١١٥٣ - مَن جَعَلَ مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَلَا هُوَ دِينًا وَلَا طَاعَةً وَلَا قُرْبَةً جَعَلَهُ دِينًا وَطَاعَة وَقُرْبَةً: كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا بِاتفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣١/ ٣٨] * * * [حكم الكذب لإضحاك الناس

الإسلام > فتاوى > اداب > ١١٥٣ - مَن جَعَلَ مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَلَا هُوَ دِينًا وَلَا طَاع…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «١١٥٣ - مَن جَعَلَ مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَلَا هُوَ…»

]

١١٥٤ - الْمُتَحَدِّثُ بِأحَادِيثَ مُفْتَعَلَةٍ لِيُضْحِكَ النَّاسَ أَو لِغَرَضٍ آخَرَ: عَاصٍ للّهِ وَرَسُولِهِ،
وَقَد رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ: وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ" .

وَقَد قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ فِي جدٍّ وَلَا هَزْلٍ،
وَلَا يَعِدُ أَحَدُكُمْ صَبِيَّهُ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزُهُ.
[٣٢/ ٢٥٦]

* * *

[حكم الغناء؟]

١١٥٥ - رَخَّصَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي أَنْوَاعٍ مِن اللَّهْوِ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ،
كمَا رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ.

وَأَمَّا الرّجَالُ عَلَى عَهْدِهِ فَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِنْهُم يَضْرِبُ بِدُفٍّ وَلَا يُصَفِّقُ بِكَفٍّ،
بَل قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ" . "وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِن النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.
والمتشبهين مِن الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ" .

وَلَمَّا كَانَ الْغِنَاءُ وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ وَالْكَفِّ مِن عَمَلِ النِّسَاءِ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِن الرِّجَالِ مُخَنَّثًا،
وَيُسَمُّونَ الرِّجَالَ الْمُغَنِّينَ مَخَانِيث،
وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ.
[١١/ ٥٦٥ - ٥٦٦]

١١٥٦ - فَأَمَّا الْمُشْتَمِلُ عَلَى الشَّبَّابَاتِ وَالدُّفُوفِ المصلصلة فَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ تَحْرِيمُهُ.

وَذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ،
فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا حُكِيَ فِي الْيَرَاعِ الْمُجَرَّدِ.

مَعَ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا فِي ذَلِكَ نِزَاعًا وَلَا مُتَقَدّمَةُ الْخُرَاسَاييِّين وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَأَخِّرُو الْخُرَاسَانيِّين.

وَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذَكَرَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لَهُم وَأَنَّ اللهُ مُعَاقِبُهُم.

فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ.

وَالْمَعَازِفُ هِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ،
وَهَذَا اسْمٌ يَتَنَاوَلُ هَذ الْآلَاتِ كُلَّهَا.
[١١/ ٥٣٧]

١١٥٧ - مَن كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِحَقَائِقِ الدِّينِ وَأَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَمَعَارِفهَا وَأَذْوَاقِهَا وَمَوَاجِيدِهَا عَرَفَ أَنَّ سَمَاعَ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ لَا يَجْلِبُ لِلْقُلُوبِ مَنْفَعَةً وَلَا مَصْلَحَة إلَّا وفِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِن الضَّرَرِ وَالْمَفْسَدَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ،
فَهُوَ لِلرُّوحِ كَالْخَمْرِ لِلْجَسَدِ يَفْعَلُ فِي النُّفُوسِ فِعْلَ حُمَّيَا الْكُؤُوسِ،
وَلهَذَا يُوَرِّثُ أَصْحَابَهُ سُكْرًا أَعْظَمَ مِن سُكْرِ الْخَمْرِ.

وَالسَّلَفُ يُسَمُّونَهُ تَغْبِيرًا؛
لِأنَّ التَّغْبِيرَ هُوَ الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ عَلَى جِلْدٍ مِن الْجُلُودِ،
وَهُوَ مَا يُغَبِّرُ صَوْتَ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّلْحِينِ،
فَقَد يُضمُّ إلَى صَوْتِ الْإِنْسَانِ،
إمَّا التَّصْفِيقُ بِأَحَدِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى،
وَإِمَّا الضَّرْبُ بِقَضِيبٍ عَلَى

فَخِذٍ وَجِلْدٍ،
وَإِمَّا الضَرْبُ بِالْيَدِ عَلَى أُخْتِهَا أَو غَيْرِهَا عَلَى دُفٍّ أَو طَبْلٍ؛
كَنَاقُوسِ النَّصَارَى،
وَالنَّفْخِ فِي صَفَّارَةٍ كَبُوقِ الْيَهُودِ.

فَمَن فَعَلَ هَذِهِ الْمَلَاهِي عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالتَّقَرُّبِ فَلَا رَيْبَ فِي ضَلَالَتِهِ وَجَهَالَتِهِ.

وَامَّا إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَغُبِ فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَنَّ آلَاتِ اللَّهْوِ كُلَّهَا حَرَامٌ،
فَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَكونُ مِن أُمَّتِهِ مَن يَسْتَحِلُّ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَذَكَرَ أَنَّهُم يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ.

والْمَعَازِفُ هِيَ الْمَلَاهِي كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ،
جَمْعُ مِعْزَفَةٍ وَهِيَ الْآلَةُ الَّتِي يُعْزَفُ بِهَا؛
أَيْ يُصَوَّتُ بِهَا.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فِي آلَاتِ اللَّهْوِ نِزَاعًا.
[١١/ ٥٧٣ - ٥٧٦]

١١٥٨ - مَن اتَّخَذَ الْغِنَاءَ وَالتَّصْفِيقَ عِبَادَةً وَقُرْبَةً فَقَد ضَاهَى الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ،
وَشَابَهَهُم فِيمَا لَيْسَ مِن فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

فإِنْ كَانَ يَفْعَلُهُ فِي بُيُوتِ اللهِ فَقَد زَادَ فِي مُشَابَهَتِهِ أَكْبَرَ وَأَكْبَرَ،
وَاشْتَغَلَ بِهِ عَن الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ،
فَقَد عَظُمَتْ مُشَابَهَتُهُ لَهُم،
وَصَارَ لَهُ كِفْلٌ عَظِيمٌ مِن الذَّمِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سبحانه وتعالى:

{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}

[الأنفال: ٣٥] . [١١/ ٥٩٦]

١١٥٩ - فِي السُّنَنِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - فَمَرَّ بِرَاعٍ مَعَهُ زَمَّارَةٌ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَتَسْمَعُ يَا نَافِعُ؟
فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ رَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَفَعَلَ مِثْل ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا حَدِيث مُنْكَرٌ.

وَقَد رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا .

فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن أَبَاحَ الشبابة ،
لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الشبابة حَرَامٌ.

وَلَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا مِن أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا مُتَاخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّين مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛
فَإِنَهُم ذَكَرُوا فِيهَا وَجْهَيْنِ.

وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ -وَهُم أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ- فَقَطَعُوا بِالتَّحْرِيمِ كَمَا قَطَعَ بِهِ سَائِر الْمَذَاهِبِ.

وَآلَاتُ الْمَلَاهِي لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا وَلَا الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

فَهَذَا الْحَدِيث إنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى إبَاحَةِ الشبابة،
بَل هُوَ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا.
أَوْلَى مِن وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الاِسْتِمَاعُ لَا السَّمَاعُ،
فَالرَّجُلُ لَو يَسْمَعُ الْكُفْرَ وَالْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالْغِنَاءَ والشبابة مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ بَل كَانَ مُجْتَازًا بِطَرِيق فَسَمِعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

وَلَو جَلَسَ وَاسْتَمَعَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ لَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِهِ: كَانَ آثِمًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا سَدَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أُذُنَيْهِ مُبَالَغَة فِي التَّحَفُّظِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَصْلًا،
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الاِمْتِنَاعَ مِن أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِن السَّمَاعِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُن فِي السَّمَاعِ إثْمٌ.

وَلَو كَانَ الصَّوْتُ مُبَاحًا: لَمَا كَانَ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَن سَمَاعِ الْمُبَاحِ.

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 92 · المحرمات والذنوب والمعاصي > حكم الكذب لإضحاك الناس؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«١١٥٣ - مَن جَعَلَ مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَلَا هُوَ…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.3 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله