من أدى عن غيره واجبا فهل يرجع به عليه

الإسلام > فتاوى > معاملات > من أدى عن غيره واجبا فهل يرجع به عليه

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «من أدى عن غيره واجبا فهل يرجع به عليه»

وَأَمَّا الْمُطَالَبُونَ بِهَا فَهَذِهِ كُلَفٌ تُؤْخَذُ مِنْهُم بِسَبَبِ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،
فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَظْلِمَ بَعْضًا فِي ذَلِكَ؛
بَل الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ،
وَالظُّلْمُ لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ بِحَال.

وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ الْمُشْتَرِكونَ لَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ مَا بِهِ ظُلْمُ غَيْرِهِ؛
بَل إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ قِسْطَهُ فَيَكُونَ عَادِلًا،
وَإِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ زَائِدًا عَلَى قِسْطِهِ فَيُعِينَ شُرَكَاءَهُ بِمَا أُخِذَ مِنْهُم فَيَكُونَ مُحْسِنًا.

وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَن أَدَاءِ قِسْطِهِ مِن ذَلِكَ الْمَالِ امْتِنَاعًا يُؤْخَذُ بِهِ قِسْطُهُ مِن سَائِر الشُّرَكَاءِ،
فَيَتَضَاعَفُ الظُّلْمُ عَلَيْهِمْ.

وَعَلَى هَذَا: فَإِذَا تَغَيَّبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ،
أَو امْتَنَعَ مِن الْأَدَاءِ فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ وَأُخِذَ مَن غَيْرِهِ حِصَّتُهُ: كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ قَدْرَ نَصِيبِهِ إلَى مَن أدَّى عَنْهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ،
كَمَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِن الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ،
وَيُلْزَمُ بِذَلِكَ،
وَيُعَاقَبُ عَلَى أَدَائِهِ،
كَمَا يُعَاقَبُ عَلَى أَدَاءِ سَائِر الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ؛
كَالْعَامِلِ فِي الزَّكَاةِ إذَا طَلَبَ مِن أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَكْثَرَ مِن الْوَاجِبِ،
وَأَخَذَهُ بِتَأْوِيلٍ،
فَلِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَنْ يَرْجعَ عَلَى الْآخَرِ بِقِسْطِهِ.

وَإِن كَانَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ: فَعَلَى قَوْلَيْنِ،
أَظْهرُهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ أَيْضًا.
[٣٠/ ٣٣٧ - ٣٤٢]

* * *

(مَن أَدَّى عَن غَيْرِهِ وَاجِبًا فَهل يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ؟)

٣٩٦٤ - مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ كُلَّ مَن أدَّى عَن غَيْرِهِ وَاجِبًا فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُن مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ،
وَإِن أدَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛
مِثْل مَن قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ،
سَوَاءٌ كَانَ قَد ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَدَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ،
أَو أَدَّاهُ عَنْهُ بِلَا ضَمَانٍ.

وَقَد دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى:

{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}

[الطلاق: ٦] فَأَمَرَ بِإِيتَاءِ الْأَجْرِ بِمُجَرَّدِ إرْضَاعِهِنَّ،
وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَقْدَ اسْتِئْجَارٍ،
وَلَا إذْنِ الْأَبِ لَهَا فِي أَنْ تُرْضِعَ بِالْأَجْرِ.

وَكَذَلِكَ مَن خَلَّصَ مَالَ غَيْرِهِ مِن التَّلَفِ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ: يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ؛
مِثْل مَن خَلَّصَ مَالًا مِن قُطَّاعٍ،
أَو عَسْكَرٍ ظَالِمٍ،
أَو مُتَوَلٍّ ظَالِمٍ،
وَلَمْ يُخَلِّصْهُ إلَّا بِمَا أَدَّى عَنْهُ،
فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذلِكَ وَهُوَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ،
وَإِن لَمْ يَكُن مُؤْتَمَنًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ،
وَلَا مُكْرَهًا عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ،
فَإِنَّهُ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ،
وَهَل جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ؟

فَإِذَا خَلَّصَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِأَلْفٍ أَدَّاهَا عَنْهُ: كَانَ مِن الْمُحْسِنِينَ،
فَإِذَا أَعْطَاهُ الْأَلْفَ كَانَ قَد أَعْطَاهُ بَدَلَ قَرْضِهِ،
وَبَقِيَ عَمَلُهُ وَسَعْيُهُ فِي تَخْلِيصِ الْمَالِ إحْسَانًا إلَيْهِ لَمْ يَجْزِهِ بِهِ .

هَذَا أَصْوَبُ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ.

وَمَن جَعَلَهُ فِي مِثْل هَذَا مُتَبَرِّعًا وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا: فَقَد قَالَ مُنْكَرًا مِن الْقَوْلِ وَزُورًا،
وَقَد قَابَلَ الْإِحْسَانَ بِالْإِسَاءَةِ،
وَمَن قَالَ هَذَا هُوَ الشَّرْعُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ فَقَد قَالَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ،
لَكنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ،
وَقَد خَالَفَهُم آخَرُونَ.

وَنِسْبَةُ مِثْل هَذِهِ الْأَقْوَالِ إلَى الشَّرْعِ: تُوجِبُ سُوءَ ظَنِّ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ فِي الشَّرْعِ،
وَفِرَارَهُم مِنْهُ،
وَالْقَدْحَ فِي أَصْحَابِهِ .

فَإِنَّ مِن الْعُلَمَاءِ مَن قَالَ قَوْلًا بِرَأيِهِ وَخَالَفَهُ فِيهِ آخَرُونَ،
وَلَيْسَ مَعَهُ شَرْعٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ؛
بَل الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ قَد تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِ.

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 348 · كتاب البيع > من أدى عن غيره واجبا فهل يرجع به عليه؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«من أدى عن غيره واجبا فهل يرجع به عليه»

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
هلال متزايد اليوم 7.3 / 29.5
الإضاءة 49%
البدر بعد 7 يوم
لا إله إلا الله