بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد: إخواننا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. س/ إننا كمسلمين في كردستان العراق لدينا أربع جماعات إسلامية ثلاثة جهادية وأخرى إخوانية ولدينا مقرات ومراكز إسلامية مفتوحة في كثير من المدن وتحت سلطة طالباني وبرزاني. وفي بداية العام الحالي انفصل بعض الشباب المتحمس وأعلنوا جماعة باسم خاص، وفي بداية ظهورهم أعلنوا الجهاد ضد سلطة طالباني وبرزاني وانحصروا في منطقة صغيرة. وبعد ثمانية أشهر لم يحققوا أي نصر على الأحزاب العلمانية وبالعكس فأعمالهم تضر أعمالاً ونشاطات وعملية الدعوة الإسلامية الأخرى وفي الشهر المنصرم إنهم قاموا بعمل ضد القبور ونبش لقبور بعض شيوخ نقشبندية ونبش قبورهم هل هذا جائز أم لا

الإسلام > فتاوى > عقيدة > بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد: إخواننا الكرام ا…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد…»

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد..

فإن تعظيم القبور واتخاذها مزارات والطواف حولها وسؤال الموتى وتقديم القرابين لهما..
وما جرى مجرى ذلك من الأعمال المنكرة،
والبدع المحدثة..
هذه الأفعال قديمة في الأمم.
وقد حذر منها الأنبياء - نوح فمن بعده عليهم الصلاة والسلام- وهذا أمر معروف فساده لمن سلمت فطرته،
وأسلم وجهه وقلبه لخالقه على الحقيقة قال تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" وقد ثبت النهي عن تعظيم القبور واتخاذها مساجد وسؤال الأموات في نصوص كثيرة..
وليس الغرض هو إثبات ذلك.
ولكن الغرض هو في فقه التعامل مع هذا المنكر العظيم والشرك الوبيل.
وتعلمون وفقكم الله أن المقصد الأعظم من الدعوة وإنكار المنكرات هو إزالتها أو تقليلها قدر الإمكان بحيث يكون حال الناس بعد الإنكار والدعوة أحسن من حالهم قبل ذلك.
وحول هذا القصد يدور الحكم وتتنزل مراتب الإنكار من الوجوب المتعين،
إلى التحريم والامتناع..
وما بين ذلك،
وقد علم بالتجربة والمشاهدة شدة تعلق عامة الجهلة من المسلمين بهذه البدع،
واعتقادهم أن ما يفعلونه هو مما يقربهم إلى الله زلفى،
تماماً كما كان المشركون يظنون ذلك.
وهذا كله بفعل دعاة السوء ممن ينتسب إلى العلم ويدعيه،
فهم سنّوا للجهلة هذه الأباطيل وزينوها في أنفسهم،
وفعلوها وأفتوا بجوازها بل بمشروعيتها وجعلوا لها الأوراد والأوقات،
يتكسبون بذلك ويأكلون أموال الناس بالباطل،
ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً،
حتى تلقى الناس عنهم هذا المنكر بالقبول،
وجعلوا من علماء السوء حجة لهم وواسطة يخاصمون أهل الحق بهم،
يقولون: لو كان هذا الفعل باطلاً أو شركاً لم يفعله فلان وفلان،
وهم أعلم منكم وأعرف بالحلال والحرام - يظنون ذلك - والشيطان يوقع على ألسنتهم ويؤزهم لنصرة هذه البدع والدفاع عنها..
وبسبب ذلك اختلط الأمر على عامة المسلمين الذين حيل بينهم وبين معرفة التوحيد الحق فزهدوا فيه وأعرضوا عنه وأقبلوا على الشرك وعظموه وقدّسوا دعاة الباطل ونصروهم،
واستوحشوا من دعاة الحق وحاربوهم،
وهذا في كثير من بلاد المسلمين،
وفي قديم الدهر وحديثه..
ولم يزل دعاة الحق من أهل السنة والجماعة يبينون للناس الحق بالدليل والبرهان،
وبالإقناع وبالصبر والمصابرة والحكمة،
ولم يعرف عن علماء المسلمين وأهل الفقه والبصيرة منهم أنهم تجاهلوا واقع الناس من الجهل والغوغائية فأقدموا على أعمال تثير عامة الناس كهدم القباب ونبش القبور وهدم المساجد المبنية عليها إلا بتحقق شروط وانتفاء موانع.
منها: - أولا: - أن يكون لأهل السنة سلطة وقوة يستطيعون بها التنفيذ،
ويمتنعون بها من الأذى،
وهذا لا يتحقق غالباً إلا إذا كانوا هم أهل السلطة وبيدهم الحكم،
فإن إزالة هذه المنكرات ليس بالأمر الهين،
وهو من الإنكار باليد في أمر عام وهذا لا يتيسر عادة إلا في ظل سلطة وقوة.

ثانياً: - أن يغلب على الظن أنه لا يترتب على إزالة هذا المنكر - وهو هنا نبش القبور أو هدم القباب - ألا يترتب على إزالته منكر أكبر كالاعتداء على أهل السنة وعلى ممتلكاتهم،
ومساجدهم ودعاتهم،
واستغلال هذا الفعل واتخاذه ذريعة لإثارة الرأي العام ضدهم وضعفهم بما ينفر العامة منهم،
وطردهم،
أو مقاتلتهم..
أو نحو ذلك مما يحول بينهم وبين دعوة الناس وبيان الحق لهم وقبولهم والأخذ عنهم،
كأن يمنعوا من الخطابة والتدريس والوعظ ...
فينقطع الخير الواصل منهم إلى الناس،
وينفر الناس منهم،
فتخفى معالم الحق وتندرس آثاره،
ويعود الناس إلى تعظيم الباطل أضعافاً مضاعفة ويستوحشون من دعاة الحق لسنوات طويلة.
ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبادر إلى تكسير الأصنام الموجودة في جوف الكعبة وهو في مكة ولا حين اعتمر بعدما هاجر إلى المدينة،
بل تركها حتى دخل فاتحاً منصوراً ذا قوة ومنعة وترك البيت على بناء قريش ولم يعد بناءه على قواعد إبراهيم لأن قومه حديثو عهد بجاهلية ولم يقتل عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق مع علمه صلى الله عليه وسلم بحاله،
وقال: - "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" البخاري (٣٥١٨) ومسلم (٢٥٤٨) . ونهى الله سبحانه المسلمين أن يسبوا آلهة المشركين حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى سب الله تعالى،
قال تعالى "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" [الأنعام: ١٠٨] . ونوح عليه الصلاة والسلام دعا قومه زمناً طويلاً ولم يعرف عنه ولا عن أحد من أتباعه أنهم أقدموا على تحطيم الآلهة المتبعة ولا قاموا بنبش القبور المعظمة من دون الله،
لأنهم كانوا قلة مستضعفين في قومهم.
قال سبحانه: - "....وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ...
" [نوح: ٢٣-٢٤] .

وقد تعاقب العلماء والمصلحون في هذه الأمة،
وكانوا يحذرون من هذه البدع وينالهم بسبب ذلك الأذى،
لكن لما كانوا على علم بحال الناس وأن الملوك والسلاطين ليس فيهم من الشجاعة والعلم بفساد هذه المسالك الموجب لطمسها والحيلولة بين الناس وبينها،
بل كان كثير من السلاطين يرون أن تثبيت ملكهم وكون العامة إلى جانبهم آثر لديهم من القيام بواجب إزالة هذه المنكرات،
إن لم يكونوا هم من جملة من يعظمها.
أقول: قد كان العلماء والمصلحون يرون ذلك فيرون من تعارض المفاسد والمصالح ما جعلهم يتوقفون عن الإقدام على إزالة هذه المشاهد لترجح حدوث مفاسد أعظم لو أقدموا على إزالتها.

ولا شك أنهم مع توقفهم عن الإزالة وأخطاء معالم هذه المنكرات كانوا أعلم منا بخطورة ما يفعله الناس،
ولهم من الحظوة والمنعة أكثر مما لنا في الناس اليوم خاصة في كردستان العراق التي تعمل جهات عديدة على استئصال شأفة الإسلام ودعاته منها،
وأن الدعوة إلى الله ما تزال غضة ناشئة،
وما يزال الناس في جهل وانحراف في العقائد والسلوك والعبادة ...
فالواجب عليكم أن تفقهوا طبيعة هذه المرحلة،
وألاّ تغترّوا بهامش الحرية الذي تتمتعون به،
أو القوة المحدودة التي كسبتموها فانتم كبش الفداء لأي تغيير قادم،
أيا كان وضع كردستان،
فلا تستعدوا الناس عليكم،
ولا تجعلوا للمتربصين حجة وذريعة لإبعادكم عن المجتمع ومواقع التأثير.

أنتم بحاجة إلى أن تقنعوا عامة الناس بأنكم دعاة حق،
وأن لديكم مشروعاً إصلاحياً يحل مشاكل الناس ويخفف معاناتهم اليومية،
علموهم أحكام الإسلام بحكمة،
اجعلوهم يكرهون الشرك ويوحدون الخالق،
ويعبدونه ويصلون له،
ثم حدثوهم عن أن غير الله لا ينفع ولا يضر،
اذكروا لهم قصة قوم نوح فمن بعدهم،
اجعلوهم يكرهون هذه المشاهد وهذه القبور نظرياً أولاً ويهجرونها وهي قائمة،
حاولوا أن تكثروا أنصاركم من الموحدين ولا تستعجلوا إثارة الناس ضدكم بمواجهتكم في معتقداتهم الفاسدة،
قبل أن تتألفوا قلوبهم فإن هذا من استعجال الثمرة واختزال المراحل الدعوية،
وتجاهل الظروف المحيطة،
والاستهانة بعواطف الناس،
ومواجهة سدنة الباطل والمتربصين بكم قبل أن تستكملوا العدة.
وفي هذا خطر عظيم على الدعوة وضعف في الفقه لا نرضاه لكم،
ونناشدكم ألا تستعدوا على أهل السنة خصومهم في وقت مبكر،
ليتكم تشتغلون بدعوة عامة الناس ممن لا يزورون هذه القبور وهم كثير وتجعلونهم في صفكم،
وليتكم تهتمون بحاجات الناس التي تكسبون بها قلوبهم حتى يقبلوا منكم الحق الذي هو الغاية من دعوتكم.
فالنصح والدعوة وتصحيح العقائد والعبادات نظرياً مقدم على غيره وهو من إقامة الحجة ومن البلاغ الذي لم تفرغوا منه بعد،
ولم توفوه حقه فإن لدى الناس من الشبهات شيء كثير.

والخلاصة أنه لا ينبغي الإقدام على هدم القباب ولا يجوز لكم نبش القبور بحجة إخفاء معالمها وصدّ الناس عنها في هذه الظروف فإن هذا من إزالة المنكر بمنكر أعظم منه،
فهو من المصالح الملغاة وبخصوص نبش القبور فإن هذا لا يعرف من فعل المسلمين.

اللهم إلا إذا كان القبر أدخل إلى المسجد بعد بنائه،
فهذا ينبش ويخرج،
لكن وفق ما ذكرنا من تحقق المصالح وانتفاء المفاسد.
وما سوى ذالك فالأصل ترك القبور وعدم نبشها.
وإذا حصل ونبش قبر من هذه القبور فإن الغرض هو إخفاء معالمه حتى لا يعبد ويعظم فإن كان في إخفائه عن ورثته مصلحة فهذا أولى وإن كان يتوقع حصول مفسدة منهم باعتداء ونحوه بسبب عدم تمكينهم منه فينبغي أن يمكنوا منه بتسليمهم رفاته وعظامه درءاً للمفسدة.
وهذا يشهد لما ذكرنا من وجوب الكف عن هذه الأفعال والاشتغال بما لا ينفر الناس حتى يأتي الوقت المناسب لإزالة هذه المنكرات بعد أن يتهيأ الناس نفسياً وعلمياً.
ويلتحق بما ذكرنا مسألة تطبيق حكم الشرع في قرية أو محلة لم تستوف الشروط اللازمة لإمكان تطبيق أحكام الشرع بما يكفل مصالح الناس،
ويدرأ عنهم المفاسد المتوقعة،
وأحكام الشرع التي يتعذر تطبيقها هي: الأحكام التي تحتاج إلى سلطة وقوة في تنفيذها وهي الحدود من القطع والرجم،
فإنها تحتاج - كما أسلفنا - إلى قوة ومنعة وإلى سيادة حقيقية على الأرض،
وإلى بيعة وحاكم مطاع.
وهذه لا تتأتى لأهل قرية في كردستان ونحوها.
لكن عليهم أن يجتهدوا في التعاون على فعل الخير ومقاومة الفساد والمنكرات والحفاظ على الأمن بحيث يصبح صاحب المنكر غريباً مبغوضاً لا مكان له بينهم وعليهم أن يتعاونوا في تأمين حاجات الناس من التعليم والصحة وغيرها،
وأن يستقلوا بذلك عن العلمانيين الذين يجعلون من تأمين هذه الحاجات وسيلة إلى السيطرة ومحاربة المصلحين.
وإن من الغفلة والخطأ أن تتركوا لأهل الباطل قلوب الناس ودنياهم،
فلا يرون فيكم سوى وعاظ لا برنامج لديهم ولا طموح،
فلا يرون فيكم بديلاً مناسباً،
بل اجمعوا للناس بين الدين والدنيا،
وهذه فرصتكم،
ولا تظهروا لخصومكم أنكم تنزعون نحو الانفصال ولا تقبلون التعايش مع مجتمعكم،
بل ادعوا واغلبوا أهل الفساد والباطل بوسائل مكافئة ومحققة للأهداف،
ولا تستعجلوا الخطوات فتعاقبوا بعثرات مبكرة ومواجهات لا تخدم مستقبل الدعوة،
واعلموا أن أهل الباطل في الداخل والخارج لن يتركوكم وما تريدون،
واعتبروا بدول ذات سيادة حوصروا وحوربوا حتى اضطروا إلى التنازل والتراجع فكيف بقرية محصورة وعدد قليل.
فاحذروا الحماس واستعجال النتائج،
نحن معكم في الطموح والرغبة الصادقة في تحقيق الخير للناس وحكمهم بشرع الله،
ونتمنى أن تكون بلاد المسلمين كلها كذلك،
ولكن لسنا معكم في هذا التوقيت وهذا التبسيط ونرى أن العاقل من وعظ بغيره واعتبر بمن سبقه.

فيا ليت إخواننا من أهل السنة في كردستان العراق يحققون قدراً أكبر من التعاون والتشاور فيما بينهم،
وينظرون إلى العواقب بعين واعية ويغلبون المصالح العامة على الاجتهادات الخاصة،
ويحذرون الاستعجال ويستشيرون في الأمور الكبيرة التي تؤثر على مستقبلهم.
وفقكم الله وجمع على الحق كلمتكم.،،،

👤
مصدر الفتوى د. حسن بن صالح الحميد
من «فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم» · ص 1 · الدعوة الإسلامية > مشكلات دعوية > نبش القبور البدعية

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد…»

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
التربيع الأول اليوم 7.4 / 29.5
الإضاءة 50%
البدر بعد 7 يوم
لا إله إلا الله