نَزَلَ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ النَّاسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ، فَقَالَ فَأَحْسَنَ».

وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ.

وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بِقَتْلِ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ.

وقَالَ ابْنُ إِسْحَاق، وغيره من أهل السير: ممن شهد بدرًا من بني عدي بْن كعب: عُمَر بْن الخطاب بْن نفيل، لم يختلفوا فِيهِ.

وشهد أيضًا أحدًا، وثبت مَعَ رَسُول اللَّه أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالا: لَمَّا أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ الانْصِرَافَ أَشْرَفَ عَلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: إِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، اعْلُ هُبَلُ، أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «قُمْ فَأَجِبْهُ»، فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، لا سَوَاءَ قَتْلانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلاكُمْ فِي النَّارِ، فَلَمَّا أَجَابَ عُمَرُ أَبَا سُفْيَانَ، قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا عُمَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ائْتِهِ، فَانْظُرْ مَا يَقُولُ»، فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عُمَرُ، أَقَتَلْنَا مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لا، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ كَلامَكَ الآنَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنَ ابْنِ قَمِئَةَ، وَأَبَرُّ لِقَوْلِ ابْنِ قَمِئَةَ لَهُمْ: قَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا

علم عمر بن الخطاب

أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو رُشَيْدِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانٍ،

حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وَوُضِعَ عِلْمُ النَّاسِ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ، فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا، قُلْتُ: مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَهَبَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ.

أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ، وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، وَأَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»، فَقَالُوا: مَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ»

أنبأنا أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِمِ الحافظ، إجازة، أنبأنا أَبِي، أنبأنا أَبُو الأغر قراتكين بْن الأسعد، حدثنا أَبُو مُحَمَّد الجوهري، حَدَّثَنَا أَبُو بكر أحمد بْن مُحَمَّد بْن الفضل بْن الجراح، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه النيري، حَدَّثَنَا أَبُو السائب، قَالَ: سَمِعْتُ شيخًا من قريش، يذكر عَنْ عَبْد الملك بْن عمير، عَنْ قبيصة بْن جَابِر، قَالَ: «والله ما رَأَيْت أحدًا أرأف برعيته، ولا خيرًا من أَبِي بَكْر الصديق، ولم أر أحدًا أقرأ لكتاب اللَّه، ولا أفقه فِي دين اللَّه، ولا أقوم بحدود اللَّه، ولا أهيب فِي صدور الرجال من عُمَر بْن الخطاب، ولا رَأَيْت أحدًا أشد حياء من عثمان بْن عفان»

زهد وتواضع عمر بن الخطاب

أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ، إِجَازَةً، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَزْرَفِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ حَاتِمُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّاشِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ «مَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَوَّلِنَا إِسْلامًا، وَلا أَقْدَمِنَا هِجْرَةً، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَزْهَدَنَا فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبَنَا فِي الآخِرَةِ»

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، كِتَابَةً، وَحَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ الأَصْبَهَانِيُّ، عَنْهُ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِغْرَاءٍ الدَّوْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: «وَاللَّهِ مَا كَانَ عُمَرُ بِأَقْدَمِنَا هِجْرَةً، وَقَدْ عَرَفْتُ بِأَيِّ شَيْءٍ فَضَلَنَا، كَانَ أَزْهَدَنَا فِي الدُّنْيَا»

أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي حَبَّةَ، وَغَيْرُهُ، أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ الْبَنَّا، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى، فَأَتَى بِإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ فَوَضَعَهُ عَلَى كَفِّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَشْرَبُهَا فَتَذْهَبُ حَلاوَتُهَا وَتَبْقَى نِقْمَتُهَا، قَالَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ فَشَرِبَهُ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو الْقَاسِمِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ النَّقُّورِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ، هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا سَلامَةُ بْنُ صُبَيْحٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَالَ الأَحْنَفُ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْطَلِقْ مَعِي فَأَعِدْنِي عَلَى فُلانٍ، فَإِنَّهُ قَدْ ظَلَمَنِي، قَالَ: فَرَفَعَ الدِّرَّةَ فَخَفَقَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: تَدْعُوَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُعْرِضٌ لَكُمْ، حَتَّى إِذَا شُغِلَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَتَيْتُمُوهُ: أَعِدْنِي أَعِدْنِي! قَالَ: فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَتَذَمَّرُ قَالَ: عَلَيَّ الرَّجُلُ، فَأَلْقَى إِلَيْه الْمِخْفَقَةَ، وَقَالَ: امْتَثِلْ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَدَعُهَا لِلَّهِ وَلَكَ، قَالَ: لَيْسَ هَكَذَا، إِمَّا أَنْ تَدَعُهَا لِلَّهِ إِرَادَةَ مَا عِنْدَهُ أَوْ تَدَعُهَا لِي، فَأْعَلَمَ ذَلِكَ، قَالَ: أَدَعُهَا لِلَّهِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَجَلَسَ، فَقَالَ: يَابْنَ الْخَطَّابِ، كُنْتَ وَضِيعًا فَرَفَعَكَ اللَّهُ، وَكُنْتَ ضَالا فَهَدَاكَ اللَّهُ، وَكُنْتَ ذَلِيلا فَأَعَزَّكَ اللَّهُ، ثُمَّ حَمَلَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَجَاءَكَ رَجُلٌ يَسْتَعْدِيكَ فَضَرَبْتَهُ، مَا تَقُولُ لِرَبِّكَ غَدًا إِذَا أَتَيْتَهُ؟ قَالَ: فَجَعَلَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ مُعَاتَبَةً حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُهْتَدِي، أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ قَدْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامًا إِذ جَاءَ الْغُلامُ، فَقَالَ: هَذَا عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ بِالْبَابِ، قَالَ: وَمَا أَقْدَمَ عُتْبَةَ؟ ائْذَنْ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ رَأَى بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ طَعَامَهُ: خُبْزٌ وَزَيْتٌ، قَالَ: اقْتَرِبْ يَا عُتْبَةُ فَأَصِبْ مِنْ هَذَا، قَالَ: فَذَهَبَ يَأْكُلُ، فَإِذَا هُوَ طَعَامٌ جَشِبٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسِيغَهُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي طَعَامٍ يُقَالُ لَهُ: الْحُوَارِيُّ؟ قَالَ: وَيْلَكَ؟ وَيَسَعُ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ، قَالَ: وَيْلَكَ يَا عُتْبَةُ، أَفَأَرَدْتَ أَنْ آكُلَ طَيِّبًا فِي حَيَاتِي الدُّنْيَا وَأَسْتَمْتِعُ؟

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الأَغَرِّ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى حَفْصَةَ ابْنَتِهِ، فَقَدَّمَتْ إِلَيْه مَرَقًا بَارِدًا وَخُبْزًا وَصَبَّتْ فِي الْمَرَقِ زَيْتًا، فَقَالَ: أَدَمَانٌ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ! لا أَذُوقُهُ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ ﷿ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَبَرْزَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ الْبَنَّاءِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ،

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ أَرْبَعَ رِقَاعٍ فِي قَمِيصِهِ وَأَنْبَأَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ، إِجَازَةً، أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ الْبَنَّاءِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدٍ الْحَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مَرْقُوعٌ بِقِطْعَةِ جِرَابٍ

فضائل عمر بن الخطاب

أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سرَايَا بْنِ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ وَأَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْعِزِّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي صَالِحِ بْنِ فَنَاخِسْرُو التِّكْرِيتِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رضي الله عنه، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالَتْ: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ،

فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا»، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!

قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ»

أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو رُشَيْدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوَكَبُ الدُّرِّيُّ فِي الأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا»

أَنْبَأَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الدِّمَشْقِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَشَائِرِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيلِ بْنِ فَارِسٍ الْقَيْسِيُّ، أَنْبَأَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ الأَطْرَابُلُسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قِلابَةَ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ النَّضْرِ أَبِي عُمَرَ الْخَزَّازِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا انْتَفَضَ حِرَاءً، قَالَ: «اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدٌ»، وَكَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ خَيْثَمَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ وَأَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي سَبْرَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ»

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا خَيْثَمَةُ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : «يَا عَلِيُّ، هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، إِلا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ»، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عَلِيُّ، لا تُخْبِرْهُمَا»

أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِمْ، عَنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ».

قَالَ: وقَالَ ابْنُ عُمَر: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فِيهِ: وقَالَ فِيهِ عُمَر، أَوْ: قَالَ ابْنُ الخطاب، شك خارجة، إلا نزل فِيهِ القرآن عَلَى نحو ما قَالَ عُمَر.

وذلك نحو ما قَالَ فِي أسارى بدر، فإنه أشار بقتلهم، وأشار غيره بمفاداتهم، فأنزل اللَّه : ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وقوله فِي الحجاب، فأنزله اللَّه تَعَالى، وقولُه فِي الخمر.

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِلَيْكَ إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ»

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو عِيسَى، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو عِيسَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِشَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، فَقُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ»

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو عِيسَى، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ مَغَازِيهَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، قَالَ: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلا فَلا».

فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، وَقَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِب، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ، فَأَلْقَتْ بِالدُّفِّ»

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ»

أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو رُشَيْدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا مُجَاشِعُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ فَرَدُّوهُ، وَخَطَبَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَزَوَّجُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لَقَدْ رَدُّوا رَجُلا مَا فِي الأَرْضِ رَجُلٌ خَيْرًا مِنْهُ»

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هَارُونَ بْنِ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ عُمَرَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا ذَكَرْتُمُوهُ ذَكَرْتُمُ الْعَدْلَ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُ الْعَدْلَ ذَكَرْتُمُ اللَّهَ قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُودِيُّ، حَدَّثَنَا فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَعَرَضَ لَهُ فِي خُطْبَتِهِ أَنْ قَالَ: يَا سَارِيَةَ بْنَ حِصْنٍ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ، مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ ظَلَمَ، فَتَلَفَّتَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَ، وَاللَّهِ لَيَخْرُجَنَّ مِمَّا قَالَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا شَيْءٌ سَنَحَ لَكَ فِي خُطْبَتِكَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قَوْلُكَ: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ، مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ ظَلَمَ، قَالَ: وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَجَمِيعُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَدْ سَمِعُوهُ، قَالَ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي خَلَدِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ هَزَمُوا إِخْوَانَنَا، فَرَكِبُوا أَكْتَافَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِجَبَلٍ، فَإِنْ عَدَلُوا إِلَيْه قَاتَلُوا مَنْ وَجَدُوا وَقَدْ ظَفِرُوا، وَإِنْ جَاوَزُوا هَلَكُوا، فَخَرَجَ مِنِّي مَا تَزْعُمُ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ، قَالَ: فَجَاءَ الْبَشِيرُ بِالْفَتْحِ بَعْدَ شَهْرٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، حِينَ جَاوَزُوا الْجَبَلَ صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَارِيَةَ بْنَ حِصْنٍ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ، قَالَ: فَعَدَلْنَا إِلَيْه، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا دِعْلِجُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الُمْنِذِر، حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَعْتَقَ بِلالا مِنْ مَالِهِ، رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ»

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ حَرْبِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهَ قَالَ: «رَكِبَ رَجُلٌ بَقَرَةً،

فَقَالَتِ الْبَقَرَةُ: إِنَّا وَاللَّهِ مَا لِهَذَا خُلِقْنَا! مَا خُلِقْنَا إِلا لِلْحِرَاثَةِ»، فَقَالَ الْقَوْمُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ : «أَنَا أَشْهَدُ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَشْهَدَانِ»، وَلَيْسَا ثَمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُبَاهِي بِالنَّاسِ يَوْمَ عَرَفَةَ عَامَّةً، وَيُبَاهِي بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَاصَّةً»

أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَطِيبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّرَّاجُ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبُرْجُلانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي نَهْشَلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَضَّلَ النَّاسُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعٍ: بِذِكْرِ الأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وَبِذِكْرِ الْحِجَابِ، أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ: إِنَّكَ عَلَيْنَا يَابْنَ الْخَطَّابِ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وَيَدْعُوهُ النَّبِيُّ : «اللَّهُمَّ أَيِّدِ الإِسْلامَ بِعُمَرَ»، وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ.

أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ النَّحَّاسِ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِيِّ، حَدَّثَنَا الْغِلابِيُّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حُجْرٍ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الدَّارِمِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قَالَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ مِنَ الشِّيعَةِ يَشْتُمُونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَيَنْتَقِصُونَهُمَا، فَأَتَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ مِنَ الشِّيعَةِ يَشْتُمُونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَيَنْتَقِصُونَهُمَا، وَلَوْلا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ تُضْمِرُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ لَمَا اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ! فَقَالَ عَلِيٌّ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أُضْمِرَ لَهُمَا إِلا عَلَى الْجَمِيلِ! أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ يُضْمِرُ لَهُمَا إِلا الْحَسَنَ! ثُمَّ نَهَضَ دَامِعَ الْعَيْنِ يَبْكِي، فَنَادَى: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْمِنْبَرِ جَالِسٌ، وَإِنَّ دُمُوعَهُ لَتَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَهِيَ بَيْضَاءُ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ خُطْبَةً بَلِيغَةً مُوجَزَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَذْكُرُونَ سَيِّدَيْ قُرَيْشٍ وَأَبَوَيِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَنَا عَنْهُ مُتَنَزِّهٌ وَمِمَّا يَقُولُونَ بَرِيءٌ، وَعَلى مَا يَقُولُونَ مُعَاقِبٌ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لا يُحِبُّهُمَا إِلا كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، وَلا يُبْغِضُهُمَا إِلا كُلُّ فَاجِرٍ غَوِيٍّ، أَخَوَا رَسُولِ اللَّهِ وَصَاحِبَاهُ وَوَزِيرَاهُ. . . . الْحَدِيثَ.

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ خَيْرَوَيْهِ أَبُو سَهْلٍ الْكَلْوَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، قَالَ: وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ:

يَا عُمَرَ الْخَيْرِ جُزِيتَ الْجَنَّهْ … جَهِّزْ بُنَيَّاتِي وَاكْسُهُنَّهْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَفَعْلَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا يَا أَعْرَابِيُّ؟

قَالَ:

أُقْسِمُ بِاللَّهِ لأَمْضِيَنَّهْ،

قَالَ: فَإِنْ مَضَيْتَ يَكُونُ مَاذَا يَا أَعْرَابِيُّ؟ قَالَ:

وَاللَّهِ عَنْ حَالِي لَتُسْأَلَنَّهْ … ثُمَّ تَكُونُ الْمَسْأَلاتُ عَنَّهْ وَالْوَاقِفُ الْمَسْئُولُ بَيْنَهُنَّهْ … إِمَّا إِلَى نَارٍ وَإِمَّا جَنَّهْ قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلامُ، أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا، لِذَلِكَ الْيَوْمِ لا لِشِعْرِهِ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ قَمِيصًا غَيْرَهُ وروى زَيْد بْن أسلم، عَنْ أَبِيهِ، «أن عُمَر بْن الخطاب طاف ليلة، فإذا هُوَ بامرأة فِي جوف دار لها وحولها صبيان يبكون، وَإِذا قدر عَلَى النار قَدْ ملأتها ماء، فدنا عُمَر بْن الخطاب من الباب، فَقَالَ: يا أمة اللَّه، أيش بكاء هَؤُلَاءِ الصبيان؟ فقالت: بكاؤهم من الجوع، قَالَ: فما هَذِهِ القدر التي عَلَى النار؟ فقالت: قَدْ جعلت فيها ماء أعللهم بها حتَّى يناموا، أَوْهمهم أن فيها شيئًا من دقيق وسمن، فجلس عُمَر فبكى، ثُمَّ جاء إِلَى دار الصدقة فأخذ غرارة، وجعل فيها شيئًا من دقيق وسمن وشحم وتمر وثياب ودراهم، حتَّى ملأ الغرارة، ثُمَّ قَالَ: يا أسلم، احمل عليّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، أَنَا أحمله عنك! فَقَالَ لي: لا أم لَكَ يا أسلم، أَنَا أحمله لأني أَنَا المسئول عَنْهُمْ فِي الآخرة، قَالَ: فحمله عَلَى عنقه، حتَّى أتي بِهِ منزل المرأة، قَالَ: وأخذ القدر، فجعل فيها شيئًا من دقيق وشيئًا من شحم وتمر، وجعل يحركه بيده وينفخ تحت القدر، قَالَ أسلم: وكانت لحيته عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلل لحيته، حتَّى طبخ لهم، ثُمَّ جعل يغرف بيده ويطعمهم حتَّى شبعوا، ثُمَّ خرج وربض بحذائهم كأنه سبع، وخفت مِنْهُ أن أكلمه، فلم يزل كذلك حتَّى لعبوا وضحكوا، ثُمَّ قَالَ: يا أسلم، أتدري لم ربضت بحذائهم؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين! قَالَ: رأيتهم يبكون، فكرهت أن أذهب وأدعهم حتَّى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي»

خلافة وسيرة عمر بن الخطاب

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سرَايَا، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، بِإِسْنَادِهِمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يُفْرِي فَرْيَهُ، حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ»

وهذا لما فتح اللَّه عَلَى عُمَر من البلاد، وحمل من الأموال، وما غنمه المسلمون من الكفار.

وَقَدْ ورد فِي حديث آخر: «وَإِن وليتموها، يعني الخلافة، تجدوه قويًا فِي الدنيا، قويًا فِي أمر اللَّه»، وَقَدْ تقدم.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ: أَنْبَأَنَا أَبُو رُشَيْدٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سُلَيْمَانُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، أَوْ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ غَفْلَةَ الْجُعْفِيَّ دَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي مَرَرْتُ بِنَفَرٍ يَذْكُرُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بِغَيْرِ الَّذِي هُمَا أَهْلٌ لَهُ مِنَ الإِسْلامِ. . . .

وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ الْوَفَاةُ، قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَهُوَ يَرَى مَكَانِي»، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ارْتَدَّ النَّاسُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالُوا: نُصَلِّي وَلا نُعْطِي الزَّكَاةَ، فَرَضِيَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ مُنْفَرِدًا بِرَأْيِهِ، فَرَجَحَ بِرَأْيِهِ رَأْيَهُمْ جَمِيعًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَقَالا مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الصَّلاةِ، فَأَعْطَى الْمُسْلِمُونَ الْبَيْعَةَ طَائِعِينَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَا، فَمَضَى رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَتَرَكَ الدُّنْيَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ، فَخَرَجَ مِنْهَا سَلِيمًا، فَسَارَ فِينَا بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ لا نُنْكِرُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَرَأَى أَنَّ عُمَرَ أَقْوَى عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُحَابَاةً لآثَرَ بِهَا وَلَدَهُ، وَاسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَضِي، وَمِنْهُم كَرِهَ، وَقَالُوا: أَتُؤَمِّرُ عَلَيْنَا مَنْ كَانَ عَنَّانًا وَأَنْتَ حَيٌّ؟ فَمَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَقُولُ لِرَبِّي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ: إِلَهِي أَمَّرْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ، فَأَمَّرَ عَلَيْنَا عُمَرَ، فَقَامَ فِينَا بِأَمْرِ صَاحِبَيْهِ، لا نُنْكِرُ مِنْهُ شَيْئًا، نَعْرِفُ فِيهِ الزِّيَادَةَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَتَحَ اللَّهُ بِهِ الأَرَضِينَ، وَمَصَّرَ بِهِ الأَمْصَارَ، لا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، الْبَعِيدُ وَالْقَرِيبُ سَوَاءٌ فِي الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، وَضَرَبَ اللَّهُ بِالْحَقِّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَظُنُّ أَنَّ آلةَ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ، وَأَنَّ مَلَكًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يُسَدِّدُهُ وَيُوَفِّقُهُ، الْحَدِيثَ.

قَالَ: وَأَنْبَأَنَا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمَا مِنَ الْوُلاةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَسَبَقَا وَاللَّهِ سَبْقًا بَعِيدًا، وَأَتْعَبَا وَاللَّهِ مَنْ بَعْدَهُمَا إِتْعَابًا شَدِيدًا، فَذِكْرُهُمَا حُزْنٌ لِلأُمَّةِ، وَطَعْنٌ عَلَى الأَئِمَّةِ»

أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، إِذْنًا، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

ح، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا بَرَدَانُ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمَّا مَرِضَ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَعْنِيَ ابْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ لَهُ: «أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ إِلا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي! قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنْ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ، فَقَالَ: أَنْتَ أَخْبَرَنَا بِهِ! فَقَالَ: عَلَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: اللَّهُمَّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ، وَأَنْ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! وَاللَّهِ لَوْ تَرَكْتَهُ مَا عَدَوْتُكَ، وَشَاوِرْ مَعَهُمَا سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ أَبَا الأَعْوَرِ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ أُسَيْدٌ: اللَّهُمَّ أَعْلِمْهُ الْخِيَرَةَ بَعْدَكَ، يَرْضَى لِلرِّضَى، وَيَسْخَطُ لِلسَّخَطِ، الَّذِي يُسِرُّ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي يُعْلِنُ، وَلَنْ يَلِيَ هَذَا الأَمْرَ أَحَدٌ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنْهُ، وَسَمِعَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ بِدُخُولِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَخُلْوَتِهِمَا بِهِ، فَدَخَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْهُمْ: مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ إِذَا سَأَلَكَ عَنِ اسْتِخْلافِكَ عُمَرَ عَلَيْنَا، وَقَدْ تَرَى غِلْظَتَهُ؟، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِي، أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُونَنِي؟ خَابَ مَنْ تَزَوَّدَ مِنْ أَمْرِكُمْ بِظُلْمٍ، أَقُولُ: اللَّهُمَّ، اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ، أَبْلِغْ عَنِّي مَا قُلْتُ لَكَ مَنْ وَرَاءَكَ ثُمَّ اضْطَجَعَ، وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَقَالَ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ فِي آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَعِنْدَ أَوَّلِ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ دَاخِلا فِيهَا، حَيْثُ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ، وَيُوقِنُ الْفَاجِرُ، وَيَصْدُقُ الْكَاذِبُ، أَنَّنِي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَإِنِّي لَمْ آلُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَدِينَهُ وَنَفْسِي وَإِيَّاكُمْ خَيْرًا، فَإِنْ عَدَلَ، فَذَلَك ظَنِّي بِهِ، وَعِلْمِي فِيهِ، وَإِنْ بَدَّلَ فَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْكِتَابِ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَسُد بْنُ سَعْيَةَ الْقُرَظِيُّ: فَقَالَ عُثْمَانُ لِلنَّاسِ: أَتُبَايِعُونَ لِمَنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَلِمْنَا بِهِ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: عَلَى الْقَائِلِ، وَهُوَ عُمَرُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ جَمِيعًا وَرَضَوْا بِهِ وَبَايَعُوا، ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ خَالِيًا، فَأَوْصَى بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ مُدًّا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ،

إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلا صَلاحَهُمْ، وَخُفْتُ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ، فَعَمِلْتُ فِيهِمْ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُمْ رَأْيِي، فَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى مَا فِيهِ رُشْدُهُمْ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِكَ مَا حَضَرَنِي، فَاخْلُفْنِي فِيهِمْ، فَهُمْ عِبَادُكَ، وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِكَ، وَأَصْلِحْ لَهُمْ وُلاتَهُمْ، وَاجْعَلْهُ مِنْ خُلَفَائِكَ الرَّاشِدِينَ يَتَّبِعُ هُدَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَهُدَى الصَّالِحِينَ بَعْدَهُ، وَأَصْلَحَ لَهُ رَعِيَّتَهُ وَرَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَأَصَابَهُ مُفِيقًا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: «أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي عَلَى ذَلِكَ لَشَدِيدُ الْوَجَعِ، وَمَا لَقِيتُ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ وَجَعِي، إِنِّي وَلَّيْتُ أَمْرِي خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي، فَكُلُّكُمْ وَرِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْفُهُ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ لَهُ، قَدْ رَأَيْتُمُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ، وَهِيَ مُقْبِلَةٌ حَتَّى تَتَّخِذُوا سُتُورَ الْحَرِيرِ وَنَضَائِدَ الدِّيبَاجِ، وَتَأَلْمَوُا مِنَ الاضْطِجَاعِ عَلَى الصُّوفِ الأَذْرَبِيِّ، كَمَا يَأْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَنَامَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ».

أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ النَّقُّورِ، أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنْ يَسَارٍ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُوَّةٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ عَهِدْتُ عَهْدًا أَفَتَرْضَوْنَ بِهِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ رَضِينَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لا نَرْضَى إِلا أَنْ يَكُونَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ صَصَرَى التَّغْلِبِيُّ، أَنْبَأَنَا الشَّرِيفُ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ حَيْدَرَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَسَدِيُّ، قَالا: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْعَلاءِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمِهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ الشِّفَاءِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا دَخَلَ السُّوقَ أَتَاهَا، قَالَ: سَأَلْتُهَا مَنْ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ: عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَتْ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِه عَلَى الْعِرَاقَيْنِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِرَجُلَيْنِ جَلَدَيْنِ نَبِيلَيْن، أَسْأَلُهُمَا عَنْ أَمْرِ النَّاسِ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِعَدِيِّ بْنَ حَاتِمٍ، وَلَبِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَأَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلا الْمَسْجِدَ، فَاسْتَقْبَلا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالا: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: أَنْتُمَا وَاللَّهِ أَصَبْتُمَا اسْمَهُ، وَهُوَ الأَمِيرُ، وَنَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ أَوْ لأَفْعَلَنَّ! قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَعَثَ عَامِلُ الْعِرَاقَيْنِ بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَلَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَأَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلانِي، فَقَالا: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: أَنْتُمَا وَاللَّهِ أَصَبْتُمَا، اسْمَهُ هُوَ الأَمِيرُ، وَنَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ وكان قبل ذَلِكَ يكتب: من عُمَر خليفة خليفة رَسُول اللَّه فجرى الكتاب من عُمَر أمير المؤمنين، من ذَلِكَ اليوم.

وقيل: إن عُمَر قَالَ: إن أبا بَكْر كَانَ يُقال لَهُ: يا خليفة رَسُول اللَّه، وَيُقَال لي: يا خليفة خليفة رَسُول اللَّه، وهذا يطول، أنتم المؤمنون، وأنا أميركم.

وقيل: إن المغيرة بْن شُعْبَة، قَالَ لَهُ ذَلِكَ، والله أعلم.

سيرة عمر بن الخطاب

وأمَّا سيرته فإنه فتح الفتوح، ومصر الأمصار، ففتح العراق، والشام، ومصر، والجزيرة، وديار بَكْر، وأرمينية، وأذربيجان، وأرانيه، وبلاد الجبال، وبلاد فارس، وخوزستان، وغيرها.

وَقَدْ اختلف فِي خراسان، فَقَالَ بعضهم: فتحها عُمَر، ثُمَّ انتقضت بعده ففتحها عثمان، وقيل: إنه لم يفتحها، وَإِنما فتحت أيام عثمان، وهو الصحيح.

وأدر العطاء عَلَى النَّاس، ونزل نفسه بمنزلة الأجير، وكآحاد المسلمين فِي بيت المال، ودون الدواوين، ورتب النَّاس عَلَى سابقتهم فِي العطاء، والإذن، والإكرام، فكان أهل بدر أول النَّاس دخولًا عَلَيْهِ، وكان عَلَى أولهم، وكذلك فعل بالعطاء، وأثبت أسماءهم فِي الديوان عَلَى قربهم من رَسُول اللَّه فبدأ ببني هاشم، والأقرب فالأقرب.

أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، إِجَازَةً، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنُ فَضْلُوَيْهِ، قَالَتْ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْخَطِيبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، أَوْ غَيْرُهُ، عَنْ مَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ عُثْمَانَ فِي مَالٍ لَهُ بِالْعَالِيَةِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، إِذْ رَأَى رَجُلا يَسُوقُ بَكْرَيْنِ، وَعَلَى الأَرْضِ مِثْلُ الْفِرَاشِ مِنَ الْحَرِّ، فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا لَوْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يُبْرِدَ ثُمَّ يَرُوحَ، ثُمَّ دَنَا الرَّجُلُ، فَقَالَ: انْظُرْ مَنْ هَذَا؟ فَنَظَرْتُ، فَقُلْتُ: أَرَى رَجُلا مُعْتَمًّا بِرِدَائِهِ، يَسُوقُ بَكْرَيْنِ، ثُمَّ دَنَا الرَّجُلُ فَقَالَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَامَ عُثْمَانُ، فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْبَابِ، فَإِذَا نَفْحُ السَّمُومِ، فَأَعَادَ رَأْسَهُ حَتَّى حَاذَاهُ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: بَكْرَانِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ تَخَلَّفَا، وَقَدْ مُضِيَ بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْحَقَهُمَا بِالْحُمَّى، وَخَشِيتُ أَنْ يَضِيعَا، فَيَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلُمَّ إِلَى الْمَاءِ وَالظِّلِّ وَنَكْفِيكَ، فَقَالَ: عُدْ إِلَى ظِلِّكَ، فَقُلْتُ: عِنْدَنَا مَنْ يَكْفِيكَ! فَقَالَ: عُدْ إِلَى ظِلِّكَ، فَمَضَى، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْقَوِيِّ الأَمِينِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا! فَعَادَ إِلَيْنَا فَأَلْقَى نَفْسَهُ رَوَى السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُصْعَبٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ حِينَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ، وَقَامَ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَعُمَرُ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، عَلَيْهِ بُرْدَتَانِ سَوْدَاوَانِ، مُتَّزِرٌ بِوَاحِدٍ وَقَدْ وَضَعَ الأُخْرَى عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَتَفَقَّدُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ ابْنَةِ شُعَيْبٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾، وَأَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ.

أَنْبَأَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ، إِجَازَةً، عَنْ أَبِي غَالِبِ بْنِ الْبَنَّاءِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَهْدٍ الْعَلافُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْمَسَاجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِيهَا الْقَنَادِيلُ، فَقَالَ: نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ قَبْرَهُ كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدَنَا ورَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى مَكَّةَ، فَمَا ضَرَبَ فُسْطَاطًا، وَلا خِبَاءً حَتَّى رَجَعَ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ يُلْقَى لَهُ كِسَاءٌ أَوْ نِطَعٌ عَلَى الشَّجَرِ، فَيَسْتَظِلُّ بِهِ.

وَرَوَى مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَنْفَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا ثَمَانِينَ دِرْهَمًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَسَّفُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى، وَيَقُولُ: «مَا أَخْلَقَنَا أَنْ نَكُونَ قَدْ أَسْرَفْنَا فِي مَالِ اللَّهِ تَعَالَى».

أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، إِذْنًا، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ الْبَنَّاءِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالا: أَنْبَأَنا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ، أَوْ قَالَ: أَيْسَرُ لِحِسَابِكُمْ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وله فِي سيرته أشياء عجيبة عظيمة، لا يستطيعها إلا من وفقه اللَّه تَعَالى، فرضي اللَّه عَنْهُ وأرضاه، بمنه وكرمه.

مقتله

أَنْبَأَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَشَائِرِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيلٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَعِدَ أُحُدًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ»

أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، كِتَابَةً، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ طَاوُسٍ، أَنْبَأَنَا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَنْبَأَنَا بِهِ عَالِيًا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ، إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ بِشْرَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَفْوَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا نَفَرَ مِنْ مِنًى، أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ كَوَّمَ كُومَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا طَرْفَ رِدَائِهِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ،

ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبُضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلا مُفَرِّطٍ! فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى طُعِنَ فَمَاتَ.

أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الأَكْفَانِيِّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيُّ، أَنْبَأَنَا تَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ وَعَقِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الأَكْفَانِيِّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ الْكُرَيْزِيِّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ آخِرَ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَيْنَا نَحْنُ وَاقِفُونَ عَلَى جَبَلِ عَرَفَةَ، صَرَخَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا خَلِيفَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ لِهْبٍ، وَهُوَ حَيٌّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ يَعْتَافُونَ: مَا لَكَ؟ قَطَعَ اللَّهُ لَهْجَتَكَ، وقَالَ عَقِيلٌ: لَهَاتَكَ، وَاللَّهِ لا يَقِفُ عُمَرُ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا، قَالَ جُبَيْرٌ: فَوَقَعْتُ بِالرَّجُلِ اللِّهْبِيِّ فَشَتَمْتُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ وَقَفَ عُمَرُ وَهُوَ يَرْمِي الْجِمَارَ، فَجَاءَتْ عُمَرَ حَصَاةٌ عَائِرَةٌ مِنَ الْحَصَى الَّذِي يَرْمِي بِهِ النَّاسُ، فَوَقَعَتْ فِي رَأْسِهِ، فَفَصَدَتْ عِرْقًا مِنْ رَأْسِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَشَعَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،

لا يَقِفُ عُمَرُ عَلَى هَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا بَعْدَ هَذَا الْعَامِ، قَالَ جُبَيْرٌ: فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ، فَإِذَا هُوَ اللِّهْبِيُّ، الَّذِي قَالَ لِعُمَرَ عَلَى جَبَلِ عَرَفَةَ مَا قَالَ.

لهب: بكسر اللام، وسكون الهاء أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْفَقِيهُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، وَلا أَدْرِي ذَلِكَ إِلا لِحُضُورِ أَجَلِي، فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ، فَإِنَّ الْخِلافَةَ شُورَى فِي هَؤُلاءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو رُشَيْدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السِّمَّرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الصَّقْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَكَتِ الْجِنُّ عَلَى عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِثَلاثٍ، فَقَالَتْ:

أَبَعْدَ قَتِيلٍ بِالْمَدِينَةِ أَصْبَحَتْ … لَهُ الأَرْضُ تَهْتَزُّ الْعِضَاهُ بِأَسْوُقِ جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ … لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالأَمْسِ يُسْبَقِ قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَاْدَرْتَ بَعْدَهَا … بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفَتَّقِ فَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَمَاتُهُ … بِكَفَّيْ سَبَنْتَى أَخْضَرِ الْعَيْنِ مُطْرَقِ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الأَبْيَاتِ لِلشَّمَّاخِ، أَوْ لأَخِيهِ مُزَرِّدٍ.

أَنْبَأَنَا مِسْمَارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْعُوَيْسِ النِّيَارُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي صَالِحِ بْنِ فَنَاخِسْرُو، وَغَيْرُهُمَا، بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لا تُطِيقُ؟ قَالا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ، قَالَ: انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لا تُطِيقُ: قَالا: لا، فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لأَدَعَنَّ أَرَامِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا، قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ، قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ بِسُورَةِ يُوسُفَ أَوِ النَّحْلِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إِلا أَنْ كَبَّرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي، أَوْ: أَكَلَنِي الْكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَشِمَالا إِلا طَعَنَهُ، حَتَّى طَعَنَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلا مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا،

فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، مِمَّنْ يَلِي عُمَرَ، فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُمْ لا يَدْرُونَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلاةً خَفِيفَةً، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، قَالَ: يَابْنَ عَبَّاسٍ، انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي، فَجَالَ سَاعَةً، ثُمَّ جَاءَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: الصُّنْعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ! لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإِسْلامَ، قَدْ كُنْتَ أَنْتَ، وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ يَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ، أَيْ: إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا، فَقَالَ: كَذَبْتَ! بَعْدَ مَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ، وَصَلُّوا قِبْلَتَكُمْ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ، وَاحْتَمَلَ إِلَى بَيْعِهِ، فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: لا بَأْسَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: أَخَافُ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ غُلامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَقِدَمٍ فِي الإِسْلامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ،

ثُمَّ وُلِّيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٍ، قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافًا، لا عَلَيَّ وَلا لِي، فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الأَرْضَ، قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلامَ، قَالَ: يَابْنَ أَخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ، وَأَتْقَى لِرَبِّكَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ، فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَماِنيَن أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ، قَالَ: إِنْ وَفَّى لَهُ مَالَ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيٍّ، فَإِنْ لَم تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ، وَلا تَعَدَّهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ، وَانْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ لَهَا: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلامَ، وَلا تَقُلْ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا، وَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلامَ، وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ، قَالَ: ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْه، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ، قَدْ أَذِنْتَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ فَأَدْخِلُونِي، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ، وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلا لَهُمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالُوا: أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ، قَالَ: مَا أَجِدُ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، أَوِ: الرَّهْطِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ.

فَسَمَّى: عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ فَإِذَا أَصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلا خِيَانَةٍ. . .، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.

وَرَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ، قَالَ لابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: «خُذْ رَأْسِي عَنِ الْوِسَادَةِ فَضَعْهُ فِي التُّرَابِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنِي! وَوَيْلٌ لِي، وَوَيْلٌ لأُمِّي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي اللَّهُ ﷿! فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَأَغْمِضْ عَيْنِي، وَاقْصِدُوا فِي كَفَنِي، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ أَبْدَلَنِي مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنْ كُنْتُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ سَلَبَنِي فَأَسْرَعَ سَلْبِي، وَأَنْشَدَ:

ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أَنِّي مُسْلِمٌ … أُصَلِّي الصَّلاةَ كُلَّهَا وَأَصُومُ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَنْبَأَتْنَا أُمُّ الْمُجْتَبَى الْعَلَوِيَّةُ، قَالَتْ: قَرَأَ عَلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْمُقْرِئِ، أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبَّادٍ قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ الْغُبَرِيُّ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ يَصْنَعُ الأَرْحَاءَ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَسْتَغِلُّهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَلَقِيَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمُغِيرَةَ قَدْ أَثْقَلَ عَلَيَّ غَلَّتِي، فَكَلِّمْهُ يُخَفِّفْ عَنِّي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَوْلاكَ، وَمِنْ نِيَّةِ عُمَرَ أَنْ يَلْقَى الْمُغِيرَةَ فَيُكَلِّمَهُ لِيُخَفِّفَ عَنْهُ، فَغَضِبَ الْعَبْدُ، وَقَالَ: وَسِعَ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَدْلُهُ غَيْرِي، فَأَضْمَرَ عَلَى قَتْلِهِ، فَاصْطَنَعَ لَهُ خِنْجَرًا لَهُ رَأْسَانِ، وَشَحَذَهُ وَسَمَّهُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْهُرْمُزَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى هَذَا؟ قَالَ: أَرَى أَنَّكَ لا تَضْرِبُ أَحَدًا إِلا قَتَلْتَهُ، قَالَ: فَتَحَيَّنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ، فَجَاءَهُ فِي صَلاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى قَامَ وَرَاءَ عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يَقُولُ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَقَالَ كَمَا كَانَ يَقُولُ، فَلَمَّا كَبَّرَ وَجَأَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي كَتِفِهِ، وَوَجَأَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، وَقِيلَ: ضَرَبَهُ سِتَّ ضَرَبَاتٍ، فَسَقَطَ عُمَرُ، وَطَعَنَ بِخِنْجَرِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَهَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ وَأَفْرَقَ مِنْهُمْ سِتَّةً،

وَحُمِلَ عُمَرُ فَذَهَبَ بِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ قَالَ لأَبِي لُؤْلُؤَةَ: أَلا تَصْنَعُ لَنَا رَحًا؟ قَالَ: بَلَى، أَصْنَعُ لَكَ رَحًا يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الأَمْصَارِ، فَفَزِعَ عُمَرُ مِنْ كَلِمَتِهِ، وَعَلِيٌّ مَعَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّهُ يَتَوَعَّدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ فَسَمِعْنَا الصَّيْحَةَ عَلَى عُمَرَ، قَالَ: فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ الْبَيْتَ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: سَقَاهُ الطَّبِيبُ نَبِيذًا فَخَرَجَ، وَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ، وَقَالَ: لا أَرَى أَنْ تُمْسِيَ فَمَا كُنْتَ فَاعِلا فَافْعَلْ، فَقَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: وَاعُمَرَا! وَكَانَ مَعَهَا نِسْوَةٌ فَبَكَيْنَ مَعَهَا، وَارْتَجَّ الْبَيْتُ بُكَاءً، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ لافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا تَرَاهَا إِلا مِقْدَارَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾، إِنْ كُنْتَ، مَا عَلِمْنَا، لأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمِينَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيِّدَ الْمُؤْمِنِينَ، تَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، وَتُقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، فَأَعْجَبَهُ قَوْلِي، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ لِي بِهَذَا يَابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: فَكَفَفْتُ، فَضَرَبَ عَلَى كَتِفِي، فَقَالَ: اشْهَدْ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَشْهَدُ».

وَلَمَّا قَضَى عُمَرُ رضي الله عنه، صَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أربعًا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبَّةَ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي، إِلا رَجُلٌ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ وَأَيْمُ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ اللَّهَ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أُكْثِرُ أَنْ أَسْمَعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «ذَهَبْتُ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ»، وَإِنْ كُنْتُ أَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ اللَّهُ مَعَهُمَا.

ولما توفي عُمَر صلي عَلَيْهِ فِي المسجد، وحمل عَلَى سرير رَسُول اللَّه وغسله ابنه عَبْد اللَّه، ونزل فِي قبره ابنه عَبْد اللَّه، وعثمان بْن عفان، وسعيد بْن زَيْد، وعبد الرَّحْمَن بْن عوف.

روى أَبُو بَكْر بْن إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن سعد، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: طعن عُمَر يَوْم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين، ودفن يَوْم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين، وخمسة أشهر، وأحدًا وعشرين يومًا.

وقَالَ عثمان بْن مُحَمَّد الأخنسي: هَذَا وهم، توفي عُمَر لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع عثمان يَوْم الأثنين لليلة بقيت من ذي الحجة.

وقَالَ ابْنُ قُتَيْبَة: ضربه أَبُو لؤلؤة يَوْم الأثنين لأربع بقين من ذي الحجة، ومكث ثلاثًا، وتوفي، فصلى عَلَيْهِ صهيب، وقبر مَعَ رَسُول اللَّه وأبي بَكْر.

وكانت خلافته عشر سنين، وستة أشهر، وخمس ليال، وتوفي وهو ابْنُ ثلاث وستين سنة، وقيل: كَانَ عمره خمسًا وخمسين سنة، والأول أصح ما قيل فِي عُمَر.

أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ يوحن بْنِ أتَوَيْهِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاوَرْدِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبِيلِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخَلِيلُ الْبَلْخِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ مَعْقِلٍ الشَّاشِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَخْطُبُ، قَالَ: «مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَنا ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً» وقَالَ قَتَادَة: طعن عُمَر يَوْم الأربعاء، ومات يَوْم الخميس.

وكان عُمَر أعسر يسر: يعمل بيديه، وكان أصلع طويلًا، قَدْ فرع النَّاس، كأنه عَلَى دابة.

قَالَ الواقدي: كَانَ عُمَر أبيض أمهق، تعلوه حمرة، يصفر لحيته، وَإِنما تغير لونه عام الرمادة، لأنَّه أكثر أكل الزيت، لأنَّه حرم عَلَى نفسه السمن، واللبن حتَّى يخصب النَّاس، فتغير لونه.

وقَالَ سماك: كَانَ عُمَر أروح كأنه راكب، وكأنه من رجال بني سدوس، والأروح: الَّذِي يتدالى قدماه إِذَا مشى.

وقَالَ زر بْن حبيش: كَانَ عُمَر أعسر يسر، آدم.

وقَالَ الواقدي: لا يعرف عندنا أن عُمَر كَانَ آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة.

قَالَ أَبُو عمر: وصفه زر بْن حبيش، وغيره، أَنَّهُ كَانَ آدم شديد الآدمة، وهو الأكثر عند أهل العلم.

وقَالَ أنس: كَانَ عُمَر يخضب بالحناء بحتًا.

وهو أول من اتخذ الدرة، وأول من جمع النَّاس عَلَى قيام رمضان، وهو أول من سمي أمير المؤمنين، وأكثر الشعراء مراثيه، فمن ذَلِكَ قول حسان بْن ثابت الْأَنْصَارِيّ:

(١) ينظر كتاب نسب قريش: ٣٤٧.
(٢) ينظر كتاب نسب قريش لمصعب الزبيري: ٣٠١.

عمر بن الخطاب حسب الإصابة في تمييز الصحابة

٥٧٥٢- عمر بن الخطّاب بن نفيل القرشي العدوي رضي اللَّه عنه «١» :

ابن عبد العزّى بن رياح، بالتحتانية، ابن عبد اللَّه بن قرط بن رزاح، بمهملة ومعجمة وآخره مهملة، ابن عديّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب القرشي العدوي. أبو حفص أمير المؤمنين.

وأمّه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية، كذا قال ابن الزبير.

وروى أبو نعيم، من طريق ابن إسحاق أنها بنت هشام أخت أبي جهل جاء عنه أنه ولد بعد الفجار الأعظم بأربع سنين، وذلك قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة، وقيل بدون ذكر خليفة بسند له: إنه ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان إليه السفارة في الجاهلية، وكان عند المبعث شديدا على المسلمين، ثم أسلم، فكان إسلامه فتحا على المسلمين، وفرجا لهم من الضيق.

قال عبد اللَّه بن مسعود: وما عبدنا اللَّه جهرة حتى أسلم عمر، أخرجه ...

وأخرج ابن أبي الدّنيا بسند صحيح، عن أبي رجاء العطاردي، قال: كان عمر طويلا جسيما، أصلع أشعر شديد الحمرة، كثير السّبلة «٢» في أطرافها صهوبة، وفي عارضيه خفّة.

وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند جيّد إلى زر بن حبيش، قال: رأيت عمر [أعسر] أصلع آدم، قد فرع الناس، كأنه على دابة، قال: فذكرت هذه القصة لبعض ولد عمر، فقال: سمعنا أشياخنا يذكرون أنّ عمر كان أبيض، فلما كان عام الرمادة وهي سنة المجاعة ترك أكل اللحم والسمن وأدمن أكل الزيت حتى تغيّر لونه، وكان قد احمر فشحب لونه.


(١) الرياض المستطابة ١٤٧، التاريخ لابن معين ٢/ ٤١، العبر ٥٢٦، الكاشف ٣٠٩، أصحاب بدر ٤٦، الفوائد العوالي (الفهرس) ، تفسير الطبري ١١/ ١٣٢٦٤، تاريخ جرجان ٧٣٠، تهذيب التهذيب ٧/ ٤٣٨، الرياض النضرة ٢/ ٨٥، طبقات وفقهاء اليمن (انظر الفهرس) ، الزهد لوكيع ٣، المصباح المضيء ج ١ ج ٢ (انظر الفهرس) ، التحفة اللطيفة ٣/ ٣٢٦، تقريب التهذيب ٢/ ٥٤، تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٩٧، الأعلام ٥/ ٤٥، طبقات علماء إفريقيا وتونس ٣٣٩، التاريخ الصغير ٥/ ٢٣٦، خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ٢٦٨، الاستبصار ٣٩١، التاريخ الكبير ٦/ ١٣٨، الجرح والتعديل ١٠٥، تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٢، ٣/ ٤١٨، طبقات الحفاظ ٦٥٨، صفة الصفوة ١/ ٢٦٨، غاية النهاية ١/ ٥٩١، حلية الأولياء ١/ ٣٨، ٥٥، الطبقات الكبرى ٩/ ١٤١، بقي بن مخلد ١١، شرف أصحاب الحديث (الفهرس) ، التمييز والفصل ٥١، التبصرة والتذكرة ج ١/ ٢٣، التعديل والجرح ١٠٢٤، أسد الغابة ت (٣٨٣٠) ، الاستيعاب ت (١٨٩٩) .
(٢) السّبلة بالتحريك: الشارب، والجمع السّيال، قاله الجوهري، وقال الهروي: هي الشّعرات التي تحت اللحي الأسفل، والسبلة عند العرب مقدّم اللحية وما أسبل منها على الصدر النهاية ٢/ ٣٣٩.

وروى الدّينوريّ في «المجالسة» عن الأصمعيّ، عن شعبة، عن سماك: كان عمر أروح، كأنه راكب والناس يمشون، قال: والأروح الّذي يتدانى عقباه إذا مشى.

وأخرج ابن سعد بسند جيّد، من طريق سماك بن حرب، أخبرني هلال بن عبد اللَّه، قال: رأيت عمر جسيما كأنه من رجال بني سدوس.

وبسند فيه الواقديّ: كان عمر يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى، ويجمع جراميزه «١» ، ويثب على فرسه، فكأنما خلق على ظهره.

وأخرج يونس بن بكير في زيادات المغازي، عن أبي عمر الجزار، عن عكرمة، عن ابن عباس- أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطّاب» .

فأصبح عمر فغدا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم.

وأخرج أبو يعلى، من طريق أبي عامر العقدي، عن خارجة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ الرّجلين إليك: بعمر بن الخطّاب، أو بأبي جهل بن هشام» .

وكان أحبّهما إلى اللَّه عمر بن الخطاب.

وأخرجه عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن خارجة بن عبد اللَّه الأنصاري به.

ورويناه في [الكنجروديات] من طريق القاسم، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عامر، بلفظ اللَّهمّ اشدد الدين. وفي آخره: فشدّ بعمر.

وأخرج ابن سعد بسند حسن، عن سعيد بن المسيّب: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم إذا رأى عمر أو أبا جهل قال: «اللَّهمّ اشدد دينك بأحبّهما إليك» .

وأخرج الدّارقطنيّ من رواية القاسم عن عثمان، عن أنس- رفعه: «اللَّهمّ أعزّ الدّين بعمر أو بعمرو بن هشام» - في حديث طويل.

وروينا في أمالي ابن شمعون، من طريق المسعوديّ، عن القاسم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه- يعني ابن مسعود- رفعه: «اللَّهمّ أيّد الإسلام بعمر» .

ورويناه في الخلعيات، من حديث ابن عباس كذلك [و] «٢» لم يذكر أبا جهل.

وفي كامل ابن عديّ من رواية مسلم بن خالد، عن هشام، عن أبيه- أنّ عائشة- مثله، لكن لفظه: أعزّ. وزاد في آخره: خاصة [و] «٣»

وقال في فوائد عبد العزيز الجرمي، من


(١) يقال: ضم فلان إليه جراميزه إذا رفع ما انتشر من ثيابه ثم مضى اللسان ١/ ٦٠٧.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في أ.

رواية أم عمر بنت حسان الثّقفية عن زوجها سعيد بن يحيى بن قيس، عن أبيه، عن عمر «١» ، فذكر قصة. وفيها: وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يقول: «اللَّهمّ اشدد «٢» الدّين بعمر، اللَّهمّ اشدد الدّين [بعمر» و، اللَّهمّ اشدد الدّين بعمر» ] «٣» .

وأخرج أحمد، من رواية صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، قال: قال عمر:

خرجت أتعرّض لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فوجدته سبقني «٤» إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجّب من تأليف القرآن، فقلت: هذا واللَّه شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [الحاقة: ٤١، ٤١] ، فقلت: كاهن، قال: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الحاقة: ٤٢] حتى ختم السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كلّ موقع.

وأخرج محمّد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه بسند فيه إسحاق بن أبي فروة، عن ابن عباس أنه سأل عمر عن إسلامه، فذكر قصته بطولها، وفيها أنّه خرج ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بينه وبين حمزة وأصحابه الّذي كانوا اختلفوا في دار الأرقم، فعلمت قريش أنه امتنع فلم تصبهم كآبة مثلها، قال: فسماني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يومئذ الفاروق.

وسيأتي في ترجمة أخته فاطمة بنت الخطاب شيء منها.

عمر بن الخطاب حسب الاستيعاب في معرفة الأصحاب

باب عمر

[١٨٢٣] عمرُ بنُ الخَطَّابِ بن نُفَيلِ بن عبدِ العُزَّى بن رياح (١) بن عبدِ اللهِ بن قُرْطِ بن رَزَاحٍ بن عَدِيٍّ بن كعب القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ أبو حفص (٢)، أُمُّه حَنتمةُ بنتُ هاشم بن المغيرة بن عبدِ اللهِ بن عمرَ بن مخزومٍ، وقد قالَتْ طائفةٌ في أم عمرَ: حَنْتَمةُ بنتُ هشام بن المغيرة، ومن قال ذلك فقد أخطأ، ولو كانت (٣) كذلك لكانَتْ أختَ أبي جهل بن هشام، والحارث بن هشام بن المغيرة، وليس كذلك، وإنَّما هي ابنة عمهما (٤)؛ لأنَّ (٥) هاشم بن المغيرة وهشام بن المغيرةِ أَخَوانِ، فهاشمٌ والد حنتمةً أم عمر، وهشامٌ والد الحارث وأبي جهل، وهاشم بن المغيرةِ هذا جَدُّ عمر لأمه، كان يُقال له: ذو الرُّمحين.

ولد عمر رحمه الله بعد الفيل بثلاثَ عَشْرةَ سنةً، وروى أسامةُ بنُ زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعتُ عمر، يقولُ: وُلِدْتُ قبل (١) الفِجارِ الأعظمِ بأربع سنينَ (٢).

قال الزُّبَيْرُ (٣): وكان عمرُ بنُ الخَطَّابِ مِن أشرافِ قُرَيشٍ، وإليه كانَتِ السِّفارةُ في الجاهليَّةِ؛ وذلك أن قُرَيشًا كَانَتْ إِذا وقَعَتْ بينَهم حربٌ، أو بينهم وبين غيرِهم بعثوه سفيرًا، وإن نافرهم مُنافِرٌ، أو فاخرهم مُفاخِرٌ، بعثوه مُنافِرًا و (٤) مُفاخِرًا، ورضُوا به (٥).

قال أبو عمر رضي الله عنه: ثمَّ أسلم بعد رجالٍ سبقوه، روى ابن معين عن ابن (٦) إدريس، عن حُصَيْنٍ، عن هلالِ بن يساف، قال: أسلم عمرُ بنُ الخطّاب بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة (٧).

قال أبو عمر رضي الله عنه: فكان إسلامه عزا ظهر به الإسلام بدعوة النبي ، وهاجر، فهو من المهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وشهد بدرًا وبيعةَ الرّضوانِ، وكلَّ مَشْهَدٍ شهده رسول الله ، وتُوُفِّي رسول الله وهو عنه راضي، وولي الخلافة بعد أبي بكر؛ بويع له بها يوم مات أبو بكرٍ باستخلافِه له سنةَ ثلاثَ عَشرةَ، فسار بأحسن سيرة، وأنزَل نفسه من مال الله بمنزلة رجلٍ مِن الناسِ، وفتح الله له الفُتُوحَ بالشام، والعراق، ومصر، و (١) دوَّنَ الدَّواوين في العطاء، ورَتَّبَ الناس فيه على سَوَابقهم، وكان لا يخافُ في الله لومة لائم، وهو الذي نَوَّرَ شهر الصَّومِ بصلاة الإشفاعِ فيه، وأَرَّخَ التاريخ من الهجرة الذي بأيدي الناس إلى اليوم، وهو أَوَّلُ مَن تَسمَّى بأمير المؤمنين، لقصةٍ نذكرها [في بابه ههنا] (٢) إن شاء الله تعالى (٣)، وهو أَوَّلُ مَن اتَّخَذَ الدِّرَّةَ، وكان نقش خاتمِه كفَى بالموتِ واعِظًا يا عمرُ.

وكان آدم شديدَ الأُدْمَةِ (٤)، طُوَالًا، كَثَ اللِّحْيَةِ، أصلع [أعسَرَ يسَرًا] (٥)، يَخْضِبُ بالحنَّاءِ والكَتَمِ (٦).

هكذا (٧) ذكره زِرُّ بنُ حُبَيشٍ وغيرُه، بأنَّه كان آدم شديد الأُدْمَةِ (٨)، [وهو الأكثر عند أهل العلم بأيام الناس وسِيرِهم وأخبارهم] (٩)، ووصفه أبو رجاء العُطارديُّ، وكان مُغَفَّلًا (١)، فقال: كان عمرُ بنُ الخَطَّابِ طويلا جَسيمًا، أصلع شديد الصَّلَع، أبيض، شديد حُمْرةِ العَينَين، في عارضيه (٢) خِفَّةٌ، سَبَلَتُه (٣) كثيرة (٤) الشَّعَرِ في أطرافها صُهْبَةٌ (٥).

وقد (٦) ذكر الواقدي من (٦) حديث عاصم بن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن سالم بن عبدِ اللهِ بن عمرَ، عن أبيه، قال: إنَّما جاءَتْنا الأُدْمَةُ مِن قِبَل أخْوَالِي بني مَظْعُونٍ، وكان أبيض، لا يَتَزَوَّجُ لِشَهْوَةٍ إلا لطلب الولد (٧)، وعاصمُ بنُ عُبَيدِ اللهِ لا يُحتج بحديثه ولا بأحاديث الواقدي.

وزعم الواقدي أنَّ سُمْرةَ عمر وأدمته إنَّما جاءَتْ مِن أكله الزَّيت عامَ الرَّمادة، وهذا منكر من القول، وأَصَحُ ما في هذا الباب - والله أعلم - حديث سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: رأيتُ عمر آدم (٨) شديد الأُدْمَةِ (٩).

[وقال أنسٌ: كان أبو بكرٍ يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ والكَتَمِ، وكان عمرُ يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ بَحْتًا (٢).

قال أبو عمر رضي الله عنه: الأكثرُ (٣) أنَّهما كانا يَخْضِبانِ، وقد رُوي عن مجاهد - إن صَحَّ - أن عمر بن الخطاب كان لا يُغَيِّرُ شَيْبَه (٤)] (٥).

قال شُعْبَةُ، عن سِمَاكٍ، عن (٦) هلال بن عبدِ اللَّهِ: رأيتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ رجلًا آدَمَ ضَخْمًا، كأنَّه مِن رجالِ سَدُوسٍ (٧)، في رِجْلَيهِ رَوَحٌ (٨).

ومن حديث ابن عمرَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ضَرَب صدر عمر بن الخطاب حينَ أسلم ثلاثَ مَرَّاتٍ، وهو يقولُ: "اللَّهُمَّ أخرج ما في صدرِه مِن غِلٍّ (١)، وأبدله إيمانًا"، [يقولُها ثلاثًا] (٢).

ومن حديث ابن عمر أيضًا، قال: قال رسولُ اللهِ : "إِنَّ الله جعَل الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه" (٣).

ونَزَلَ القرآنُ بمُوافقته في أَسْرَى بدرٍ، وفي الحِجابِ (٤)، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم.

ورُوِي مِن حديث عقبة بن عامر وأبي هريرة عن النبي ، أنَّه قال: "لو كان بعدِي نَبِيٌّ لكان عمر" (٥).

وروى سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالَتْ: قال رسول الله : "قد كان في الأمم قَبْلَكُم مُحَدَّثُونَ، فَإِن يَكُنْ في هذه الأُمَّةِ أحدٌ فعمرُ بنُ الخَطَّابِ" (١)، ورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي مثله (٢).

وروى ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالمٍ وحمزة ابني عبدِ اللهِ بن عمرَ، عن ابن عمر قال: قال رسولُ اللَّهِ : "بَيْنَا أنا نائمٌ أُتِيتُ بِقَدَحٍ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى رأيتُ الرِّيَّ يَخْرُجُ مِن أَظْفَارِي، ثمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عمر قالوا: فما أَوَّلتَ ذلك يا رسول اللَّهِ؟ قال: "العلم" (٣).

ورواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: [كنا نُحَدَّثُ] (٤) أَنَّ النبيَّ قال: "بَيْنَا (٥) أنا نائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ (٦)

فشربتُ". وذكر مثله سواء (١).

وروَى سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أنَّ رسول الله قال: " دَخَلْتُ الجنَّةَ فَرَأَيْتُ فيها (٢) دارًا - أو قال: قَصْرًا - وسَمِعتُ فيه ضَوْضَأَةً، فقلتُ: لِمَنْ هذا؟ فقالوا: لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ، فَظَنَنْتُ أنِّي أنا هو، فقلتُ: مَن هو؟ فقيل: عمر بن الخطاب، فلَوْلا غَيرَتُك يا أبا حَفْصٍ لدخلتُه"، فبكى عمر، وقال: عليك (٣) يُغَارُ؟ [أو قال: أغارُ] (٤) يا رسولَ اللهِ؟ (٥)

وروَى الطَّيالسي أبو داودَ، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : "رأيتني في المنام والناسُ يُعْرَضُون عليَّ، عليهم قُمُصهم (٦)؛ قُمُصٌ منها إلى كذا، ومنها إلى كذا، ومَرَّ عليَّ عمرُ بنُ الخطابِ يَجرُّ قميصه"، فقيل:

يا رسولَ اللهِ، ما أَوَّلْتَ ذلك؟ قال: "الدِّينَ".

هكذا رواه إبراهيم بن سعدٍ فيما [حدث به (١) عنه] (٢) الطيالسي (٣).

[وأخبرنا خلف بن القاسم، قال] (٤): حدثنا الحسنُ بنُ حَجَّاجٍ الزَّيَّاتُ الطَّبرانيُّ (٥)، قال: حدثنا الحسن بن محمدٍ المَدَنِيُّ (٦)، قال: حدثنا يحيى بنُ (٧) عبدِ اللَّهِ بن بُكَيْرٍ، قال: [حدثنا اللَّيْثُ] (٨) بنُ سعدٍ، [قال: حدثنا ابن الهادِي، عن إبراهيم بن سعد] (٩) عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْفٍ (١٠)، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، أنه سمع رسول الله يقولُ: "بَيْنَا (١١) أنا نائم والناسُ يُعْرَضُون عليَّ، وعليهم قُمُصٌ (١٢)؛ فمنها ما يَبْلُغُ إلى الثَّدْيِ، ومنها دون ذلك، وعُرض عليَّ عمرُ بنُ الخطاب وعليه قميص يَجُرُّه"،

قالوا فما أَوَّلْتَ ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "الدِّينَ" (١)

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خيرُ الناس بعد رسول الله أبو بكر، و (٢) عمر (٣)، وقال (٤) رضي الله عنه: ما كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنطِقُ على لسان عمر (٥).

وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن مالك الدَّارِ قال: أصابَ الناسَ قَحْطٌ في زمن عمر، فجاء رجلٌ إلى قبر النبي ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لأُمَّتِك؛ فإنَّهم قد هلكوا، قال: فأتاه رسول الله في المنام، فقال: "ائتِ عمرَ، فَمُرْهِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ للنَّاسِ، فإنَّهم سَيُسْقَوْن، وقُلْ له عليك الكيس الكيس"، فأتى الرجلُ عمر فأخبره، قال: فبكَي عمر، فقال: يا رَبِّ، ما آلُو (١) إِلَّا ما عَجَزْتُ عنه، يا رَبِّ، ما آلُو إلا ما عَجَزْتُ عند (٢).

[وقال ابن مسعود: ما زِلْنا أَعِزَّةً منذ أسلم عمر] (٣).

وقال حذيفة: كان علمُ الناسِ كلِّهم قد [دُس في جُحْرٍ مع] (٤) علم عمر (٥)، وقال ابن مسعود: لو وضع علم أحياء العرب في كِفَّةِ ميزانٍ، ووُضع علمُ عمر (٦) لرجَح علمُ عمر، ولقد كانوا يَرَونَ أنَّه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنتُ أجلسه من (٧) عمر أوثق في نَفْسي من عمل سَنَةٍ (١).

وذكر عبد الرزاقِ، عن مَعْمَر، قال: لو أنَّ رجلًا قال: عمر أفضل من أبي بكرٍ، ما عَنَّفتُه، وكذلك لو قال: عليٌّ عِندِي أفضلُ مِن أبي بكر وعمر، لم أُعَنِّفْه إذا ذكر فضل الشَّيخَيْنِ وأَحَبَّهما وأثنى عليهما بما هما أهله، فذكرت ذلك لوكيعٍ فأعجبه واشْتَهَاه (٢).

قال أبو عمرَ: يَدُلُّ على أنَّ أبا بكرٍ أفضلُ مِن عمرَ سَبْقُه له إلى الإسلام، وما رُوي عن النبي أنَّه قال: "رأيتُ في المنام أني (٣) وُزِنتُ بِأُمَّتِي فَرَجَحتُ، ثمَّ وُزِنَ أبو بكرٍ فرجَح، ثُمَّ وُزِنَ عمرُ فرجَح" (٤)، وفي هذا بيانٌ واضحٌ في فضله على عمر، وقال عمرُ: ما سابقتُ أبا بكر إلى خير قَطُّ إلا سبقنى إليه، ولَودِدتُ أنّي شَعَرةٌ في صدر أبي بكر (٥).

وذكر سيف بن عمر، عن عُبيدة بن معتِّبٍ (٦)، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ، قال: أَوَّلُ مَن وَلَّى [أبو بكر] (٧) شيئًا مِن أُمُورِ المسلمين عمرُ ابن الخَطَّابِ؛ وَلا (١) القضاء، فكان أَوَّلَ قاضٍ في الإسلام، وقال: اقض بين الناس؛ [فإني في شُغْلٍ، وأمر] (٢) ابن مسعودٍ بعسس (٣) المدينة (٤).

وأمَّا القِصَّةُ التي ذُكِرتْ في تَسْميةِ عمر نفسه بأمير (٥) المؤمنين، فذكر الزُّبَيْرُ، قال: قال عمرُ لمَّا وَلي كان أبو بكر، يُقال له: خليفةُ رسولِ اللهِ، فكيفَ يُقالُ لي: خليفة خليفةٍ، يطول هذا! قال: فقال له المُغِيرَةُ بنُ شعبةَ: أنتَ أميرُنا، ونحنُ المؤمنون؛ فأنتَ أميرُ المؤمنين، قال: فذاك إذن (٦).

قال أبو عمر رضي الله عنه: وأعلى من هذا في ذلك ما حدثني خلف بن القاسم، حدثنا أبو (٧) أحمد (٨) الحسين بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو (٩) زكريا يحيى بن أيوبَ بن بادِي (١٠) العَلَّافُ، قال: حدثنا عمرُو (١) بن خالدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن موسى بن عقبة عن الزُّهْرِيِّ، أنَّ عمر بن عبد العزيز سأل أبا (٢) بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَةَ (٣): لأيّ شيءٍ كان أبو بكر يكتُبُ: من خليفة رسولِ اللهِ؟ وكان عمرُ يكتب: من خليفة أبي بكرٍ؟ ومَن أَوَّلُ مَن كتب: عبدُ اللَّهِ أمير المؤمنينَ؟ فقال: حدَّثَتْني الشِّفَاءُ - وكانَتْ مِن المُهاجِراتِ الأُوَلِ (٤) - أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق أنِ ابعث إليَّ بِرَجُلَينِ [جَلْدَيْنِ نَبِيلَيْنِ] (٥) [أسألهما عن] (٦) العراق وأهله. فبعث إليه عامل العراقي لبيد بن ربيعة العامري وعَدِي بن حاتمٍ الطائيَّ، فلما قدما المدينةَ أَنَاخَا راحلتيهما بفناء المسجدِ، ثمَّ دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاصي، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرُو، فقال عمرٌو: أنتما واللهِ أصَبْتُما اسمه، نحنُ المؤمنون، وهو أميرُنا، فوثَب عمرٌو، فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنينَ، فقال عمر: ما [بَدا لك] (٧) في هذا الاسم؟ يعلمُ اللهُ لَتَخْرُجَنَّ مما قلت (٨)، قال: إِنَّ لبيد بن ربيعةَ وعَدِيَّ ابن حاتم قدِما فَأَناخَا راحلتيهما بفناء المسجدِ، ثم دخلا المسجد، وقالا لي: استأذن لنا يا عمرُو على أمير المؤمنينَ، فَهُما واللهِ أصَابَا اسمك، أنتَ الأميرُ، ونحنُ المؤمنونَ، قال: فجرى الكتابُ مِن يومئذ، قال يعقوب (١): وكانتِ الشِّفاءُ جَدَّةَ أبي بكرٍ (٢).

ورُوِّينَا مِن وُجُوهٍ أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ كَان يَرْمِي الجَمْرِةَ، وَأَتَاه حَجَرٌ فوقع على صَلْعَتِهِ فَأَدْمَاه، وثَمَّ (٣) رجلٌ من بني لِهْبٍ، فقال: أُشْعِرَ (٤) أمير المؤمنينَ! لا يَحُجُّ بعدها، قال: ثم جاء إلى الجمرة الثانية (٥)، فصاحَ رجلٌ: يا خليفة (٦)، فقال: لا يَحُجُّ أمير المؤمنينَ بعد عامه، هذا، فقُتِل عمرُ بعدَ رُجُوعِه من الحج (٧).

قال محمدُ بنُ حبيبٍ (١): لهب، مكسورة اللام: قبيلةٌ مِن قبائل الأَزْدِ، تُعرَفُ فيها العِيافةُ (٢) والزَّجْرُ.

قال أبو عمر رضي الله عنه: قُتِل عمرُ رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين في (٣) ذي الحِجَّةِ؛ طعنه أبو لؤلؤةَ فَيُروزٌ غلامُ المغيرة بن شعبة لثلاث بَقِينَ مِن ذي الحِجَّةِ (٤)، هكذا قال الواقدِيُّ وغيره (٥)، [وقال الزبير] (٦): لأربعٍ بَقِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ سنة ثلاث وعشرين.

وروَى سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ اليَعْمَرِيِّ، قال: قُتِل عمرُ يومَ الأربعاء لأَرْبَعٍ بَقِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ، [وكانَتْ خلافتُه عَشْرَ سَنينَ وسِتَّةَ أَشْهُرٍ (٧).

قال أبو نُعَيْمٍ: قُتِل عمرُ بنُ الخطاب يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بَقِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ] (٨) سنة ثلاث وعشرينَ، وكانَتْ خِلافتُه عَشْرَ سِنِينَ ونِصْفًا (١).

أخبرنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المُسَيَّبِ يقولُ: قتل أبو لُؤْلُوةَ عمر بن الخطّاب، وطعن معه اثْنَيْ عَشَرَ رجلًا، فماتَ سِتَّةٌ، قال: فرمى عليه رجلٌ مِن أهل العراقِ بُرْنُسًا، ثمَّ برَك عليه، فلمَّا رَأى (٢) أنَّه لا يستطيعُ أنْ يَتَحَرَّكَ وَجَأَ نفسه فقتلها (٣).

ومن أحسن شيءٍ يُروَى في مقتل عمر رضي الله عنه وأصحِّه (٤) ما حدثنا خلف بن قاسم بن سهل، قال: حدثنا محمد بن القاسمِ بن شعبان (٥)، قال: حدثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبِ النَّسَائِيُّ، قال: أخبرنا أحمدُ بن سليمان، قال: حدثنا عُبَيْدُ (٦) اللَّهِ بن موسى، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: شهدتُ عمر يومَ طُعِن، وما منعني أن أكونَ في الصَّفِّ المُتَقَدِّمِ (٧) إِلا هَيْبَتُه، وكان رجلًا مَهِيبًا، فكنتُ في الصَّفِّ الذي يليه، فأقبل عمرُ، فعرَض له أبو لُؤْلُوةَ عَلامُ المغيرة بن شعبة فناجى (١) عمر رضي الله عنه قبلَ أَنْ تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ، ثمَّ طعنه ثلاثَ طَعَناتٍ، فسمِعْتُ عمر وهو يقولُ: دونكم الكلب؛ [فإنَّه قد] (٢) قتلني، وماج الناسُ وأسرعوا إليه، فجَرَح ثلاثةَ عَشَرَ رجلًا، فانْكَفَأَ عليه رجلٌ مِن خلفه فاحْتَضَنَه، [وحُمِل عمر] (٣)، فماج الناسُ بعضُهم في بعض، حتَّى قال قائل: الصَّلاةَ عباد الله، طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَدَّمُوا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بنا (٤) بأقصر سُورَتَين (٥) في القرآنِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، واحْتُمِلَ عمرُ ودخل الناسُ عليه، فقال: يا عبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ، اخْرُجْ فَنَادِ في الناسِ (٦): أَعَنْ مَلأً: منكم هذا؟ فخرج ابن عَبَّاسٍ، فقال: أيُّها الناسُ، [إِنَّ أمير المؤمنينَ يقولُ] (٣): أَعَنْ مَلأً منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله! والله ما علمنا ولا اطَّلَعْنا، وقال: ادْعُوا لي الطَّبيب، فدُعِيَ الطَّبِيبُ، فقال: أيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إليك؟ قال: النَّبِيذُ، فسُقِيَ نَبِيذَا، فخرَج مِن بعضِ طَعَناتِه، فقال النَّاسُ: هذا دمٌ، هذا صديدٌ، فقال: اسْقُونِي لَبَنًا، فسُقِيَ لبنًا، فخرج مِن الطَّعْنةِ، فقال له الطَّبِيبُ: لا أرَى أنْ تُمْسِي، فما كنتَ فاعلا فافعل، وذكر تَمَامَ الخبر في الشُّورَى، وتقديمه لصهيبٍ في الصلاة، وقوله في عليٍّ: إِنْ وَلَّوْها الأَجْلَحَ سلك بهِمُ الطَّريق (١) المستقيم، يعنى عليًّا، وقوله في عثمان وغيره، فقال له ابن عمرَ: ما يَمْنَعُكَ أَن تُقَدِّمَ عليا؟ قال: أكره أن أتحملها (٢) حَيًّا وميّتًا (٣).

وذكر الواقدِيُّ، قال: أخبرني نافع بنُ (٤) أبي نُعَيْمٍ، عن عامرِ بن عبدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ، عن أبيه، قال: غَدَوْتُ مع عمر بن الخَطَّابِ إلى السُّوقِ وهو مُتَّكِيءٌ على يَدِي، فَلَقِيَه أبو لُؤْلُوةَ عَلامُ المغيرة بن شعبة، فقال: ألَا تُكَلِّمُ مولايَ يَضَعُ عَنِّى مِن خَراجِي، قال: كَمْ خَرَاجُك؟ قال: دينارٌ، قال: ما أرَى أنْ أفعل، إنَّكَ لَعَامِلٌ مُحْسِنٌ، وما هذا بكثير، ثم قال له عمرُ: أَلَا تَعمَلُ لي رَحًى؟ قال: بَلَى، فلمَّا وَلَّى قال أبو لُؤْلُوةَ: لأعْمَلَنَّ لك رَحْى يَتَحَدَّثُ بها ما بين المشرقِ والمغرب، قال: فوقع في نَفْسِي قوله، قال: فلمَّا [كان في النِّدَاءِ لِصَلاةِ] (٥)

الصُّبْحِ وخرج عمرُ إلى الناسِ يُؤْذِنُهم للصَّلاةِ، قال ابن الزُّبَيْرِ: وأنا في مُصَلَّايَ، وقد اضْطَجَعَ له عدو الله أبو لُؤْلُوةَ، فضربه بالسكين سِتّ طَعَناتٍ إِحْدَاهُنَّ تحتَ سُرَّتِه، [وهي] (١) قَتَلَتْه، فصاح عمرُ: أَينَ عبد الرحمن بن عوف؟ [فقالوا: هو ذا يا أمير المؤمنين، قال] (٢): يقومُ (٣) فَيُصَلِّي (٤) بالنَّاسِ، فتقدَّم عبد الرحمن فصَلَّى بالناس، وقرأ في الركعتين بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، واحتملوا عمر فأدْخَلوه منزله، فقال لابنه عبد الله: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قتلني، قال: فخرج عبدُ اللَّهِ بنُ عمر، فقال: مَن قتل أمير المؤمنين؟ فقالوا: أبو لُؤْلُوْةَ غلامُ المغيرة بن شعبة، فرجَع فأخبر عمر، فقال: الحمد لله الذي لم يجعَلْ قَتْلِي بيدِ رجلٍ يُحاجني بلا إلهَ إلا اللَّهُ، ثمَّ قال: انْظُروا لي عبدِ الرحمن بن عوف، فذكر الخبر في السُّورَى بتمامه (٥).

حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، حدثنا الدولابِيُّ، حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ (٦)، حدَّثنا عليُّ بنُ مجاهد، قال: اخْتلِف علينا في شأن أبي لُؤْلُوةَ؛ فقال بعضُهم: كان مَجُوسِيًّا، وقال بعضُهم: كان نصرانيا، فحدثنا أبو سنان [سعيدُ بنُ سِنَانٍ] (١)، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيِّ، قال: كان أبو لُؤْلُوْةَ أزرق نصرانيًّا [وقال غيره: كان نصرانيا] (٢) - وَجَأَه بِسِكِّينٍ له طَرَفانِ، فلمَّا جَرَحَ عَمرَ جَرَحَ معه ثلاثة عشر رجلًا في المسجدِ، ثمَّ أُخِذَ، فلمَّا أُخِذ قتل نفسه (٣).

واختلف في سنِّ عمر رحمه الله يومَ مِاتَ؛ فقيل: تُوفِّيَ وهو ابن ثلاث وستين سنةً، كسِن النبي وسنِّ أبي بكرٍ حينَ تُوفِّيَا، رُوِي ذلك مِن وُجُوهٍ، عن معاويةَ، ومن قولِ الشعبي (٤).

وروَى عُبَيدُ اللهِ بنُ عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: تُوفِّيَ عمر وهو ابن بضع وخمسين (٥).

وقال أحمد بن حنبلٍ، عن هُشَيْمٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن سالم بن عبد اللَّهِ، أَنَّ عمرَ قُبِضَ وهو ابن خمس وخمسينَ (١).

وقال الزُّهْرِيُّ: تُوفِّيَ وهو ابن أربعٍ وخمسين (٢)، وقال قتادة: تُوفِّي وهو ابن اثنتين (٣) وخمسين (٤).

وقيل: مات وهو ابن سِتِّينَ، وقيل: مات وهو ابن ثلاث وسِتِّينَ.

أخبرنا عبد الله (٥)، حدثنا إسماعيل بن محمدٍ الصَّفَّارُ، حدَّثنا إسماعيل بن إسحاقَ، حدَّثنا عليُّ بنُ المديني، قال: حدثنا حسين بن عليّ الجُعْفِيُّ، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، قال: حدثني أبو [بُرْدةَ [وأخي] (٦) عن] (٧) [عوف بن مالك] (٨) الأَشْجَعِيِّ، أنَّه رأى في المنام كأنَّ الناس (٩) جمعوا، فإذا فيهم رجلٌ فَرَعَهم، فهو فوقهم ثلاثَ (١) أَذْرُعٍ، قال: فقلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: عمرُ، قلتُ: لِمَ؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خِصَالٍ؛ لأنَّه لا يخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وإنَّه خليفةٌ مُسْتَخْلَفٌ، وشهيدٌ مُسْتَشْهَدٌ، قال: فَأَتَى أبا (٢) بكرٍ فَقَصَّها عليه، فأرسل إلى عمر فدعاه ليُبَشِّرَه، قال: فجاء عمرُ، قال: فقال لي أبو بكر: اقْصُصْ رُؤْيَاك، قال: فَلَمَّا بَلَغْتُ: خليفةٌ مُسْتَخْلَفٌ، زبرني عمرُ، وانتهرني، وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكر حي؟!، قال: فلما كان بعد، وولي عمرُ مَرَرْتُ بالشام (٣)، وهو على المنبر، قال: فدعاني، وقال: اقْصُصْ رُؤْياك، فقصَصْتُها، فلما قلتُ: إنَّه لا يخافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، قال: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يجعلني اللهُ منهم، قال: فلما قلتُ: خليفةٌ مُسْتَخْلَفٌ، قال: قد اسْتَخْلَفَنِي اللَّهُ، فَسَلَّه أَنْ يُعينني على ما وَلاني، فلمَّا أنْ (٤) ذكرتُ: شهيدٌ مُسْتَشْهَدٌ، قال: أَنَّى لي الشَّهادة (٥) وأنا بينَ أَظْهُرِكم، تَغْزُونَ ولا أَغْرُو؟! ثمَّ قال: بلى (٦)، [يأتي الله بها أنَّى (٨) شاء] (٧)، يأتى الله بها أنَّى (٨) شاء (٩).

أخبرنا سعيد بن سيد [بن سعيد] (١)، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بن عليٍّ، حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، حدثنا أبو يعقوبَ الدَّبَرِيُّ (٢)، حدثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ (٣)، عن سالم، عن ابن عمرَ، أَنَّ النبي رأى على عمرَ قَمِيصًا أبيض، فقال: "أجديدٌ قَمِيصُك هذا (٤) أمّ غسيلٌ؟ "، قال: بل غَسِيلٌ (٥)، قال: "الْبَس جديدًا، وعِشن حَمِيدًا، ومُتْ شهيدًا، ويَرْزُقُكَ اللَّهُ قُرَّةَ عَيْنٍ في الدُّنيا والآخرة"، قال: وإِيَّاكَ يا رسول الله (٦).

وروى مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: صَلَّى عمرُ على أبي بكرٍ حين مات، وصَلَّى صُهَيْبٌ على عمر (٧).

ورُوي عن عمرَ رحمه الله أنَّه قال في انصرافه مِن حَجَّتِه التي لم يَحُجَّ بعدها: الحمدُ لله، ولا إله إلا الله، يُعطي مَن يشاءُ (١) ما يشاءُ، لقد كنتُ بهذا الوادي - يعني ضَجْنان - أرعى إبلا للخَطَّابِ، وكان فَظًّا غليظًا يُتعبني إذا عملتُ، ويُضرِبُني إذا قَصَّرتُ، وقد أصبحتُ وأمسَيتُ وليس بيني وبينَ اللهِ أحدٌ أَخشَاه، ثمَّ تَمَثَّلَ:

لا شيء مما تَرى (٢) تَبْقَى بَشاشَتُه … يبقى الإله ويُودِي (٣) المال والولد لم تُغْنِ (٤) عن هُرْمُز يومًا خَزائِنُه … والخُلْدَ قد حاوَلَتْ عادٌ فما خَلَدُوا ولا سليمانُ إِذ تَجْرِى الرِّياحُ له (٥) … والإنس والجن فيما بينَها بُرُدُ (٦)

أين الملوك التي كانَتْ لِعِزَّتِها … من كلِّ أَوْبٍ إليها وَافِدٌ يَفِدُ حوْضٌ هُنالِكَ مَوْرود بلا كَذِبٍ (٧) … لا بُدَّ مِن وِرْدِه يومًا كما وَرَدُوا (٨)

ورُوِّينا عن عمر رحمه الله أنَّه قال في (١) حينَ احْتُضِرَ ورأسه في حَجْرِ ابنه عبدِ اللهِ:

ظَلُومٌ لنفسي غيرَ أَنِّي مُسْلِمٌ … أُصَلِّي الصلاةَ كُلَّها وأصومُ (٢)

حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا (٣) جعفر بن محمدٍ الصَّائِغُ، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إبراهيم بن سعدٍ الزُّهْرِيُّ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ الله بن أبي ربيعة، عن أمِّ كُلثومٍ بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّ عائشةَ حدثتها، أنَّ عمر رحمه الله أذِنَ لأزواج النبي أَنْ يَحْجُجْنَ في آخرِ حَجَّةٍ حَجَّها عمرُ، قَالَتْ: فلمَّا ارْتَحَلَ مِن الحَصْبَةِ (١) أقبل رجلٌ مُتَلَكِّم (٢)، فقال وأنا أسمعُ: أينَ كَان مَنْزِلُ أمير المؤمنينَ؟ فقال قائل وأنا أسْمَعُ: هذا كان منزله، فأَناخَ في منزل عمر، ثمَّ رَفَع عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى:

عليك سَلامٌ مِن أميرٍ وبَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ فمَنْ يَجْرِ أو يَرْكَبْ جَناحَيْ نَعَامِةٍ … ليُدرك ما قَدَّمت بالأمس يُسْبَقِ قَضَيْتَ أُمُورًا ثم غَادَرتَ بعدَها … بوائج (٣) في أَكْمَامِها لم تُفَتَّقِ قالت عائشةُ: فقلتُ لبعض أَهْلِي: [اعلموا لي] (٤) من هذا الرجل؟ فذهبوا فلَمْ يَجِدوا في مناخه أحدًا، قالت عائشة: فوالله إنِّي لأَحْسَبُه من الجِنِّ، فلمَّا قُتِل عمر نحل (٥) الناس هذه الأبياتُ لِلشَّمَّاخ بن ضرار، أو (٦) لأخيه مُزَرد (٧).

قال أبو عمر: كانوا إخوةً ثلاثةً كلُّهم شاعرٌ.

وروى مسعرٌ، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ، [عن رجلٍ] (١)، عن عروة، عن عائشةَ، قالَتْ: ناحتِ الجِنُّ على عمر قبل أن يُقتَلَ بثلاث، فقالت:

أبعد قَتِيلٍ بالمدينةِ أظْلَمَتْ … له الأرضُ تَهْتَزُّ العِضاه (٢) بأسوقِ (٣)

جَزَى الله خيرًا مِن إمامٍ وبارَكَتْ … يدُ اللهِ في ذاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ فمَن يَسْعَ أَو يَرْكَبُ جَنَاحَيْ نَعَامِةٍ … ليُدرِكَ ما قَدَّمتَ بالأمس يُسْبَقِ قَضَيْتَ أُمُورًا ثم غادَرْتَ بعدَها … بَوَائِقَ (٤) مِن (٥) أكمامها لم تُفَتَّقِ وما كنتُ أخشَى أن تكونَ وَفاتُه … بِكَفَّيْ سَبَتى (٦) أزرق العين مُطْرِقٍ (٧)

ويُروى: بِكَفَّيْ سَبَنْتٍ، والسبنتُ والسَّبنتى: [النَّمِرُ الجريء] (١)، وقد يُمَدُّ (٢): السَّبَنْتاءُ (٣)، والمُطْرِقُ: الحَنِقُ، قال المُتلمِّس (٤):

فأطرق إطراقَ الشُّجاعِ ولو يَرَى … مَسَاغًا (٥) لِنَابَاهِ (٦) الشُّجَاعُ لَصَمَّما (٧)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عمر بن الخطاب حسب الطبقات الكبرى

رضي الله عنه وأرضاه، ابن نُفَيل بن عبد العُزّى بن رياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح (٣) بن عديّ بن كعب، ويكنى أبا حفص. وأمّه حَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (٤).

وكان لعمر من الولد عبد الله وعبد الرّحمن وحفصة وأمّهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَحٍ، وزيد الأكبر لا بقيّة له، ورُقيّة وأمّهما أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمّهما فاطمة بنت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وزيد الأصغر وعُبيد الله قُتل يوم صفّين مع معاوية وأمّهما أمّ كلثوم بنت جَرْوَل بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصْرَم بن ضَبيس بن حَرَام بن حُبْشِيّة بن سَلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وكان الإسلام فرق بين عمر وبين أمّ كلثوم بنت جرول. وعاصم وأمّه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقْلَح واسمه قيس بن عِصْمة بن مالك بن أمَةَ بن ضُبَيعة بن زيد من الأوس من الأنصار، وعبد الرّحمن الأوسط وهو أبو المُجَبَّر وأمّه لُهَيّة أمّ ولد، وعبد الرّحمن الأصغر وأمّه أمّ ولد، وفاطمة وأمّها أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمّها فُكيهة أمّ ولد، وعياض بن عمر وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل.

قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدنى قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن عُبيد الله بن عمر عن نافع قال: غَيّرَ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اسم أمّ عاصم بن عمر وكان اسمها عاصية، قال: لا بل أنتِ جميلة (١).

قال محمّد بن سعد: سألتُ أبا بكر بن محمّد بن أبي مُرّة المَكّيّ، وكان عالمًا بأمور مكّة، عن منزل عمر بن الخطّاب الذي كان في الجاهليّة بمكّة فقال: كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهليّة العاقر فنُسب إلى عمر بعد ذلك، وبه كانت منازل بنى عديّ بن كعب.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مُسلم وعارِم بن الفضل قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا يزيد بن حازم عن سليمان بن يَسار قال: مَرّ عمر بن الخطّاب بضَجنان فقال: لقد رأيتُنى وإنى لأرعَى على الخطّاب في هذا المكان وكان والله ما علمتُ فَظًّا غَليظًا، ثمّ أصبحت إلى أمر أمّة محمّد، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثمّ قال متمثّلًا:

لَا شَىْءَ فيما تَرَى إلّا بَشَاشَتَهُ … يَبْقَى الإلهُ ويودى المالُ والولدُ (٢)

ثمّ قال لبعيره: حَوْبَ.

قال: أخبرنا سعيد بن عامر وعبد الوهّاب بن عَطاء قالا: أخبرنا محمّد بن عَمرو عن يحيَى بن عبد الرّحمن بن حاطِب عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر بن الخطّاب قافلين من مكّة حتَّى إذا كنّا بشعاب ضَجْنان وقف النّاس فكان محمّد يقول: مكانًا كثير الشجر والأشَبِ، قال فقال: لقد رأيتُنى في هذا المكان وأنا في إبلٍ للخطّاب، وكان فَظًّا غَلِيظًا، أَحْتطبُ عليها مرّة وأَختبطُ عليها أُخرى، ثمّ أصبحتُ اليوم يَضْرِبُ النّاسُ بجَنباتى ليس فوقى أحَدٌ. قال ثمّ تَمَثَّلَ (١) بهذا البيت:

لا شَىْءَ فيما تَرى إلا بَشاشَتَهُ … يَبْقى الإلهُ ويودى المالُ والوَلدُ قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقديّ قال: أخبرنا خارجة بن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: اللهمّ أعِزّ الإسلامَ بأحَبّ الرّجُلين إليك، بعمر بن الخطّاب أو بأبى جَهْل بن هشام. قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطّاب (٢).

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن الحارث قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن حَرْمَلَة عن سعيد بن المسيّب قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا رأى عمر بن الخطّاب أو أبا جَهل بن هشام قال: اللهمّ اشْدُدْ دينك بأحبّهما إليك. فشَدّدَ دينه بعمر بن الخطّاب (٣).

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا أشعث بن سوّار عن الحسن عن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: اللهمّ أعزّ الدّين بعمر بن الخطّاب (٤).

إسلام عمر

قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا القاسم بن عثمان البصريّ عن أنَس بن مالك قال: خرَج عمر مُتَقَلِّدًا السيف فلقيه رجلٌ من بَنى زُهرة قال: أين تَعْمِدُ يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمّدًا، قال: وكيف تأمَنُ في بنى هاشم وبنى زُهرة وقد قتلتَ محمّدًا؟ قال فقال عمر: ما أراك إلّا قد صَبوتَ وتَركتَ دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدُلّك على العجب يا عمر؟ إنّ خَتَنَك وأختَكَ قد صَبَوَا وتركا دينَك الذي أنتَ عليه. قال فمشى عُمر ذامرًا (١) حتَّى أتاهما وعندهما رجلٌ من المهاجرين يقال له خَبّاب. قال فلمّا سمِع خَبّاب حِسّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهَيْنَمَةُ (٢) التي سمعتُها عندكم؟ قال وكانوا يقرءون {طه} فقالا: ما عدا حديثًا تحدّثناه بيننا، قال: فلعلّكما قد صَبوْتُما؟ قال فقال له خَتَنُه: أرأيتَ يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك؟ قال فوثَبَ عمر على خَتنه فَوطِئه وَطْأً شديدًا فجاءت أختُه فدفعتهُ عن زوجها فنفحها بيده نَفْحَةً (٣) فَدَمَّى وجهها فقالت وهي غَضْبَى: يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك، أَشْهَدُ أنْ لا إله إلّا الله وأَشْهَدُ (٤) أنّ محمّدًا رسول الله. فلمّا يئس عمر قال: أعطونى هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. قال: وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: إنّك رِجْسٌ ولا يمسه إلّا المطهّرون فقُمْ فاغتسل أو تَوضّأ (٥). قال فقام عمر فتوضّأ ثمّ أخذ الكتاب فقرأ {طه} حتَّى انتهى إلى قوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [سورة طه: ١ - ١٤].

قال فقال عمر: دُلّونى على محمّد. فلمّا سمع خبّاب قولَ عمر خرَج من البيت فقال: أبْشِرْ يا عمر فإنى أرجو أن تكون دعوةُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لك ليلة الخميس: اللّهمّ أعِزّ الإسلام بعمر بن الخطّاب أو بعَمرو بن هشام، قال ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في الدار التي في أصل الصَّفَا. فانطلقَ عمر حتَّى أتى الدار، قال وعلى باب الدار حَمزة وطَلحة وأُناس من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلمّا رأى حمزةُ وَجَلَ القومِ من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يُرِدِ الله بعمر خيرًا يُسلِمْ ويتبع النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وإنْ يُرِدْ غير ذلك يكن قتله علينا هيّنًا. قال والنّبيّ، عليه السلام، داخلٌ يُوحَى إليه، قال فخرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتَّى أتى عمر فأخذ بمجامع ثَوبه وحمائل السيف فقال: أما أنت منتهيًا يا عمر حتَّى يُنْزِلَ الله بك من الخِزْى والنَّكَال ما أنزل بالوليد بن المغِيرة؟ اللهمّ هذا عمر بن الخطّاب، اللهمّ أعِزّ الدين بعُمر بن الخطّاب، قال فقال عمر: أشْهَدُ أنّكَ رسول الله. فأسلَم وقال: اخْرُجْ يا رسول الله (١).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين قال: وحدّثنى مَعمر عن الزّهريّ قالا: أسلَم عمر بن الخطّاب بعد أن دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دار الأرقم وبعد أربعين أو نيّف وأربعين بين رجال ونساء قد أسلَموا قبله، وقد كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال بالأمس اللهمّ أيّدِ الإسلام بأحَبّ الرّجلين إليك: عمرَ بن الخطّاب أو عَمرو بن هشام. فلمّا أسلَم عمر نَزَلَ جبريل فقال: يا محمّد لقد استبشر أهلُ السّماءِ بإسلام عمر (٢).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن سعيد بن المسيب قال: أسلَم عمر بعد أربعين رجلًا وعشر نسوة، فما هو إلّا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكّة (٣).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني علي بن محمّد عن عُبيد الله بن سلمان الأغَرّ عن أبيه عن صُهيب بن سِنان قال: لمّا أسلَم عُمر ظهر الإسلام ودُعى إليه علانية، وجلسنا حول البيت حِلَقًا وطُفنا بالبيت وانتصفنا ممّن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتى به (٤).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عبد الله عن أبيه قال: ذكرتُ له حديث عمر فقال: أخبرني عبد الله بن ثَعلبة بن صُعَير قال: أسلَمَ عمر بعد خمسةٍ وأربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة (١).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زَيد بن أسْلَم عن أبيه عن جَدّه قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: وُلدتُ قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين. وأسلَم في ذى الحجّة السنة السادسة من النبوّة وهو ابن ستّ وعشرين سنة. قال: وكان عبد الله بن عمر يقول: أسلَم عمر وأنا ابن ستّ سنين.

قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير ويَعْلَى ومحمّد ابنا عُبيد قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قَيْس بن أبي حازم قال: سمعتُ عبد الله بن مَسعود يقول: ما زِلْنا أعِزّةً منذ أسلَم عُمر (٢).

قال محمّد بن عُبيد في حديثه: لقد رأيتُنا وما نستطيع أن نُصلّى بالبيت حتَّى أسلم عمر، فلمّا أسلَم عمر قَاتَلَهم حتَّى تركونا نصلّى.

قال: أخبرنا يَعْلَى ومحمّد ابنا عُبيد وعُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالوا: أخبرنا مِسْعَرُ عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: قال عبد الله بن مَسعود: كان إسلامُ عمر فتحًا وكانت هجرته نَصرًا وكانت إمارته رَحمةً، لقد رأيتُنا وما نستطيع أن نصلّى بالبيت حتَّى أسلم عمر، فلمّا أسلَم عمر قاتَلَهم حتَّى تركونا فصلّينا (٣).

قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل مَن قال لعمر الفاروق، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ذكر من ذلك شيئًا، ولم يبلغنا أنّ ابن عمر قال ذلك إلا لعمر، كان فيما يَذْكُرُ من مناقب عمر الصالحة ويثنى عليه، قال: وقد بلغنا أنّ عبد الله بن عمر كان يقول: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اللهمّ أيّدْ دينك بعمر بن الخطّاب (٤).

قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الأزرقيّ المكّى قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن حسن عن أيّوب بن موسى قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. إنّ الله جَعَل الحقّ على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحقّ والباطل (١).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو حَزرةَ يعقوب بن مجاهد عن محمّد بن إبراهيم عن أبي عمرو ذَكوان قال: قلتُ لعائشة مَنْ سَمّى عمر الفاروق؟ قالت: النّبيّ، عليه السلام (٢).

ذكر هجرة عمر بن الخطّاب وإخائه، رحمه الله

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله بن مُسلم عن الزّهريّ عن سالم عن أبيه وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عُمر بن أبي عاتكة وعبد الله بن نَافع عن نَافع عن ابن عمر قال: لما أَذِنَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، للناس في الخروج إلى المدينة جَعل المسلمون يخرجون أرْسالًا، يصطحب الرجال فيخرجون، قال عمر وعبد الله قلنا لنافع: مُشاةً أو رُكبانًا؟ قال: كلّ ذاك، أمّا أهل القوّة فركبان ويعتقبون وأمّا مَن لم يجد ظَهْرًا فيمشون (٣).

قال عمر بن الخطّاب: فكنت قد اتّعدتُ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل التَّنَاضُب (٤) من أضَاة (٥) بنى غِفار وكنّا إنّما نخرج سرًّا، فقلنا:

أيّكم ما تخلّف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الأضَاة. قال عمر: فخرجتُ أنا وعَيّاش بن أبي ربيعة، واحتَبس هشام بن العاص ففُتنَ فيمن فتن، وقدمت أنا وعيّاش فلمّا كنّا بالعقيق عَدَلنا إلى العُصبة حتَّى أتينا قُباء فنزلنا على رُفاعة بن عبد المنذر فَقَدِمَ على عيّاش بن أبي ربيعة أخواه لأُمّه: أبو جَهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة وأمّهم أسماءُ ابنة مُخَرّبة من بنى تَميم، والنّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعد بمكّة لم يخرج، فأسرعا السَّيْر فنزَلا معنا بقباءَ، فقالا لعيّاش: إنّ أمّك قد نَذَرَت ألا يظلّها ظِلّ ولا يمسّ رأسَها دُهْنٌ حتَّى تراك. قال عمر فقلت لعيّاش: والله إنْ يَرُدّاك إلّا عن دينك فاحْذَرْ على دينك، قال عيّاش: فإنّ لي بمكّة مالًا لعلّى آخذه فيكون لنا قوّة وأَبَرُّ (١) قَسَمَ أُمّى. فخرج معهما فلمّا كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه فأوثقاه رباطًا حتَّى دخلا به مكّة فقالا: كذا يا أهل مكّة فافعلوا بسفهائكم. ثمّ حبسوه (٢).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين أبى بكر الصّدّيق وعمر بن الخطّاب.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال محمّد بن عُمَر: وَأخبرنا عبد الله بن جعفر عن سعد بن إبراهيم قالا: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين عمر بن الخطّاب وعُويم بن ساعدة (٣).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين عمر بن الخطّاب وعِتْبان بن مالك، قال محمّد بن عمر: ويقال بين عمر ومُعاذ بن عَفراء (٤).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: منزل عمر بن الخطّاب بالمدينة خِطّة من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١).

قالوا: شهد عمر بن الخطّاب بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وخرج في عدّة سرايا وكان أمير بعضها.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أُسامة بن زيد بن أسلم عن أبي بكر بن عبد الرّحمن قال: بعث رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عمر بن الخطّاب سريّة في ثلاثين رجلًا إلى عُجْزِ هوازن بِتُرَبَةَ في شعبان سنة سبع من الهجرة (٢).

قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة قال: أخبرنا عوف عن ميمون أبى عبد الله عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه بُريدة الأسلمى قال: لمّا كان حيث نزل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بحضرة أهل خيبر أعطى رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اللواء عمر بن الخطّاب (٣).

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن عُبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال: استأذن عمر النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في العُمْرة فقال: يا أخى أشْرِكنا في صالح دعائك ولا تَنْسَنَا (٤).

قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا شُعبة عن عاصم بن عُبيد الله قال: سمعتُ سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر أنّه استأذن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في العُمْرة فأذِنَ له فقال له النّبيّ: لا تَنْسَنَا يا أخى من دعائك. قال سليمان في حديثه قال فقال لي كلمةً ما يَسُرّنى أنّ لي بها الدّنيا، قال سليمان قال شعبة: ثمّ لقيت عاصمًا بعدُ بالمدينة فحدّثتهُ فقال: قال أشْرِكْنا يا أخى في دعائك. قال أبو الوليد: هكذا في كتابى عن ابن عمر.

قال: أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفيّ عن المغيرة بن زياد الموصليّ عن الوليد بن أبى هشام قال: استأذن عمر بن الخطّاب النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في العمرة وقال إنى أريد المشي. فأذِنَ له، قال فلمّا ولّى دعاه فقال: يا أخى شُبْنا بشئٍ من دعائك ولا تَنْسَنَا (١).

قال: حدّثنا عبد الله بن نُمير عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عُبيدة قال: قال عبد الله: أفرسُ النّاس ثلاثة، أبو بكر في عمر، وصاحبة موسى حين قالت اسْتَأجِرْهُ، وصاحب (٢) يوسف.

ذكر استخلاف عمر

قال: أخبرنا سعيد بن عامر قال: أخبرنا صالح بن رستم عن ابن أبي مُليكة عن عائشة قالت: لمّا ثَقُلَ أبى دخل عليه فلان وفلان فقالوا: يا خليفة رسول الله ماذا تقول لربّك إذا قدمت عليه غدًا وقد استخلفت علينا ابن الخطّاب؟ فقال: أجْلِسونى، أبالله تُرْهِبونى؟ أقولُ استخلفتُ عليهم خيرَهم.

قال: أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا عُبيد الله بن أبي زياد عن يوسف بن ماهَكَ عن عائشة قالت: لمّا حضرت أبا بكرٍ الوفاةُ استخلف عمر فدخل عليه عليّ وطلحة فقالا: مَن استخلفتَ؟ قال: عمر، قالا: فماذا أنت قائلٌ لربّك؟ قال: أبالله تُفرّقانى؟ لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد اللّيثى عن محمّد بن حمزة بن عمرو عن أبيه قال: توفى أبو بكر الصّدّيق مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبى بكر، رحمه الله (٣).

قال: أخبرنا أسْباط بن محمّد عن أشعث عن الحسن قال فيما نظنّ أنّ أوّلَ خُطبةٍ خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فقد ابتُليتُ بكم وابتُليتم بي وخلفتُ فيكم بعد صاحبيّ، فمنْ كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومهما غابَ عَنّا وَلّيْنا أهلَ القوّة والأمانة، فمَنْ يُحْسِنْ نَزِدْهُ حُسنًا ومن يُسئ نُعاقبه ويغفر الله لنا ولكم.

قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن جامع بن شدّاد عن أبيه قال: كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللّهُمّ إنّى شديد فلَيّنّي وإنى ضعيف فقوّنى وإنى بخيل فسَخّنى (١).

قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة عن جامع بن شدّاد عن ذى قرابة له قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: ثلاث كلمات إذا قلتها فهيمنوا عليها: اللّهمّ إنى ضعيف فقوّنى، اللّهمّ إنى غليظ فلَيّنّى، اللّهمّ إنى بخيل فسخّنى.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ووهب بن جرير قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعتُ حُميد بن هلال قال: أخبرنا مَن شَهِدَ وفاةَ أبى بكر الصّدّيق فلمّا فرغ عمر من دفنه نفض يده عن تراب قبره ثمّ قام خطيبًا مكانه فقال: إنّ الله ابتلاكم بي وابتلانى بكم وأبقانى فيكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يَحْضُرُنى شئٌ من أمركم فيَليَه أحدٌ دونى ولا يتغيّبُ عنّى فآلو فيه عن الجَزْءِ والأمانة، ولئِنْ أحْسنوا لأحْسِنَنّ إليهم ولئن أساءُوا لأنَكّلَنَّ بهم. قال الرجل: فوالله ما زاد على ذلك حتَّى فارق الدّنيا.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد قال: قال عمر بن الخطّاب: لِيَعْلَمْ من وَلىَ هذا الأمر من بعدى أن سَيُريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إنى لأقاتلُ النّاسَ عن نفسى قتالًا ولو علمتُ [إن علمت] أنّ أحدًا من النّاس أقوى عليه منّي لكنتُ [أَنْ] أُقدَّمَ فَتُضْرَبَ (٢) عُنُقى أحبُّ إليَّ مِنْ أن ألِيَه (٣).

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن أَيّوب وابن عون وهشام، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، عن محمّد بن سيرين عن الأحنف قال: كنّا جلوسًا بباب عمر فمَرّتْ جاريةٌ فقالوا سُرّيّةُ أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرّيّة وما تَحِلّ له، إنّها من مال الله، فقلنا: فماذا يحلّ له من مال الله؟ فما هو إلا قَدْرُ أنْ بلغت وجاءَ الرسول فدعانا فأتيناه فقال: ماذا قلتم؟ قلنا: لم نقل بأسًا، مرّت جاريةٌ فقلنا هذه سُرِّيَّةُ (١) أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرّيّة وما تحِلّ له، إنّها من مال الله، فقلنا: فماذا يحلّ له من مال الله؟ فقال: أنا أخْبركم بما أسْتَحِلّ منه، يَحِلّ لي حُلّتان، حُلّة في الشّتاء وحُلّة في القَيْظ، وما أحُجّ عليه وأعْتَمِرُ من الظَّهْر، وقُوتى وقُوتُ أهلى كقُوت رجلٍ من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثمّ أنا بعدُ رجلٌ من المسلمين يُصيبُنى ما أصابهم (٢).

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وقبيصة بن عقبة قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرّب قال: قال عمر بن الخطّاب: إنى أنزلتُ نفسى من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف. قال وكيع في حديثه: فإن أيْسَرْتُ قضيتُ.

قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا زكريّاءُ بن أبي زائدة عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرّب عن عمر أنه قال: إنى أنزلتُ مال الله منى بمنزلة مال اليتيم، فإن استغنيتُ عفَفْتُ عنه وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف (٣).

قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زائدة بن قُدامة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عمر: إنى أنزلتُ مال الله منى بمنزلة مال اليتيم، مَن كان غنيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة أنّ عمر بن الخطّاب قال: لا يَحِلّ لي من هذا المال إلا ما كنتُ آكلًا من صُلْب مالى (٤).

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا سلام بن مسكين قال: أخبرنا عمران أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاسْتَقْرَضَه، فربّما عَسُرَ فيأتيه صاحبُ بيت المال يتقاضاه فيَلْزَمُه فيحتال له عمر، وربّما خرج عطاؤه فقضاه (١).

قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر قال: أخبرنا عيسى بن حفص قال: حدّثني رجل من بنى سلمة عن ابنٍ للبراء بن مَعْرُور أنّ عمر خرج يومًا حتَّى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له فنُعِتَ له العَسَلُ وفى بيت المال عُكّة فقال: إنْ أذنْتم لي فيها أخذتها وإلّا فإنّها على حرام، فأذِنوا له فيها (٢).

قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثيّ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر قال: أرسل إليّ عمر يَرْفا (٣) فأتيتُه وهو في مُصَلّاه عند الفجر أو عند الظهر، قال فقال: والله ما كنت أرى هذا المال يَحِلّ لي من قبلِ أن ألِيَه إلا بحقّه، وما كان قطّ أحرم على منه إذ وَليتُه فعاد أمانتى وقد أنفقتُ عليك شهرًا من مال الله، ولستُ بزائدك ولكنى مُعينك بثمر مالى بالغابة فاجدده فبِعْه ثمّ ائْتِ رجلًا من قومك من تُجّارهم فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئًا فاسْتَشْرِكْه فاسْتَنْفِقْ وأنْفِقْ على أهلك (٤).

قال: أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن حُميد عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب رأى جارية تطيش هُزالًا فقال عمر: من هذه الجارية؟ فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك، قال: وأيّ بناتى هذه؟ قال: ابنتى، قال: ما بَلَغَ بها ما أرى؟ قال: عملك، لا تنْفِقُ عليها، فقال: إنّى والله ما أغُرّك من ولدك فأُوسِعَ على ولدك أيّها الرجل (٥).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد قال: قالت حفصة بنت عمر لأبيها، قال يزيد يا أمير المؤمنين، وقال أبو أُسامة يا أبتِ، إنّه قد أوسع الله الرّزق وفتح عليك الأرض وأكثر من الخير فلو طَعِمْتَ طعامًا ألين من طعامك ولَبِسْتَ لباسًا ألين من لباسك، فقال: سأُخاصمُكِ إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَلْقَى من شدّة العيش؟ قال فما زال يُذكّرها حتَّى أبكاها، ثمّ قال: إنى قد قلتُ لك إنى والله لئن استطعتُ لأشاركَنّهما في عيشهما الشديد لَعَلّى ألْقى معهما عيشهما الرخيّ. قال يزيد بن هارون: يعني رسول الله وأبا بكر (١).

أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو عَقيل قال الحَسن: إنّ عمر بن الخطّاب أبَى إلّا شدّةً وحَصْرًا على نفسه فجاء الله بالسعة فجاء المسلمون فدخلوا على حفصة فقالوا: أبَى عمر إلّا شدّةً على نفسه وحصرًا وقد بسط الله في الرزق، فَلْيَبْسُطْ في هذا الفَئِ فيما شاءَ منه وهو في حِلّ من جماعة المسلمين. فكأنّها قاربتهم في هواهم، فلمّا انصرفوا من عندها دَخَلَ عليها عمر فأخبرته بالذى قال القوم فقال لها عمر: يا حفصة بنت عمر نَصَحْتِ قومك وغَشَشْتِ أباكِ، إنّما حَقُّ أهلى في نفسى ومالى فأمّا في دينى وأمانتى فلا.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن غالب، يعني القطّان، عن الحسن قال: كَلّموا حفصة أن تُكَلّمَ أباها أن يُلين من عيشه شيئًا فقالت: يا أبتاه، أو يا أمير المؤمنين، إنّ قومك كلّمونى أن تُلين من عيشك، فقال: غششتِ أباكِ ونصحتِ لقومك (٢).

قال: أخبرنا يحيَى بن حمّاد والفضل بن عنبسة قالا: أخبرنا أبو عوَانة عن الأعمش عن إبراهيم أنّ عمر بن الخطّاب كان يتّجر وهو خليفة. قال يحيَى في حديثه: وجهّز عيرًا إلى الشأم فبعث إلى عبد الرّحمن بن عوف، وقال الفضل: فبعث إلى رجل من أصحاب النّبيّ، عليه السلام، قالا جميعًا يستقرضه أربعة آلاف درهم، فقال للرسول: قل له يَأخُذُها من بيت المال ثمّ ليرُدّها. فلمّا جاءه الرسول فأخبره بما قال شَقّ ذلك عليه فلقيه عمر فقال: أنت القائل ليأخذها من بيت المال؟ فإن مِتّ قبل أن تَجيء قلتم أخَذَها أمير المؤمنين دَعوها له وأُوخَذُ بها يومَ القيامة، لا ولكن أردتُ أن آخذها من رجلٍ حريص شحيح مثلك فإن مِتّ أخَذَها، قال يحيَى من ميراثى، وقال الفضل من مالى.

قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير، قال إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرني سعيد بن أبي بُرْدَة عن يسار بن نُمير قال: سألنى عمرُ: كم أنفقنا في حجّتنا هذه؟ قلت: خمسة عشر دينارًا.

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن يحيَى بن سعيد عن شيخ لهم قال: خرج عمر بن الخطّاب إلى مكّة فما ضرب فُسطاطًا حتَّى رجع، كان يستظلّ بالنّطْع.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين وعبد الوهّاب بن عطاء قالا: أخبرنا عبد الله العُمرى عن عبد الرّحمن بن القاسم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: صَحِبْتُ عمر بن الخطّاب من المدينة إلى مكّة في الحجّ ثمّ رجعنا فما ضرب فسطاطًا ولا كان له بناءٌ يستظلّ به إنّما كان يُلقى نطعًا أو كساء على شجرة فيستظلّ تحته.

قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قال: حدّثني جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسن يحدّث قال: قَدِمَ أبو موسى في وفد أهل البصرة على عمر، قال: فقالوا كنّا ندخل كلّ يوم وله خُبَز ثلاث فربّما وافقناها مأدومةً بزيتٍ، وربّما وافقناها بسمن، وربّما وافقناها باللّبن، وربّما وافقناها بالقدائد اليابسة قد دُقّت ثمّ أُغلى بها، وربّما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل. فقال لنا يومًا: أيّها القوم إنّى والله لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم لطعامى، وإنّى والله لو شئتُ لكنتُ أطْيَبَكم طَعَامًا وَأَرْفَغَكُم (١) عيشًا، أما والله ما أجهلُ عن كَرِاكرَ وأَسْنمة (٢) وعن صِلَاءٍ (١) وصِنَاب (٢) وصلائق (٣)، ولكنى سمعتُ الله، جلّ ثناؤه، عَيّرَ قوْمًا بأمرٍ فعلوه فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [سورة الأحقاف: ٢٠]، وإنّ أبا موسى كلّمنا فقال: لو كلّمتم أمير المؤمنين يَفْرِضُ لنا من بيت المال أرْزاقنا، فوالله ما زال حتَّى كلّمناه فقال: يا معشر الأمراء أمَا تَرْضَوْنَ لأنفسكم ما أرضاه لنفسى؟ قال قلنا: يا أمير المؤمنين إنّ المدينة أرضٌ العيشُ بها شديد ولا نرى طعامك يُعَشِّى ولا يُؤكَل، وإنّا بأرضٍ ذات ريف، وإنّ أميرنا يُعشّى وإنّ طعامه يؤكل. فنكت في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال: فنَعَمْ فإنى قد فرضتُ لكم كلّ يوم من بيت المال شاتين وجريبين فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين فكلْ أنت وأصحابك ثمّ ادْعُ بشرابك فاشْرَبْ، ثمّ اسقِ الذي عن يمينك، ثمّ الذي يليه، ثمّ قم لحاجتك، فإذا كان بالعشيّ فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك، ثمّ ادْعُ بشرابك فاشرب، ألا وأشْبعوا النّاس! في بيوتهم وأطعموا عيالهم فإنّ تجفينكم (٤) للنّاس لا يُحسّن أخلاقهم ولا يُشْبِعُ جائعهم، والله مع ذاك ما أظنّ رُسْتاقًا يُؤخَذُ منه كلّ يومٍ شاتان وجريبان إلا يُسْرِعَانِ في خرابه (٥).

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن يونس عن حُميد بن هلال أنّ حفص بن أبي العاص كان يَحْضُرُ طعام عمر فكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إنّ طعامك جَشِبٌ غليظ وإنى راجع إلى طعام لينٍ قد صُنع لي فأصيب منه، قال: أترانى أعْجِز أنْ آمُرَ بشاةٍ فيُلْقى عنها شَعْرُها وآمُرَ بدَقيقٍ فَيُنْخَلَ في خرقة ثمّ آمُرَ به فيُخْبَزَ خبزًا رقاقًا وآمُرَ بصاع من زبيب فيُقْذَف في سُعْن (١) ثمّ يُصَبّ عليه من الماء فيُصبحَ كأنه دَمُ غزال؟ فقال: إنى لأراك عالمًا بطيب العيش، فقال: أجَلْ! والّذى نفسى بيده لولا أن تنتقص (٢) حَسَنَاتى لَشَارَكْتُكم في لين عيشكم.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن سعيد الجريرى عن أبي نَضْرة عن الربيع بن زياد الحارثى أنّه وفد إلى عمر بن الخطّاب فأعجبته هيئته ونحوه فشكا عمر طعامًا غليظًا أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين إنّ أحَقّ النّاس بطعامٍ لَيّنٍ ومركبٍ لينٍ وملبسٍ لَينٍ لأنْتَ. فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه وقال: أما والله ما أراكَ أرَدتَ بها الله وما أردتَ بها إلّا مقاربتى إن كُنْتُ لأحْسِب أنّ فيك [خيرًا] ويحك! هل تَدْرى ما مثلى ومثل هؤلاء؟ قال: وما مثلك ومثلهم؟ قال: مثلُ قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفِقْ علينا: فهل يَحِلّ له أن يستأثر منها بشئ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: فكذلك مثلى ومثلهم (٣).

ثمّ قال عمر: إنى لم أستعمل عليكم عُمّالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم ولكنى استعملتهم ليعلّموكم كتابَ ربّكم وسنّه نبيكم، فمن ظَلَمَه عاملُه بمظلمة فلا إذنَ له عليّ ليرفعها إليّ حتَّى أُقِصّه منه. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إنْ أدّبَ أميرٌ رجلًا من رعيّته أتُقِصّه منه؟ فقال عمر: وما لي لا أقِصّه منه وقد رأيت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُقِصّ من نفسه؟ وكتب عمر إلى أمراء الأجناد. لا تَضْرِبوا المُسلمين فتُذِلّوهم ولا تَحْرِموهم فتُكْفِرُوهم ولا تُجمّرُوهم فتَفْتنوهم ولا تُنْزِلوهم الغِياض فتُضَيّعوهم (٤).

قالوا: إنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا تُوفى واسْتُخلف أبو بكر الصّدّيق كان يقال له خليفةُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلمّا توفى أبو بكر، رحمه الله، واستخلف عمر بن الخطَّاب قيل لعمر خليفة خليفة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال المسلمون: فمن جاء بعد عمر قيل له خليفة خليفة خليفة رسول الله، عليه السلام، فيطول هذا، ولكن أجْمِعُوا على اسمٍ تدعون به الخليفة يُدْعَ به مَنْ بعده من الخلفاء، فقال بعض أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدُعى عمر أمير المؤمنين فهو أوّل من سُمّى بذلك (١)، (*) وهو أوّل من كتب التاريخ في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة فكتبه من هجرة النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من مكّة إلى المدينة، وهو أوّل من جمع القرآن في الصّحُف، وهو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان وجَمَعَ النّاس على ذلك وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للنّاس بالمدينة قارِئَين، قارئًا يُصلّى بالرّجال وقارِئًا يصلى بالنساء.

وهو أوّل من ضرب في الخمر ثمانين واشتدّ على أهل الرّيَب والتّهَم وأحرق بيت رُويشد الثقفى وكان حانوتًا وغَرّبَ ربيعة بن أُميّة بن خلف إلى خيبر وكان صاحب شراب، فدخل أرضَ الرّوم فارتدّ، وهو أوّل من عَسّ في عمله بالمدينة وحمل الدِّرّة وأدّبَ بها، ولقد قيل بعده لَدِرّةُ عمر أهْيَبُ من سيفكم.

وهو أوّل من فتح الفتوح وهي الأرَضون والكُوَر التي فيها الخراج والفَئُ، فتح العراق كلّه، السواد والجبال، وأذربيجان وكور البصرة وأرضها وكور الأهواز وفارس وكور الشأم ما خلا أجنادين فإنّها فتحت في خلافة أبى بكر الصّديق، رحمه الله.

وفتح عمر كور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندريّة، وقُتِل، رحمه الله، وخَيْلُه على الريّ وقد فتحوا عامّتها، وهو أوّل من مسح السواد وأرض الجبل ووضع الخراج على الأرضين والجزية على جماجم أهل الذمّة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغنى ثمانيةً وأربعين درهمًا وعلى الوسط أربعةً وعشرين درهمًا وعلى الفقير اثنى عشر درهمًا، وقال: لا يُعْوِزُ رجلًا منهم درهمٌ في شهر، فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر، رحمه الله، مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف وافٍ، والواف درهم ودانقان ونصف، وهو أوّل من مصّر الأمصار: الكوفة والبصرة والجزيرة والشأم ومصر والموصل، وأنزلها العرب، وخطّ الكوفة والبصرة خِططًا للقبائل، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار، وهو أوّل من دوّن الديوان وكتب النّاس على قبائلهم وفرض لهم الأعْطِيَةَ من الفئ وقَسَمَ القسوم في النّاس، وفرض لأهل بدر وفَضّلَهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقَدُّمهم في الإسلام، وهو أوّل من حمل الطعام في السّفُن من مصر في البحرِ حتَّى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة.

وكان عمر، رضي الله عنه، إذا بعث عاملًا له على مدينة كتب ماله، وقد قاسم غير واحدٍ منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي وقّاص وأبو هُريرة، وكان يستعمل رجلًا من أصحاب رسول الله، عليه السلام، مثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، ويَدَعُ مَن هو أفْضل منهم مثل عثمان وعليّ وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف ونظرائهم لقوّة أولئك على العمل والبَصَر به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له، وقيل له: مالك لا تُوَلّى الأكابر من أصحاب رسول الله، عليه السلام؟ فقال: أكره أن أدنّسهم بالعمل (*).

واتخذ عمر دار الرقيق، وقال بعضهم الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر (١) والزبيب وما يُحتاج إليه يُعين به المُنقطع به والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر في طريق السّبُلِ ما بين مكة والمدينة ما يُصْلح مَنْ ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء، وهَدَمَ عمرُ مسجد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وزاد فيه وأدخل دار العبّاس بن عبد المطّلب فيما زاد، ووسّعه وبناه لمّا كَثُرَ النّاسُ بالمدينة، وهو أخرج اليهود من الحجاز وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشأم، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة، وكان عمر خرج إلى الجابية في صفر سنة ستّ عشرة فأقام بها عشرين ليلة يقصّر الصلاة، وحضر فتح بيت المقدس، وقسم الغنائم بالجابية، وخرج بعد ذلك في جمادى الأولى سنة سبع عشرة يريد الشأم فبلغ سَرْغَ فبلغه أنّ الطّاعون قد اشتعل بالشأم فرجع من سرغ، فكلّمه أبو عُبيدة بن الجرّاح وقال: أتَفِرّ من قدر الله؟ قال: نعم إلى قَدَرِ الله (١).

وفى خلافته كان طاعون عَمَواس في سنه ثمانى عشرة. وفى هذه السنة كان أوّل عام الرّمادة أصابَ النّاسَ محلٌ وجَدْبٌ ومجاعة تسعة أشهر، واستعمل عمر على الحجّ بالنّاس أول سنة اسْتُخْلِف، وهي سنة ثلاث عشرة، عبد الرّحمن بن عوف فحجّ بالنّاس تلك السنة ثمّ لم يزل عمر بن الخطّاب يحجّ بالنّاس في كلّ سنة خلافته كلّها فحجّ بهم عشر سنين ولاءً: وحجّ بأزواج النّبيّ، عليه السلام، في آخر حِجّة حجّها بالنّاس سنة ثلاثٍ وعشرين، واعْتَمَرَ عمر في خلافته ثلاث مرّات، عُمرة في رجب سنة سبع عشرة، وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين، وعمرة في رجب سنة اثنتين وعشرين، وهو أخّر المقام إلى موضعه اليوم، كان ملصقًا بالبيت.

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: حدّثني الأشعث عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب مصّرَ الأمصار: المدينة والبصرة والكوفة والبحرين ومصر والشأم والجزيرة (٢).

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن يونس عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب قال: هانَ شئٌ أُصْلِحُ به قومًا أنْ أُبَدّلهم أميرًا مكان أمير.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن عبد الله بن إبراهيم قال: أوّل من ألقى الحصى في مسجد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عمر بن الخطّاب، وكان النّاس إذا رفعوا رءوسهم من السجود نفضوا أيْديَهم فأمر عمر بالحصى فجئ به من العقيق فبُسِطَ في مسجد النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا أيّوب عن محمّد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب: لأعْزِلَنّ خالد بن الوليد والمثنى مثنى بنى شيبان حتَّى يعلما أنّ الله إنّما كان ينصر عباده وليس إيّاهما كان ينصر.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا كثير أبو محمّد عن عبد الرّحمن بن عجلان أنّ عمر بن الخطّاب مَرّ بقوم يرتمون فقال أحدهم: أسَيْتَ. فقال عمر: سُوءُ اللّحن أسْوَأ مِنْ سُوءِ الرّمْى.

قال: وأخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا جرير بن حازم عن يَعْلى بن حكيم عن نافع قال: قال عمر: لا يسألنى الله عن ركوب المسلمين البحر أبدًا.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر، قال فكتب عمرو إليه يقول: دُود على عود فإن انكسر العود هلك الدود. قال فكره عمر أن يحملهم في البحر، قال هشام وقال سعيد بن أبي هلال: فأمسك عمر عن ركوب البحر.

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: أخبرنا داود بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمى قال: بينا عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلةٍ إذا امرأةٌ تقول:

هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشرَبَها … أم هل سبيلٌ إلى نصرِ بن حجّاجِ؟

فلمّا أصبح سأل عنه، فإذا هو من بنى سُلَيْم فأرسل إليه فأتاه فإذا هو من أحسن النّاس شَعرًا وأصبحهم وجهًا، فأمره عمر أن يَطُمّ شعره ففعل، فخرجت جبهته فازداد حسنًا، فأمره عمر أن يَعْتَمّ ففعل، فازداد حسنا، فقال عمر: لا والذى نفسى بيده لا تُجامعُنى بأرض أنا بها! فأمر له بما يُصْلحه وسيّره إلى البصرة (١).

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: أخبرنا داود بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمى قال: خرج عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلةٍ فإذا هو بنسوة يتحدّثن، فإذا هنّ يقلن: أيّ أهل المدينة أصْبَحُ؟ فقالت امرأة منهنّ:

أبو ذئب. فلمّا أصبح سأل عنه فإذا هو من بنى سُليم، فلمّا نظر إليه عمر إذا هو من أجمل النّاس، فقال له عمر: أنت والله ذِئْبُهُنّ، مرّتين أو ثلاثًا، والذى نفسى بيده لا تجامعنى بأرض أنا بها! قال: فإن كنت لا بُدّ مُسَيّرنى فسَيّرنى حيث سَيّرتَ ابن عمّى، يعني نصر بن حجّاج السلمى، فأمر له بما يُصْلحه وسيّره إلى البصرة (١).

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن ابن عون عن محمّد أنّ بُرَيْدًا قَدِمَ على عُمر فنثر كنانته فبدرت صحيفة فأخذها فقرأها فإذا فيها:

ألا أبْلِغْ أبا حفصٍ رَسُولًا … فِدى لك من أخى ثِقة إزارى قَلائصَنا، هداك الله، إنّا … شُغِلْنا عنكُمُ زَمَنَ الحِصَارِ فما قُلُصٌ وُجِدْنَ مُعَقَّلاتٍ … قَفا سَلْعٍ بمُخْتَلِفِ التِّجَار (٢)

قلائصُ من بنى سعد بن بكرٍ … وأسْلَمَ أو جُهَيْنَةَ أو غِفارِ يُعَقّلْهُنّ جعدةُ مِنْ سُلَيمٍ … مُعيدًا يَبْتَغى سَقَطَ العذارِ فقال: ادْعوا لي جَعْدَةَ من سُلَيم. قال فدعوا به فجُلِدَ مائةً معقولًا ونهاه أن يدخُل على امرأة مُغيبة.

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العبّاس الأسديّ قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: كان عمر بن الخطّاب يُحِبّ الصلاة في كَبِدِ اللّيل، يعني وسط اللّيل.

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا أبو هلال عن محمّد بن سيرين قال: كان عمر بن الخطّاب قد اعتراه نسيانٌ في الصلاة فجعل رجلٌ خلفه يُلقّنُه، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل.

قال: أخبرنا المُعَلّى بن أسد قال: أخبرنا وُهيب بن خالد عن يحيَى بن سعيد عن سالم بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب كان يُدْخِلُ يده في دَبَرَة (١) البَعير ويقول: إنى لخائفٌ أن أُسْأل عَمّا بك (٢).

قال: أخبرنا خالد بن مَخلَد البَجَلى قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن الزّهريّ قال: قال عمر بن الخطّاب في العام الذي طُعِنَ فيه: أيّها النّاس إنى أُكلّمكم بالكلام فمن حفظه فليحدّث به حيث انتهت به راحلتُه، ومن لم يحفظه فأُحَرّجُ بالله على امرئٍ أنْ يقولَ عليّ ما لم أقلْ.

قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن مَعْمَر عن الزّهريّ قال: أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السُّنَنَ فاسْتَخَارَ الله شهْرًا ثمّ أصبحَ وقد عُزِمَ له فقال: ذكرتُ قومًا كتبوا كتابًا فأقْبلوا عليه وتركوا كتابَ الله (٣).

قال: أخبرنا محمّد بن مصعب القرقسانيّ قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبي مريم عن راشد بن سعد أن عمر بن الخطّاب أُتِىَ بمالٍ فجعل يَقْسِمُه بين النّاس فازدحموا عليه. فأقبل سعد بن أبي وقّاص يُزاحمُ النّاس حتَّى خلص إليه فعلاه عمر بالدِّرّة وقال: إنّك أقبلتَ لا تهابُ سلطان الله في الأرض فأحببتُ أنْ أعلّمَكَ أنّ سلطان الله لن يهابك.

قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عكرمة أنّ حَجّامًا كان يقصّ عمر بن الخطّاب وكان رجلًا مهيبًا، فَتَنَحْنَحَ عمر فأحدث الحجّام، فأمر له عمر بأربعين درهمًا، والحجّام هو سعيد بن الهَيْلَم (٤).

قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثنا أبي عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه قال في ولايته: من وَلىَ هذا الأمر بعدى فليعلم أن سيُريدُه عنه القريبُ والبعيد، وايْمُ الله ما كنتُ إلّا أُقاتل النّاسَ عن نفسى قتالًا.

قال: أخبرنا مطرّف بن عبد الله قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن معمر بن محمّد عن أبيه محمّد بن زيد قال: اجتمع على وعثمان وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد، وكان أجْرَأُهم على عمر عبدَ الرّحمن بن عوف، فقالوا: يا عبد الرّحمن لو كلّمتَ أمير المؤمنين للنّاس فإنّه يأتى الرّجلُ طالب الحاجة فتَمْنَعُهُ هَيْبَتُكَ أنْ يكلّمك في حاجة حتَّى يرجع ولم يَقْضِ حاجته. فدخل عليه فكلّمه فقال: يا أمير المؤمنين لِنْ للنّاس فإنّه يَقْدَمُ القادم فتمنعه هيبتُك أن يُكلّمك في حاجته حتَّى يرجع ولم يُكلّمْك. قال: يا عبد الرّحمن أنْشُدُك الله أعَليٌّ وعثمان وطلحة والزّبير وسعد أمَروك بهذا؟ قال: اللّهمّ نعم، قال: يا عبد الرّحمن والله لقد لِنْتُ للنّاس حتَّى خشيت الله في اللين ثمّ اشتددت عليهم حتَّى خشيت الله في الشدّة، فأينَ المَخْرَجُ؟ فقام عبد الرّحمن يبكى يَجُرّ رِداءَه يقول بيده: أُفّ لهم بعدك، أُفّ لهم بعدك (١)!

قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن كُليبٍ عن أبيه عن ابن عبّاس قال: كان عمر بن الخطاب كُلّما صلّى صلاةً جلس للنّاس، فمن كانت له حاجة نظر فيها. فصلّى صلوات لا يجلس فيها فأتيتُ الباب فقلتُ: يا يَرْفا، فخرج علينا يَرْفا، فقلت: أبأمير المؤمنين شَكْوَى؟ قال: لا، فبينا أنا كذلك إذ جاء عثمان فدخل يرفا ثمّ خرج علينا فقال: قم يابن عفّان، قم يا ابن عبّاس، فدخلنا على عمر وبين يديه صُبَرٌ من مال، على كلّ صُبْرة منها كَتِفٌ، فقال: إنى نظرتُ فلم أجِدْ بالمدينة أكثر عشيرة منكما، خُذا هذا المال فاقْسِماه بين النّاس، فإن فَضَلَ فَضْلٌ فرُدّا. فأمّا عثمان فحثا وأما أنا فجثيتُ لرُكْبَتَيّ فقلتُ: وإن كان نقصانًا رددتَ علينا؟ فقال: شِنْشِنَةٌ مِنْ أخْشَنَ، قال سفيان: يعني حجرًا من جبل، أما كان هذا عند الله إذ محمّد، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه يأكلون القِدّ؟ قلتُ: بلى ولو فُتح عليه لَصَنَعَ غير الذي تَصْنَعُ، قال: وما كان يصنع؟ قلت: إذًا لأكل وأطعمنا. قال: فرأيته نَشج حتَّى اختلفت أضلاعه وقال: لَوَدِدْتُ أنى خرجتُ منه كفافًا لا عَلَيّ ولا لي.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: أصيب بعيرٌ من المال زعم يحيَى من الفئ فنحره عمر وأرسل إلى أزواج النّبيّ منه وصنع ما بقى فدعا عليه من المسلمين وفيهم يومئذ العبّاس بن عبد المطّلب، فقال العبّاس: يا أمير المؤمنين لو صنعت لنا كلّ يوم مثل هذا فأكلنا عندك وتحدّثنا، فقال عمر: لا أعود لمثلها، إنّه مضى صاحبان لي، يعني النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأبا بكر عملا عملًا وسلكا طريقًا وإنى إنْ عَمِلْتُ بغير عَمَلهما سُلك بي طريقٌ غير طريقهما.

قال: أخبرنا عبد الله بن مسلم بن قَعْنَب الحارثى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب خرج فقعد على المنبر فثاب النّاس إليه حتَّى سمع به أهل العالية فنزلوا فعَلّمهم حتَّى ما بقى وجهٌ إلّا عَلّمَهُم، ثمّ أتى أهلَه وقال: قد سمعتم ما نهيتُ عنه وإنى لا أعرف أنّ أحدًا منكم يأتى شيئًا ممّا نهيتُ عنه إلا ضاعفتُ له العذاب ضِعْفَيْن، أو كما قال (١).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر عن الزّهريّ عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان عمر إذا أراد أن يَنْهَى النّاس عن شئ تقدّم إلى أهله فقال: لا أعْلَمَنّ أحدًا وَقَعَ في شئ ممّا نهيتُ عنه إلا أضعفتُ له العقوبة.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة قال: كان عمر إذا أتاه الخصمان برك على رُكْبَتَيْه وقال: اللّهمّ أعِنّى عليهما فإنّ كلّ واحدٍ منهما يريدنى عن دينى (٢).

قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ وهوذة بن خليفة قالوا: أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب: ما بقى فيّ شئٌ من أمر الجاهليّة إلا أنى لستُ أبالى إلى أيّ النّاس نَكَحْتُ وأيّهم أنْكَحْتُ.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: حدّثني معاوية بن قُرّة عن الحكم بن أبي العاص الثقفيّ قال: كنت قاعدًا مع عمر بن الخطّاب فأتاه رَجُلٌ فسَلّمَ عَليه فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران قرابةٌ؟ قال الرجل: لا، قال عمر: بلى، قال الرجل: لا، قال عمر: بلى والله، أنْشُدُ الله كلّ رجلٍ من المسلمين يعلم أنّ بين هذا وبين أهل نجران قرابةً لمَا تَكَلّمَ، فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قِبَل كذا وكذا، فقال له عمر: مَهْ فإنّا نقفو الآثار.

قال: أخبرنا يعلى بن عُبيد قال: أخبرنا سفيان عن أبي نَهيك عن زياد بن حُدَيْر قال: رأيتُ عمر أكثر النّاس صيامًا وأكثرهم سواكًا.

قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زهير بن معاوية قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قال عمر بن الخطّاب. لو كنتُ أُطيقُ مع الخِلّيفَى (١) لأذّنْتُ.

قال: أخبرنا يعلى بن عُبيد قال: أخبرنا مِسْعَر بن كِدام عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيَى بن أبي جَعْدة قال: قال عمر بن الخطّاب: لولا أنْ أسيرَ في سبيلِ الله أو أضع جبينى لله في التراب أو أجالس قومًا يلتقطون طيّب القول كما يُلتقط طيّب الثمر لأحْبَبْتُ أن أكون قد لحقتُ بالله (٢).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمى قال: أخبرنا عمر بن سليمان بن أبي حُثْمة عن أبيه قال: قالت الشفاءُ ابنة عبد الله، ورأتْ فِتْيانًا يقصدون في المشي ويتكلّمون رويدًا فقالت: ما هذا؟ فقالوا: نُسّاكٌ، فقالت: كان والله عمر إذا تكلّم أسمع وإذا مشى أسرَع وإذا ضَرب أوجع، وهو النّاسك حقًّا.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن أُمّ بكر بنت المِسْوَر عن أبيها المِسْوَر بن مخرمة قال: كنّا نلزم عمر بن الخطّاب نَتَعَلّمُ منه الوَرَعَ.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيَى، يعني ابن سعيد، قال: قال عمر بن الخطّاب ما أُبالى إذا اختصم إليّ رجلان لأيّهما كان الحقّ.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب بن خالد قال: أخبرنا خالد الحذّاء عن أبي قِلابة عن أنس بن مالك عن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: أشدّ أُمّتى في أمر الله عمر.

قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا محمّد بن قيس الأسدى عن العلاء بن أبي عائشة أنّ عمر بن الخطّاب دعا بحَلّاق فحلقه بموسى، يعني جسده، فاستشرف له النّاسُ فقال: أيّها النّاس، إنّ هذا ليس من السّنّة ولكن النورة من النعيم فكَرهْتُها.

قال: أخبرنا حَجّاج بن محمّد قال: أخبرنا أبو هلال الراسبيّ عن قتادة قال: كان الخلفاء لا يتنوّرون، أبو بكر وعمر وعثمان.

قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلى قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال: رأيتُ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال لي: يا عمر إنْ وَليتَ من أمر النّاس شيئًا فخُذْ بسيرة هذَيْن.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس المدينيّ عن الزّهريّ عن سالم قال: كان عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عمر لا يُعْرَفُ فيهما البِرّ حتَّى يقولا أو يفعلا (١)، قال: قلتُ يا أبا بكر ما تعنى بذلك؟ قال: لم يكونا مُؤنّثَين ولا مُتماوِتَين.

قال: أخبرنا مَعن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة بن مسعود قال: كان البِرّ لا يُعْرَفُ في عمر ولا في ابنه حتَّى يقولا أو يفعلا.

قال: أخبرنا مَعن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن قطَن بن وهب بن عُوَيمر بن الأجدع قال معن: إنّ عمر بن الخطّاب كان يسير ببعض طريق مكّة، وقال عبد الله بن مسلمة عن قَطَن بن وهب عن عمه إنّه كان مع عمر بن الخطّاب في سفر فلمّا كان قريبًا من الروحاء، قال معن وعبد الله بن مسلمة في حديثهما، فسمع صوت راعٍ في جبل فعدل إليه فلمّا دنا منه صاح: يا راعىَ الغنم، فأجابه الراعى فقال: يا راعيها، فقال عمر: إنى قد مررتُ بمكان هو أخصبُ من مكانك وإنّ كلّ راعٍ مسئول عن رعيّته، ثمّ عدل صدورَ الركاب.

قال: أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرّحمن الحِمّانى عن النعمان بن ثابت عن موسى بن طلحة عن ابن الحوتكيّة قال: سُئِل عمر عن شئ فقال: لولا أنى أكره أن أزيد في الحديث أو أنتقص منه لحدّثتكم به.

قال: أخبرنا معن بن عيسى ورَوْح بن عبادة قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يومًا وخرجتُ معه حتَّى دخل حائطًا فسمعتهُ يقول، وبينى وبينه جدارٌ وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بَخْ والله بُنيَّ الخطّاب لَتَتَّقِيَنَّ الله أو لَيُعَذّبَنّك (١).

قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس قال: حدّثني أبى عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقول: إنّ النّاس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أَئمّتُهم وهُداتُهم (٢).

قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس عن هشام بن حسّان عن الحسن قال: قال عمر بن الخطّاب: الرعيّة مُؤَدِّيَةٌ إلى الإمام ما أدّى الإمامُ إلى الله، فإذا رَتَعَ الإمامُ رتعوا.

قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني أبى عن عاصم بن محمّد عن زيد بن أسلم قال: أخبرني أسلم أبى أنّ عبد الله بن عمر قال: يا أسلم أخبرني عن عمر، قال: فأخبرتُه عن بعض شأنه فقال عبد الله: ما رأيتُ أحدًا قطّ بعد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من حين قُبض كان أجَدّ ولا أجودَ حتَّى انتهى من عمر (٣).

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا مِنْدَل بن عليّ عن عاصم قال: سمعتُ أبا عثمان النّهدى يقول: والّذى لو شاء أنْ تَنْطِقَ قَناتى نَطَقَتْ لو كان عمر بن الخطّاب ميزانًا ما كان فيه مَيْطُ شَعْرَة (١).

قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقيّ المكّى قال: أخبرنا أبو عُمير الحارث بن عمير عن رجل أنّ عمر بن الخطّاب رقى المنبر وجمع النّاس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس لقد رأيتُنى وما لي من أَكَال (٢) يَأكُلُه النّاس، إلّا أنّ لي خالاتٍ من بنى مخزوم، فكنتُ أستعذِبُ لهنّ الماءَ فَيُقَبِّضْنَ (٣) لي القبضات من الزبيب. قال ثمّ نزل عن المنبر، فقيل له: ما أردتَ إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إنى وجدتُ في نفسى شيئًا فأردتُ أن أطأطئَ منها.

قال: أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال: قال سفيان، يعني ابن عُيينة: قال عمر بن الخطّاب: أحبّ النّاس إليّ من رفع إليّ عيوبى.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أنّ الهُرْمُزان رأى عمر بن الخطّاب مضطجعًا في مسجد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: هذا والله المَلِكُ (٤) الهَنِئُ.

قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَليّ قال: أخبرنا عبد الله بن عمر قال: أخبرني زيد بن أسْلم عن أبيه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثمّ ينْزُو على مَتْن الفرس.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: كان عمر بن الخطّاب يأمر عمّاله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال: أيّها الناس، إنى لم أبعث عُمّالى عليكم ليُصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنّما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فَيْئَكم بينكم، فمن فُعِلَ به غير ذلك فلْيَقُمْ. فما قام أحد إلا رجلٌ واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إنّ عاملك فلانًا ضربنى مائة سوط. قال: فيمَ ضربتَه؟

قم فاقتصّ منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنّك إنْ فعلتَ هذا يَكْثر عليك ويكون سُنّةً يأخذُ بها مَن بعدك، فقال: أنا لا أُقِيدُ وقد رأيتُ رسول الله يُقيد من نفسه، قال: فَدَعْنا فلنُرْضِه، قال: دُونَكم فأرْضوه. فافتدى منه بمائتى دينار، كلّ سوط بدينارين.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الجريريّ عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد مولى أبى أسيد قال: كان عمر بن الخطّاب يَعُسّ المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحدًا إلا أخرجه إلّا رجلًا قائمًا يصلّى، فمرّ بنفر من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيهم أُبَيّ بن كَعب فقال: من هؤلاء؟ قال أُبَيّ: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلّفَكم بعد الصّلاة؟ قال: جلسنا نذكر الله، قال فجَلَسَ معهم ثمّ قال لأدْناهم إليه: خُذْ، قال فدعا فاسْتَقْرَأهم رجلًا رجلًا يدعون حتَّى انتهى إليّ وأنا إلى جنبه فقال: هات، فحُصرتُ وأخذنى من الرّعدة أفْكَلٌ حتَّى جعل يجد مسّ ذلك منّى، فقال: ولو أن تقول اللّهمّ اغفر لنا، اللّهمّ ارحمنا، قال ثمّ أخذ عمر [يدعو] فما كان في القوم أكثر دمعةً ولا أشدّ بكاءً منه، ثمّ قال: إِيهًا، الآن فتفرّقوا (١).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا فَرَج بن فَضالة عن محمّد بن الوليد الزّبيديّ عن الزّهريّ قال: كان عمر بن الخطّاب يجلس متربّعًا ويستلقى على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا فرج بن فضالة عن محمّد بن الوليد عن الزّهرىّ قال: قال عمر بن الخطّاب إذا أطال أحدُكم الجلوس في المسجد فلا عليه أن يضع جنبه فإنّه أجدر أن لا يَمَلّ جلوسه.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب وهشام عن محمّد بن سيرين قال: قُتِلَ عمر ولم يجمع القرآن.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال. حدّثني عائذ بن يحيَى عن أبي الحُويرث عن جُبير بن الحُويرث بن نُقَيْد أنّ عمر بن الخطّاب استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له عليّ بن أبي طالب: تَقْسِمُ كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تُمْسِكُ منه شيئًا، وقال عثمان بن عفّان: أرى مالًا كثيرًا يَسَعُ النّاسَ وإنْ لم يُحْصَوْا حتَّى تَعْرِفَ من أخَذَ ممّن لم يأخذ، خشيتُ أن يَنْتَشِرَ الأمْرُ. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئتُ الشأم فرأيتُ ملوكها قد دوّنوا ديوانًا وجَنّدوا جنودًا فدَوّنْ ديوانًا وجَنّدْ جنودًا، فأخذ بقوله فدعا عَقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجُبير بن مطعم وكانوا من نُسّاب قريش فقال: اكتبوا النّاس على منازلهم، فكتبوا فبَدءُوا ببنى هاشم ثمّ أتْبعوهم أبا بكر وقوْمَه، ثمّ عمر وقومه على الخلافة، فلمّا نظر إليه عمر قال: وددتُ والله أنّه هكذا ولكن ابْدءوا بقرابة النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب حين عُرِض عليه الكِتابُ، وبنو تيم على أثر بنى هاشم، وبنو عديّ على أثر بنى تيْم، فأسْمَعُهُ يقول: ضَعوا عُمرَ موضعَه وابْدَءُوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فجاءت بنو عديّ إلى عمر فقالوا: أنت خليفة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أو خليفة أبى بكر وأبو بكر خليفة رسول الله، عليه السلام، قالوا: وذاك فلو جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم، قال: بَخٍ بَخٍ بنى عَديّ، أردتم الأكل على ظهرى لأنْ أُذْهِبَ حَسناتى لكم، لا والله حتَّى تأتيكم الدّعوة وإنْ أُطْبِقَ عليكم الدفترُ، يعني ولو أن تُكتبوا آخرَ النّاس، إنّ لي صاحبين سلكا طريقًا فإن خالفتُهما خولف بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عَمِلنا إلّا بمحَمّد، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فهو شرفنا وقومه أشرف العرب ثمّ الأقرب فالأقرب، إنّ العرب شَرُفَتْ برسول الله، ولو أن

عمر بن الخطاب حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

مَعْرِفَةُ نِسْبَةِ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمَعْرِفَةُ مُدَّةَ وِلَايَتِهِ وَوَفَاتِهِ وَسِنِّهِ ١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنَ إِلْيَاسَ بْنَ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ»

أسئلة شائعة - عمر بن الخطاب

من هو عمر بن الخطاب؟

عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو ثاني الخلفاء الراشدين، الملقب بالفاروق لأن الله فرّق به بين الحق والباطل.

ما أهم إنجازات عمر بن الخطاب؟

أسس الدواوين ونظام التقويم الهجري، وفتح في عهده فارس والشام ومصر، ووضع نظام القضاء.

كيف توفي عمر بن الخطاب؟

استُشهد رضي الله عنه بطعنة من أبي لؤلؤة المجوسي أثناء صلاة الفجر سنة 23 هجرية.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 17 ذو الحجة
أحدب متناقص اليوم 18.2 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله