الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٢٣
الحديث رقم ١١٢٣ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب طول السجود في قيام الليل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
أخبرت عائشة رضي الله عنها أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعة، ثم بيّنت كيفية صلاته وبأنه يسجد سجودًا طويًلا، فمقدار سجوده في الصلاة بقدر قراءة خمسين آية، ويصلي سنة الفجر ركعتين ثم يرقد للاستراحة من مكابدة الليل، ومجاهدة التهجد، على شقه الأيمن لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن في شأنه كله، حتى يناديه بلال مستئذنًا لأن يقيم لصلاة الصبح؛ لأنها راجعة بأمر الإمام.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، الْآتِيَةِ قَرِيبًا: كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي، أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ: لَنْ تُرَاعَ، خَلِّيَا عَنْهُ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا بِهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى إِدْخَالِهِ، فَالتَّقْدِيرُ: أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَيُدْخِلَانِي فِيهَا، فَلَمَّا نَظَرْتُهَا فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ، وَرَأَيْتُ مَنْ فِيهَا وَاسْتَعَذْتُ، فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) أَيْ مَبْنِيَّةٌ، وَالْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى تُسَمَّى قَلِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) هَكَذَا لِلْجُمْهُورِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي نُسْخَةٍ: قَرْنَيْنِ، فَأَعْرَبَهَا بِالْجَرِّ أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مُضَافًا حُذِفَ، وَتُرِكَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيرُهُ: فَإِذَا لَهَا مِثْلُ قَرْنَيْنِ، وَهُوَ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) بِالْجَرِّ، أَيْ: يُرِيدُ عَرَضَ الْآخِرَةِ، أَوْ ضَمَّنَ إِذًا الْمُفَاجِأَةَ مَعْنَى الْوِجْدَانِ؛ أَيْ: فَإِذَا بِي وَجَدْتُ لَهَا قَرْنَيْنِ. انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِالْقَرْنَيْنِ هُنَا خَشَبَتَانِ أَوْ بِنَاءَانِ تُمَدُّ عَلَيْهِمَا الْخَشَبَةُ الْعَارِضَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيهَا الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِيهَا الْبَكَرَةُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بِنَاءٍ فَهُمَا الْقَرْنَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ فَهُمَا الزَّرْنُوقَانِ - بِزَايٍ مَنْقُوطَةٍ قَبْلَ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ قَافٍ -، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْخَشَبَةِ أَيْضًا الْقَرْنَانِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي غُسْلِ الْمُحْرِمِ فِي بَابِ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُرَعْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ؛ أَيْ: لَمْ تُخَفْ، وَالْمَعْنَى لَا خَوْفَ عَلَيْكَ بَعْدَ هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي التَّعْبِيرِ لَنْ تُرَاعَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: لَنْ تُرَعْ بِحَذْفِ الْأَلِفِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ - أَيِ: الْجَزْمُ بِلَنْ - حَتَّى قَالَ الْقَزَّازُ: لَا أَعْلَمُ لَهُ شَاهِدًا. وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَنْ يَخِبِ الْآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ … حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلْقَهْ
وَبِقَوْلِ الْآخَرِ:
وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكَ مَنْظَرٌ
وَزَادَ فِيهِ: إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَابًا بِزِيَادَةٍ فِيهِ وَنُقْصَانٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا فَسَّرَ الشَّارِعُ مِنْ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ مَا هُوَ مَمْدُوحٌ؛ لِأَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّارِ، ثُمَّ عُوفِيَ مِنْهَا، وَقِيلَ لَهُ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ وَذَلِكَ لِصَلَاحِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَحَصَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ ممَا يَتَّقِي بِهِ النَّارَ وَالدُّنُوَّ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ قِيَامَ اللَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ كَوْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَمِنْ حَقِّ الْمَسْجِدِ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ، فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ) لَوْ لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْجَوَابَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يَدْفَعُ الْعَذَابَ، وَفِيهِ تَمَنِّي الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): سِيَاقُ هَذَا الْمَتْنِ عَلَى لَفْظِ مَحْمُودٍ، وَأَمَّا سِيَاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِيرِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ طَرِيقَ مَحْمُودٍ هَذِهِ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِ.
٣ - بَاب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كراهة كثرة النَّوم باللَّيل، وقد روى سُنَيْد (١) عن يوسف بن محمَّد ابن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعًا: «قالت أمُّ سليمانٍ لسليمان: يا بنيَّ؛ لا تكثر النَّوم باللَّيل؛ فإنَّ كثرة النَّوم باللَّيل تَدَعُ الرَّجل فقيرًا يوم القيامة»، وكان بعض الكُبراء يقف على المائدة كلَّ ليلةٍ ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا؛ فتشربوا كثيرًا؛ فترقدوا كثيرًا، فتتحسَّروا (٢) عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير؛ وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام.
وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار (٣)، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «باب نوم الرِّجال (٤) في المسجد» [خ¦٤٤٠] كما سبق، وفي «باب فضل (٥) من تعارَّ من اللَّيل» [خ¦١١٥٦] و «مناقب ابن عمر» [خ¦٣٧٣٨]، ومسلمٌ في «فضائل ابن عمر».
(٣) هذا (٦) (باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ) للدُّعاء والتَّضرُّع إلى الله تعالى؛ إذ هو أبلغ أحوال التَّواضع والتَّذلُّل، ومن ثمَّ كان أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ.
١١٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مِنْهَا فَلذَلِك لم يتْرك قيام اللَّيْل بعد ذَلِك وَقَالَ الْمُهلب السِّرّ فِي ذَلِك كَون عبد الله كَانَ ينَام فِي الْمَسْجِد وَمن حق الْمَسْجِد أَن يتعبد فِيهِ فنبه على ذَلِك بالتخويف بالنَّار قَوْله " لَو كَانَ يُصَلِّي " كلمة لَو لِلتَّمَنِّي لَا للشّرط وَلذَلِك لم يذكر لَهَا جَوَاب. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ قصّ الرُّؤْيَا على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهَا من الْوَحْي وَهِي جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْء من النُّبُوَّة كَمَا نطق بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَفِيه تمني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ليعرف صَاحبهَا مَا لَهُ عِنْد الله وتمني الْخَيْر وَالْعلم والحرص عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز النّوم فِي الْمَسْجِد وَلَا كَرَاهَة فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رخص قوم من أهل الْعلم فِيهِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتخذه مَيتا وَلَا مقيلا وَذهب إِلَيْهِ قوم من أهل الْعلم وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ لمن كَانَ لَهُ مأوى فَأَما الْغَرِيب فَهُوَ دَاره والمعتكف فَهُوَ بَيته وَيجوز للْمَرِيض أَن يَجعله الإِمَام فِي الْمَسْجِد إِذا أَرَادَ افتقاده كَمَا كَانَت الْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح سَاكِنة فِي الْمَسْجِد وكما ضرب الشَّارِع قبَّة لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْمَسْجِد حِين سَالَ الدَّم من جرحه وَمَالك وَابْن الْقَاسِم يكرهان الْمبيت فِيهِ للحاضر الْقوي وَجوزهُ ابْن الْقَاسِم للضعيف الْحَاضِر. وَفِيه رُؤْيَة الْمَلَائِكَة فِي الْمَنَام وتحذيرهم للرائي لقَوْله " فَرَأَيْت ملكَيْنِ أخذاني ". وَفِيه الانطلاق بالصالح إِلَيْهَا فِي الْمَنَام تخويفا. وَفِيه السّتْر على مُسلم وَترك غيبته وَذَلِكَ قَوْله " وَإِذا فِيهَا أنَاس قد عرفتهم " إِنَّمَا أخبر بهم على الْإِجْمَال ليزدجروا وَسكت عَن بيانهم لِئَلَّا يغتابهم إِن كَانُوا مُسلمين وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يخْتم عَلَيْهِم بالنَّار وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك تحذيرا كَمَا حذر ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَفِيه القص على الْمَرْأَة وَفِيه تَبْلِيغ حَفْصَة وَفِيه قبُول خبر الْمَرْأَة. وَفِيه استحياء ابْن عمر عَن قصه على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفسِهِ. وَفِيه فَضِيلَة قيام اللَّيْل وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب. وَفِيه أَن قيام اللَّيْل منج من النَّار. وَفِيه فضل عبَادَة الشَّاب. وَفِيه مدح لِابْنِ عمر. وَفِيه تَنْبِيه على صَلَاحه. وَفِيه كَرَاهَة كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ وروى سعيد عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر مَرْفُوعا " قَالَت أم سُلَيْمَان لِسُلَيْمَان يَا بني لَا تكْثر النّوم بِاللَّيْلِ فَإِن كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ تدع الرجل فَقِيرا يَوْم الْقِيَامَة " وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال -
٣ - (بابُ طُولِ السجُودِ فِي قِيامِ اللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل طول السُّجُود فِي صَلَاة اللَّيْل.
٣٢١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً كانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذالِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حتَّى يَأْتِيِهِ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يسْجد السَّجْدَة من ذَلِك قدر مَا يقْرَأ أحدكُم خمسين آيَة قبل أَن يرفع رَأسه) ، فَإِن هَذَا الْمِقْدَار من الْقِرَاءَة فِي السَّجْدَة يدل على طول السَّجْدَة، والْحَدِيث أخرجه فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن لَفظه هُنَاكَ: (حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تِلْكَ) أَي: أحد عشرَة، والتعريف فِي السَّجْدَة للْجِنْس، فَيحْتَمل تنَاوله لكل سَجدَات تِلْكَ الصَّلَاة، وَالتَّاء الَّتِي فِيهَا لَا تنافيها. قَوْله: (قدر) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقدر. قَوْله: (للصَّلَاة) أَي: لصَلَاة الصُّبْح. وَقَالَ ابْن بطال: مَا طول سُجُوده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قيام اللَّيْل، فَذَلِك لاجتهاده فِيهِ بِالدُّعَاءِ والتضرع إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن ذَلِك أبلغ أَحْوَال التَّوَاضُع والتذلل إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِك شكرا على مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ، وَقد كَانَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِيهِ الأسوة الْحَسَنَة، وَكَانَ السّلف يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ يحيى بن وثاب: كَانَ ابْن الزبير، رَحمَه الله تَعَالَى، يسْجد حَتَّى تنزل العصافير على ظَهره كَأَنَّهُ حَائِط.
٤ - (بابُ تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك قيام اللَّيْل للْمَرِيض.
٤٢١١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدبا يَقُولُ اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أوْ لَيْلَتَيْنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ، وَكَذَلِكَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث الْآتِي، سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَصرح فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: الْأسود بن قيس. الرَّابِع: جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله، وَقد تقدم فِي: بَاب النَّحْر فِي الْمصلى، فِي كتاب الْعِيد، وَوَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي كتاب التَّفْسِير فِي {وَالضُّحَى} جُنْدُب بن أبي سُفْيَان وَهُوَ جُنْدُب بن عبد الله بن أبي سُفْيَان إِلَّا أَنه تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده، وَلَا يظنّ أَن جُنْدُب ابْن أبي سُفْيَان غير جُنْدُب ابْن عبد الله فَافْهَم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كوفيون. والْحَدِيث من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي قيام اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم أَيْضا وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس وَعَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن رَافع وَعَن أبي بكر وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن إِسْحَاق عَن الْملَائي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اشْتَكَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: مرض، وَكَذَلِكَ: تشكى، قَالَ الْجَوْهَرِي: اشْتَكَى عضوا من أَعْضَائِهِ وتشكى بِمَعْنى، وَأَصله من الشكو، قَالَ ابْن الْأَثِير: الشكو والشكوى والشكاة والشكاية: الْمَرَض. وَفِي (الصِّحَاح) : شَكَوْت فلَانا أشكوه شكوى وشكاية وشكية وشكاة إِذا أخْبرت عَنهُ بِسوء فعله بك، فَهُوَ مشكو ومشكي، والإسم: الشكوى. قَوْله: (فَلم يقم) ، من الْقيام، وانتصاب لَيْلَة على الظَّرْفِيَّة، وَهَكَذَا وَقع مُخْتَصرا هَهُنَا، وَقد سَاقه فِي فَضَائِل الْقُرْآن تَاما من شَيْخه أبي نعيم أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا سُفْيَان (عَن الْأسود بن قيس، قَالَ: سَمِعت جندبا يَقُول: اشْتَكَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يقم لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَة، فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى شَيْطَانك إلاّ قد تَركك؟ فَأنْزل الله، عز وَجل: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ١ ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي كتاب التَّفْسِير فِي {وَالضُّحَى} : حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا الْأسود بن قيس قَالَ: سَمِعت جُنْدُب بن سُفْيَان (قَالَ: اشْتَكَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يقم لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فَجَاءَت امْرَأَة فَقَالَت: يَا مُحَمَّد إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك؟ لم أره قربك مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا؟ فَأنْزل الله عز وَجل: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي {وَالضُّحَى} : حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة (عَن الْأسود بن قيس قَالَ: سَمِعت جندبا البَجلِيّ. . قَالَت امْرَأَة: يَا رَسُول الله مَا أرى صَاحبك إلاّ أَبْطَأَ عَنْك؟ فَنزلت: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن كثير، وَيَأْتِي عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب، وروى مُسلم: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا سُفْيَان (عَن الْأسود بن قيس أَنه سمع جندبا يَقُول: أَبْطَأَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ١ ٣) . وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة زُهَيْر (عَن الْأسود بن قيس، قَالَ: سَمِعت جُنْدُب بن سُفْيَان يَقُول: اشْتَكَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. .) الحَدِيث، مثل رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن يُونُس، وروى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة (عَن الْأسود بن قيس عَن جُنْدُب البَجلِيّ، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَنْمَار، فدميت إصبعه فَقَالَ: هَل أَنْت إِلَّا اصبع دميت. وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت، قَالَ: وَأَبْطَأ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،
فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد، فَأنْزل الله تبَارك وَتَعَالَى: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (الضُّحَى: ٣) . وروى الواحدي من حَدِيث هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه: (أَبْطَأَ جِبْرِيل على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فجزع جزعا شَدِيدا فَقَالَت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: قد قلاك رَبك لما يرى من جزعك، فَنزلت السُّورَة) . وروى الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن مُوسَى أخبرنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق (عَن زيد بن أَرقم: لما نزلت {تبت} جَاءَت امْرَأَة أبي لَهب فَقَالَت: يَا مُحَمَّد على مَا تهجوني؟ فَقَالَ: مَا هجوتك، مَا هجاك إلاّ الله، وَمكث رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ وَحي، فَأَتَتْهُ فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى صَاحبك إلاّ قد قلاك؟ فَنزلت السُّورَة) . وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي: (أَبْطَأَ الْوَحْي عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَالَ كَعْب بن الْأَشْرَف: قد أطفأ الله نور مُحَمَّد وَانْقطع الْوَحْي عَنهُ، فهبط جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بعد الْأَرْبَعين يَوْمًا فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أبطأك عني فَنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّل إلاّ بِأَمْر رَبك} (مَرْيَم: ٤٦) . وَأنزل سُورَة الضُّحَى وتكذيبا لكعب: {يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم} (الصَّفّ: ٨) . وَفِي (الْمعَانِي) للفراء و (الْإِيضَاح) تَفْسِير الْقُرْآن لأبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْجَوْزِيّ: قيل (سَبَب نُزُولهَا أَن الْوَحْي كَانَ تَأَخّر خَمْسَة عشر يَوْمًا فَتكلم الْكفَّار) الحَدِيث. وَزعم ابْن إِسْحَاق أَن سَبَب تَأْخِير جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن الْمُشْركين لما سَأَلُوهُ عَن ذِي القرنين وَالروح وعدهم بِالْجَوَابِ إِلَى غَد، وَلم يسْتَثْن، فَنزل عَلَيْهِ بعد بطئه سُورَة الضُّحَى، وبجواب سُؤَاله. قَوْله: {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إلاّ أَن يَشَاء الله} (الْكَهْف: ٣٢) . قَالَ الواحدي: وَعَن خَوْلَة خادمة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن جروا دخل تَحت السرير، فَمَكثَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي، فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَا حدث فِي بَيْتِي؟ جِبْرِيل لَا يأتيني؟ قَالَت خَوْلَة: فَقلت لَو هيأت الْبَيْت وكنسته، قَالَت: فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا شَيْء ثقيل، فَإِذا هُوَ جرو ميت، فألقيته خلف الْجِدَار. قَالَت: فجَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرعد فَقَالَ: يَا خَوْلَة دثريني فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل} (الضُّحَى: ١ و ٢) . زَاد ابْن إِسْحَاق: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجبريل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: مَا أخرك؟ فَقَالَ: أما علمت أَنا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة؟ وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) قَالَ ابْن جرير: قَالَ الْمُشْركُونَ: أَن مُحَمَّدًا ودعه ربه وقلاه، وَلَو كَانَ امْرَهْ من الله لتتابع عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يفعل بِمن كَانَ قبله من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله أما ينزل عَلَيْك الْوَحْي؟ فَقَالَ: وَكَيف ينزل عَليّ الْوَحْي وَأَنْتُم لَا تنتقون براجمكم وَلَا تقلمون أظافركم؟ فَأنْزل الله تَعَالَى، جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِهَذِهِ السُّورَة، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا جِبْرِيل مَا جِئْت حَتَّى اشْتقت إِلَيْك {فَقَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: وَأَنا كنت أَشد شوقا، وَلَكِنِّي عبد مَأْمُور {وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك} (مَرْيَم: ٤٦) [/ ح.
ثمَّ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع. الأول: أَن اشتكاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبين فِي شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث، قيل: وَظن بعض الشُّرَّاح أَن الَّذِي وَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة من الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب: هُوَ بَيَان للشكاية المجملة فِي الصَّحِيح، وَلَيْسَ كَمَا ظن، فءن فِي طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا أَن نزُول هَذِه السُّورَة كَانَ فِي أَوَائِل الْبعْثَة، وجندب لم يصحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاّ مُتَأَخِّرًا، حَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) عَن الإِمَام أَحْمد، وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون سَبَب الشكاية بطء الْوَحْي.
الثَّانِي: أَن هَذِه الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مُخْتَلف فِيهَا، فَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: امْرَأَة أبي لَهب، وَهِي أم جميل العوراء بنت حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَهِي أُخْت أبي سُفْيَان بن حَرْب، وَقيل: امْرَأَة من أَهله أَو من قومه. قلت: لَا شكّ أَن أم جميلَة من قومه لِأَنَّهَا من بني عبد منَاف، وَفِي رِوَايَة سنيد بن دَاوُد: إِنَّهَا عَائِشَة، وَقد غلط سنيد فِيهِ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن وَكِيع، فَقَالَ فِيهِ: قَالَت خَدِيجَة. وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَقد أنكر ذَلِك، لِأَن خَدِيجَة قَوِيَّة الْإِيمَان فَلَا يَلِيق نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَيْهَا وَإِن كَانَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَامه) بِإِسْنَاد صَحِيح، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي (تَفْسِيره) وَأَبُو دَاوُد فِي (أَعْلَام النُّبُوَّة) لَهُ، كلهم من طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُم أَنَّهَا عبرت بقولِهَا: شَيْطَانك، وَهَذِه لَفْظَة مستنكرة جدا، وَزعم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عَسْكَر أَن القائلة ذَاك إِحْدَى عماته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ الظَّاهِر أَن الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت: يَا مُحَمَّد} مَا أرى شَيْطَانك إلاّ قد تَركك؟ ير الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت: مَا أرى صَاحبك إلاّ قد أَبْطَأَ عَنْك؟ لِأَن هَذِه قَالَت: يَا رَسُول الله، وَتلك قَالَت: يَا مُحَمَّد، وَالَّتِي قَالَت: شَيْطَانك قَالَت تهكما وشماتة، وَالَّتِي قَالَت: صَاحبك، قَالَت تأسفا وتوجعا.
الثَّالِث: أَن مُدَّة بطء الْوَحْي اخْتلف فِيهَا، فَقيل: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، كَمَا ذكر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، الْآتِيَةِ قَرِيبًا: كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي، أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ: لَنْ تُرَاعَ، خَلِّيَا عَنْهُ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا بِهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى إِدْخَالِهِ، فَالتَّقْدِيرُ: أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَيُدْخِلَانِي فِيهَا، فَلَمَّا نَظَرْتُهَا فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ، وَرَأَيْتُ مَنْ فِيهَا وَاسْتَعَذْتُ، فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) أَيْ مَبْنِيَّةٌ، وَالْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى تُسَمَّى قَلِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) هَكَذَا لِلْجُمْهُورِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي نُسْخَةٍ: قَرْنَيْنِ، فَأَعْرَبَهَا بِالْجَرِّ أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مُضَافًا حُذِفَ، وَتُرِكَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيرُهُ: فَإِذَا لَهَا مِثْلُ قَرْنَيْنِ، وَهُوَ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) بِالْجَرِّ، أَيْ: يُرِيدُ عَرَضَ الْآخِرَةِ، أَوْ ضَمَّنَ إِذًا الْمُفَاجِأَةَ مَعْنَى الْوِجْدَانِ؛ أَيْ: فَإِذَا بِي وَجَدْتُ لَهَا قَرْنَيْنِ. انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِالْقَرْنَيْنِ هُنَا خَشَبَتَانِ أَوْ بِنَاءَانِ تُمَدُّ عَلَيْهِمَا الْخَشَبَةُ الْعَارِضَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيهَا الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِيهَا الْبَكَرَةُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بِنَاءٍ فَهُمَا الْقَرْنَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ فَهُمَا الزَّرْنُوقَانِ - بِزَايٍ مَنْقُوطَةٍ قَبْلَ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ قَافٍ -، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْخَشَبَةِ أَيْضًا الْقَرْنَانِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي غُسْلِ الْمُحْرِمِ فِي بَابِ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُرَعْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ؛ أَيْ: لَمْ تُخَفْ، وَالْمَعْنَى لَا خَوْفَ عَلَيْكَ بَعْدَ هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي التَّعْبِيرِ لَنْ تُرَاعَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: لَنْ تُرَعْ بِحَذْفِ الْأَلِفِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ - أَيِ: الْجَزْمُ بِلَنْ - حَتَّى قَالَ الْقَزَّازُ: لَا أَعْلَمُ لَهُ شَاهِدًا. وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَنْ يَخِبِ الْآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ … حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلْقَهْ
وَبِقَوْلِ الْآخَرِ:
وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكَ مَنْظَرٌ
وَزَادَ فِيهِ: إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَابًا بِزِيَادَةٍ فِيهِ وَنُقْصَانٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا فَسَّرَ الشَّارِعُ مِنْ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ مَا هُوَ مَمْدُوحٌ؛ لِأَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّارِ، ثُمَّ عُوفِيَ مِنْهَا، وَقِيلَ لَهُ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ وَذَلِكَ لِصَلَاحِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَحَصَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ ممَا يَتَّقِي بِهِ النَّارَ وَالدُّنُوَّ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ قِيَامَ اللَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ كَوْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَمِنْ حَقِّ الْمَسْجِدِ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ، فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ) لَوْ لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْجَوَابَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يَدْفَعُ الْعَذَابَ، وَفِيهِ تَمَنِّي الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): سِيَاقُ هَذَا الْمَتْنِ عَلَى لَفْظِ مَحْمُودٍ، وَأَمَّا سِيَاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِيرِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ طَرِيقَ مَحْمُودٍ هَذِهِ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِ.
٣ - بَاب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كراهة كثرة النَّوم باللَّيل، وقد روى سُنَيْد (١) عن يوسف بن محمَّد ابن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعًا: «قالت أمُّ سليمانٍ لسليمان: يا بنيَّ؛ لا تكثر النَّوم باللَّيل؛ فإنَّ كثرة النَّوم باللَّيل تَدَعُ الرَّجل فقيرًا يوم القيامة»، وكان بعض الكُبراء يقف على المائدة كلَّ ليلةٍ ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا؛ فتشربوا كثيرًا؛ فترقدوا كثيرًا، فتتحسَّروا (٢) عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير؛ وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام.
وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار (٣)، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «باب نوم الرِّجال (٤) في المسجد» [خ¦٤٤٠] كما سبق، وفي «باب فضل (٥) من تعارَّ من اللَّيل» [خ¦١١٥٦] و «مناقب ابن عمر» [خ¦٣٧٣٨]، ومسلمٌ في «فضائل ابن عمر».
(٣) هذا (٦) (باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ) للدُّعاء والتَّضرُّع إلى الله تعالى؛ إذ هو أبلغ أحوال التَّواضع والتَّذلُّل، ومن ثمَّ كان أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ.
١١٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مِنْهَا فَلذَلِك لم يتْرك قيام اللَّيْل بعد ذَلِك وَقَالَ الْمُهلب السِّرّ فِي ذَلِك كَون عبد الله كَانَ ينَام فِي الْمَسْجِد وَمن حق الْمَسْجِد أَن يتعبد فِيهِ فنبه على ذَلِك بالتخويف بالنَّار قَوْله " لَو كَانَ يُصَلِّي " كلمة لَو لِلتَّمَنِّي لَا للشّرط وَلذَلِك لم يذكر لَهَا جَوَاب. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ قصّ الرُّؤْيَا على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهَا من الْوَحْي وَهِي جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْء من النُّبُوَّة كَمَا نطق بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَفِيه تمني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ليعرف صَاحبهَا مَا لَهُ عِنْد الله وتمني الْخَيْر وَالْعلم والحرص عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز النّوم فِي الْمَسْجِد وَلَا كَرَاهَة فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رخص قوم من أهل الْعلم فِيهِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتخذه مَيتا وَلَا مقيلا وَذهب إِلَيْهِ قوم من أهل الْعلم وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ لمن كَانَ لَهُ مأوى فَأَما الْغَرِيب فَهُوَ دَاره والمعتكف فَهُوَ بَيته وَيجوز للْمَرِيض أَن يَجعله الإِمَام فِي الْمَسْجِد إِذا أَرَادَ افتقاده كَمَا كَانَت الْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح سَاكِنة فِي الْمَسْجِد وكما ضرب الشَّارِع قبَّة لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْمَسْجِد حِين سَالَ الدَّم من جرحه وَمَالك وَابْن الْقَاسِم يكرهان الْمبيت فِيهِ للحاضر الْقوي وَجوزهُ ابْن الْقَاسِم للضعيف الْحَاضِر. وَفِيه رُؤْيَة الْمَلَائِكَة فِي الْمَنَام وتحذيرهم للرائي لقَوْله " فَرَأَيْت ملكَيْنِ أخذاني ". وَفِيه الانطلاق بالصالح إِلَيْهَا فِي الْمَنَام تخويفا. وَفِيه السّتْر على مُسلم وَترك غيبته وَذَلِكَ قَوْله " وَإِذا فِيهَا أنَاس قد عرفتهم " إِنَّمَا أخبر بهم على الْإِجْمَال ليزدجروا وَسكت عَن بيانهم لِئَلَّا يغتابهم إِن كَانُوا مُسلمين وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يخْتم عَلَيْهِم بالنَّار وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك تحذيرا كَمَا حذر ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَفِيه القص على الْمَرْأَة وَفِيه تَبْلِيغ حَفْصَة وَفِيه قبُول خبر الْمَرْأَة. وَفِيه استحياء ابْن عمر عَن قصه على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفسِهِ. وَفِيه فَضِيلَة قيام اللَّيْل وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب. وَفِيه أَن قيام اللَّيْل منج من النَّار. وَفِيه فضل عبَادَة الشَّاب. وَفِيه مدح لِابْنِ عمر. وَفِيه تَنْبِيه على صَلَاحه. وَفِيه كَرَاهَة كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ وروى سعيد عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر مَرْفُوعا " قَالَت أم سُلَيْمَان لِسُلَيْمَان يَا بني لَا تكْثر النّوم بِاللَّيْلِ فَإِن كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ تدع الرجل فَقِيرا يَوْم الْقِيَامَة " وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال -
٣ - (بابُ طُولِ السجُودِ فِي قِيامِ اللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل طول السُّجُود فِي صَلَاة اللَّيْل.
٣٢١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً كانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذالِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حتَّى يَأْتِيِهِ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يسْجد السَّجْدَة من ذَلِك قدر مَا يقْرَأ أحدكُم خمسين آيَة قبل أَن يرفع رَأسه) ، فَإِن هَذَا الْمِقْدَار من الْقِرَاءَة فِي السَّجْدَة يدل على طول السَّجْدَة، والْحَدِيث أخرجه فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن لَفظه هُنَاكَ: (حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تِلْكَ) أَي: أحد عشرَة، والتعريف فِي السَّجْدَة للْجِنْس، فَيحْتَمل تنَاوله لكل سَجدَات تِلْكَ الصَّلَاة، وَالتَّاء الَّتِي فِيهَا لَا تنافيها. قَوْله: (قدر) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقدر. قَوْله: (للصَّلَاة) أَي: لصَلَاة الصُّبْح. وَقَالَ ابْن بطال: مَا طول سُجُوده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قيام اللَّيْل، فَذَلِك لاجتهاده فِيهِ بِالدُّعَاءِ والتضرع إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن ذَلِك أبلغ أَحْوَال التَّوَاضُع والتذلل إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِك شكرا على مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ، وَقد كَانَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِيهِ الأسوة الْحَسَنَة، وَكَانَ السّلف يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ يحيى بن وثاب: كَانَ ابْن الزبير، رَحمَه الله تَعَالَى، يسْجد حَتَّى تنزل العصافير على ظَهره كَأَنَّهُ حَائِط.
٤ - (بابُ تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك قيام اللَّيْل للْمَرِيض.
٤٢١١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدبا يَقُولُ اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أوْ لَيْلَتَيْنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ، وَكَذَلِكَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث الْآتِي، سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَصرح فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: الْأسود بن قيس. الرَّابِع: جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله، وَقد تقدم فِي: بَاب النَّحْر فِي الْمصلى، فِي كتاب الْعِيد، وَوَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي كتاب التَّفْسِير فِي {وَالضُّحَى} جُنْدُب بن أبي سُفْيَان وَهُوَ جُنْدُب بن عبد الله بن أبي سُفْيَان إِلَّا أَنه تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده، وَلَا يظنّ أَن جُنْدُب ابْن أبي سُفْيَان غير جُنْدُب ابْن عبد الله فَافْهَم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كوفيون. والْحَدِيث من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي قيام اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم أَيْضا وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس وَعَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن رَافع وَعَن أبي بكر وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن إِسْحَاق عَن الْملَائي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اشْتَكَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: مرض، وَكَذَلِكَ: تشكى، قَالَ الْجَوْهَرِي: اشْتَكَى عضوا من أَعْضَائِهِ وتشكى بِمَعْنى، وَأَصله من الشكو، قَالَ ابْن الْأَثِير: الشكو والشكوى والشكاة والشكاية: الْمَرَض. وَفِي (الصِّحَاح) : شَكَوْت فلَانا أشكوه شكوى وشكاية وشكية وشكاة إِذا أخْبرت عَنهُ بِسوء فعله بك، فَهُوَ مشكو ومشكي، والإسم: الشكوى. قَوْله: (فَلم يقم) ، من الْقيام، وانتصاب لَيْلَة على الظَّرْفِيَّة، وَهَكَذَا وَقع مُخْتَصرا هَهُنَا، وَقد سَاقه فِي فَضَائِل الْقُرْآن تَاما من شَيْخه أبي نعيم أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا سُفْيَان (عَن الْأسود بن قيس، قَالَ: سَمِعت جندبا يَقُول: اشْتَكَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يقم لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَة، فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى شَيْطَانك إلاّ قد تَركك؟ فَأنْزل الله، عز وَجل: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ١ ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي كتاب التَّفْسِير فِي {وَالضُّحَى} : حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا الْأسود بن قيس قَالَ: سَمِعت جُنْدُب بن سُفْيَان (قَالَ: اشْتَكَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يقم لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فَجَاءَت امْرَأَة فَقَالَت: يَا مُحَمَّد إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك؟ لم أره قربك مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا؟ فَأنْزل الله عز وَجل: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي {وَالضُّحَى} : حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة (عَن الْأسود بن قيس قَالَ: سَمِعت جندبا البَجلِيّ. . قَالَت امْرَأَة: يَا رَسُول الله مَا أرى صَاحبك إلاّ أَبْطَأَ عَنْك؟ فَنزلت: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن كثير، وَيَأْتِي عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب، وروى مُسلم: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا سُفْيَان (عَن الْأسود بن قيس أَنه سمع جندبا يَقُول: أَبْطَأَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (وَالضُّحَى: ١ ٣) . وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة زُهَيْر (عَن الْأسود بن قيس، قَالَ: سَمِعت جُنْدُب بن سُفْيَان يَقُول: اشْتَكَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. .) الحَدِيث، مثل رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن يُونُس، وروى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة (عَن الْأسود بن قيس عَن جُنْدُب البَجلِيّ، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَنْمَار، فدميت إصبعه فَقَالَ: هَل أَنْت إِلَّا اصبع دميت. وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت، قَالَ: وَأَبْطَأ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،
فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد، فَأنْزل الله تبَارك وَتَعَالَى: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} (الضُّحَى: ٣) . وروى الواحدي من حَدِيث هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه: (أَبْطَأَ جِبْرِيل على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فجزع جزعا شَدِيدا فَقَالَت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: قد قلاك رَبك لما يرى من جزعك، فَنزلت السُّورَة) . وروى الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن مُوسَى أخبرنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق (عَن زيد بن أَرقم: لما نزلت {تبت} جَاءَت امْرَأَة أبي لَهب فَقَالَت: يَا مُحَمَّد على مَا تهجوني؟ فَقَالَ: مَا هجوتك، مَا هجاك إلاّ الله، وَمكث رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ وَحي، فَأَتَتْهُ فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى صَاحبك إلاّ قد قلاك؟ فَنزلت السُّورَة) . وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي: (أَبْطَأَ الْوَحْي عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَالَ كَعْب بن الْأَشْرَف: قد أطفأ الله نور مُحَمَّد وَانْقطع الْوَحْي عَنهُ، فهبط جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بعد الْأَرْبَعين يَوْمًا فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أبطأك عني فَنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّل إلاّ بِأَمْر رَبك} (مَرْيَم: ٤٦) . وَأنزل سُورَة الضُّحَى وتكذيبا لكعب: {يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم} (الصَّفّ: ٨) . وَفِي (الْمعَانِي) للفراء و (الْإِيضَاح) تَفْسِير الْقُرْآن لأبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْجَوْزِيّ: قيل (سَبَب نُزُولهَا أَن الْوَحْي كَانَ تَأَخّر خَمْسَة عشر يَوْمًا فَتكلم الْكفَّار) الحَدِيث. وَزعم ابْن إِسْحَاق أَن سَبَب تَأْخِير جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن الْمُشْركين لما سَأَلُوهُ عَن ذِي القرنين وَالروح وعدهم بِالْجَوَابِ إِلَى غَد، وَلم يسْتَثْن، فَنزل عَلَيْهِ بعد بطئه سُورَة الضُّحَى، وبجواب سُؤَاله. قَوْله: {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إلاّ أَن يَشَاء الله} (الْكَهْف: ٣٢) . قَالَ الواحدي: وَعَن خَوْلَة خادمة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن جروا دخل تَحت السرير، فَمَكثَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي، فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَا حدث فِي بَيْتِي؟ جِبْرِيل لَا يأتيني؟ قَالَت خَوْلَة: فَقلت لَو هيأت الْبَيْت وكنسته، قَالَت: فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا شَيْء ثقيل، فَإِذا هُوَ جرو ميت، فألقيته خلف الْجِدَار. قَالَت: فجَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرعد فَقَالَ: يَا خَوْلَة دثريني فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْل} (الضُّحَى: ١ و ٢) . زَاد ابْن إِسْحَاق: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجبريل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: مَا أخرك؟ فَقَالَ: أما علمت أَنا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة؟ وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) قَالَ ابْن جرير: قَالَ الْمُشْركُونَ: أَن مُحَمَّدًا ودعه ربه وقلاه، وَلَو كَانَ امْرَهْ من الله لتتابع عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يفعل بِمن كَانَ قبله من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله أما ينزل عَلَيْك الْوَحْي؟ فَقَالَ: وَكَيف ينزل عَليّ الْوَحْي وَأَنْتُم لَا تنتقون براجمكم وَلَا تقلمون أظافركم؟ فَأنْزل الله تَعَالَى، جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِهَذِهِ السُّورَة، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا جِبْرِيل مَا جِئْت حَتَّى اشْتقت إِلَيْك {فَقَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: وَأَنا كنت أَشد شوقا، وَلَكِنِّي عبد مَأْمُور {وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك} (مَرْيَم: ٤٦) [/ ح.
ثمَّ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع. الأول: أَن اشتكاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبين فِي شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث، قيل: وَظن بعض الشُّرَّاح أَن الَّذِي وَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة من الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب: هُوَ بَيَان للشكاية المجملة فِي الصَّحِيح، وَلَيْسَ كَمَا ظن، فءن فِي طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا أَن نزُول هَذِه السُّورَة كَانَ فِي أَوَائِل الْبعْثَة، وجندب لم يصحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاّ مُتَأَخِّرًا، حَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) عَن الإِمَام أَحْمد، وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون سَبَب الشكاية بطء الْوَحْي.
الثَّانِي: أَن هَذِه الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مُخْتَلف فِيهَا، فَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: امْرَأَة أبي لَهب، وَهِي أم جميل العوراء بنت حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَهِي أُخْت أبي سُفْيَان بن حَرْب، وَقيل: امْرَأَة من أَهله أَو من قومه. قلت: لَا شكّ أَن أم جميلَة من قومه لِأَنَّهَا من بني عبد منَاف، وَفِي رِوَايَة سنيد بن دَاوُد: إِنَّهَا عَائِشَة، وَقد غلط سنيد فِيهِ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن وَكِيع، فَقَالَ فِيهِ: قَالَت خَدِيجَة. وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَقد أنكر ذَلِك، لِأَن خَدِيجَة قَوِيَّة الْإِيمَان فَلَا يَلِيق نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَيْهَا وَإِن كَانَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَامه) بِإِسْنَاد صَحِيح، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي (تَفْسِيره) وَأَبُو دَاوُد فِي (أَعْلَام النُّبُوَّة) لَهُ، كلهم من طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُم أَنَّهَا عبرت بقولِهَا: شَيْطَانك، وَهَذِه لَفْظَة مستنكرة جدا، وَزعم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عَسْكَر أَن القائلة ذَاك إِحْدَى عماته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ الظَّاهِر أَن الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت: يَا مُحَمَّد} مَا أرى شَيْطَانك إلاّ قد تَركك؟ ير الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت: مَا أرى صَاحبك إلاّ قد أَبْطَأَ عَنْك؟ لِأَن هَذِه قَالَت: يَا رَسُول الله، وَتلك قَالَت: يَا مُحَمَّد، وَالَّتِي قَالَت: شَيْطَانك قَالَت تهكما وشماتة، وَالَّتِي قَالَت: صَاحبك، قَالَت تأسفا وتوجعا.
الثَّالِث: أَن مُدَّة بطء الْوَحْي اخْتلف فِيهَا، فَقيل: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، كَمَا ذكر