الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1121
الحديث رقم 1121 من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل قيام الليل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَهُ أَوَّلًا بِالْعَنْعَنَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا، قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ سُفْيَانُ إِلَخْ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ خَشْرَمٍ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَمَّا الْفَرَبْرِيُّ فَقَدْ سَمِعَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ، فَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا كَانَ عِنْدَهُ عَالِيًا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ، عَنْ سُفْيَانَ فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ.
١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.
[الحديث ١١٢٢ - أطرافه في: ١١٧٥، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠٢٩، ٧٠٣١]
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ فِي رُؤْيَاهُ، وَفِيهِ: فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ. .
إِلَخْ مِنْ كَلَامِ سَالِمٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ شَيْخِهِ هُنَا بِإِسْنَادِهِ هَذَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ فِي السِّيَاقِ الْأَوَّلِ إِدْرَاجًا، لَكِنْ أَوْرَدَهُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، فَظَهَرَ أَنْ لَا إدْرَاجَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَكَلَامُ سَالِمٍ فِي ذَلِكَ مُغَايِرٌ لِكَلَامِ الزُّهْرِيِّ، فَانْتَفَى الْإِدْرَاجُ عَنْهُ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ نِعْمَ الرَّجُلُ، وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّعْبِيرِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْمَقْصُودِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي هَذَا الْبَابِ، فَاكْتَفَى بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِيهِ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ تَوَقَّفَ فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، وَمَحْمُودٌ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الرَّجُلُ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنِّي أَرَى. وَزَادَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ تَدُلُّ عَلَى خَيْرِ رَائِيهَا.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّ مَلَكَيْنِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وشاكٍ، بعيني ما يتحمَّلون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حُبِّي، أوَّلُ ما أعطيهم أن (١) أقذف من نوري في قلوبهم؛ فيُخبِرون عنِّي كما أُخبِرُ عنهُم.
١١٢١ - ١١٢٢ - وبالسَّند السَّابق (٢) إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ. (ح) لتحويل السَّند، وليست في «اليونينيَّة» (٣): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غَيلان المروزيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) المذكور (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا) كفُعْلَى؛ بالضَّمِّ من غير تنوينٍ، أي: في النَّوم (قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنِّي أرى» (رُؤْيَا) زاد في «التَّعبير (٤)» من وجهٍ آخَرَ [خ¦٧٠٢٨]: فقلت في نفسي: لو كان فيك خيرٌ؛ لرأيت مثل ما يرى هؤلاء (فَأَقُصَّهَا) بالنَّصب وفاءٍ قبل الهمزة، أي:
أُخْبِر (١) بها، ولأبي الوقت في نسخةٍ والأَصيليِّ وابن عساكر: «أقُصَّها» (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيِّ» (ﷺ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ؛ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) أي: مَبْنِيَّة الجوانب (كَطَيِّ البِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) بفتح القاف، أي: جانبان (وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ) بضمِّ الهمزة (قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الرَّاء وجزم المهملة، أي: لم تُخَف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في «التَّعبير» [خ¦٧٠٢٨] «لن تُراعَ» بإثبات الألف، وللقابسيِّ: «لن تُرَعْ» بحذف الألف، واستُشكِل من جهة أنَّ «لن» حرف نصبٍ، ولم تَنصب هنا، وأجيب بأنَّه مجزوم بـ «لن» على اللُّغة القليلة المحكيَّة عن الكسائيِّ، أو سُكِّنت العين للوقف، ثم شُبِّه بسكون المجزوم، فحذف الألف قبله، ثمَّ أُجري الوصل مُجرى الوقف، قاله ابن مالك، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نُسلِّم أنَّ فيه إجراء الوصل مجرى الوقف؛ إذ لم يصله المَلَكُ بشيءٍ بعده، ثمَّ قال: فإن قلت: إنَّما وجَّه ابن مالكٍ بهذا في الرِّواية الَّتي فيها: «لم تُرَعْ» وهذا يتحقَّق فيه ما قاله من إجراء الوصل مُجرى الوقف، وأجاب عنه فقال: لا نُسلِّم؛ إذ يحتمل أنَّ المَلَكَ نطق بكلِّ جملةٍ منها منفردةً عن الأخرى، ووقف (٢) على آخرها؛ فحكاه كما وقع. انتهى. (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ (٣) عَبْدُ اللهِ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٢٩] من رواية نافعٍ عن ابن عمر: «إنَّ عبد الله رجلٌ صالحٌ» (لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) «لو» للتَّمنِّي لا للشَّرط؛ ولذا لم يذكر الجواب، قال سالمٌ: (فَكَانَ) بالفاء، أي: عبد الله، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وكان» (بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا) فإن قلت: من أين أخذ ﵊ التَّفسير بقيام اللَّيل من هذه الرُّؤيا؟ أجاب المهلَّب بأنَّه إنَّما فسَّر ﵊ هذه الرُّؤيا بقيام اللَّيل؛ لأنَّه لم يَرَ شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيُذَكِّرَ بالنَّار، وعَلِم مبيته بالمسجد، فعبَّر عن ذلك بأنَّه مُنَبِّهٌ (٤) على قيام اللَّيل فيه. وفي الحديث: أنَّ قيام اللَّيل يُنجي من النَّار، وفيه:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
حَاكم فِيهَا إيجادا وإعداما يفعل مَا يَشَاء، وكل هَذِه نعم من الله تَعَالَى على عباده، فَلهَذَا قرن كلا مِنْهَا بِالْحَمْد. وَخص الْحَمد بِهِ، ثمَّ قَوْله: (أَنْت الْحق) إِشَارَة إِلَى المبدأ وَالْقَوْل، وَنَحْوه إِلَى المعاش والساعة إِلَى الْمعَاد.
وَفِيه: إِشَارَة إِلَى النُّبُوَّة وَإِلَى الْجَزَاء ثَوابًا وعقابا. وَفِيه: وجوب الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والتوكل والإنابة والتضرع إِلَى الله تَعَالَى وَالِاسْتِغْفَار وَغَيره انْتهى. وَيُقَال: وَفِيه: زِيَادَة معرفَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعظمة ربه وَعظم قدرته ومواظبته على الذّكر وَالدُّعَاء وَالثنَاء على ربه، وَالِاعْتِرَاف لله بحقوقه وَالْإِقْرَار بِصدق وعده ووعيده. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَقْدِيم الثَّنَاء على الْمَسْأَلَة عِنْد كل مَطْلُوب اقْتِدَاء بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَالَ سُفْيَانُ وزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أبُو أمَيَّةَ وَلَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ أبي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ طَاوُوسُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقيل: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَوضع الْمزي على هَذَا عَلامَة التَّعْلِيق، وَأَبُو أُميَّة كنية عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق الْبَصْرِيّ، وَأَبُو الْمخَارِق اسْمه: قيس، وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ: قد اسْتشْهد البُخَارِيّ بِابْن أبي الْمخَارِق هَذَا فِي: بَاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: وَقَالَ سُفْيَان يَعْنِي ابْن عُيَيْنَة، وَزَاد عبد الْكَرِيم أَبُو أُميَّة: (وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه) . وَقَالَ الْمَقْدِسِي فِي كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : فِيمَن اسْمه عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق: سمع مُجَاهدًا فِي الْحَج، روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد عِنْدهمَا عَن مُجَاهِد عَن ابْن أبي ليلِي (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أقوم على بُدنه وَأَن أقسم جلودها وجلالها، وَأَمرَنِي أَن لَا أعطي الجازر مِنْهَا، وَقَالَ: نَحن نُعْطِيه من عندنَا) . فَهَذَا كَمَا رَأَيْت كَلَام الْمُنْذِرِيّ يُقَوي مَا مَال إِلَيْهِ الْمزي من أَنه مُعَلّق، وَأَن عبد الْكَرِيم اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ، وَكَلَام الْمَقْدِسِي يُصَرح بِأَنَّهُ من رجال البُخَارِيّ، وَبِهَذَا يرد مَا قَالَه بَعضهم: وَلَيْسَ لعبد الْكَرِيم هَذَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) إلَاّ هَذَا الْموضع، وَلم يقْصد البُخَارِيّ التَّخْرِيج لَهُ، فلأجل ذَلِك لَا يعدونه من رِجَاله، وَإِنَّمَا وَقعت عَنهُ زِيَادَة فِي الْخَبَر غير مَقْصُودَة بذاتها. قلت: بَين كَلَامه هَذَا وَبَين قَوْله فِيمَا مضى: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، تنَاقض لَا يخفى. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ ابْن عُيَيْنَة أَيْضا. قَالَ سُلَيْمَان بن أبي مُسلم ... إِلَى آخِره، وَأَرَادَ سُفْيَان بذلك بَيَان سَماع سُلَيْمَان لَهُ من طَاوُوس لِأَنَّهُ أَولا أوردهُ بالعنعنة، وَصرح بذلك أَيْضا الْحميدِي فِي (مُسْنده) : عَن سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَحول خَال ابْن أبي نجيح: سَمِعت طاووسا. . فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ سُفْيَان، وَزَاد فِي رخره عبد الْكَرِيم: (وَلَا حول وَلَا قُوَّة إلاّ بك) ، فِيهِ لم يقلها سُلَيْمَان، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي نُسْخَة سمعته من طَاوُوس وَعلي بن خشرم، وَلم يذكرهُ أحد من رجال البُخَارِيّ، رَحمَه الله، وَإِنَّمَا ذكر فِي رجال مُسلم، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢ - (بابُ فَضْلِ قِيَامِ الليْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام اللَّيْل، وَهُوَ الصَّلَاة فِي اللَّيْل.
١٢١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ (ح) وحدَّثني مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا رَأي رُؤْيا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَمَنَّيْتُ أنْ أرَى رُؤْيَا فأقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكُنْتُ غُلاما شابّا وَكُنْتُ أنامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَأيْتُ فِي النَّوْمِ كَأنَّ مَلَكَيْنِ أخَذَانِي فذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فإذَا هِيَ مطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وِإذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفتُهُمْ فَجَعَلْتُ أقُولُ أعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ. قَالَ فَلَقِينَا مَلَكٌ آخَرُ فقالَ لِي لَمْ تُرَعْ.
. فقصصتها على حَفْصَة فقصتها حَفْصَة على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ نعم الرجل عبد الله
لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل فَكَانَ بعد لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " نعم الرجل عبد الله لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل " وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ يسْتَحق أَن يُوصف بنعم الرجل هَذَا واستحقاقه لذَلِك بِسَبَب مُبَاشَرَته صَلَاة اللَّيْل وَلَو لم يكن لصَلَاة اللَّيْل فضل لما اسْتحق فاعلها الثَّنَاء الْجَمِيل وَفِي رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر فِي التَّعْبِير " أَن عبد الله رجل صَالح لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل " وَهَذَا أصرح فِي الْمَدْح وَأبين فِي الْمَقْصُود (ذكر رِجَاله) وهم ثَمَانِيَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي. الثَّانِي هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. الرَّابِع مَحْمُود بن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة الْمروزِي. الْخَامِس عبد الرَّزَّاق بن همام. السَّادِس مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ السَّابِع سَالم بن عبد الله. الثَّامِن أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَجعل خلف هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عمر وَجعل بعضه فِي مُسْند حَفْصَة وَأوردهُ ابْن عَسَاكِر فِي مُسْند ابْن عمر والْحميدِي فِي مُسْند حَفْصَة وَذكر فِي رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر أَنَّهُمَا من مُسْند ابْن عمر وَقَالَ إِذْ لَا ذكر فِيهَا لحفصة فحاصله أَنهم جعلُوا رِوَايَة سَالم من مُسْند حَفْصَة وَرِوَايَة نَافِع من مُسْند ابْن عمر (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب نوم الرِّجَال فِي الْمَسْجِد فِيمَا مضى وَأخرجه فِيمَا يَأْتِي فِي بَاب فضل من تعار من اللَّيْل فِي مَنَاقِب ابْن عمر وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل عبد الله بن عمر حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد الله بن حميد وَاللَّفْظ لعبد قَالَا أخبرنَا عبد الرَّزَّاق " حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ الرجل فِي حَيَاة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا رأى رُؤْيا قصها على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فتمنيت أَن أرى رُؤْيا أقصها على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ وَكنت غُلَاما شَابًّا عزبا وَكنت أَنَام فِي الْمَسْجِد على عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَن ملكَيْنِ أخذاني فذهبا بِي إِلَى النَّار " الحَدِيث (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كَانَ الرجل " الْألف وَاللَّام فِيهِ لَا تصلح أَن تكون للْعهد على مَا لَا يخفى بل هِيَ للْجِنْس قَوْله " رُؤْيا " على وزن فعلى بِالضَّمِّ بِلَا تَنْوِين وَهُوَ يخْتَص بالمنام كَمَا أَن الرَّأْي يخْتَص بِالْقَلْبِ والرؤية تخْتَص بِالْعينِ قَوْله " قصها " من قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا وأقصها قصا والقص الْبَيَان قَوْله " فتمنيت أَن أرى " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " إِنِّي أرى " وَزَاد فِي التَّعْبِير من وَجه آخر " فَقلت فِي نَفسِي لَو كَانَ فِيك خير لرأيت مثل مَا يرى هَؤُلَاءِ " وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة تدل على خير رائيها قَوْله " فَإِذا هِيَ مطوية " كلمة إِذا للمفاجأة وَمعنى مطوية مَبْنِيَّة الجوانب فَإِن لم تبن فَهِيَ القليب قَوْله " فَإِذا لَهَا قرنان " أَي جانبان وقرنا الرَّأْس جانباه وَيُقَال القرنان منارتان عَن جَانِبي الْبِئْر تجْعَل عَلَيْهِمَا الْخَشَبَة الَّتِي تعلق عَلَيْهَا البكرة قَالَ الْكرْمَانِي أَو ضفيرتان وَفِي بَعْضهَا قرنين (فَإِن قلت) فَمَا وَجهه إِذْ هُوَ مُشكل (قلت) إِمَّا أَن يُقَال تَقْدِيره فَإِذا لَهَا مثل قرنين فَحذف الْمُضَاف وَترك الْمُضَاف إِلَيْهِ على إعرابه وَهُوَ كَقِرَاءَة {وَالله يُرِيد الْآخِرَة} بجر الْآخِرَة أَي عرض الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يُقَال إِذا المفاجأة تَتَضَمَّن معنى الوجدان فَكَأَنَّهُ قَالَ فَإِذا وجدت لَهَا قرنين كَمَا يَقُول الْكُوفِيُّونَ فِي قَوْلهم كنت أَظن الْعَقْرَب أَشد لسعا من الزنبور فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا أَن مَعْنَاهُ فَإِذا وجدته هُوَ إِيَّاهَا قَوْله " لم ترع " بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة مَعْنَاهُ لم تخف قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال لَا ترع مَعْنَاهُ لَا تخف وَلَا يلحقك خوف وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " لن تراع " وَزَاد فِيهِ " إِنَّك رجل صَالح " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِنَّمَا فسر الشَّارِع من رُؤْيا عبد الله بِمَا هُوَ ممدوح لِأَنَّهُ عرض على النَّار ثمَّ عوفي مِنْهَا وَقيل لَهُ لَا روع عَلَيْك وَذَلِكَ لصلاحه غير أَنه لم يكن يقوم من اللَّيْل فَحصل لعبد الله من ذَلِك تَنْبِيه على أَن قيام اللَّيْل مِمَّا يَتَّقِي بِهِ النَّار والدنو
مِنْهَا فَلذَلِك لم يتْرك قيام اللَّيْل بعد ذَلِك وَقَالَ الْمُهلب السِّرّ فِي ذَلِك كَون عبد الله كَانَ ينَام فِي الْمَسْجِد وَمن حق الْمَسْجِد أَن يتعبد فِيهِ فنبه على ذَلِك بالتخويف بالنَّار قَوْله " لَو كَانَ يُصَلِّي " كلمة لَو لِلتَّمَنِّي لَا للشّرط وَلذَلِك لم يذكر لَهَا جَوَاب. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ قصّ الرُّؤْيَا على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهَا من الْوَحْي وَهِي جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْء من النُّبُوَّة كَمَا نطق بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَفِيه تمني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ليعرف صَاحبهَا مَا لَهُ عِنْد الله وتمني الْخَيْر وَالْعلم والحرص عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز النّوم فِي الْمَسْجِد وَلَا كَرَاهَة فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رخص قوم من أهل الْعلم فِيهِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتخذه مَيتا وَلَا مقيلا وَذهب إِلَيْهِ قوم من أهل الْعلم وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ لمن كَانَ لَهُ مأوى فَأَما الْغَرِيب فَهُوَ دَاره والمعتكف فَهُوَ بَيته وَيجوز للْمَرِيض أَن يَجعله الإِمَام فِي الْمَسْجِد إِذا أَرَادَ افتقاده كَمَا كَانَت الْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح سَاكِنة فِي الْمَسْجِد وكما ضرب الشَّارِع قبَّة لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْمَسْجِد حِين سَالَ الدَّم من جرحه وَمَالك وَابْن الْقَاسِم يكرهان الْمبيت فِيهِ للحاضر الْقوي وَجوزهُ ابْن الْقَاسِم للضعيف الْحَاضِر. وَفِيه رُؤْيَة الْمَلَائِكَة فِي الْمَنَام وتحذيرهم للرائي لقَوْله " فَرَأَيْت ملكَيْنِ أخذاني ". وَفِيه الانطلاق بالصالح إِلَيْهَا فِي الْمَنَام تخويفا. وَفِيه السّتْر على مُسلم وَترك غيبته وَذَلِكَ قَوْله " وَإِذا فِيهَا أنَاس قد عرفتهم " إِنَّمَا أخبر بهم على الْإِجْمَال ليزدجروا وَسكت عَن بيانهم لِئَلَّا يغتابهم إِن كَانُوا مُسلمين وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يخْتم عَلَيْهِم بالنَّار وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك تحذيرا كَمَا حذر ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَفِيه القص على الْمَرْأَة وَفِيه تَبْلِيغ حَفْصَة وَفِيه قبُول خبر الْمَرْأَة. وَفِيه استحياء ابْن عمر عَن قصه على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفسِهِ. وَفِيه فَضِيلَة قيام اللَّيْل وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب. وَفِيه أَن قيام اللَّيْل منج من النَّار. وَفِيه فضل عبَادَة الشَّاب. وَفِيه مدح لِابْنِ عمر. وَفِيه تَنْبِيه على صَلَاحه. وَفِيه كَرَاهَة كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ وروى سعيد عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر مَرْفُوعا " قَالَت أم سُلَيْمَان لِسُلَيْمَان يَا بني لَا تكْثر النّوم بِاللَّيْلِ فَإِن كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ تدع الرجل فَقِيرا يَوْم الْقِيَامَة " وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال -
٣ - (بابُ طُولِ السجُودِ فِي قِيامِ اللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل طول السُّجُود فِي صَلَاة اللَّيْل.
٣٢١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً كانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذالِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حتَّى يَأْتِيِهِ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يسْجد السَّجْدَة من ذَلِك قدر مَا يقْرَأ أحدكُم خمسين آيَة قبل أَن يرفع رَأسه) ، فَإِن هَذَا الْمِقْدَار من الْقِرَاءَة فِي السَّجْدَة يدل على طول السَّجْدَة، والْحَدِيث أخرجه فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن لَفظه هُنَاكَ: (حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تِلْكَ) أَي: أحد عشرَة، والتعريف فِي السَّجْدَة للْجِنْس، فَيحْتَمل تنَاوله لكل سَجدَات تِلْكَ الصَّلَاة، وَالتَّاء الَّتِي فِيهَا لَا تنافيها. قَوْله: (قدر) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقدر. قَوْله: (للصَّلَاة) أَي: لصَلَاة الصُّبْح. وَقَالَ ابْن بطال: مَا طول سُجُوده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قيام اللَّيْل، فَذَلِك لاجتهاده فِيهِ بِالدُّعَاءِ والتضرع إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن ذَلِك أبلغ أَحْوَال التَّوَاضُع والتذلل إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِك شكرا على مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ، وَقد كَانَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِيهِ الأسوة الْحَسَنَة، وَكَانَ السّلف يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ يحيى بن وثاب: كَانَ ابْن الزبير، رَحمَه الله تَعَالَى، يسْجد حَتَّى تنزل العصافير على ظَهره كَأَنَّهُ حَائِط.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَهُ أَوَّلًا بِالْعَنْعَنَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا، قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ سُفْيَانُ إِلَخْ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ خَشْرَمٍ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَمَّا الْفَرَبْرِيُّ فَقَدْ سَمِعَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ، فَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا كَانَ عِنْدَهُ عَالِيًا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ، عَنْ سُفْيَانَ فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ.
١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.
[الحديث ١١٢٢ - أطرافه في: ١١٧٥، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠٢٩، ٧٠٣١]
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ فِي رُؤْيَاهُ، وَفِيهِ: فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ. .
إِلَخْ مِنْ كَلَامِ سَالِمٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ شَيْخِهِ هُنَا بِإِسْنَادِهِ هَذَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ فِي السِّيَاقِ الْأَوَّلِ إِدْرَاجًا، لَكِنْ أَوْرَدَهُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، فَظَهَرَ أَنْ لَا إدْرَاجَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَكَلَامُ سَالِمٍ فِي ذَلِكَ مُغَايِرٌ لِكَلَامِ الزُّهْرِيِّ، فَانْتَفَى الْإِدْرَاجُ عَنْهُ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ نِعْمَ الرَّجُلُ، وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّعْبِيرِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْمَقْصُودِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي هَذَا الْبَابِ، فَاكْتَفَى بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِيهِ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ تَوَقَّفَ فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، وَمَحْمُودٌ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الرَّجُلُ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنِّي أَرَى. وَزَادَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ تَدُلُّ عَلَى خَيْرِ رَائِيهَا.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّ مَلَكَيْنِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وشاكٍ، بعيني ما يتحمَّلون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حُبِّي، أوَّلُ ما أعطيهم أن (١) أقذف من نوري في قلوبهم؛ فيُخبِرون عنِّي كما أُخبِرُ عنهُم.
١١٢١ - ١١٢٢ - وبالسَّند السَّابق (٢) إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ. (ح) لتحويل السَّند، وليست في «اليونينيَّة» (٣): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غَيلان المروزيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) المذكور (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا) كفُعْلَى؛ بالضَّمِّ من غير تنوينٍ، أي: في النَّوم (قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنِّي أرى» (رُؤْيَا) زاد في «التَّعبير (٤)» من وجهٍ آخَرَ [خ¦٧٠٢٨]: فقلت في نفسي: لو كان فيك خيرٌ؛ لرأيت مثل ما يرى هؤلاء (فَأَقُصَّهَا) بالنَّصب وفاءٍ قبل الهمزة، أي:
أُخْبِر (١) بها، ولأبي الوقت في نسخةٍ والأَصيليِّ وابن عساكر: «أقُصَّها» (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيِّ» (ﷺ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ؛ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) أي: مَبْنِيَّة الجوانب (كَطَيِّ البِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) بفتح القاف، أي: جانبان (وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ) بضمِّ الهمزة (قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الرَّاء وجزم المهملة، أي: لم تُخَف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في «التَّعبير» [خ¦٧٠٢٨] «لن تُراعَ» بإثبات الألف، وللقابسيِّ: «لن تُرَعْ» بحذف الألف، واستُشكِل من جهة أنَّ «لن» حرف نصبٍ، ولم تَنصب هنا، وأجيب بأنَّه مجزوم بـ «لن» على اللُّغة القليلة المحكيَّة عن الكسائيِّ، أو سُكِّنت العين للوقف، ثم شُبِّه بسكون المجزوم، فحذف الألف قبله، ثمَّ أُجري الوصل مُجرى الوقف، قاله ابن مالك، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نُسلِّم أنَّ فيه إجراء الوصل مجرى الوقف؛ إذ لم يصله المَلَكُ بشيءٍ بعده، ثمَّ قال: فإن قلت: إنَّما وجَّه ابن مالكٍ بهذا في الرِّواية الَّتي فيها: «لم تُرَعْ» وهذا يتحقَّق فيه ما قاله من إجراء الوصل مُجرى الوقف، وأجاب عنه فقال: لا نُسلِّم؛ إذ يحتمل أنَّ المَلَكَ نطق بكلِّ جملةٍ منها منفردةً عن الأخرى، ووقف (٢) على آخرها؛ فحكاه كما وقع. انتهى. (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ (٣) عَبْدُ اللهِ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٢٩] من رواية نافعٍ عن ابن عمر: «إنَّ عبد الله رجلٌ صالحٌ» (لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) «لو» للتَّمنِّي لا للشَّرط؛ ولذا لم يذكر الجواب، قال سالمٌ: (فَكَانَ) بالفاء، أي: عبد الله، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وكان» (بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا) فإن قلت: من أين أخذ ﵊ التَّفسير بقيام اللَّيل من هذه الرُّؤيا؟ أجاب المهلَّب بأنَّه إنَّما فسَّر ﵊ هذه الرُّؤيا بقيام اللَّيل؛ لأنَّه لم يَرَ شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيُذَكِّرَ بالنَّار، وعَلِم مبيته بالمسجد، فعبَّر عن ذلك بأنَّه مُنَبِّهٌ (٤) على قيام اللَّيل فيه. وفي الحديث: أنَّ قيام اللَّيل يُنجي من النَّار، وفيه:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
حَاكم فِيهَا إيجادا وإعداما يفعل مَا يَشَاء، وكل هَذِه نعم من الله تَعَالَى على عباده، فَلهَذَا قرن كلا مِنْهَا بِالْحَمْد. وَخص الْحَمد بِهِ، ثمَّ قَوْله: (أَنْت الْحق) إِشَارَة إِلَى المبدأ وَالْقَوْل، وَنَحْوه إِلَى المعاش والساعة إِلَى الْمعَاد.
وَفِيه: إِشَارَة إِلَى النُّبُوَّة وَإِلَى الْجَزَاء ثَوابًا وعقابا. وَفِيه: وجوب الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والتوكل والإنابة والتضرع إِلَى الله تَعَالَى وَالِاسْتِغْفَار وَغَيره انْتهى. وَيُقَال: وَفِيه: زِيَادَة معرفَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعظمة ربه وَعظم قدرته ومواظبته على الذّكر وَالدُّعَاء وَالثنَاء على ربه، وَالِاعْتِرَاف لله بحقوقه وَالْإِقْرَار بِصدق وعده ووعيده. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَقْدِيم الثَّنَاء على الْمَسْأَلَة عِنْد كل مَطْلُوب اقْتِدَاء بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَالَ سُفْيَانُ وزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أبُو أمَيَّةَ وَلَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ أبي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ طَاوُوسُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقيل: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَوضع الْمزي على هَذَا عَلامَة التَّعْلِيق، وَأَبُو أُميَّة كنية عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق الْبَصْرِيّ، وَأَبُو الْمخَارِق اسْمه: قيس، وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ: قد اسْتشْهد البُخَارِيّ بِابْن أبي الْمخَارِق هَذَا فِي: بَاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: وَقَالَ سُفْيَان يَعْنِي ابْن عُيَيْنَة، وَزَاد عبد الْكَرِيم أَبُو أُميَّة: (وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه) . وَقَالَ الْمَقْدِسِي فِي كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : فِيمَن اسْمه عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق: سمع مُجَاهدًا فِي الْحَج، روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد عِنْدهمَا عَن مُجَاهِد عَن ابْن أبي ليلِي (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أقوم على بُدنه وَأَن أقسم جلودها وجلالها، وَأَمرَنِي أَن لَا أعطي الجازر مِنْهَا، وَقَالَ: نَحن نُعْطِيه من عندنَا) . فَهَذَا كَمَا رَأَيْت كَلَام الْمُنْذِرِيّ يُقَوي مَا مَال إِلَيْهِ الْمزي من أَنه مُعَلّق، وَأَن عبد الْكَرِيم اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ، وَكَلَام الْمَقْدِسِي يُصَرح بِأَنَّهُ من رجال البُخَارِيّ، وَبِهَذَا يرد مَا قَالَه بَعضهم: وَلَيْسَ لعبد الْكَرِيم هَذَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) إلَاّ هَذَا الْموضع، وَلم يقْصد البُخَارِيّ التَّخْرِيج لَهُ، فلأجل ذَلِك لَا يعدونه من رِجَاله، وَإِنَّمَا وَقعت عَنهُ زِيَادَة فِي الْخَبَر غير مَقْصُودَة بذاتها. قلت: بَين كَلَامه هَذَا وَبَين قَوْله فِيمَا مضى: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، تنَاقض لَا يخفى. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ ابْن عُيَيْنَة أَيْضا. قَالَ سُلَيْمَان بن أبي مُسلم ... إِلَى آخِره، وَأَرَادَ سُفْيَان بذلك بَيَان سَماع سُلَيْمَان لَهُ من طَاوُوس لِأَنَّهُ أَولا أوردهُ بالعنعنة، وَصرح بذلك أَيْضا الْحميدِي فِي (مُسْنده) : عَن سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَحول خَال ابْن أبي نجيح: سَمِعت طاووسا. . فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ سُفْيَان، وَزَاد فِي رخره عبد الْكَرِيم: (وَلَا حول وَلَا قُوَّة إلاّ بك) ، فِيهِ لم يقلها سُلَيْمَان، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي نُسْخَة سمعته من طَاوُوس وَعلي بن خشرم، وَلم يذكرهُ أحد من رجال البُخَارِيّ، رَحمَه الله، وَإِنَّمَا ذكر فِي رجال مُسلم، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢ - (بابُ فَضْلِ قِيَامِ الليْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام اللَّيْل، وَهُوَ الصَّلَاة فِي اللَّيْل.
١٢١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ (ح) وحدَّثني مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا رَأي رُؤْيا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَمَنَّيْتُ أنْ أرَى رُؤْيَا فأقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكُنْتُ غُلاما شابّا وَكُنْتُ أنامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَأيْتُ فِي النَّوْمِ كَأنَّ مَلَكَيْنِ أخَذَانِي فذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فإذَا هِيَ مطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وِإذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفتُهُمْ فَجَعَلْتُ أقُولُ أعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ. قَالَ فَلَقِينَا مَلَكٌ آخَرُ فقالَ لِي لَمْ تُرَعْ.
. فقصصتها على حَفْصَة فقصتها حَفْصَة على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ نعم الرجل عبد الله
لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل فَكَانَ بعد لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " نعم الرجل عبد الله لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل " وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ يسْتَحق أَن يُوصف بنعم الرجل هَذَا واستحقاقه لذَلِك بِسَبَب مُبَاشَرَته صَلَاة اللَّيْل وَلَو لم يكن لصَلَاة اللَّيْل فضل لما اسْتحق فاعلها الثَّنَاء الْجَمِيل وَفِي رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر فِي التَّعْبِير " أَن عبد الله رجل صَالح لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل " وَهَذَا أصرح فِي الْمَدْح وَأبين فِي الْمَقْصُود (ذكر رِجَاله) وهم ثَمَانِيَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي. الثَّانِي هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. الرَّابِع مَحْمُود بن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة الْمروزِي. الْخَامِس عبد الرَّزَّاق بن همام. السَّادِس مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ السَّابِع سَالم بن عبد الله. الثَّامِن أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَجعل خلف هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عمر وَجعل بعضه فِي مُسْند حَفْصَة وَأوردهُ ابْن عَسَاكِر فِي مُسْند ابْن عمر والْحميدِي فِي مُسْند حَفْصَة وَذكر فِي رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر أَنَّهُمَا من مُسْند ابْن عمر وَقَالَ إِذْ لَا ذكر فِيهَا لحفصة فحاصله أَنهم جعلُوا رِوَايَة سَالم من مُسْند حَفْصَة وَرِوَايَة نَافِع من مُسْند ابْن عمر (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب نوم الرِّجَال فِي الْمَسْجِد فِيمَا مضى وَأخرجه فِيمَا يَأْتِي فِي بَاب فضل من تعار من اللَّيْل فِي مَنَاقِب ابْن عمر وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل عبد الله بن عمر حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد الله بن حميد وَاللَّفْظ لعبد قَالَا أخبرنَا عبد الرَّزَّاق " حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ الرجل فِي حَيَاة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا رأى رُؤْيا قصها على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فتمنيت أَن أرى رُؤْيا أقصها على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ وَكنت غُلَاما شَابًّا عزبا وَكنت أَنَام فِي الْمَسْجِد على عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَن ملكَيْنِ أخذاني فذهبا بِي إِلَى النَّار " الحَدِيث (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كَانَ الرجل " الْألف وَاللَّام فِيهِ لَا تصلح أَن تكون للْعهد على مَا لَا يخفى بل هِيَ للْجِنْس قَوْله " رُؤْيا " على وزن فعلى بِالضَّمِّ بِلَا تَنْوِين وَهُوَ يخْتَص بالمنام كَمَا أَن الرَّأْي يخْتَص بِالْقَلْبِ والرؤية تخْتَص بِالْعينِ قَوْله " قصها " من قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا وأقصها قصا والقص الْبَيَان قَوْله " فتمنيت أَن أرى " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " إِنِّي أرى " وَزَاد فِي التَّعْبِير من وَجه آخر " فَقلت فِي نَفسِي لَو كَانَ فِيك خير لرأيت مثل مَا يرى هَؤُلَاءِ " وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة تدل على خير رائيها قَوْله " فَإِذا هِيَ مطوية " كلمة إِذا للمفاجأة وَمعنى مطوية مَبْنِيَّة الجوانب فَإِن لم تبن فَهِيَ القليب قَوْله " فَإِذا لَهَا قرنان " أَي جانبان وقرنا الرَّأْس جانباه وَيُقَال القرنان منارتان عَن جَانِبي الْبِئْر تجْعَل عَلَيْهِمَا الْخَشَبَة الَّتِي تعلق عَلَيْهَا البكرة قَالَ الْكرْمَانِي أَو ضفيرتان وَفِي بَعْضهَا قرنين (فَإِن قلت) فَمَا وَجهه إِذْ هُوَ مُشكل (قلت) إِمَّا أَن يُقَال تَقْدِيره فَإِذا لَهَا مثل قرنين فَحذف الْمُضَاف وَترك الْمُضَاف إِلَيْهِ على إعرابه وَهُوَ كَقِرَاءَة {وَالله يُرِيد الْآخِرَة} بجر الْآخِرَة أَي عرض الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يُقَال إِذا المفاجأة تَتَضَمَّن معنى الوجدان فَكَأَنَّهُ قَالَ فَإِذا وجدت لَهَا قرنين كَمَا يَقُول الْكُوفِيُّونَ فِي قَوْلهم كنت أَظن الْعَقْرَب أَشد لسعا من الزنبور فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا أَن مَعْنَاهُ فَإِذا وجدته هُوَ إِيَّاهَا قَوْله " لم ترع " بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة مَعْنَاهُ لم تخف قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال لَا ترع مَعْنَاهُ لَا تخف وَلَا يلحقك خوف وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " لن تراع " وَزَاد فِيهِ " إِنَّك رجل صَالح " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِنَّمَا فسر الشَّارِع من رُؤْيا عبد الله بِمَا هُوَ ممدوح لِأَنَّهُ عرض على النَّار ثمَّ عوفي مِنْهَا وَقيل لَهُ لَا روع عَلَيْك وَذَلِكَ لصلاحه غير أَنه لم يكن يقوم من اللَّيْل فَحصل لعبد الله من ذَلِك تَنْبِيه على أَن قيام اللَّيْل مِمَّا يَتَّقِي بِهِ النَّار والدنو
مِنْهَا فَلذَلِك لم يتْرك قيام اللَّيْل بعد ذَلِك وَقَالَ الْمُهلب السِّرّ فِي ذَلِك كَون عبد الله كَانَ ينَام فِي الْمَسْجِد وَمن حق الْمَسْجِد أَن يتعبد فِيهِ فنبه على ذَلِك بالتخويف بالنَّار قَوْله " لَو كَانَ يُصَلِّي " كلمة لَو لِلتَّمَنِّي لَا للشّرط وَلذَلِك لم يذكر لَهَا جَوَاب. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ قصّ الرُّؤْيَا على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهَا من الْوَحْي وَهِي جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْء من النُّبُوَّة كَمَا نطق بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَفِيه تمني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ليعرف صَاحبهَا مَا لَهُ عِنْد الله وتمني الْخَيْر وَالْعلم والحرص عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز النّوم فِي الْمَسْجِد وَلَا كَرَاهَة فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رخص قوم من أهل الْعلم فِيهِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتخذه مَيتا وَلَا مقيلا وَذهب إِلَيْهِ قوم من أهل الْعلم وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ لمن كَانَ لَهُ مأوى فَأَما الْغَرِيب فَهُوَ دَاره والمعتكف فَهُوَ بَيته وَيجوز للْمَرِيض أَن يَجعله الإِمَام فِي الْمَسْجِد إِذا أَرَادَ افتقاده كَمَا كَانَت الْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح سَاكِنة فِي الْمَسْجِد وكما ضرب الشَّارِع قبَّة لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْمَسْجِد حِين سَالَ الدَّم من جرحه وَمَالك وَابْن الْقَاسِم يكرهان الْمبيت فِيهِ للحاضر الْقوي وَجوزهُ ابْن الْقَاسِم للضعيف الْحَاضِر. وَفِيه رُؤْيَة الْمَلَائِكَة فِي الْمَنَام وتحذيرهم للرائي لقَوْله " فَرَأَيْت ملكَيْنِ أخذاني ". وَفِيه الانطلاق بالصالح إِلَيْهَا فِي الْمَنَام تخويفا. وَفِيه السّتْر على مُسلم وَترك غيبته وَذَلِكَ قَوْله " وَإِذا فِيهَا أنَاس قد عرفتهم " إِنَّمَا أخبر بهم على الْإِجْمَال ليزدجروا وَسكت عَن بيانهم لِئَلَّا يغتابهم إِن كَانُوا مُسلمين وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يخْتم عَلَيْهِم بالنَّار وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك تحذيرا كَمَا حذر ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَفِيه القص على الْمَرْأَة وَفِيه تَبْلِيغ حَفْصَة وَفِيه قبُول خبر الْمَرْأَة. وَفِيه استحياء ابْن عمر عَن قصه على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفسِهِ. وَفِيه فَضِيلَة قيام اللَّيْل وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب. وَفِيه أَن قيام اللَّيْل منج من النَّار. وَفِيه فضل عبَادَة الشَّاب. وَفِيه مدح لِابْنِ عمر. وَفِيه تَنْبِيه على صَلَاحه. وَفِيه كَرَاهَة كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ وروى سعيد عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر مَرْفُوعا " قَالَت أم سُلَيْمَان لِسُلَيْمَان يَا بني لَا تكْثر النّوم بِاللَّيْلِ فَإِن كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ تدع الرجل فَقِيرا يَوْم الْقِيَامَة " وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال -
٣ - (بابُ طُولِ السجُودِ فِي قِيامِ اللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل طول السُّجُود فِي صَلَاة اللَّيْل.
٣٢١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً كانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذالِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حتَّى يَأْتِيِهِ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يسْجد السَّجْدَة من ذَلِك قدر مَا يقْرَأ أحدكُم خمسين آيَة قبل أَن يرفع رَأسه) ، فَإِن هَذَا الْمِقْدَار من الْقِرَاءَة فِي السَّجْدَة يدل على طول السَّجْدَة، والْحَدِيث أخرجه فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن لَفظه هُنَاكَ: (حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تِلْكَ) أَي: أحد عشرَة، والتعريف فِي السَّجْدَة للْجِنْس، فَيحْتَمل تنَاوله لكل سَجدَات تِلْكَ الصَّلَاة، وَالتَّاء الَّتِي فِيهَا لَا تنافيها. قَوْله: (قدر) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقدر. قَوْله: (للصَّلَاة) أَي: لصَلَاة الصُّبْح. وَقَالَ ابْن بطال: مَا طول سُجُوده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قيام اللَّيْل، فَذَلِك لاجتهاده فِيهِ بِالدُّعَاءِ والتضرع إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن ذَلِك أبلغ أَحْوَال التَّوَاضُع والتذلل إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِك شكرا على مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ، وَقد كَانَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِيهِ الأسوة الْحَسَنَة، وَكَانَ السّلف يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ يحيى بن وثاب: كَانَ ابْن الزبير، رَحمَه الله تَعَالَى، يسْجد حَتَّى تنزل العصافير على ظَهره كَأَنَّهُ حَائِط.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56