ما مذهب السلف في علو الله تعالى؟ وما حكم من يقول إنه عن الجهات الست خالٍ وأنه في قلب العبد المؤمن

الإسلام > فتاوى > عقيدة > ما مذهب السلف في علو الله تعالى؟ وما حكم من يقول إنه عن الجهات الست …

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «ما مذهب السلف في علو الله تعالى؟ وما حكم من يقول إ…»

مذهب السلف -رضوان الله عليهم- أن الله تعالى بذاته فوق عباده،
وقد قال الله تعالى: ) فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: من الآية٥٩) وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى: من الآية١٠) وقال تعالى:) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: ٥١) (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ

الْفَائِزُونَ) (النور: ٥٢) . وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب: ٣٦) وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . (النساء: ٦٥) فإذا تبين أن طريقة المؤمنين عند التنازع هي الرجوع إلى كتاب الله تعالى،
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
والسمع والطاعة لهما،
وعدم الخيار فيما سواهما،
وأن الإيمان لا يكون إلا بذلك،
مع انتفاء الحرج وتمام التسليم،
فإن الخروج عن هذا الطريق موجب لما قال الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء: ١١٥) .

وعلى هذا فإن المتأمل في هذه المسألة -مسألة علو الله- تعالى بذاته على خلقه بعد ردها إلى كتاب الله تعالى،
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
يتبين له أن الكتاب والسنة قد دلا دلالة صريحة بجميع وجوه الدلالة على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه،
بعبارات مختلفة منها:

١- التصريح بأن الله تعالى في السماء،
كقوله تعالى: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (الملك: ١٧) . وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض: ((ربنا الله الذي في السماء) ) إلى آخر الحديث،
رواه أبو داود ،
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان

الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)) . رواه مسلم .

٢- التصريح بفوقيته تعالى،
كقوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (الأنعام: من الآية١٨) (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم) (النحل: من الآية٥٠) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) ) رواه البخاري .

٣- التصريح بصعود الأشياء إليه،
ونزولها منه،
والصعود لا يكون إلا إلى أعلى،
والنزول لا يكون إلا من أعلى،
كقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: الآية١٠) وقوله: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) (المعارج: الآية٤) وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه) (السجدة: الآية٥) وقوله تعالى في القرآن الكريم: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢) والقرآن كلام الله تعالى،
كما قال سبحانه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة: الآية٦) وإذا كان القرآن الكريم كلامه وهو تنزيل منه دل ذلك على علوه بذاته تعالى.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني) ) . إلى آخر الحديث،
وهو

صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما . وفي حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم،
علمه ما يقول إذا آوى إلى فراشه،
ومنه: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت،
ونبيك الذي أرسلت) ) . وهو في صحيح البخاري وغيره .

٤- التصريح بوصفه تعالى بالعلو،
كما في قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى: ١) وقوله: (وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: الآية٢٥٥) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سبحان ربي الأعلى) ) .

٥- إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء حين يشهد الله تعالى في موقف عرفة ذلك الموقف العظيم،
الذي شهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم،
أكبر جمع من أمته،
حين قال لهم: ((ألا هل بلغت) ) ؟
قالوا: نعم.
فقال: "اللهم اشهد" . يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس.
وذلك ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر ،
وهو ظاهر في أن الله تعالى في السماء وإلا لكان رفعه إياها عبثاً.

٦- سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية حين قال لها: ((أين الله) ) ؟

قالت: في السماء،
قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة) ) . رواه مسلم من حديث طويل عن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- وهو صريح في إثبات العلو الذاتي لله تعالى،
لأن ((أين) ) إنما يستفهم بها عن المكان وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة حين سألها أين الله؟
فأقرها على أنه تعالى في السماء،
وبين أن هذا مقتضى الإيمان حين قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة) ) . فلا يؤمن العبد حتى يقر ويعتقد أن الله تعالى في السماء،
فهذه أنواع الأدلة السمعية الخبرية من كتاب الله تعالى،
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
تدل على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه،
أما أفراد الأدلة فكثيرة لا يمكن حصرها في هذا الموضع،
وقد أجمع السلف الصالح ٠رضوان الله عليهم- على القول بمقتضى هذه النصوص،
وأثبتوا لله تعالى العلو الذاتي،
وهو أنه سبحانه عال بذاته فوق خلقه،
كما أنهم مجمعون على إثبات العلو المعنوي له وعلو الصفات،
قال الله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم: الآية٢٧) وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (لأعراف: الآية١٨٠) قال تعالى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل: الآية٧٤) وقال: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: الآية٢٢) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله.

وكما أن علو الله تعالى الذاتي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف،
فقد دل عليه العقل،
والفطرة.

أما دلالة العقل: فيقال لا ريب أن العلو صفة كمال،
وأن ضده نقص،
والله تعالى قد ثبت له صفات الكمال فوجب ثبوت العلو له تعالى،
ولا يلزم على إثباته له شيء من النقص،
فإنا نقول إن علوه تعالى ليس متضمناً لكون شيء من مخلوقاته محيطاً به،
ومن ظن أن إثبات العلو لم يستلزم ذلك فقد وهم في ظنه،
وضل في عقله.

وأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى بذاته: فإن كل داع لله تعالى دعاء عبادة،
أو دعاء مسألة لا يتجه قلبه حين دعائه إلا إلى السماء،
ولذلك تجده يرفع يديه إلى السماء بمقتضى فطرته،
كما قال ذلك الهمداني لأبي المعالي الجويني: ((ما قال عارف قط يا رب إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو) ) . فجعل الجويني يلطم على رأسه ويقول: ((حيرني الهمداني،
حيرني الهمداني) ) . هكذا نقل عنه،
سواء صحت عنه أم لم تصح،
فإن كل أحد يدرك ذلك،
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء،
يا رب،
يا رب،
إلى آخر الحديث ثم إنك تجد الرجل يصلي وقلبه نحو السماء لا سيما حين يسجد.
ويقول: ((سبحان ربي الأعلى) ) . لأنه يعلم أن معبوده في السماء سبحنه وتعالى.

وأما قولهم: ((إن الله -تعالى- عن الجهات الست خالٍ) ) ،
فهذا القول على عمومه باطل،
لأنه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى

لنفسه،
وأثبته له أعلم خلقه به،
وأشدهم تعظيماً له،
وهو رسوله محمد صلى الله عليه وسلم،
من أنه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلو،
بل إن ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم،
لأن الجهات الست هي الفوق،
والتحت،
واليمين،
والشمال،
والخلف،
والأمام،
وما من شيء موجود إلا تتعلق به نسبة إحدى هذه الجهات،
وهذا أمر معلوم ببداهة العقول،
فإذا نفيت هذه الجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوماً،
والذهن وإن كان قد يفرض موجوداً خالياً من تعلق هذه النسب به لكن هذا شيء يفرضه الذهن،
ولا يوجد في الخارج،
ونحن نؤمن ونرى لزاماً على كل مؤمن بالله أن يؤمن بعلوه تعالى فوق خلقه،
كما دل على ذلك الكتاب،
والسنة،
وإجماع السلف،
والعقل،
والفطرة،
كما قررناه من قبل.
ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى محيط بكل شيء،
وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته،
وأنه سبحانه غني عن خلقه فلا يحتاج لشيء من مخلوقاته.
ونحن نرى أيضاً أنه لا يجوز لمؤمن أن يخرج عما يدل عليه الكتاب والسنة،
لقول أحد من الناس كائناً من كان،
كما أسلفنا الأدلة على ذلك.
في أول جوابنا هذا.

وأما قولهم: ((إن الله تعالى في قلب المؤمن) ) . فهذا لا دليل عليه من كتاب الله تعالى،
ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
ولا كلام أحد من السلف الصالح فيما نعمل،
وهو أيضاً على إطلاقه باطل فإنه إن أريد به أن الله تعالى حالٌ في قلب العبد فهو باطل قطعاً،
فإن الله تعالى أعظم وأجل من ذلك،
ومن العجائب -والعجائب جمة- أن ينفر شخص مما دل عليه الكتاب والسنة من كون الله تعالى في السماء،
ثم

📖
مصدر الفتوى فتاوى أركان الإسلام
ص 76 · س٣٢: ما مذهب السلف في علو الله تعالى؟ وما حكم من يقول إنه عن الجهات الست خال وأنه في قلب العبد المؤمن؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«ما مذهب السلف في علو الله تعالى؟ وما حكم من يقول إ…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله