الإسلام > فتاوى > زكاه > الأخت ف. ح. ش, من ليبيا، تقول: هل يجوز إعطاء صدقة الفطر لغير المسلمين
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
قد شرع الله عز وجل للمسلمين أن يحسنوا إلى غيرهم من الكفار
وغير الكفار،
وأن يعطوا المؤلفة قلوبهم من الزكاة وغيرها تأليفًا لقلوبهم على الإسلام،
وتقوية لإيمانهم،
ودعوة لغيرهم إلى الدخول في الإسلام،
ودفعًا لشر من يخشى شره،
ولهذا قال جل وعلا:
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}
الآية،
فجعل لهم نصيبًا من الزكاة،
قال جماعة من العلماء: هم السّادة المطاعون في عشائرهم،
هم الكبار والأعيان الذين إذا أعطوا نفع العطاء فيهم في قوة إيمانهم،
أو بإسلامهم إن كانوا كفارًا،
أو بإسلام نظرائهم،
أو بدفع شرهم إذا كانوا يخشى شرهم،
كل هذا من السياسة الشرعية،
ويجوز أن يعطوا من الزكاة من بيت المال من صدقات المسلمين،
تأليفًا لقلوبهم،
ودفعًا لشرهم إذا خشي شرهم،
ودعوة لغيرهم إلى الإسلام،
قال الله عز وجل في كتابه العظيم في سورة الممتحنة:
{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}
. أخبر سبحانه أنه لا ينهانا عن هؤلاء الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا أن نحسن إليهم ونبرهم،
ونقسط إليهم؛
لما في ذلك
من تأليف قلوبهم،
وترغيبهم في الإسلام،
ودفع شرهم إذا خُشي شرهم،
فيعطون من بيت المال،
ويعطيهم المسلمون من أموالهم وصدقاتهم جبرًا لحاجتهم،
وسدًّا لهم،
وتأليفًا لقلوبهم،
ودعوة لهم إلى الإسلام،
أو حرصًا على قوة إيمانهم إن كانوا مسلمين،
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها لما قدمت عليها أمها في حال الهدنة وهي كافرة تريد الصلة والإحسان،
قال لها صلى الله عليه وسلم: «صلي أمك» من باب التأليف والإحسان لأمها وهي على دين قومها في حال الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة،
وكان عمر يصل بعض أقاربه في مكة في وقت الهدنة،
رضي الله عنه.
والمقصود أن الصلة والإحسان للكفار الذين ليس بيننا وبينهم حرب في حال الهدنة،
أو في حال العهد والذمة،
أو في حال الأمان إذا رآها ولي الأمر،
أو رآها الإنسان مع أقاربه،
أو مع غيرهم لا بأس بها،
بل فيها تأليف للقلوب،
ودعوة للإسلام،
وترغيب فيه،
ليعلموا أن الإسلام يرغِّب في الإحسان،
ويدعو إلى الإحسان مع
أهله ومع غير أهله ممن ليس حربًا لنا،
وكم حصل بالإحسان من خير عظيم،
جماعة كثيرون كانوا يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم ويعادونه،
ولما أحسن إليهم وواساهم أحبّوه ودخلوا في الإسلام،
ومن ذلك صفوان بن أمية رضي الله عنه،
«قال رضي الله عنه: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني،
وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» وحتى أدخل الله عليه الإسلام،
وهذا كلامه أو معناه،
وهكذا قال غيره ممن أحسن إليه النبي صلى الله عليه وسلم،
«وقد جاءه أعرابي يسأله،
فأعطاه غنمًا،
وذهب إلى قومه،
وقال: يا قوم،
أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر» ،
المقصود أن في الإحسان للمسلم وغيره منفعة كثيرة،
يقوي إيمان المسلم،
إذا أعطاه ولي الأمر أو أعطاه المسلمون،
أو أعطاه إخوانه من زكاتهم وصدقاتهم وهو محتاج يصدق إيمانه،
ويقوى حبه لإخوانه المسلمين،
ويقوى عمله في الإسلام،
وإذا أحسن المسلمون إلى غيرهم من الكفار ولا سيما الرؤساء والكبار كان ذلك فيه خير
عظيم،
فيه دعوة لهم للإسلام،
وإخبار لهم بما في الإسلام من الخير والإحسان والجود على خصومه إذا لم يكونوا حربيين،
فالإسلام يأمر بالإحسان والجود والكرم في فقراء المسلمين وفي فقراء غيرهم ممن لهم ذمّة،
أو أمان أو عهد،
يتألفهم بذلك المؤمن،
ويدعوهم إلى أن يدخلوا في الإسلام،
ويحبب الإسلام إليهم،
فينبغي للمؤمن أن يلاحظ ذلك مع أقاربه،
ومع جيرانه إذا كان في بلد فيها كفار وهناك أمن بينهم لا حرب أن يحسن إليهم حتى يرغّبهم في الإسلام،
وحتى يقوي إيمانهم إن كانوا مسلمين،
أمّا الزكاة فتدفع إلى الرؤساء والكبار عند الجمهور،
إنّما تدفع للرؤساء والأعيان والسادة،
تأليفًا لهم إن كانوا مسلمين،
وتقوية لإيمانهم،
ودعوة لهم للإسلام إن كانوا غير مسلمين،
ودعوة لغيرهم من أمرائهم،
ودفعًا لشرهم إن كان فيهم شر،
أمّا صدقة التطوع فهي عامة للرؤساء وغير الرؤساء من الكفار الذين ليس بيننا وبينهم حرب،
يعطون من المال،
ويحسن إليهم بغير المال من شفاعة تنفعهم،
أو تفريج كربة،
ودفع شر عنهم؛
ليرغبوا في الإسلام،
وليتوجّهوا إليه بقلوبهم،
وليعرفوا فضله وفضل أهله،
والله المستعان.
ولا شك أن هذا الأمر يجهله كثير من الناس،
فينبغي أن يعلم،
ولهذا جعل الله للمؤلفة قلوبهم حقًّا في الزكاة،
وحقًّا في بيت المال،
وعلى ولي الأمر أن يلاحظ ذلك،
ويعتني بالمؤلفة قلوبهم حتى يكونوا عونًا للمسلمين،
وحتى يرغبوا في الإسلام،
أو يكفوا شرهم عن المسلمين،
وهكذا أفراد المسلمين يحسنون لجيرانهم إذا كانوا في بلاد فيها كفار،
يحسنون إليهم ويرغّبونهم في الإسلام،
ويعطونهم من صدقاتهم ما يرغبهم في الإسلام،
وإذا كانوا من السادة والكبار أعطوهم أيضًا من الزكاة لعلهم يسلمون،
أو يسلم أمراؤهم وأشباههم،
نسأل الله أن يفقه المسلمين في دينهم،
وأن يعينهم على كل خير.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.