الإسلام > الفقه الإسلامي
موسوعة الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة: تعريف الفقه، أسباب اختلاف المذاهب، هل الحق في الخلاف واحد، تراجم الأئمة الأربعة وأبواب الفقه الكبرى.
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 01:49
📖 61 دقيقة قراءةمُتقبَّلًا وسَعيَهم مَشكورًا، ولم تَزلِ الأَئمةُ الأَعلامُ -قَديمًا وحَديثًا- كلٌّ منهم مُذعِنٌ لفَضلِهم، ومُشتغِلٌ بقِراءةِ كُتبِهم.
من أجلِ ذلك قُمتُ بتَأليفِ كِتابي هذا «مَوسوعةُ الفقهِ على المَذاهبِ الأَربعةِ»، جمَعتُ فيه أَقوالَ المَذاهبِ الأَربعةِ بدءًا من الأَئمةِ إلى كلِّ عُلماءِ المَذاهبِ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخرِّينَ، وكانَ عمَلي في هذا الكِتابِ (بعدَ تَرجمةٍ عن الأَئمةِ الأَربعةِ ومُقدمةٍ ذكَرتُ فيها أَسبابَ اختِلافِهم، وهل الحقُّ واحدٌ أو كلٌّ مُجتهدٌ مُصيبٌ) ما يلي:
أولًا: أَجمعُ أَقوالَ المَذاهبِ الأَربعةِ في كلِّ مَسألةٍ.
ثانيًا: أَذكرُ الأَدلةَ التي استَدلُّوا بها سواءٌ أكانَت صَحيحةً أم ضَعيفةً، وسواءٌ من جهةِ النصِّ -قُرآنًا وسُنةً- أو مِنْ جِهةِ القِياسِ أو مِنْ غيرِها.
ثالثًا: أَذكرُ جَميعَ الأَقوالِ في كلِّ مَذهبٍ: الراجحَ والمَرجوحَ والمَشهورَ وغيرَ المَشهورِ في المَذهبِ، وكذلك الرِّواياتِ عن الإِمامِ الواحدِ أَذكرُها وأُبيِّنُ مَنْ اختارَها مِنْ أَصحابِه.
رابعًا: أَذكرُ المَصادرَ التي وَقفْتُ عليها ونقَلتُ منها أَقوالَ العُلماءِ في الهامشِ.
خامسًا: اعتَمدتُ على أَقوالِ كلِّ مَذهبٍ من كُتبِ المَذهبِ نفسِه، سواءٌ المُتقدِّمينَ منهم أم المُتأخِّرينَ.
سادسًا: أُبيِّنُ الصَّحيحَ والمُعتمَدَ والمَشهورَ في كلِّ مَذهبٍ في كلِّ مَسألةٍ وكذا الأَقوالُ الأُخرَى غيرُ المُعتمَدةِ والصَّحيحةِ في كلِّ مَذهبٍ، ولا أُرجِّحُ المَسألةَ تَرجيحًا من عِندي وإنما أُبيِّنُ الراجِحَ والمُعتمَدَ في المَذاهبِ.
سابعًا: أَقومُ بتَخريجِ الأَحاديثِ التي استدَلّوا بها وأُبيِّنُ صَحيحَها من سَقيمِها.
ثامنًا: أَعتمِدُ على كَلامِ الشيخِ الأَلبانِيِّ رحمة الله عليه في الأَحاديثِ التي خارجَ الصَّحيحَينِ صِحةً وضَعفًا في جُلِّ الكِتابِ إن لم يَكنْ في كلِّه؛ لكيْ يَكونَ الكِتابُ على وَتيرةٍ واحِدةٍ؛ فكلُّ حَديثٍ قُلتُ فيه: صَحيحٌ أو ضَعيفٌ أو حَسنٌ أو أيُّ حُكمٍ عليه فجُلُّه على أَحكامِ الشيخِ الأَلبانِيِّ رحمة الله عليه، والسَّببُ الذي جعَلَني أَعتمِدُ على تَحقيقِ الشيخِ الأَلبانِيِّ دونَ غيرِه أنه الوَحيدُ الذي له حُكمٌ على أَغلبِ أَحاديثِ الأَحكامِ؛ لتَحقيقِه السُّننَ الأَربعةَ التي عليها مَدارُ الأَحكامِ بعدَ الصَّحيحَينِ، ولأنِّي لمَّا قُمتُ في البِدايةِ بتَحقيقِ الأَحاديثِ بنَفسِي تَوسَّعَ الأمرُ جدًّا فوجَدْت أنَّ المَوسوعةَ ستَكونُ ضِعفَ ما هي عليه الآنَ وستَخرجُ عما وُضعَت له من بَيانِ الأَحكامِ الفِقهيةِ لا الحَديثيةِ.
وفي الخِتامِ .. يَعلمُ اللهُ أنِّي قد اجتهَدتُ في هذا الكِتابِ قدرَ استِطاعَتي وشمَّرتُ عن ساعدِ الاجتِهادِ، وطلَبتُ من اللهِ المَعونةَ والسَّدادَ، والهِدايةَ إلى سَبيلِ الرَّشادِ، وأَستَغفرُ اللهَ تَعالَى عما يَقعُ لي من الخَللِ في بعضِ المَسائلِ، فإنَّ الإِنسانَ مَحلُّ النِّسيانِ، وأَسألُ مَنْ وقَفَ عليه أن يستُرَ زلَلي؛
فإنَّ بِضاعَتي مُزجاةٌ، ولستُ من أهلِ هذا المَيدانِ، ولكنِّي مُتطفِّلٌ على ذلك، لستُ من فُرسانِ تلك المَسالكِ، وإنِّي أَسألُه تَعالى أنْ يَعفوَ مِنْ صَحائفِنا ما زلَّ به البَنانُ، أو أَخلَّ به البَيانُ، وأنْ يَتقبَّلَ مِنا ما سطَّرْناه، وأنْ يجعَلَه حُجةً لنا لا حُجةً علينا حتى نَتمَنى أنَّنا ما كتَبْناه وما قرَأْناه، اللَّهمَّ يا مُحوِّلَ الأَحوالِ حوِّلْ حالَنا إلى أَحسنِ حالٍ بحَولِك وقُوتِك يا عَزيزُ يا مُتعالِ.
وقد انتهَيْت من هذه المَوسوعةِ في أوَّلِ العَشرِ من ذي الحِجةِ لِلعامِ ١٤٤٣ من هِجرةِ سَيدِ الأَنامِ مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ، المُوافقِ ٣٠/ ٦/ ٢٠٢٢ من مِيلادِ المَسيحِ عليه وعلى نَبيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنا في هذا الوَقتِ لم أَبلغِ الأربَعينَ من عمُرِي؛ فقد بدَأتُ في هذه المَوسوعةِ في بلَدي «مصرَ» مُحافظةِ «دِمياط» الحَبيبةِ وأنا ابنُ الرَّابعةِ والعِشرينَ، وانتَهيتُ منها في بلَدي الثانِي «تُركيا» في مَدينةِ «إِسطَنبول» وأنا في نِهايةِ عقدِي الرابِعِ ومُشرِفٌ على الأربَعينَ من عمُرِي، فاستَغرَقَت مني ما يَقرُبُ من ستةَ عشرَ عامًا، مرَرَت فيها بكلِّ ما يَتخيَّلُه الإِنسانُ وما لا يَتخيَّلُه، من مَشقَّةٍ وتَعبٍ، وسهَرِ اللَّيالي الطِّوالِ، ومن فقرٍ وبُعدٍ عن الأهلِ والأَوطانِ، والانتِقالِ من مَكتبةٍ لأُخرَى ومن مَكانٍ لآخرَ، فله الحَمدُ على أن أَكرمَني بإِتمامِها على أَكملِ وجهٍ فهو وحدَه العالِمُ كيف حبَّرْتُها تَحبيرًا، وكيف تعِبتُ فيها حتى تَخرجَ مُتقنَةً غايةَ الإِتقانِ في نَقلِ المَذاهبِ والمُعتمَدِ منها وغيرِ المُعتمَدِ، معَ
سُهولةِ العِبارةِ والتَّفنُّنِ في كَيفيةِ عرضِ المَسألةِ بحيثُ تَسهُلُ على طالبِ العِلمِ الاستِفادةُ منها، فأنا أَعلمُ ما يُعانِيه من كُتبِ الفقهِ المُقارَنِ مِنْ صُعوبةٍ وسُوءِ عَرضٍ، فأَسألُه ﷾ أن يُباركَ في عمُرِي، وأن يَنفعَ بهذه المَوسوعةِ العِبادَ في عامَّةِ البِلادِ، وأن يَسلُكَ بي سَبيلَ الرَّشادِ، وأن يُلهِمَني التَّوفيقَ والسَّدادَ.
هذا وصَلِّ اللهُمَّ وسلِّمْ على سَيدِنا مُحمدٍ سَيدِ الأَنامِ، وعلى آلِه وأَصحابِه البَررةِ الكِرامِ، وأَتباعِه إلى مُنتهَى الإِسلامِ.
أَسبابُ اختِلافِ الفُقَهاءِ
الحَمدُ للهِ مُسبِغِ النِّعمِ، ومُسوِّغِ القِسَمِ، والمُنفرِدِ بالقِدمِ وبارِئِ النَّسَمِ، ومُوجِدِنا بعدَ العَدمِ، وباعِثِ العِظامِ الهامِدةِ والرِّممِ، والمُخالِفِ بينَ الهَيئاتِ والشِّيمِ، حِكَمُه تاهَت في فَهمِها عُقولُ ذَوي الحِكمِ، خلَقَ الأَجسامَ من أَضدادٍ مُتَنافِرةٍ ابتَدَعها بقُدرتِه، وألَّفَ نَقائِضَها بحِكمتِه، حتى أبرَزَها للعَيانِ مُتغايرةَ الصُّورِ والألوانِ، مُتقنةَ الأَشكالِ، مُخترعةً على غيرِ مِثالٍ، وخالَفَ بينَ الآراءِ والاعتِقاداتِ، كما خالَفَ بينَ الصُّورِ والهَيئاتِ، وأخبَرَنا بما في ذلك من واضِحٍ فقالَ تَعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢] وقالَ ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
وبيَّنَ لنا أنَّه قَديرٌ على غيرِ ما أجرَى العادةَ به فقالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥].
ونبَّهَنا ألطَفَ تَنبيهٍ على ما في هذا الخِلافِ المَوجودِ في البَشرِ، المَركوزِ في الفِطَرِ، من الحِكمةِ البالِغةِ، وأنَّه جعَلَه إحدَى الدَّلائلِ على صِحةِ البَعثِ
الذي أنكَرَه مَنْ ألحَدَ في أَسمائِه، وكفَرَ بسَوابغِ نَعمائِه، فقالَ -وقَولُه الحَقُّ ووَعدُه الصِّدقُ-: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٨، ٣٩] وهذه الآيةُ ممَّا تَضمَّنَه القُرآنُ الكريمُ من الأدِلةِ البُرهانيةِ على صِحةِ البَعثِ.
ووَجهُ البُرهانِ المُنفِكِّ من هذه الآيةِ التي لا يَقدُرُها حَقَّ قَدرِها إلا العالِمونَ، ولا يَنتبِهُ لغامِضِ سِرِّها إلا المُستبصِرونَ، أنَّ اختِلافَ الناسِ في الحَقِّ لا يُوجِبُ اختِلافَ الحَقِّ في نَفسِه وإنَّما تَختلِفُ الطُّرقُ المُوصِّلةُ إليه، والقياساتُ المُركَّبةُ عليه، والحَقُّ في نَفسِه واحِدٌ.
فلمَّا ثبَتَ أنَّ ههنا حَقيقةً مَوجودةً لا مَحالةَ، وكانَ لا سَبيلَ لنا في حَياتِنا هذه إلى الوُقوفِ عليها وُقوفًا يُوجِبُ لنا الائتِلافَ، ويَرفعُ عنَّا الاختِلافَ، إذْ كانَ الاختِلافُ مَركوزًا في فِطَرِنا، مَطبوعًا في خِلَقِنا، وكانَ لا يُمكِنُ ارتِفاعُه وزَوالُه، إلا بارتِفاعِ هذه الخِلقةِ، ونَقلِنا إلى جِبلَّةٍ غيرِ هذه الجِبلَّةِ، صَحَّ ضَرورةً أنَّ لنا حَياةً أُخرى غيرَ هذه الحياةِ فيها يَرتفعُ الخِلافُ والعِنادُ وتَزولُ من صُدورِنا الضَّغائنُ الكامِنةُ، والأَحقادُ، وهذه هي الحالُ التي وعَدَنا اللهُ تَعالى بالمَصيرِ إليها فقالَ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. ولا بدَّ من كَونِ ذلك باضطِرارٍ، إذْ كانَ وُجودُ الاختِلافِ يَقتَضي وُجودَ الائتِلافِ؛ لأنَّه ضَربٌ ونَوعٌ من المُضافِ، وكانَ لا بُدَّ من حَقيقةٍ، وإنْ لم نَقُلْ ذلك صِرْنا إلى مَذهبِ السُّوفِسطائيةِ
في نَفيِ الحَقائقِ، فقد صارَ الخِلافُ المَوجودُ في العالَمِ كما تَرى أوضَحَ الدَّلائلِ على كَونِ البَعثِ الذي يُنكِرُه المُنكِرونَ، ويُنازِعُ فيه المُلحِدونَ الكافِرونَ.
فسُبحانَ مَنْ أودَعَ كِتابَه الكريمَ تَصريحًا وتَلويحًا، كلَّ لَطيفةٍ لمَن قَدَرَه حَقَّ قَدرِه، ووُفِّقَ لفَهمِ غَوامِضِ سِرِّه.
وليس غَرضي من هذا المَوضوعِ أنْ أَتكلَّمَ في الأَسبابِ التي أوجَبَت الخِلافَ الأعظَمَ بينَ مَنْ سلَفَ وخلَفَ من الأُممِ، وإنَّما غَرضي أنْ أذكُرَ الأَسبابَ التي أوجَبَت الخِلافَ بينَ أهلِ مِلَّتِنا الحَنيفيةِ التي جعَلَنا اللهُ تَعالى من أَهلِها، وهَدانا إلى واضِحِ سُبلِها، حتى صارَ من فُقهائِهم الحَنفيُّ المالِكيُّ والشافِعيُّ والحَنبليُّ ومن ذَوي مَقالاتِهم، ولا غَرضي أيضًا أنْ أَحصُرَ أَصنافَ المَذاهبِ والآراءِ وأُناقضَ ذَوي البِدعِ المُضلِّلةِ والأَهواءِ؛ لأنَّ هذا الفَنَّ من العِلمِ قد سبقَ إليه ونبهَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ عليه، وإنَّما غَرضي أنْ أُنبِّهَ على المَواضعِ التي منها نشَأَ الخِلافُ بينَ العُلماءِ حتى تَبايَنوا في المَذاهبِ والآراءِ (١).
لأنَّ مَعرفةَ أَسبابِ اختِلافِ الفُقهاءِ من أهَمِّ المَسائلِ التي تَدفعُ الشُّكوكَ عن المَذاهبِ الفِقهيةِ، وتُوقِفُ العالِمَ وطالِبَ العِلمِ على مَسالِكِ الأئِمةِ في الاجتِهادِ والمُوازنةِ بينَها، ولتَطمئنَّ النَّفسُ إلى ما تَميلُ إليه من الأَحكامِ الشَّرعيةِ، وكما قالَ الإِمامُ أبو عَمرِو بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه:
(١) يُنظرُ: «الإنصاف» للبطليوسي ص (٢٥، ٣٢).
والواجِبُ عندَ اختِلافِ العُلماءِ طَلبُ الدَّليلِ من الكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والقياسِ على الأُصولِ منها، وذلك لا يُعدَمُ، فإنِ استَوَت الأدِلةُ وجَبَ المَيلُ مع الأَشبهِ بما ذكَرنا بالكِتابِ والسُّنةِ، فإذا لم يَبِنْ ذلك وجَبَ التَّوقُّفُ ولم يَجُزِ القَطعُ إلا بيَقينٍ (١).
ولم أجِدْ فيما وقَفتُ عليه من كَلامٍ أحسَنَ ولا أجمَلَ ولا أدَقَّ من كَلامِ شَيخِ الإِسلامِ أَحمدَ بنِ عَبدِ الحَليمِ، ابنِ تَيميةَ رحمة الله عليه في هذا المَوضوعِ في رِسالتِه الماتِعةِ «رَفع المَلام عن الأئِمةِ الأَعلامِ» التي تكلَّمَ فيها بكَلامٍ هو غايةٌ في النَّفاسةِ في هذا البابِ، وكيف استَطاعَ رحمة الله عليه أنْ يُوقِفَنا على أهَمِّ هذه الأَسبابِ بمُنتَهى السُّهولةِ والسَّلاسةِ، وأنا أحبَبتُ أنْ أذكُرَ كَلامَه هنا؛ ليَسترشدَ به طَلبةُ العِلمِ وغيرُهم من أهلِ الحَقِّ، حتى لا يُساءَ إلى بَعضِهم بدونِ عِلمٍ خُصوصًا في أَيامِنا هذه، التي شَنَّ فيها العِلمانِيونَ واللِّبرالِيونَ وغيرُهم حَربًا عليهم وعلى الدِّينِ، وأَساؤُوا إلى العُلماءِ الرَّبانيِّينَ من الأئِمةِ المَهديِّينَ؛ لأنَّهم اختَلَفوا في الأَحكامِ، ولا يَعلمُ هؤلاء أنَّ اختِلافَهم في الأَحكامِ كانَ من رَحمةِ رَبِّ البَرياتِ على هذه الأُمةِ المَيمونةِ المُباركةِ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه:
الحَمدُ للهِ على آلائِه وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له في أرضِه وسَمائِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه وخاتَمُ أَنبيائِه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأَصحابِه صَلاةً دائِمةً إلى يَومِ لِقائِه وسلَّمَ تَسليمًا.
(١) «جامع بيان العلم» (١/ ٨٠).
وبعدُ؛ فيَجبُ على المُسلِمينَ -بعدَ مُوالاةِ اللهِ ورَسولِه ﷺ مُوالاةُ المُؤمِنينَ كما نطَقَ به القُرآنُ، خُصوصًا العُلماءَ الذين هُمْ وَرثةُ الأَنبياءِ، الذين جعَلَهم اللهُ بمَنزلةِ النُّجومِ، يُهتَدى بهم في ظُلماتِ البَرِّ والبَحرِ. وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على هِدايتِهم ودِرايَتِهم.
إذْ كلُّ أُمةٍ قبلَ مَبعثِ مُحمدٍ ﷺ عُلماؤُها شِرارُها، إلا المُسلِمينَ، فإنَّ عُلماءَهم خيارُهم، فإنَّهم خُلفاءُ الرَّسولِ ﷺ في أُمتِه، والمُحيونَ لمَا ماتَ من سُنَّتِه، بهم قامَ الكِتابُ وبه قاموا، وبهم نطَقَ الكِتابُ وبه نَطَقوا.
وليُعلَمْ أنَّه ليسَ أحدٌ من الأئِمةِ المَقبولين -عندَ الأُمةِ قَبولًا عامًّا-يَتعمَّدُ مُخالَفةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في شَيءٍ من سُنتِه، دَقيقٍ ولا جَليلٍ.
فإنَّهم مُتَّفِقونَ اتِّفاقًا يَقينيًّا على وُجوبِ اتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ، وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناسِ يُؤخذُ من قَولِه ويُتركُ، إلا رَسولَ اللهِ ﷺ.
ولكنْ إذا وُجدَ لواحِدٍ منهم قَولٌ، قد جاءَ حَديثٌ صَحيحٌ بخِلافِه، فلا بدَّ له من عُذرٍ في تَركِه.
وجَميعُ الأَعذارِ ثَلاثةُ أَصنافٍ:
أحدُها: عَدمُ اعتِقادِه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَه.
والثاني: عَدمُ اعتِقادِه إرادةَ تلك المَسألةِ بذلك القَولِ.
والثالِثُ: اعتِقادُه أنَّ ذلك الحُكمَ مَنسوخٌ.
وهذه الأَصنافُ الثَّلاثةُ تَتفرَّعُ إلى أَسبابٍ مُتعدِّدةٍ:
مَلحوظات على اختِلافِ الفُقهاءِ
بعدَ عَرضِنا لأَسبابِ اختِلافِ الفُقهاءِ نَلحَظُ الأُمورَ الآتيةَ:
أولًا: أنَّ اختِلافَهم رحمهم الله لم يَكنْ ناشِئًا عن هَوًى في نُفوسِهم أو لتَحقيقِ رَغباتٍ شَخصيةٍ، أو مَنافعَ ماديةٍ، وإنَّما كانَ ناشِئًا عن دَليلٍ استنَدَ إليه كلٌّ منهم فيما ذهَبَ إليه، أو بِناءً على فَهمٍ مُعيَّنٍ اقتنَعَ به كلٌّ منهم، واعتمَدَ عليه، ما دام هذا الفَهمُ لا يَتعارضُ مع كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنةِ نَبيِّه ﷺ وما اجتمَعَت عليه الأُمةُ. وهذا ما يَلحَظُه كلُّ قارِئٍ لأَسبابِ اختِلافِهم.
ثانيًا: أنَّ الاختِلافَ في ذاتِه ليسَ عَيبًا إذا كانَ قائِمًا على دَليلٍ وفَهمٍ صَحيحٍ، فقد اختَلفَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم في كَثيرٍ من اجتِهادِهم مع قُربِهم من زَمنِ النُّبوةِ ونُزولِ الوَحيِ على مُحمدٍ ﷺ، الذي فتَحَ لهم البابَ للاختِلافِ وتَعدُّدِ الآراءِ، بل عد اختِلافَ الأُمةِ رَحمةً من اللهِ تَعالى.
ومَظهرُ الرَّحمةِ في الاختِلافِ هو وُجودُ أكثَرَ من رَأيٍ في المَسألةِ، وأكثَرَ من حَلٍّ للقَضيةِ الواحِدةِ فيَتخيَّرُ المُسلمُ أو وَليُّ الأمرِ منها ما يُحقِّقُ
مَصلحةً أكثَرَ من غيرِه وما يَكونُ أقرَبَ إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنةِ نَبيِّه ﷺ وما أجمَعَت عليه الأُمةُ.
وقد قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ رحمة الله عليه: لقد وسَّعَ اللهُ على الناسِ باختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ ﷺ، أيَّ ذلك أخَذتُ لم يَكُنْ في نَفسي منه شَيءٌ (١).
وقالَ عُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ رحمة الله عليه: ما أُحبُّ أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ ﷺ لم يَختلِفوا؛ لأنَّه لو كانَ قَولًا واحِدًا كانَ الناسُ في ضِيقٍ، وإنَّهم أئِمةٌ يُقتَدى بهم، وإذا أخَذَ الرَّجلُ بقَولِ أحدِهم كانَ في سَعةٍ (٢).
ثالثًا: أنَّ الفُقهاءَ وأئِمةَ المَذاهبِ حين يَختلِفونَ في قَضيةٍ أو مَسألةٍ مُعيَّنةٍ ويَكونُ لكلٍّ منهم رأيُه الخاصُّ به لم يَكونوا يَتعصَّبونَ لآرائِهم، بل وكانوا يُحذِّرونَ تَلاميذَهم من التَّعصُّبِ لآرائِهم أو تَقديسِ أَقوالِهم فقد رُويَ عن الإِمامِ أبي حَنيفةَ قَولُه: «رَأيُنا صَوابٌ يَحتملُ الخَطأَ، ورَأيُ غيرِنا خَطأٌ يَحتملُ الصَّوابَ» كما رُويَ عن الإِمامِ مالِكٍ قَولُه: «كلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قَولِه ويُردُّ إلا قَولَ صاحِبِ هذه الرَّوضةِ» يَقصدُ الرَّسولَ ﷺ.
ورُويَ عن الإِمامِ الشافِعيِّ قَولُه: «إذا صَحَّ الحَديثُ فاضرِبوا بقَولي عُرضَ الحائِطِ» أي: جانِبَه.
(١) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١١٦) للخطيب البغدادي، و «الاعتصام» (٢/ ١٧٠) للشاطبي، و «إجمال الإصابة» (٨٠).
(٢) «إجمال الإصابة» ص (٨٠).
ورُويَ عن الإِمامِ أَحمدَ قَولُه: «هذا كِتابُ اللهِ وهذه سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا مَقالَ لأحدٍ بعدَ اللهِ ورَسولِه».
وجاءَ في كِتابِ «حُجة اللهِ البالِغة» للدَّهلَويِّ نَقلًا عن الإِمامِ السُّيوطيِّ: أنَّ الخَليفةَ المَنصورَ لمَّا حَجَّ والتَقى مع الإِمامِ مالِكٍ قالَ له: عزَمتُ أنْ آمُرَ بكُتبِك هذه التي صنَّفتَها فتُنسَخَ ثم أبعَثَ في كلِّ مَصرٍ من أَمصارِ المُسلِمينَ منها نُسخةً، وآمُرَهم بأنْ يَعمَلوا بما فيها ولا يَتعدَّوْه إلى غيرِه، فقالَ مالِكٌ: يا أَميرَ المُؤمنينَ لا تَفعَلْ هذا، فإنَّ الناسَ قد سبَقَت إليهم أَقاويلُ وسمِعوا الحَديثَ ورَوَوْا رِواياتٍ فأخَذَ كلُّ قَومٍ بما سبَقَ إليهم من اختِلافِ الناسِ، فدَعِ الناسَ وما اختارَ كلُّ بَلدٍ منهم لأنفُسِهم.
وقيلَ: إنَّ الذي فعَلَ ذلك مع الإمامِ مالِكٍ هو هارونُ الرَّشيدُ، وشاوَرَ مالِكًا في أنْ يُعلِّقَ كِتابَ المُوطَّأِ في الكَعبةِ ويَحملَ الناسَ على العَملِ بما فيه، فرفَضَ مالِكٌ ذلك، ورُبَّما يَكونُ هذا الأمرُ قد حدَثَ مَرتَينِ: مَرةً من الخَليفةِ المَنصورِ ومَرةً أُخرى من الخَليفةِ هارونَ الرَّشيدِ (١).
وأيًّا كانَ الذي فعَلَ ذلك وطلَبَه من الإمامِ مالِكٍ فهو يَدلُّ على تَواضُعِ مالِكٍ وعَدمِ تَعصُّبِه لآرائِه وتَقديرِه لآراءِ غيرِه من الفُقهاءِ حتى إنِ اختَلفَ مع آرائِه.
(١) «حجة الله البالغة» (١/ ٣٠٧)، ونقَلَ ذلك أيضًا ابنُ عبدِ البَرِّ في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٣٢)، والذهبيُّ في «السير» (٨/ ٧٨).
وهكذا كانَ مَسلكُ الفُقهاءِ والأئِمةِ من السَّلفِ الصالِحِ رضي الله عنهم عندَما كانوا يَختلِفونَ في حُكمِ القَضايا والمَسائلِ الاجتِهاديةِ يُقدِّرُ بعضُهم بعضًا ولا يَتعصَّبونَ لآرائِهم، بل يَعمَلونَ بما اتَّفَقوا عليه، ويَعذِرُ بعضُهم بعضًا فيما اختَلَفوا فيه.
يَقولُ الدُّكتورُ البيانونِيُّ في كِتابِه القَيِّمِ «الاختِلافات العِلمية»: قد اقتَضَت حِكمةُ الشارِعِ أنْ يَأتِيَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ صَريحًا قاطِعًا في أُمَّهاتِ المَسائلِ الشَّرعيةِ، والأُصولِ العِلميةِ؛ دَرءًا لمَفسدةِ الخِلافِ فيها، والافتِراقِ حَولَها، وأنْ يَأتِيَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ غالِبًا مُحتمَلًا ظَنيًّا في المَسائلِ الفَرعيةِ، والفُروعِ العَمليةِ، تَحقيقًا لمَصلحةِ إِعمالِ الرأيِ والاجتِهادِ فيها.
وفي بَيانِ هذه الحَقيقةِ يَقولُ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: وأكثَرُ افتِراقِ أهلِ السُّنةِ في الفُتيا، ونُبذٍ يَسيرةٍ في الاعتِقاداتِ (١).
ويَقولُ الإِمامُ المَحلَّاويُّ في كِتابِه «تَسهيل الوُصولِ» نَقلًا عن الإِمامِ الزَّركَشيِّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى لم يَنصِبْ على جَميعِ الأَحكامِ الشَّرعيةِ أدِلةً قاطِعةً، بل جعَلَها ظَنيَّةً قَصدًا للتَّوسيعِ على المُكلَّفينَ لئلَّا يَنحصِروا في مَذهبٍ واحِدٍ لقيامِ الدَّليلِ القاطِعِ.
وذلك لأنَّ اللهَ بحِكمتِه جعَلَ مُعظمَ أدِلةِ العَقيدةِ صَريحةَ الدِّلالةِ على المُرادِ منها، وهو مَا يُقلِّلُ ويُضيِّقُ مَيدانَ الاجتِهادِ فيها، خِلافًا لأدِلةِ الفِقهِ،
(١) «الفصل في الملل والنحل» (٢/ ٨٨)، وانظُرْ: «فتح الباري» (١٣/ ٣٤٦).
فإنَّه جعَلَ مُعظمَها ظَنيًّا مُحتمِلًا للمَعاني والأَقوالِ المُتعدِّدةِ، لمَا اقتَضَته طَبيعةُ الحَياةِ العَمليةِ من خِلافٍ وسَعةٍ في الجُزئياتِ (١).
ويَقولُ الإِمامُ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه في الفَتاوى: واتَّفَق الصَّحابةُ في مَسائلَ تَنازَعوا فيها على إِقرارِ كلِّ فَريقٍ للفَريقِ الآخَرِ، على العَملِ باجتِهادِهم، كمَسائلَ في العِباداتِ والمَناكحِ والمَواريثِ والعَطاءِ والسِّياسةِ وغيرِ ذلك. ثم قالَ: وهذه المَسائلُ منها أحدُ القَولَينِ خَطأٌ، ومنها المُصيبُ في الأمرِ نَفسِه.
واحدٌ عندَ الجُمهورِ أَتباعِ السَّلفِ، والآخَرُ مُؤدٍّ لمَا وجَبَ عليه بحُسنِ قُوةِ إِدراكِه، ومن الناسِ مَنْ يَجعلُ الجَميعَ مُصيبِينَ، ومَذهبُ أهلِ السُّنةِ والجَماعةِ أنَّه لا إثمَ على من اجتَهدَ، وإنْ أخطَأَ (٢).
يَتبيَّنُ أنَّ مَيدانَ الاختِلافِ العِلميِّ بينَ العُلماءِ هو الأدِلةُ الظَّنيةُ، إذْ أخَذَ كلٌّ منهم بما ارتَضاه ووصَلَ إليه اجتِهادُه، مع احتِرامِهم لأَداءِ الآخَرينَ ولو كانوا مُخطِئينَ في اجتِهادِهم، وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ رحمة الله عليه: ما اختَلفَ فيه الفُقهاءُ فلا أنهَى أحدًا من إِخواني أنْ يأخُذَ به (٣).
ويَقولُ الدُّكتورُ البيانونِيُّ: ذلك لأنَّ مِحورَ الخِلافِ قائِمٌ على طَبيعةِ دَليلِ المَسألةِ العِلميةِ، من قَطعيةٍ أو ظَنيةٍ، فما كانَ دَليلُها قَطعيًّا ثُبوتًا ودِلالةً،
(١) انظُرْ: «البحر المحيط» (٤/ ٤٠٦) للزركشي، و «إرشاد الفحول» (١/ ٤٥٥) للشوكانِيِّ.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٢٢، ١٢٣).
(٣) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٥).
لم يَجرِ فيه الخِلافُ أبَدًا، وما كانَ دَليلُها ظَنيًّا ثُبوتًا ودِلالةً، أو ظَنيًّا في أحدِهما، جَرى فيها الخِلافُ، وهو مَقبولٌ من صاحِبِه أَصابَ فيه أو أَخطأَ، ما دامَ صادِرًا عن أهلِ العِلمِ والاجتِهادِ في المَسألةِ.
ويَقولُ: اقتَضَت حِكمةُ اللهِ تَعالى في شَرعِه أنْ يَكونَ كَثيرٌ من نُصوصِ القُرآنِ والسُّنةِ مُحتمِلةً لأكثَرَ من مَعنًى واحِدٍ، إذ أُنْزِلَ القُرآنُ الكَريمُ بلِسانٍ عَربيٍّ مُبينٍ، واحتِمالُ الأَلفاظِ في اللُّغةِ العَربيةِ أمرٌ مُسلَّمٌ به، وهو ما تَمتازُ به لُغتُنا عن اللُّغاتِ الأُخرَى، كما اقتَضَت حِكمتُه في خَلقِه أنْ يَجعلَهم مُتفاوِتينَ في عُقولِهم ومَدارِكِهم ليَكونَ مَيدانُ التَّفاضلِ والتَّمايزِ بالعِلمِ والعَقلِ.
ولا يَشكُّ عاقِلٌ في أنَّ هذَين الأَصلَينِ إنَّما يُؤدِّيانِ إلى نَتيجةٍ حَتميةٍ بَدَهيةٍ وهي الاختِلافُ في الآراءِ والأَحكامِ، فهي طِبقًا للمُعادلةِ:
«نُصوصٌ مُحتمَلةٌ» + «عُقولٌ وأَفهامٌ مُتفاوِتةٌ» = «آراءٌ مُختلِفةٌ» (١).
(١) «أسباب اختلاف الفقهاء» المؤلف أ. د. مَحمود بِلال مَهران.
هل الحَقُّ واحِدٌ أو كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ؟
هذه مَسألةٌ مُهمةٌ تَكلَّمَ فيها العُلماءُ قَديمًا وحَديثًا، وأنا أذكُرُ هنا ما قالَه الخَطيبُ البَغداديُّ رحمة الله عليه في هذا المَوضوعِ لنَفاستِه قالَ رحمة الله عليه:
بابُ الكَلامِ في أَقوالِ المُجتهِدينَ وهل الحَقُّ في واحدٍ أو كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ.
إذا اختَلفَ المُجتهِدونَ من العُلماءِ في مَسألةٍ على قَولَينِ أو أكثَرَ، فقد ذُكرَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ والحَقُّ ما غلَبَ على ظَنِّ المُجتهدِ. وهو ظاهِرُ مَذهبِ مالِكِ بنِ أنَسٍ، وذكَرَ عن الشافِعيِّ أنَّ له في ذلك قَولَينِ: أحدُهما مِثلُ هذا، والثاني: أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من الأَقوالِ وما سِواه باطِلٌ.
وقيلَ: ليسَ للشافِعيِّ في ذلك إلا قَولٌ واحِدٌ، وهو أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من أَقوالِ المُختلِفينَ، وما عَداه خَطأٌ إلا أنَّ الإِثمَ مَوضوعٌ عن المُخطئِ فيه. ورُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ مِثلُ هذا.
أخبَرَنا مُحمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ مُحمدٍ المَتُوثيُّ، أخبَرَنا عُثمانُ بنُ أَحمدَ ابنِ عبدِ اللهِ الدَّقاقُ، حدَّثَنا مُحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ يُوسفَ المَرُّوذيُّ، نا علِيُّ ابنُ الحَسنِ بنِ شَقيقٍ، قالَ: سأَلتُ عبدَ اللهِ -يَعني ابنَ المُبارَكِ- عن اختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ: كلُّه صَوابٌ؟ فقالَ: الصَّوابُ واحِدٌ والخَطأُ
مَوضوعٌ عن القَومِ أرجو. قُلتُ: فمَن أخَذَ بقَولٍ من الأَقاويلِ فهو أيضًا مَوضوعٌ عنه؟ قالَ: نَعَمْ، إلا أنْ يَكونَ رَجلٌ اختارَ قَولًا حَتمًا ثم نزَلَ به شَيءٌ فتَحوَّلَ منه إلى غيرِه تَرخُّصًا للشَّيءِ الذي نزَلَ به.
وحَكى أبو إِبراهيمَ المُزنِيُّ أنَّ هذا مَذهبُ مالِكِ بنِ أنَسٍ واللَّيثِ ابنِ سَعدٍ.
واحتَجَّ من نصَرَ القَولَ الأولَ -أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ- بأنَّ الصَّحابةَ اجتَهَدوا واختَلَفوا وأقَرَّ بعضُهم بعضًا على قَولِه وسوَّغَ له أنْ يَعملَ به، وإنْ كانَ مُخالِفًا لقَولِه ولمُؤدَّى اجتِهادِه، وسوَّغوا للعامةِ أنْ يُقلِّدوا مَنْ شاؤُوا منهم.
حتى قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدِ بنِ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ: كانَ اختِلافُ أَصحابِ رَسولِ اللهِ مما نفَعَ اللهُ به، فما عمِلتَ منه مِنْ عَملٍ لم يَدخلْ نَفسَك منه شَيءٌ.
وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ رحمة الله عليه: ما يَسرُّني أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ لم يَختلِفوا … وعن أُبيٍّ عن قَتادةَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كانَ يَقولُ: ما سرَّني لو أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ لم يَختلِفوا لأنَّهم لو لم يَختلِفوا لم يَكُنْ رُخصةً.
وعن عَونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ قالَ: قالَ لي عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: ما يَسرُّني باختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ حُمرُ النَّعمِ لأنَّا إنْ أخَذنا بقَولِ هؤلاء أصَبْنا، وإنْ أخَذنا بقَولِ هؤلاء أصَبْنا.
قالوا: ولا يَجوزُ أنْ يُجمِعوا على إِقرارِ المُخطئِ على خَطئِه، والرِّضا بالعَملِ به، والإذنِ في تَقليدِه.
وأيضًا فإنَّ اللهَ تَعالى لو عيَّنَ حُكمًا من بعضِ ما اختُلفَ فيه ونصَبَ عليه دَليلًا وجعَلَ إليه طَريقًا وكلَّفَ أهلَ العِلمِ إصابَتَه لوجَبَ أنْ يَكونَ المُصيبُ عالِمًا به قاطِعًا بخَطأِ مَنْ خالَفَه، ويَكونَ المُخالِفُ آثِمًا فاسِقًا، ووجَبَ نَقضُ حُكمِه إذا حكَمَ به، ويَكونَ بمَنزلةِ مَنْ خالَفَ دَليلَ مَسائلِ الأُصولِ من الرُّؤيةِ والصِّفاتِ والقَدرِ وما أشبَهَ ذلك، وبمَنزلةِ مَنْ خالَفَ النَّصَّ، ولمَّا اجتَمَعنا على أنَّ المُخالفَ لا يَقطعُ على خَطئِه ولا إثمَ عليه فيه، ولا يَنقضُ حُكمَه إذا حكَمَ به دَلَّ ذلك على أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ.
ولأنَّ العامِّيَّ إذا نزَلَت به نازِلةٌ كانَ له أنْ يَسألَ عنها مَنْ شاءَ من العُلماءِ وإنْ كانوا مُختلِفينَ، فدَلَّ على أنَّ جَميعَهم على الصَّوابِ.
واحتَجَّ من قالَ بأنَّ الحَقَّ في واحِدٍ وإليه يُذهبُ بقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فأخبَرَ أنَّ سُليمانَ هو المُصيبُ وحمِدَه على إِصابتِه، وأثْنى على داودَ في اجتِهادِه ولم يَذُمَّه على خَطئِه، وهذا نَصٌّ في إِبطالِ قَولِ مَنْ قالَ إذا أخطَأَ المُجتهدُ يَجبُ أنْ يَكونَ مَذمومًا.
ويَدلُّ عليه أيضًا قَولُ النَّبيِّ المَشهورُ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأصابَ فله أَجرانِ اثنانِ وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أجرٌ واحِدٌ» وقد سُقنا هذا الحَديثَ بإِسنادِه فيما تَقدَّمَ وفيه دَليلٌ على أنَّ المُجتهدَ بينَ الإِصابةِ والخَطأِ.
وأخبَرَنا أَبو نُعيمٍ الحافِظُ، نا عبدُ اللهِ بنُ جَعفرِ بنِ أَحمدَ بنِ فارِسٍ، نا يُونسُ بنُ حَبيبٍ، نا أَبو داودَ نا الصَّعقُ بنُ حَزنٍ عن عَقيلٍ الجَعديِّ عن أَبي
إِسحاقَ عن سُوَيدِ بنِ غَفلةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يا عبدَ اللهِ، أتَدري أيُّ الناسِ أعلَمُ؟» قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قالَ: «فإنَّ أعلَمَ الناسِ أعلَمُهم بالحَقِّ إذا اختَلفَ الناسُ وإنْ كانَ مُقصِّرًا في العَملِ وإنْ كانَ يَزحفُ على استِهِ» (١).
أخبَرَني الحَسنُ بنُ عليِّ بنِ مُحمدٍ الواعِظُ، حدَّثَنا عُمرُ بنُ أحمدَ المَرُّووذيُّ، حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ سُليمانَ، نا موسى بنُ عامِرِ بنِ خُرَيمٍ، نا الوَليدُ، يَعني ابنَ مُسلمٍ، نا بُكَيرُ بنُ مَعروفٍ، نا مُقاتِلُ بنُ حَيَّانَ عن القاسِمِ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبيه عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ: «هل تَدري أيُّ المُؤمِنين أعلَمُ؟» قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قالَ: «إذا اختَلَفوا -وشبَّكَ رَسولُ اللهِ بينَ أَصابعِه- أبصَرُهم بالحَقِّ وإنْ كانَ في عِلمِه تَقصيرٌ وإنْ كانَ يَزحفُ على استِه زَحفًا» (٢).
فقد نَصَّ رَسولُ اللهِ ﷺ على أنَّ الحَقَّ يُصيبُه بالعِلمِ بعضُ أهلِ الاختِلافِ، ومنَعَ أنْ يُصيبَه جَميعُهم مع اختِلافِهم.
ويَدلُّ على ذلك أيضًا أنَّهم إذا اختَلَفوا على قَولَينِ مُتضادَّينِ مِثلَ تَحليلٍ وتَحريمٍ، وتَصحيحٍ وإِفسادٍ، وإِيحابٍ وإِسقاطٍ، فلا تَخلو من أحدِ ثَلاثةِ أَقسامٍ:
(١) رواه الطيالسي (٣٧٨)، وابن أَبي شَيبة (١/ ٢١٨)، والطبراني في «الأوسط» (٤٤٧٩) وغيرهم. قالَ الهَيثميُّ في «المجمع» (١/ ١٦٣): وفيه عَقيلُ بنُ الجَعدِ. قالَ البُخاريُّ: مُنكَرُ الحَديثِ.
(٢) انظُرِ السابِقَ.
إمَّا أنْ يَكونَ القَولانِ فاسِدَينِ، وإما أنْ يَكونَا صَحيحَينِ، وإمَّا أنْ يَكونَ أحدُهما فاسدًا والآخَرُ صَحيحًا.
فلا يَجوزُ أنْ يَكونا فاسِدَينِ لأنَّه يُؤدِّي إلى اجتِماعِ الأُمةِ على الخَطأِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونا صَحيحَينِ لأنَّهما مُتضادَّانِ فيَمتنِعَ أنْ يَكونَ الشَّيءُ الواحِدُ حَرامًا حَلالًا، وواجِبًا غيرَ واجِبٍ، وصَحيحًا باطِلًا.
وإذا بطَلَ هذانِ القِسمانِ ثبَتَ أنَّ أحدَهما صَحيحٌ والآخَرُ فاسِدٌ، فإنْ قالَ المُخالِفُ: هما صَحيحانِ ولا يُؤدِّي إلى التَّضادِّ ولا تَستحيلُ صِحتُهما إلا أنَّ ذلك إنَّما يَستحيلُ على شَخصٍ واحِدٍ في وَقتٍ واحِدٍ، وإمَّا على شَخصَينِ أو فَريقَينِ فإنَّ ذلك لا يَستحيلُ، كما ورَدَ الشَّرعُ بإِيجابِ الصَّلاةِ على الطاهِرِ وإِسقاطِها عن الحائِضِ، ووُجوبِ إِتمامِ الصَّلاةِ على المُقيمِ، والرُّخصةِ في القَصرِ للمُسافرِ.
وعندَنا أنَّ كلَّ واحِدٍ من المُجتهِدينَ يَلزمُه ما أدَّى إليه اجتِهادُه، فيَحرمُ النَّبيذُ على مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى تَحريمِه، ويَحلُّ لمَن أدَّى اجتِهادُه إلى تَحليلِه، وتَجبُ النِّيةُ للوُضوءِ على مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى وُجوبِها، وتَسقطُ عمَّن أدَّى اجتِهادُه إلى سُقوطِها، ويَصحُّ النِّكاحُ بلا وَليٍّ في حَقِّ مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى صِحتِه، ويَفسُدُ في حَقِّ مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى فَسادِه. وإذا كانَ كذلك لم يَكُنْ فيه تَضادٌّ.
والجَوابُ: أنَّ هذا خَطأٌ لأنَّ الأدِلةَ إذا كانَت عامَّةً لم يَجُزْ أنْ يَكونَ مَدلولُها خاصًّا، والدِّلالةُ الدَّالةُ على كلِّ واحِدٍ منها عامَّةٌ في الجَميعِ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ حُكمُها خاصًّا، وإذا كانَت الأَحكامُ عامَّةً ثبَتَ التَّضادُّ.
وأيضًا: فإنَّه يَلزمُ مَنْ يَذهبُ إلى أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ إذا أداه اجتِهادُه إلى شَيءٍ، وغيرُه من المُجتهِدينَ على ضِدِّ قَولِه في ذلك الشَّيءِ، أنْ يَكونَ مُخيَّرًا فيهما، كالذي تَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ لمَّا كانَت الحُقوقُ البَيِّنةُ مُتساويةً في كَونِها مما يَجوزُ التَّكفيرُ بها، والكلُّ مُرادٌ، كانَ مُخيَّرًا فيها، فلمَّا لزِمَ المُجتهدَ أنْ يَعملَ بما يُؤدِّي اجتِهادُه إليه دونَ ما خالَفَه من اجتِهادِ غيرِه بَدا أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من القَولَينِ.
ودَليلٌ آخَرُ يَدلُّ على أنَّه ليسَ كلُّ مُجتهدٍ مُصيبًا، وهو أنَّا وجَدنا أهلَ العِلمِ في كلِّ عَصرٍ يَتناظَرونَ ويَتباحَثونَ، ويَحتجُّ بعضُهم على بعضٍ، ولو كانَ كلُّ واحدٍ منهم مُصيبًا كانَت المُناظرةُ خَطأً ولَغوًا لا فائِدةَ فيها.
فإنْ قالَ المُخالِفُ: إنَّما يُناظِرُ أحدُ الخَصمَينِ الآخَرَ حتى يَغلِبَ على ظَنِّه ما أدَّى اجتِهادُه إليه، فيَرجعَ إلى قَولِه.
فالجَوابُ: أنَّه لا فائِدةَ في رُجوعِه من حَقٍّ إلى حَقٍّ، وكَونُه على ما هو عليه وانتِقالُه إلى ظَنٍّ آخَرَ سَواءٌ لا فَرقَ بينَهما، وتَحمُّلُ التَّعبِ والكُلفةِ والتَّنازُعِ والتَّخاصُمِ لما ذكَرَه المُخالِفُ ليسَ من فِعلِ العُقلاءِ، وقد وَجَدنا الأُمةَ مُتَّفقةً على حُسنِ المُناظرةِ في هذه المَسائلِ، وعَقدِ المَجالسِ بسَببِها فسقَطَ ما قالَه.
وأمَّا الجَوابُ عما احتَجَّ به من إِجماعِ الصَّحابةِ فهو أنْ يُقالَ له: أقُلتَ هذا نَصًّا أو استِدلالًا؟ فإنْ قالَ: نَصًّا، لم يَجِدْ إليه طَريقًا؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قالَ لصاحِبِه: أقرَرتُك على خِلافِك، وأجَزتُ لكَ أنْ تَعملَ به، وسوَّغتُ للعامةِ أنْ يُقلِّدوك. وإنْ قالَ: استِدلالًا، طُولِبَ به.
فإنْ قالَ: لو كانَ المُخالفُ مُخطِئًا لقاتَلوه، قيلَ: ليسَ في ذلك قِتالٌ؛ لأنَّ المُخطئَ فيه مَعذورٌ، وله على قَصدِ الصَّوابِ أجرٌ، وقد ورَدَ الشَّرعُ بذلك كما ورَدَ بالعَفوِ عن الناسي، فإذا كانَ كذلك لم يَجُزْ قِتالُه ولا تأثيمُه.
فإنْ قالَ: لم يُنقَلْ أنَّ بعضَهم خطَّأَ بعضًا ولو كانَ أحدُ القَولَينِ خَطأً والآخَرُ صَوابًا لوجَبَ أنْ يُخطِّئَ من أَصابَ الحَقَّ مَنْ لم يُصِبْه، فلمَّا لم يُنقَلْ ذلك دَلَّ على أنَّه لم يُخطِّئْه.
فالجَوابُ: أنَّه قد نُقلَ ذلك عن غيرِ واحِدٍ منهم.
فأخبَرَنا أَبو الحُسينِ أَحمدُ بنُ عُمرَ بنِ علِيٍّ القاضي بأَذْرَبِيجانَ، قالَ: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ المُظفَّرِ، قالَ: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ سُليمانَ الباغَنديُّ، قالَ: حدَّثَنا عبدُ السَّلامِ بنُ عبدِ الحَميدِ الإِمامُ، قالَ: نا زُهيرٌ عن الحَسنِ بنِ دِينارٍ عن الحَسنِ، قالَ: «بلَغَ عُمرَ بنَ الخَطابِ أنَّ امرأةً اتَّخذَت عبدَها الرَّجلَ، يَعني فأرسَلَ إليها قالَ: وكانَ عُمرُ رَجلًا مَهيبًا فلمَّا جاءَها الرَّسولُ قالَتْ: يا وَيلَها، ما لَها ولعُمرَ، يا وَيحَها، ما لَها ولعُمرَ، فخرَجَت فضرَبَها المَخاضُ، فمَرَّت بنِسوةٍ فعَرَفنَ الذي بها، فقَذَفت بغُلامٍ فصاحَ صَيحةً ثم طُفيَ، فبلَغَ ذلك عُمرَ فجمَعَ المُهاجِرينَ والأَنصارَ فاستَشارَهم، وفي آخِرِ القَومِ رَجلٌ، فقالوا: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّما كُنْتَ مُؤدِّبًا وإنَّما أنتَ راعٍ، قالَ: ما تَقولُ أنتَ يا فُلانُ؟ قالَ: أَقولُ: إنْ كانَ القَومُ تابَعوكَ على هَواكَ فوَاللهِ ما نصَحوا لك، وإنْ يَكونوا اجتَهَدوا آراءَهم فوَاللهِ لقد أخطَأَ رأيُهم غرِمتَ يا أَميرَ المُؤمنينَ، قالَ: فعَزمتُ عليكَ لمَا قدِمتَ فقسَمتَها على قَومِك، قالَ: فقيلَ للحَسنِ: مَنْ الرَّجلُ؟ قالَ: علِيٌّ».
أخبَرَنا علِيُّ بنُ أَحمدَ بنِ عُمرَ المُقري، أخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ علِيٍّ الخُطَبيُّ، نا عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، حدَّثَني أبي، نا عبدُ الرَّزاقِ، نا مَعمَرٌ عن ابنِ طاوُوسٍ، قالَ: أخبَرَني أنَّه سمِعَ ابنَ عَباسٍ يَقولُ: «وَدِدتُ أنَّ هؤلاء الذين يُخالِفونني في الفَريضةِ نَجتمِعُ فنَضعُ أَيديَنا على الرُّكنِ ثم نَبتهِلُ فنَجعلُ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ».
(وأخبَرَنا) مُحمدُ بنُ أَحمدَ بنِ رِزقٍ، أخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ علِيٍّ، نا عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ، حدَّثَني أبي نا يَعقوبُ، نا أبي عن ابنِ إِسحاقَ، قالَ: حَدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي نَجيحٍ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، قالَ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ يَقولُ: «إذا ذُكرَ عَولُ الفَرائضِ: أتَرَوْن الذي أحصَى رَملَ عالِجٍ عَددًا أجعَلَ في مالٍ قسَمَه نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا؟ هذا النِّصفُ والنِّصفُ قد ذهَبا بالمالِ فأينَ مَوضعُ الثُّلثِ؟ قالَ عَطاءٌ: فقُلتُ له: يا أبا عَباسٍ إنَّ هذا لا يُغني عني ولا عنك شَيئًا لو مِتَّ أو مِتُّ قُسِّمَ مِيراثُنا على ما عليه القَومُ من خِلافِ رأيك. قالَ: فإنْ شاؤوا فلنَدعُ أَبناءَنا وأَبناءَهم ونِساءَنا ونِساءَهم وأَنفُسَنا وأنفُسَهم ثم نَبتهِلْ فنَجعَلْ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ ما جعَلَ اللهُ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا».
أخبَرَنا أبو علِيٍّ أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ الصَّيدلانِيُّ بأصبهانَ، أخبَرَنا سُليمانُ بنُ أَحمدَ الطَّبرانِيُّ، نا إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ الدَّبَريُّ، أخبَرَنا عبدُ الرَّزاقِ عن الثَّوريِّ عن مَنصورٍ عن إِبراهيمَ عن عَلقمةَ قالَ: أُتِيَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ فسُئلَ عن رَجلٍ تَزوَّجَ امرأةً فلم يَفرِضْ لها ولم يَمسَّها حتى ماتَ؟ فرَدَّهم ثم قالَ: «أَقولُ فيها برَأيي فإنْ كانَ صَوابًا فمِن اللهِ، وإنْ كانَ خَطأً فمِنِّي».
أخبَرَنا ابنُ الفَضلِ أخبَرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفرِ بنِ دُرستوَيهِ، نا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، نا الحَجاجُ وهو ابنُ مِنهالٍ نا حَمَّادٌ، أخبَرَنا أيُّوبُ عن مُحمدِ بنِ سِيرينَ عن عُبيدةَ عن علِيٍّ، قالَ: «اجتمَعَ رأيي ورَأيُ عُمرَ على أنَّ أُمَّهاتِ الأَولادِ لا يُبَعْنَ، قالَ: ثم رأيتُ بعدُ أنْ تُباعَ في دَينِ سَيِّدِها وأنْ تُعتقَ من نَصيبِ وَلدِها. فقُلتُ: رأيُك ورأيُ الجَماعةِ أحَبُّ إلَيَّ من رأيِك في الفُرقةِ». ولم يُنكِرْ على عُبيدةَ هذا القَولَ.
وأمَّا الجَوابُ عما احتَجَّ به من العِلمِ بإِصابتِه، والقَطعِ على خَطأِ مُخالفِه وتَأثيمِه ومَنعِه من الحُكمِ باجتِهادِه، ونَقضِ حُكمِه، ومَنعِ العامِّيِّ من تَقليدِه، فهو أنَّا نَعلمُ إصابَتَنا للحَقِّ، ونَقطعُ بخَطأِ مَنْ خالَفَنا فيه، ونَمنعُه من الحُكمِ باجتِهادِه المُخالِفِ للحَقِّ.
فأمَّا عِلمُنا بإِصابتِنا للحَقِّ، فهو لأنَّ أحدَ الحُكمَينِ يَتميَّزُ عن الآخَرِ بالتَّأثيرِ المُوجِبِ للعِلمِ أو بكَثرةِ الأُصولِ المُقتضيةِ للظَّنِّ، وتَمييزُ أحدِ الحُكمَينِ عن الآخَرِ مَعلومٌ للمُجتهدِ.
فإذا كانَ كذلك كانَت الإِصابةُ مَعلومةً، وإذا عُلمَت الإِصابةُ فقد عُلمَ خَطأُ مَنْ خالَفَها.
وأمَّا التَّأثيمُ فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالعَفوِ عنه، وإثابَتِه على قَصدِه ونِيَّتِه.
والوَعدُ والوَعيدُ، والعَفوُ والتَّأثيمُ طَريقُه الشَّرعُ، وقد ورَدَ الشَّرعُ بالعَفوِ عن خَطئِه كما ورَدَ بالعَفوِ عن المُخطِئِ. والناسي والمُكرَهِ، يَدلُّ عليه قَولُ
اللهِ تَعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فأثنى عليهما جَميعًا، وأخبَرَ بإِصابةِ سُليمانَ ولم يُؤثِّمْ داودَ، وكذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأخطَأَ فله أجرٌ». فجعَلَ له أجرَ اجتِهادِه، ولم يُؤثِّمْه مع خَطئِه.
وأمَّا مَنعُه من العَملِ بما أدَّى اجتِهادُه إليه فلا شَكَّ فيه، لأنَّا نَقولُ: إذا عمِلَ به هو فاسِدٌ، ولهذا نَقولُ: إذا تزوَّجَ بغيرِ وَليٍّ فهو نِكاحٌ فاسِدٌ، وإذا شرِبَ النَّبيذَ فهو شرِبَ حَرامًا، وما أشبَهَ ذلك.
وأمَّا حُكمُ الحاكِمِ فإنَّ المُسلِمينَ أجمَعوا على أنَّه لا يُنقضُ إذا لم يَكُنْ مُخالِفًا لنَصٍّ أو إِجماعٍ أو قياسٍ مَعلومٍ، والمَنعُ من نَقضِه لا يَدلُّ على أنَّه كانَ له أنْ يَحكمَ به لأنَّه لا يَمتنعُ أنْ يَكونَ مَمنوعًا من الحُكمِ، فإذا حكَمَ به وقَعَ مَوقعَ الصَّحيحِ الجائِزِ كما نَقولُ في البَيعِ في حالِ النِّداءِ للجُمعةِ، والصَّلاةِ في الدارِ المَغصوبةِ والطَّلاقِ في حالِ الحَيضِ.
فإنْ قيلَ: مِثلُ هذا لا يَمتنعُ لكنْ ما الذي يَدلُّ عليه؟ فالجَوابُ عنه: أنَّ الدَّليلَ ما ذكَرناه من إِجماعِ الأُمةِ على أنَّه لا يَجوزُ نَقضُه.
ولأنَّ في نَقضِ الحُكمِ فَسادًا لكَونِه ذَريعةً إلى تَسليطِ الحُكامِ بعضِهم على بَعضٍ، فلا يَشاءُ حاكِمٌ يَكونُ في قَلبِه من حاكِمٍ شَيءٌ إلا تَعقُّبَ حُكمِه بنَقضٍ فلا يَستقرُّ حُكمُه، ولا يَصحُّ لأحَدٍ مِلكٌ، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وإذا كانَ كذلك ثبَتَ ما ذكَرناه من هَذَينِ الطَّريقَينِ.
وأمَّا الجَوابُ عن تَقليدِ العامِّيِّ، فهو أنَّ فَرضَه تَقليدُ مَنْ هو من أهلِ الاجتِهادِ، وقالَ أبو علِيٍّ الطَّبَريُّ: فَرضُه اتِّباعُ عالِمِه بشَرطِ أنْ يَكونَ عالِمُه مُصيبًا، كما يَتبعُ عالِمَه بشَرطِ ألَّا يَكونَ مُخالِفًا للنَّصِّ.
وقد قيلَ: إنَّ العامِّيَّ يُقلِّدُ أوثَقَ المُجتهِدينَ في نَفسِه، ولا يُكلَّفُ أكثَرَ من ذلك؛ لأنَّه لا سَبيلَ له إلى مَعرفةِ الحَقِّ والوُقوفِ على طَريقِه، وكلُّ واحِدٍ من المُجتهِدينَ يَقينُه بما أدَّى إليه اجتِهادُه فيُؤدِّي ذلك إلى حَيرةِ العامِّيِّ فجعَلَ له أنْ يُقلِّدَ أوثَقَهما في نَفسِه، ويُخالِفُ المُجتهدَ لأنَّه يَتمكَّنُ من مُوافقتِه على طَريقِ الحَقِّ ومُناظَرتِه فيه (١) انتَهى كَلامُه رحمة الله عليه.
(١) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١١٤، ١٢٨) للخطيب البغدادي.
كتاب الطهارة
تتبعُ هذه الموسوعةِ ترتيبَ كتبِ الفقهِ المعتمدةِ، فتبدأُ بكتابِ الطهارةِ ثم الصلاةِ فالزكاةِ ثم الصيامِ فالحجِّ، وهكذا في سائرِ أبوابِ الفقهِ.
المصدرُ: «موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة» للمؤلفِ ياسر بن أحمد بن بدر النجار.