الإسلام > فتاوى > اداب > بكتاب سفارة نيجيرا بالقاهرة المؤرخ ١٤ نوفمبر سنة ١٩٨٠ المرفق به ورقة…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
إن الله سبحانه وتعالى أورد الربا فى القرآن فى مواضع متعددة،
وكان آخر الآيات نزولا (ج - ١ ص ٢٦٧ تفسير فتح القدير للشوكانى) فى شأنه (على ما صح عن عمر بن الخاب وابن عباس رضى الله عنهم) قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين.
فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون.
واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} البقرة ٢٧٨،
٢٨١،
وفى السنة الشريفة (سبل السلام للصنعانى ج - ٣ ص ٨ وما بعدها) روى البخارى ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الذهب بالذهب،
والفضة بالفضة،
والبر بالبر،
والشعير بالشعير والتمر بالتمر،
والملح بالملح،
مثلا بمثل،
سواء بسواء،
يدا بيد،
فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) .
وهذا النص من السنة قد قسم الأشياء التى يراد تبادلها إلى ثلاثة أضرب الضرب الأول أن يكون البدلان من نوع واحد،
كالذهب بالذهب فهاهنا يخضع التبادل لشرطين التساوى فى الكم،
والفورية فى التبادل،
بمعنى عدم تأجيل شىء من البدلين.
الضرب الثانى اختلاف نوعى البدلين مع أنهما من جنس واحد كالذهب بالفضة وكالقمح بالشعير،
فها هنا شرط واحد،
وهو الفورية فى التبادل والقبض،
ولا يضر اختلاف الكم.
الضرب الثالث أن يكون البدلان من جنسين مختلفين،
كالفضة والطعام،فلا يشترط فى هذا شىء من هذين القيدين،
بل تكون المقايضة فيهما حرة.
والقواعد المستفادة من هذا الحديث الشريف وغيره فى باب التبادل والتقايض.
تهدف إلى حماية النقود والأطعمة،
وهما أهم حاجات الناس وأعظم مقومات حياتهم،
وذلك بمنع تعريضهما للتقلبات المفاجئة فى التنمية،
فوق منع احتكارهما أو إخفائهما،
ومن جهة أخرى الحرص على حماية الفقراء وغيرهم من طرق الغين والاستغلال.
ونجد هذا الهدف واضحا فى الحديث الشريف الذى رواه مسلم فى صحيحه (أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء من التمر.
فقال له النبى ما هذا من تمرنا فقال الرجل يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع،
فقال صلى الله عليه وسلم ذلك الربا ردوه،
ثم بيعوا تمرنا،
ثم اشتروا لنا من هذا) .
ما هو الربا فى لغة العرب أن الربا الزيادة.
وفى اصطلاح فقهاء المسلمين زيادة مال فى معاوضة مال بمال بدون مقابل.
وهذه الزيادة إما أن تكون حقيقية كالزيادة فى أحد البدلين المتجانسين على الآخر مع التقايض فى الأصناف التى يجرى فيها الربا،
وهى ما أطلق عليه الفقهاء (ربا الزيادة) وإما أن تكون الزيادة حكمية،
أو زيادة فى المعنى كالتأجيل فى قبض أحد البدلين فى الأصناف التى يجرى فيها هذا النوع من الربا،
وفى هذه الحالة تمسى الزيادة ربا النسيئة أى التأخير،
وقد تصاحب هذه الزيادة الحكمية زيادة حقيقية فى البدل المشروط تأجيله فى مقابلة الأجل.
فالزيادة إذا كانت مشروطة فى العقد صراحة أو معروفة للمتعاقدين عند إجراء العقد،
بحيث يستغنيان بهذه المعرفة عن اشتراطها صراحة تكون ربا من غير شك.
والذى تفيده الأحاديث النبوية الشريفة التى رواها رجال الحديث الموثوق بهم - البخارى ومسلم والنسائى وأحمد - فى أبواب المضاربة والمزارعة والمساقاة أن اشتراط جزء معين من ربح ذلك وثمراته لأحد المتعاقدين منهى عنه،
لأنه يخل بالمقصود من العقد،
وهو الاشتراك فى النتائج والثمرات.
ومن أجل هذا اشترط الأئمة الفقهاء لزوم خلو العقد من مثل هذه الاشتراطات،
تطبيقا للسنة الصحيحة،
وهى الأصل الثانى للشريعة.
ولقد أثبت الإمام مالك (ما يجوز من الشرط فى القراض وما لا يجوز ج - ٣ ص ١٥٧،
١٥٨ شرح الزرقانى على موطأ مالك - المطبعة الخيرية) فى الموطأ ما يفيد انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز اشتراط جزء معين غير نسبى من الربح لصاحب المال فى القراض نفسه.
فقد قال (فى رجل دفع إلى رجل مالا قراضا واشترط عليه فيه شيئا من الربح خالصا دون صاحبه إن ذلك لا يصلح،
وإن كان درهما واحدا إلا أن يشترط نصف الربح له،
ونصفه لصاحبه أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر،
فإذا سمى شيئا من ذلك قليلا أو كثيرا فإن كل شىء سمى من ذلك حلال،
وهو قراض المسلمين.
قال ولكن إن اشترط أن له من الربح درهما واحدا فما فوقه خالصا له دون صاحبه،
وما بقى من الربح فهو بينهما نصفين،
فإن ذلك لا يصلح،
وليس على ذلك قراض المسلمين) .
لما كان ذلك كانت الفائدة المحرمة فى الإسلام،
هى تلك التى سماها (الربا) وهو كل زيادة مالية فى معاوضه مال بمال بدون مقابل حقيقى.
تحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه فى كل الأديان السماوية،
كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم.
(سورة البقرة الآيات من ٢٧٥ إلى ٢٨١ وسورة آل عمران من ١٣٠ إلى ١٣٢ وسورة النساء من ١٦٠ الى ١٦١ وسورة الروم الآية ٣٩) وبينت السنة النبوية الشريفة تحريمه بنوعيه - ربا الفضل وربا النسيئة - فى أحاديث وحوادث كثيرة حوتها كتب السنة (فتح البارى شرح صحيح البخارى ج - ٤ وصحيح مسلم بشرح النووى ج - ١١ ونيل الأوطار للشوكانى ج - ٥) الصحيحة.
ولقد حث الإسلام بنى الإنسان على التعاون على البر والتقوى ونهاهم عن التعاون على الإثم العدوان.
فقال الله سبحانه فى القرآن الكريم
{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
المائدة ٢،
ومن أوجه التعاون على البر المأمور به فى هذه الآية تعاون المسلمين فى الأمور المالية كالتجارة والمزارعة والمساقاة والصناعة،
وذلك فى نطاق القواعد العامة التى بينها الله سبحانه فى آيات أخرى كقوله
{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}
البقرة ١٨٨،
ومع المحافظة على التوازن بين مصلحة الفرد ومصالح الجماعة،
على ما تشير إليه آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم،
فالتعاون على الخير بوجه عام أمر مقرر فى الإسلام،
وهو الوسيلة القويمة إلى إصلاح المجتمع وإيجاد الصفاء والوفاق بين أفراده،
بديلا للجفاء والشقاق والتباغض التحاسد.
والتعاون الإسلامى فى الماليات مشروط بألا يدخل فى نطاق الربا المحرم الذى سبق بيان وصفه وعنوانه وأدلته.
أما دور الإسلام فى ترتيب الوظائف العامة فإن القرآن الكريم قد وضع أساس هذه الوظائف ورتب لها الأجر نظير العمل.
نجد هذا واضحا فى القرآن الكريم.
حيث قال الله سبحانه
{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها}
التوبة ٦٠،
إذ فى جعل (العاملين عليها) أصحاب سهم من الصدقات نظير تفرغهم للقيام على جمعها وإيداعها بيت المال وحفظها.
فى هذا دليل على جواز إنشاء الوظائف اللازمة لإدارة أموال المسلمين ومختلف شئونهم (بداية المجتهد لابن رشد ج - ١ ص ٢٧٦ طبع الحلبى بمصر) وترتيب الأجور والمرتبات بما يكفى حاجتهم ويصرفهم إلى القيام بما أسند إليهم من أعمال،
وعلى هذا جرى عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده،
وتواتر عمل المسلمين عليه فى جميع العصور.
ووفقا لما تقدم عن بيان مفهوم الربا المحرم شرعا (الفائدة) فإنه يجب على المسلمين اجتناب التعامل بهذه الفوائد الربوية بوصفه تعاملا محرما شرعا،
ويمكن إيجاد بديل لهذه الفوائد المحرمة باستثمار الموال المدخرة فى شركات للتجارة أو للصناعة أو للزراعة،
ويقوم بهذا جمعية تدير هذه الشركات،
إما بوصفها وسيطا،
وإما بوصفها وكيلا عن أصحاب الأموال المدخرة.
وبمعيار الربا المحرم يمتنع فى نطاق أحكام الإسلام تلك الأعمال التى تقوم بها المصارف التجارية التى تباشر عمليات القروض،
إذ أن عملها فى هذا المضمار يقع على ضربين: ١ - اقتراضها الأموال من أصحاب الودائع مقابل فائدة تعطى لهم لأن الودائع فى مثل هذه الحال بمثابة قروض نظير فائدة.
٢ - إقراضها الأموال المتجمعة تحت يدها،
أو جزءا منها إلى عملاء آخرين مقابل فائدة بسعر أعلى تحصل عليها.
وتثرى هذه المصارف بما يتجمع لديها من فروق بين سعر فائدة الاقتراض وسعر فائدة الإقراض،
وهذا هو الربا الذى حرمه الإسلام لما فيه من مضار ومفاسد،
ولما يترتب عليه من خلق فئة متعطلة وحبس المال عن التداول.
ومن هنا كان لابد للمسلمين من التفكير فى الالتجاء إلى نظام آخر يبتعدون به عن هذا الربا،
ويتمثل هذا النظام بوجه عام فى التعاون على استثمار أموالهم فى الوجوه المشروعة فى الإسلام،
وإقراض المحتاجين دون فوائد،
وإقراض المنتجين والمستثمرين بمشاركتهم فى مشروعاتهم التجارية أو الزراعية أو الصناعية.
واتحاد الضمان - المسئول عنه - وحسبما جاء بورقة
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.