عنه بدعة. وزاد مالك فقال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وأمر به فأُخرج. وعلى هذا درج أهل السنة، من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، ولم يخالف في ذلك إلا الطائفة الضالة الملعونة الجهمية وأشياخهم من غلاة الاتحادية والحلولية، وأما أهل السنة فعرفوا المراد وعقلوه، ومنعتهم الخشية والهيبة والإجلال والتعظيم من الخوض والمراء والجدال، والكلام الذي لم يؤثر ولم ينقل. وقد عرفوا المراد من الاستواء، وصرح به أكابر المفسرين، وأهل اللغة، فثبت عنهم تفسيره بالعلو والارتفاع، وبعض أكابرهم صرح بأنه صعد، ولكنهم أحجموا عن مجادلة السفهاء –الجهمية- تعظيما لله، وتنزيها لرب البرية، وإذا أخبر -جل ذكره- أنه استوى على العرش وعلا وارتفع، وكل المخلوقات وسائر الكائنات تحت عرشه، وهو بذاته فوق ذلك، وفي الحديث: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء" ١. فإذا عرف هذا، عرف معنى اختصاص العرش بالاستواء، وأن هذه الصفة مختصة بالعرش، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي قال له: إنا نستشفع بك على الله، وبالله عليك، قال: "الله أكبر، الله أكبر! إن شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ الله على عرشه –وأشار بيده كالقبة– وأنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه

الإسلام > فتاوى > عقيدة > عنه بدعة. وزاد مالك فقال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وأمر به فأُخر…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «عنه بدعة. وزاد مالك فقال للسائل: وما أراك إلا رجل…»

" ٢.وهذا الحديث لا يستطيع سماعه الجهمي،
ولا يؤمن به إلا أهل السنة والجماعة،
الذين عرفوا الله بصفات كماله،
وعرفوا عظمته،
وأنه لا يليق به غير ما وصف به نفسه،
من استوائه على عرشه،
ونزهوه أن يستوي على ما لا يليق بكماله،
وقدسه من سائر مخلوقاته.

[وصف الله بما وصف به نفسه]

ومن أصول أهل السنة والجماعة: أنه –سبحانه- لا يوصف إلا بما وصف به نفسه،
ولم يصف نفسه بأنه استوى على شيء غير العرش؛
وكذلك رسله وأنبياؤه وورثتهم،
لم يصفوه إلا بما وصف به

نفسه،
فإنكار هذا الجهمي اختصاص الاستواء بالعرش،
تكذيب لما جاءت به الرسل،
ورد لما فطر الله عليه بني آدم،
من التوجه إلى جهة العلو،
وطلب معبودهم وإلههم فوق سائر الكائنات.:

{فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

١. وتخصيص العرش بالاستواء نص لا٢ لم يستو على غيره.
والسائل أعجمي،
لا خبرة له بموضوع الكلام ودلالاته.
قال الحسن في مثل هؤلاء: دهمتهم العجمة.
ونفي الاستواء عن غير العرش معلوم من السياق،
مع دلالة النص والإجماع والفطرة،
كذلك دلالة الأسماء الحسنى،
كالعلي والأعلى والظاهر،
ونحو ذلك،
ولفظ العلو والارتفاع والصعود يشعر بذلك،
ويستحيل أن يستوي على شيء مما دون العرش،
لوجوب العلو المطلق والفوقية المطلقة.
(وأما قوله) : وهل أتى –سبحانه- بحرف الحصر والاختصاص؟
فدلالة الكلام على الحصر والاختصاص تارة تكون بالحروف،
وتارة تكون بالتقديم والتأخير،
وتارة تكون من السياق،
وتارة تكون بالاقتصار على المذكور في الحكم،
ولا يختص الاختصاص بالحروف قال –تعالى-:

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

٣،
وهذا الضمير الظاهر ليس من حروف الحصر،
وإنما عرف واستفيد من التقديم والتأخير،
وتارة يستفاد من الحروف،
كقوله: "إنما الأعمال بالنيات" ٥ وكقوله:

{أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}

٦ وتارة من الاستثناء بإلا بعد النفي كقوله:

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}

٧،: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ

خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} ١،ونحو ذلك.
والسائل حصرها يظنها منحصرة في الحروف،
وهذا من جهله،
ثم يسأل هنا عن أقسام الحصر،
كم هي؟
وما الفرق بين حصر الأفراد وحصر القلب؟
والحصر الادعائي ومقابله،
ويسأل هل دلالة الحصر نصية أو ظاهرية؟
وهل هي لفظية أو عقلية؟
وما أظنه يحسن شيئا من ذلك،
وإذا أخبر -تعالى- أنه استوى على العرش فلا يقال: يجوز أنه استوى على غيره،
لوجوه منها: أنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه،
والتجاسر على مقام الربوبية بوصفه بما لم يصف به نفسه وزيادة نعت لم يعرف عنه،
ولا عن رسله،
قول على الله بغير علم،
وهو فوق الشرك في عظم الذنب والإثم٢؛
وأكذب الخلق من كذب على الله.
قال الله:

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}

٣ إلى قوله:

{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}

٤. (الوجه الثاني) : أن الله –سبحانه- يستحق من الصفات أعلاها وأجلها وأشرفها،
والعرش أعظم المخلوقات،
وهو سقفها الأعلى،
وقد وصفه الله -تعالى- بالعظم،
فقال:

{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}

٥،
وقال:

{ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}

٦،
ووصفه بالسعة فقال:

{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}

٧. فكيف يوصف بالاستواء على ما دونه،
وقد تمدح وأثنى على نفسه باستوائه عليه،
ووصفه بما لم يصف به غيره من مخلوقاته.
(الوجه الثالث) : أن تمثيله بقول القائل: زيد استوى على الدار،
وأن ذلك لا يعلم منه أنه لا يستوي على غيرها،
فهذا جهل عظيم؛
والكلام يختلف

باختلاف حال الموصوف،
وما يليق له من الصفات،
وأصل ضلال هذه الطائفة أنهم فهموا من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة ما يليق بالمخلوق ويختص به،
فلذلك أخذوا في الإلحاد والتعطيل،
شبهوا أولا وعطلوا ثانيا.

(الوجه الرابع:) أن هذا التمثيل الذي أبداه السائل قد نص القرآن على إبطاله،
قال -تعالى-:

{فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}

١؛
وأصل الشرك: تشبيه المخلوق بالخالق.

[السؤال عن مكان الله تعالى]

(فصل) : قال الجهمي في ورقته: وإذا قررت لله مكانا معينا فما معنى قوله -تعالى-:

{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

٢،
وقال:

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}

٣،
وقال:

{قَرِيبٍ}

إنه وقال صلى الله عليه وسلم: " حيثما كنتم فإنه معكم " . فإذا قلت: هذه الآيات مؤولة،
وأقررت بالتأويل،
فالآية الأولى أولى به،
لأنها بلا تأويل تخالف الإجماع،
وتعارض الآيات والأحاديث،
أما الآيات الأخيرة فقد قيل في الأولى: إنها من المتشابهات لأن الاستواء معلوم،
والكيف مجهول،
وما نفي الاستواء عن غير العرش.
هذا كلامه بحروفه نقلناه على ما فيه من التحريف واللحن،
ليعتبر الناظر،
ويعرف المؤمن المثبت حال هؤلاء الجهال الضلال الحيارى.
أما قوله: "فإذا قررت لله مكانا معينا" . فاعلم أن أهل السنة والجماعة ورثة الرسل،
وأعلام الهدى لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه،
أو وصفه به رسوله من غير زيادة ولا نقص،
ينتهون حيث انتهى بهم تعظيما للموصوف،
وخشية وهيبة وإجلالا.

[مذهب أهل البدع في صفات الله تعالى]

وأما أهل البدع فيخوضون في ذلك،
ويصفونه بما لم يصف به نفسه،
ويلحدون فيما وصف به نفسه،
أو وصفه به رسوله،
ولا يتحاشون من

الكلام في ذلك بالبدع التي لا تعرف.
وقد ذم الله هذا الصنف في كتابه،
ووصفهم بالخوض بما لم يأتهم عنه،
ولا عن رسله.
وذكر الله عن أهل النار أنهم قالوا لما قيل لهم:

{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}

١،
فوصفهم بالعتو عن طاعته،
وعدم الانقياد لعبادته بقوله:

{لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}

٢،
ووصفهم بعدم الإحسان والمعروف بقوله:

{وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}

٣،
ووصفهم بالخوض في شأن دينهم وما جاءت به رسلهم،
وعدم وقوفهم مع ما أمروا به،
وتعديهم إلى ما يرونه ويهوونه بقوله:

{وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}

٤،
وهذا حال أهل البدع والضلالات،
الذين لم يؤسسوا دينهم على ما جاءت به الرسل.
إذا عرفت ذلك،
فلفظ المكان لم يرد نفيا ولا إثباتا،
وقد يراد به معنى صحيح كالعلو والاستواء،
والظهور قد يراد به غير ذلك من الأماكن المحصورة.
فالواجب ترك المشتبه،
والوقوف مع نصوص الكتاب والسنة.
فيقال لهذا الجهمي: نحن لا نقر لله من الصفات إلا ما نطق به الكتاب العزيز،
وصحت به السنة النبوية،
ولا يلزم من أثبت ذلك شيء من البدعيات والأوضاع المختلفة.

[تفسير قوله تعالى:

{فثم وجه الله}

]

وأما قوله:

{فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

٥ فسياق الآية الكريمة يدل على أنها في شأن القبلة،
قال ابن عباس: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة،
فأصابهم الضباب،
وحضرت الصلاة،
وصلّوا وتحرّوا القبلة،
فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا،
فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية.
وقال ابن عمر: نزلت في المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته.
وقال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة.
وقال أبو العالية: عيرت اليهود المؤمنين لما

صرفت القبلة،
فنزلت هذه الآية وقال مجاهد والحسن: نزلت في الداعي يستقبل أي جهة كان،
لأنهم قالوا لما نزلت:

{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

١: أين ندعوه؟
قال الكلبي:

{فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

٢: فثم الله يعلم ويرى،
والوجه صلة،
كقوله:

{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ}

٣ أي: إلا هو.
وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: فثم قبلة الله،
والوجه والوجهة والجهة: القبلة،
وقوله:

{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

٤،
ختم هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين يشعر بما قاله الكلبي من أنه يعلم ويرى.
ومن كان له أدنى شعور بعظمة الله وجلاله عرف صغر المخلوقات بأجمعها في جنب ما له -تعالى- من الصفات المقدسة،
ولم يختلج في قلبه ريب ولا شك في الإيمان بهذه النصوص كلها،
وعرف الجمع بينها وبين ما تقدم.
فسبحان من جلت صفاته،
عظمت أن يحاط بشيء منها.

[معنى قرب الله تعالى من خلقه]

وأما قوله:

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}

٥،
فهذا القرب لا ينافي علوه على خلقه،
واستواءه على عرشه،
وفي الحديث: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء،
وأنت الباطن فليس دونك شيء" ٦. ولا يعرف هذا من ضاق نطاقه عن الإيمان بما جاءت به الرسل،
وإنما يعرفه رجال آمنوا بالله،
وصدقوا المرسلين.
ومن أسمائه: العلي الأعلى،
ومن أسمائه: القريب المجيب،
ومن أسمائه: الظاهر الباطن.
وكذلك قوله -تعالى-:

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}

٧ وقد حرّف السائل هذه الآية وقال: إنه قريب،
وهذا قرب خاص يدعيه،
وفي الحديث: " أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد" ٨،
حال السجود غاية في العبودية والخضوع،
ولذلك صار له قرب خاص لا يشبهه سواه،
وهذا مما يبين لك بطلان قول الجهمي: "إنه بذاته في كل مكان" . ولو كان الأمر كما قال الضال لم يكن للمصلي والداعي خصوصية بالقرب،
ولكان المصلي وعابد

الصنم سواء في القرب إليه -تعالى- الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

[معية الله لعباده وقربه منهم]

قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- تعالى-: المعية نوعان: عامة،
وهي: معية العلم والإحاطة،
كقوله -تعالى-:

{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}

١،
وقال:

{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}

٢،
وخاصة وهي معية القرب،
كقوله:

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}

٣،

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}

٤،

{وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}

٥. فهذه معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ.
وكلا المعيتين مصاحبة منه للعبد،
لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة،
وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة.
فمع في لغة العرب للصحبة اللائقة لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة،
فمن ظن شيئا من هذا فمن سوء فهمه أُتِيَ.
وأما القرب: فلم يقع في القرآن إلا خاصا،
وهو نوعان: قربه من داعِيهِ بالإجابة،
وقربه من عابده بالإثابة،
فالأول كقوله -تعالى-:

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}

٦،
ولهذا نزلت جوابا للصحابة -رضي الله عنهم- وقد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربُّنا قريب فنناجيه؟
أم بعيد فنناديه؟
فأنزل الله هذه الآية،
والثاني كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد،
وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل" ٧: فهذا قربه من أهل طاعته.
وفي الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه قال: " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: يا أيها الناس اربَعُوا على أنفسكم!
فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا.
إن الذي تدعونه سميع قريب،
أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٨ فهذا خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد.

وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه،
واستوائه على عرشه،
بل يجامعه ويلازمه؛
فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض تعالى الله علوا كبيرا،
ولكنه نوع آخر.
والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي،
ويجده أقرب إليه من جليسه كما قيل:

ألا رب من يدنو ويزعم أنه ...
يحبك والنائي أحب وأقرب

وأهل السنة أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثته وأحباؤه الذي هو عندهم أولى بهم من أنفسهم،
وأحب إليهم منها،
يجدون نفوسهم أقرب إليه،
وهم في الأقطار النائية عنه،
من جيران حجرته في المدينة،
والمحبون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها،
هذا مع عدم تأتي القرب منها.
فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء وهو مستو على عرشه؟
وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة مبطل بعيد من الله خلي من محبته ومعرفته.
والقصد أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة،
وكلما ازداد حبا ازداد قربا؛
فالمحبة بين قربين: قرب قبلها وقرب بعدها،
وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها،
ودعت إليها،
ودلت عليها،
ومعرفة بعدها هي من نتائجها وآثارها.

[مسألة الاشتقاق]

وأما مسألة الاشتقاق فينبغي أن يسأل هذا أولا ما معنى الاشتقاق،
وما يراد به عند المحققين؟
وأنه زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها،
وأن المصادر متقدمة،
فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم،
ومجرد القول بهذا لا يرتضى عند المحققين من أئمة الهدى.
فإن عرف ذلك وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو هل مشتق من السمو أو من

السمة؟
ذهب البصريون إلى الأول،
والكوفيون إلى الثاني.
وأصله عند البصريين سمو على وزن فعل فحذفت لام الكلمة وهي الواو،
ثم سكن أوله تخفيفا،
ثم أتي بهمزة الوصل توصلا بالنطق بالساكن فصار "اسم" ؛
وعليه فوزنه افع،
ففيه إعلالات ثلاثة وهي: الحذف،
ثم الإسكان،
والإتيان بهمزة الوصل.
وأما على مذهب الكوفيين فأصله وسم على وزن فعل حذفت فاء الكلمة،
وهي الواو اعتباطا،
ثم عوض عنها همزة الوصل،
وعلى هذا فوزنه اعل.
ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله،
وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير،
وعن معنى الاشتقاق في الأكبر مع المباينة في أكثر الحروف ما معناه،
فإذا أجابك عن هذا فأجبه عن سؤاله،
وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل؟

[الفرق بين القدر والقضاء]

وأما سؤاله عن الفرق بين القدر والقضاء،
فإن القدر في الأصل مصدر قدر،
ثم استعمل في التقدير الذي هو التفصيل والتبيين،
واستعمل أيضا بعد الغلبة في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها.
وأما القضاء فقد استعمل في الحكم الكوني بجريان الأقدار وما كتب في الكتب الأولى.
وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز،
ويطلق القدر أيضا على القضاء الذي هو الحكم الكوني بوقوع المقدرات،
ويطلق القضاء على الحكم الديني الشرعي،
قال تعالى:

{ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ}

١. ويطلق القضاء على الفراغ والتمام

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ}

٢. ويطلق على نفس الفعل،
قال تعالى:

{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}

٣. ويطلق على الإعلام والتقدم بالخبر قال تعالى:

{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيل َ}

٤. ويطلق على الموت ومنه قوله: قضى فلان أي مات،
قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا

رَبُّكَ} ١. ويطلق على وجود العذاب قال تعالى:

{وَقُضِيَ الأَمْرُ}

ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه كقوله:

{وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}

٢. ويطلق على الفصل والحكم كقوله:

{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ}

٣. ويطلق على الخلق كقوله:

{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}

٤. ويطلق على الحتم كقوله:

{وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً}

٥. ويطلق على الأمر الديني كقوله:

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}

٦. ويطلق على بلوغ الحاجة،
ومنه: قضيت وطري،
ويطلق على إلزام الخصمين بالحكم.
ويطلق بمعنى الأداء كقوله تعالى:

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}

٧. والقضاء في الكل مصدر،
واقتضى الأمر الوجوب دل عليه،
والاقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة،
وقولهم: لا أقضي منه العجب.
قال الأصمعي: يبقى ولا ينقضي.
وقال السائل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعة ضلالة،
وكل ضلالة في النار" ٨،
وأي شيء حقيقة البدعة،
وهل يؤول الكلام أم لا؟
فإذا قلت: لا فأكثر ما تستعملونه في شرب القهوة ولبس المحارم وغيرها بدعة لا تثبت من الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ممن يعتبر بهم.
فجوابه أن يقال: هذا السؤال دليل على جهل السائل بالرواية والدراية وباللسان العربي،
فكلام هذا الضرب من الناس يكفي من هداه الله،
وفي هذا بيان جهلهم وضلالهم،
أما جهله بالدراية فمن وجوه: أحدها: قوله: هل يؤول الكلام أم لا؟
والتأويل في عرف هؤلاء صرف الكلام عن ظاهره،
وعن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح،
ومن سلك هذه الطريقة في أخبار الرسول ونصوص القرآن فقد فتح على نفسه باب الإلحاد والزندقة،
وليس في كلام الله وكلام رسوله ما ظاهره ومعناه الراجح

غير المراد،
لأن الظاهر هو اللائق بحال الموصوف وبلغة المتكلم وعرفه،
لا ما يظنه الأغبياء الجهال مما لا يصح نسبته إلى الله وإلى رسوله.
وكذلك قوله: أكثر ما تستعملونه من شرب القهوة ولبس المحارم بدعة،
وهذا من أدلة جهله وعدم معرفته للأحكام الشرعية والمقاصد النبوية،
فإن الكلام في العبادات لا في العادات،
والمباحث الدينية نوع،
والعادات الطبيعية نوع آخر،
فما اقتضته العادة من أكل وشرب ولبس ومركب ونحو ذلك ليس الكلام فيه،
والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة،
ولم يرد بها دليل شرعي،
ولم تكن من هديه –صلى الله عليه وسلم- وهدي أصحابه.
وأما ما له أصل كإرث ذوي الأرحام وجمع المصحف والزيادة في حد الشارب وقتل الزنديق ونحو ذلك،
فهذا -وإن لم يفعل في وقته صلى الله عليه وسلم- فقد دل عليه الدليل الشرعي،
وبهذا التعريف تنحل إشكالات طالما عرضت في المقام.
وأما ما فيه من جهة اللسان العربي،
فإن هل لا تقابل بأم،
لأن ما يقابل بأم همزة الاستفهام كما يعلم من محله،
ومنها قوله: لا تثبت من الرسول،
فإن الإثبات يتعدى بعن لا بمن،
وكذلك قوله: ولا ممن يعتبر بهم،
فإن الاعتبار نوع والاعتداد نوع آخر فيعتد بالصالحين،
وأهل العلم،
والاعتبار لا يختص بهم،
بل لما ذكر تعالى فعل بني النضير بأنفسهم وديارهم قال:

{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}

١. وذكر السائل سؤالا عن الترشيح والإطلاق أيهما أبلغ؟
وكذلك الإطلاق والتجريد،
فينبغي أن يسأل عن الترشيح والإطلاق والتجريد ما يراد بهن عند أهل الفن؟
فإن عبارته تفيد عدم معرفته،
إذ لا مقابلة بين الترشيح والإطلاق والتجريد في الأبلغية،
فسؤاله نص ظاهر في جهله،
فإن الترشيح يراد به تقوية الشبه بين المشبه والمشبه به بأن يذكر

ما هو من خواص المشبه به كقوله: أنشبت المنية أظفارها،
فإن هذا من ذكر التقوية بما هو من خواص المشبه به وهي الأظفار،
فالترشيح قوى المعنى المراد.
وأما الإطلاق في الاستعارة فيقابله التقييد،
والتجريد معناه أن يجرد المتكلم من نفسه مخاطبا كقول الشاعر:

[اختلاف البلاغة باختلاف الأحوال]

وأيضا فالبلاغة تختلف باختلاف الأحوال فتوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم،
وحقيقتها مطابقة الكلام مقتضى الحال،
فإن كان الحال يقتضي الترشيح فهو أبلغ،
وإلا فلكل مقام مقال.
وأما الإخبار عن الاسم بالذي فهو كثير في القرآن وغيره قال تعالى:

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}

١ فأخبر بالذي عن اسمه الشريف الذي هو أعرف المعارف،
و (الذي) اسم أيضا بخلاف ما يفيده السؤال.
وأما الإخبار عن اسم بأل فكقول الشاعر:

ما أنت بالحكم الترضى حكومته

وكذا كل فعل مضارع دخلت عليه أل.
وأما الإخبار عن اسم من الأسماء بالذين فكقوله تعالى:

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}

٢. وأما الإخبار بالذين فكقوله:

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ}

٣. وقال تعالى:

{وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا}

٤. وأما الكل والكلي،
فالكل يراد به الجميع كقوله: كل المؤمنين يدخلون الجنة،
والكلي ما يقع على الأكثر والغالب كقولك: كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة.
يقول جامع الرسائل: هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة،
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

📖
مصدر الفتوى مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام (الجزء الثالث)
ص 238

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«عنه بدعة. وزاد مالك فقال للسائل: وما أراك إلا رجل…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله