أنا مبتلى بالنظر إلى النساء, مع أني ملتزم، ومحافظ على الصلاة في المسجد، وأحفظ أكثر من نصف القرآن، وأصوم ثلاثة أيام من كل شهر, وأتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، لكن هذه البلوى لم أستطع التخلص منها، فما الحل

الإسلام > فتاوى > صوم > أنا مبتلى بالنظر إلى النساء, مع أني ملتزم، ومحافظ على الصلاة في المس…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «أنا مبتلى بالنظر إلى النساء, مع أني ملتزم، ومحافظ…»

الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد:

أبارك لك إيمانك وحفظك نصف القرآن،
ومواظبتك على الصلاة والصيام،
وأرجو الله لك المزيد والقبول..
وأما ما ذكرت من ضعفك أمام فتنة النظر للنساء فاعلم -بارك الله فيك- أن فتنة النساء فتنة خطيرة جداً،
حذر الله منها وحذر منها رسولُه -صلى الله عليه وسلم- وحذر منها الصالحون والعلماء والناصحون،
وكم أوقعت في شباكها جماعة من العباد والصالحين،
حتى صرفتهم عن زهدهم وتنسكهم،
وعبادتهم لله عز وجل،
بل إن بعضهم مرق من دين الإسلام بسبب امرأة،
وما القصة التي اشتهر ذكرها عن جمع من أهل السير والتاريخ والتفسير،
ببعيدة عنا عن جمع من الصحابة والتابعين،
وذكرها ابن جرير في تفسيره (٢٨/٤٩) من عدة أوجه،
أحدها عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: إن راهباً تعبد ستين سنة،
وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنّها،
ولها إخوة،
فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها،
قال فجاؤوا بها إليه فداواها،
وكانت عنده،
فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها،
فحملت فعمد إليها فقتلها،
فجاء إخوتها،
فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك،
إنك أعييتني،
أنا صنعت هذا بك،
فأطعني أنجك مما صنعت بك،
اسجد لي سجدة،
فسجد له،
فقال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين،
فذلك قوله: "كَمَثَلِ ?لشَّيْطَ?نِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَ?نِ ?كْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيء مّنكَ إِنّى أَخَافُ ?للَّهَ رَبَّ ?لْعَ?لَمِينَ" [الحشر:١٦] .

وتأمل معي -بارك الله- فيك ما في هذه الآية من البلاغة اللغوية،
وسمو التشريع،
وفصاحة الخطاب،
فقد قال الله عز وجل: "يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَ?رِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ" [النور:٣٠] ،
فبدأ بالأمر بحفظ البصر ثم أتبعه بحفظ الفرج،
وذلك لأنّ البصر الباب الأكبر إلى القلب،
وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته،
ووجب التحذير منه.

ولهذا قالوا: النواظر صوارم مشهورة،
فأغمدها في غمد الغض والحياء من نظر المولى،
وإلا جرحك بها عدو الهوى.

وما أحسن قول الشاعر:

وغض عن المحارم منك طرفا طموحا يفتن الرجل اللبيبا

فخائنة العيون كأسد غاب إذا ما أهملت وثبت وثوبا

ومن يغضض فضول الطرف عنها يجد في قلبه روحا وطيبا

فإذا تأملت هذا الخطر من جراء النظر دفعك ذلك للخوف من الوقوع في شباكه،
ثم زد على ذلك التمسك ببعض القواعد النافعة في غض البصر،
ومنها:

القاعدة الأولى: إذا نظرت نظر الفجأة فاصرف بصرك:

في صحيح مسلم (٢١٥٩) عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: سَأَلْت رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَظْرَة الْفُجَاءَةِ, فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِف بَصَرِي.

قال النووي في شرح مسلم: وَمَعْنَى نَظَر الْفَجْأَة أَنْ يَقَع بَصَره عَلَى الْأَجْنَبِيَّة مِنْ غَيْر قَصْد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِي أَوَّل ذَلِكَ, وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِف بَصَره فِي الْحَال, فَإِنْ صَرَفَ فِي الْحَال فَلَا إِثْم عَلَيْهِ, وَإِنْ اِسْتَدَامَ النَّظَر أَثِمَ لِهَذَا الْحَدِيث, فَإِنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَهُ بِأَنْ يَصْرِف بَصَره مَعَ قَوْله تَعَالَى: "قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم" .

اصرف بصرك ولو أن تضطر لإغماض عينيك،
واعلم يا عبد الله أنك إنما تتعامل مع الله،
مع ربك ومولاك،
من إذا غضب ألقى بك في نار وقودها الناس والحجارة،
عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم.

القاعدة الثانية: (يا علي!
لا تتبع النظرة النظرة،
فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) . رواه أبو داود (٢١٤٩) ،
والترمذي (٢٧٧٧) ،
وهو حديث حسن.

وهذه قاعدة متصلة بالقاعدة السابقة،
ومكملة لها،
وهي قاعدة ذهبية في غض البصر وحفظه عن الحرام،
قال ابن الجوزي: وهذا لأن الأولى لم يحضرها القلب, ولا يتأمل بها المحاسن, ولا يقع الالتذاذ بها, فمتى استدامها مقدار حضور الذهن كانت كالثانية في الإثم.

القاعدة الثالثة: تجنب الجلوس والتسكع في الطرقات:

في صحيح البخاري (٢٤٦٥) ،
وصحيح مسلم (٢١٢١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ" . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّه" ُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟
قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ" .

قال النووي: هَذَا الْحَدِيث كَثِير الْفَوَائِد, وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الْجَامِعَة, وَأَحْكَامه ظَاهِرَة, وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَب الْجُلُوس فِي الطُّرُقَات لِهَذَا الْحَدِيث.

فنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الجلوس في الطرقات؛
لأنها مظنة التعرض للنظر المحرم،
وارتكاب منهيات أخرى،
فلذلك قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإن كان لابد" ،
فأعطوا الطريق حقه،
وذكر من حق الطريق غض البصر.

ويشترك مع الطرقات هذه التي هي مظنة النظر المحرم،
الأماكن العامة التي يكثر فيها التفسخ،
كبعض الحدائق والأسواق،
وللأسف إن كثيراً من المسلمين يتهاونون في هذا الأمر،
فيخرجون للنزهة في مثل هذه الحدائق مع علمهم بأنها مليئة بمظاهر التفسخ والانحلال والعري،
ثم بعد ذلك يطالبون بالحلول العملية المعينة على غض البصر.

فإن قلت: لكن لا يستطع الإنسان حبس نفسه بالبيت،
فلا بد من الخروج لشراء الحوائج،
والنزهة،
فأقول أولاً: لا بد أن يكون ذلك بقدر الحاجة،
ولا يحدث فيه توسع،
ثم ليتجنب الإنسان الأزمنة والأمكنة التي هي مظنة الفساد،
وبعد ذلك أقول لك كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "فإن كان ولا بُد فأعطوا الطريق حقه ...
غض البصر،
وكف الأذى" .

القاعدة الرابعة: "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ" [غافر:١٩] .

قال ابن عباس -رضي الله عنهما- هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها.

وعنه -رضي الله عنهما- هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غضّ بصره, فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر, فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره, وقد علم الله -عز وجل- منه أنه يود لو نظر إلى عورتها.

وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه.

وقال قتادة: هي الهمزه بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى.

سئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟
قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره.

وكان الإمام أحمد ينشد:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب

القاعدة الخامسة: "بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه" ُ [القيامة: ١٤،
١٥] .

يكثر الإنسان من البحث عن الأعذار في عدم إمكانية غض البصر،
وأنه أمر غير واقعي،
ويبدأ الشيطان بحياكة صور متعددة من الأعذار،
ويزين له الاتكال عليها من أجل أن يطلق بصره،
ويسرح بنظره،
فتارة يقول له مستهزئاً: الأحسن لك أن تكون أعمى،
أو أن تصطدم بالناس،
وتارة يقول له: سر كالأبله الذي لا يعرف شيئاً،
وأخرى يقول له المهم نظافة القلب،
ولو نظرت إلى النساء،
وهكذا،
إلى غير هذه من الأعذار،
و

👤
مصدر الفتوى د. طارق بن عبد الرحمن الحواس
من «فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم» · ص 276 · استشارات تربوية وتعليمية > ثالثا: انحرافات سلوكية > اخرى

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«أنا مبتلى بالنظر إلى النساء, مع أني ملتزم، ومحافظ…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.3 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله