الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة

الإسلام > الفقه > الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة

ترجمة موسعة لمالك بن أنس: نسبه، حياته، علمه، فقهه، شيوخه وتلامذته، مؤلفاته، محنته ووفاته.

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 01:49

📖 44 دقيقة قراءة

ثانيا: مالك بن أنس إمام دار الهجرة

١ - اسمه ومولده وصفته

وأَصحُّ الكُتبِ المُصنَّفةِ في زَمانِه «موطَّأ» مالِكٍ، كما أَشارَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه، وذلك قبلَ تَصنيفِ «الصَّحيحَينِ»، واللهُ ﷿ يَغفِرُ لنا وله، ويُدخلُنا وإِياهُ جَنةً عاليةً قُطوفُها دانِيةً.

١ - اسمُه ومَولدُه وصِفتُه:

اسمُه: مالِكُ بنُ أَنسِ بنِ مالِكِ بنِ أَبي عامرِ بنِ عَمرِو بنِ الحارثِ بنِ غَيمانَ بنِ خُثيلِ بنِ عَمرِو بنِ الحارثِ، وهو ذو أَصبحٍ الأَصبحِيُّ الحِميرِيُّ، أَبو عبدِ الله المَدنِيُّ، إمامُ دارِ الهِجرةِ، وعِدادُهم في بَني تَيمِ بنِ مُرةَ من قُريشٍ، حُلفاءِ عُثمانَ بنِ عُبيدِ اللهِ التَّيميِّ، أَخي طَلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ (١).

مَولدُه: قالَ الذَّهبيُّ: مَولدُ الإمامِ مالِكٍ على الأَصحِّ في سنةِ ثلاثٍ وتِسعينَ، عامَ مَوتِ أَنسٍ خادِمِ رَسولِ اللهِ ، ونشَأَ في صِيانةٍ ورَفاهيةٍ وتَجمُّلٍ (٢).

صِفتُه: عن مُطرفِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: كانَ مالِكُ بنُ أَنسٍ طَويلًا، عَظيمَ الهامةِ، أَصلعَ أَبيضَ الرأسِ واللِّحيةِ، شَديدَ البَياضِ إلى الشُّقرةِ (٣).

وعن عِيسى بن عمرَ المَدنِيِّ قالَ: ما رَأيتُ بَياضاً قطُّ ولا حُمرةً أَحسنَ من وجهِ مالِكٍ، ولا أَشدَّ بَياضَ ثَوبٍ من مالِكٍ (٤).

(١) «تهذيب الكمال» (٢٧/ ٩٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٤٩).
(٣) «صفة الصفوة» (٢/ ١٧٧)، و «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣١٩).
(٤) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣١٩)، و «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٦٢).

٢ - ابتداء طلبه للعلم وثناء العلماء عليه

وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ قالَ: ما رَأيتُ أَهيبَ من مالِكٍ، ولا أَتمَّ عَقلًا، ولا أَشدَّ تَقوى (١).

٢ - ابتِداءُ طَلبِه للعِلمِ وثَناءُ العُلماءِ عليه:

قالَ الذَّهبيُّ: وطلَبَ مالِكٌ العِلمَ وهو ابنُ بِضعَ عشْرةَ سنةً، وتَأهَّلَ للفُتيا وجلَسَ للِإفادةِ وله إِحدى وعِشرونَ سنةً، وحدَّثَ عنه جَماعةٍ وهو حيٌّ شابٌّ طَريٌّ، وقصَدَه طَلبةُ العِلمِ من الآفاقِ في آخرِ دَولةِ أَبي جَعفرِ المَنصورِ، وما بعدَ ذلك، وازدَحموا عليه في خِلافةِ الرَّشيدِ، وإلى أنْ ماتَ (٢).

عن عبدِ اللهِ ابنِ المُبارَكِ قالَ: ما رَأيتُ رَجلًا ارتَفعَ مِثلَ مالِكِ بنِ أَنسٍ، ليسَ له كَثيرُ صلاةٍ ولا صِيامٍ، إلا أنْ تَكونَ له سَريرةٌ (٣).

قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: قُلتُ لأَبي: مَنْ أَثبَتُ أَصحابِ الزُّهريِّ؟ قالَ: مالِكُ أَثبَتُ في كلِّ شيءٍ (٤).

وقالَ الشافِعيُّ: إِذا ذُكرَ العُلماءُ فمالِكٌ النَّجمُ (٥).

وعن ابنِ عُيينةَ قالَ: مالِكٌ عالمُ أَهلِ الحِجازِ، هو حُجةُ زَمانِه (٦).

(١) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٥٧).
(٣) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٣٠).
(٤) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٠).
(٥) «حلية الأولياء» (٦/ ٣١٨).
(٦) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٥٧).

قالَ الذَّهبيُّ: كانَ عالِمَ المَدينةِ في زَمانِه بعدَ رَسولِه وصاحِبَيه، زيدُ بنِ ثابتٍ، وعائِشةُ، ثم ابنُ عمرَ، ثم سَعيدُ بنِ المُسيِّبِ، ثم الزُّهريُّ، ثم عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، ثم مالِكٌ (١).

وقالَ كذلك: لم يَكنْ بالمَدينةِ عالِمٌ بعدَ التابِعينَ يُشبِهُ مالِكًا في العلمِ، والفقهِ والجَلالةِ والحِفظِ؛ فقد كانَ بها بعدَ الصَّحابةِ مثلُ: سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والفُقهاءِ السَّبعةِ، والقاسِمِ، وسالِمٍ، وعِكرِمةَ، ونافِعٍ، وطَبقتِهم، ثم زَيدِ بنِ أسلَمَ، وابنِ شِهابٍ، وأَبي الزِّنادِ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ، وصَفوانَ بنِ سُليمٍ، ورَبيعةَ بنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، وطَبقتِهم، فلمَّا تَفانوا اشتَهرَ ذِكرُ مالِكٍ بها، وابنُ أَبي ذِئبٍ، وعبدُ العَزيزِ بنُ الماجِشونَ، وفُليحُ بنُ سُليمانَ، والدَّراوَرديُّ، وأَقرانُهم، فكانَ مالِكٌ هو المَقدَّمُ فيهم على الإِطلاقِ، والذي تُضرَبُ إليه آباطُ الإِبلِ مِنْ الآفاقِ (٢).

قالَ ابنُ مَهديٍّ: أَئمةُ الناسِ في زَمانِهم أَربعةٌ: الثَّوريُّ، ومالِكٌ، والأَوزاعيُّ، وحَمادُ بن زيدٍ. وقالَ: ما رَأيتُ أَحدًا أَعقلَ من مالِكٍ (٣).

(١) «الثقات» لابن أبي حاتم (٧/ ٤٥٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٥٨)، وقد اشتَهرَ في تَراجُمِ الإمامِ مالِكٍ، ما رَواه أَبو هُريرةَ، يَبلُغُ فيه النَّبيَّ : «ليَضرِبنَّ الناسُ أَكبادَ الإِبلِ في طَلبِ العِلمِ، فلا يَجدونَ عالِمًا أَعلَمَ من عالِمِ المَدينةِ»، والحَديثُ رَواهُ أَحمدُ والتِّرمذيُّ والحاكمُ والبَيهقيُّ، وحسَّنَه التِّرمذيُّ، وصحَّحه الحاكمُ والبَيهقيُّ وأعلَّه الإمامُ أَحمدُ بالوقفِ، وفيه أيضًا عنعنةُ ابنِ جُريجٍ، وأَبي الزُّبيرِ، ثم القطعُ بأنَّ المَقصودَ به الإمامُ مالِكٌ لا يُمكِنُ القَطعُ به، وقد قالَ بعضُهم: سعيدُ بنُ المُسيِّبِ، ورجَّحَ بعضُهم بأنَّه العُمريُّ.
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٠٦).

٣ - عزة نفسه وتوقيره لحديث النبي ﷺ

قالَ الواقِديُّ: كانَ مالِكٌ يَجلِسُ في مَنزِلِه على ضِجاعٍ ونَمارِقَ، مَطروحَةٍ يَمنْةً ويَسْرةً في سائرِ البَيتِ لمَن يَأتِي، وكانَ مَجلِسُه مَجلِسَ وَقارٍ وحِلمٍ، وكانَ مَهيبًا ونَبيلًا، ليسَ في مَجلِسِه شيءٌ من المِراءِ واللَّغطِ، وكانَ الغُرباءُ يَسأَلونَه عن الحَديثِ بعدَ الحَديثِ، وربَّما أذِنَ لبعضِهم فقرَأَ عليه، وكانَ له كاتِبٌ يُقالُ له: حَبيبٌ، قد نسَخَ كُتبَه ويَقرأُ للجَماعةِ، فإِذا أخطَأَ، فتَحَ عليه مالِكٌ، وكانَ ذلك قَليلًا (١).

عن بَقيةَ قالَ: ما بقِيَ على وجهِ الأَرضِ أَعلمُ بسُنةٍ ماضِيةٍ منك يا مالِكُ (٢).

٣ - عِزةُ نَفسِه وتَوقيرُه لحَديثِ النَّبيِّ -:

عن ابنِ أَبي أُويسٍ قالَ: كانَ مالكٌ إذا أَرادَ أن يُحدِّثَ، تَوضأَ، وجلَسَ على صَدرِ فِراشِه، وسرَّحَ لِحيتَه، وتَمكَّنَ من الجُلوسِ بوَقارٍ وهَيبةٍ، ثم حدَّثَ. فقيلَ له في ذلك، فقالَ: أُحبُّ أن أُعظِّمَ حَديثَ النَّبيِّ ، ولا أُحدِّثُ به إلا على طَهارةٍ مُتمكنًا، وكانَ يَكرهُ أنْ يُحدِّثَ في الطَّريقِ وهو قائمٌ أو مُستَعجلٌ، فقالَ: أُحبُّ أن يُفهمَ ما أُحدِّثُ به عن رَسولِ اللهِ (٣).

(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٩٤).
(٣) «صفة الصفوة» (٢/ ١٧٨)، و «حلية الأولياء» (٦/ ٣٨٨).

وعن مَعنِ بنِ عِيسى قالَ: كانَ مالِكُ بنُ أَنسٍ إذا أَرادَ أن يَجلِسَ للحَديثِ، اغتَسلَ وتَبخَّرَ وتَطيَّبَ، فإذا رفَعَ أَحدٌ صَوتَه في مَجلِسِه، زجَرَه وقالَ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فمَن رفَعَ صَوتَه عندَ حَديثِ رَسولِ اللهِ فكأنَّما رفَعَ صَوتَه فوقَ صَوتِ رَسولِ اللهِ (١).

وعن عمرَ بنِ المُحبِّرِ الرُّعَينيِّ قالَ: قدِمَ المَهديُّ المَدينةَ، فبعَثَ إلى مالِكٍ فأَتاه، فقالَ لِهارونَ ومُوسى: اسمَعا منه. فبعَثا إليه فلم يُجبْهما، فأعَلَما المَهديَّ فكلَّمَه، فقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، العلمُ يُؤتَى أَهلُه. فقالَ: صدَقَ مالِكٌ، صِيرا إِليه، فلمَّا صارَا إليه قالَ له مُؤدِّبُهما: اقرَأْ علينا. قالَ: إنَّ أَهلَ المَدينةِ يَقرأونَ على العالِمِ، كما يَقرأُ الصِّبيانُ على المُعلِّمِ، فإن أَخطَئوا أَفتاهُم، فرجَعوا إلى المَهديِّ، فبعَثَ إلى مالِكٍ فكلَّمَه، فقالَ: سمِعتُ ابنَ شِهابٍ يَقولُ: جمَعْنا هذا العِلمَ في الرَّوضةِ من رِجالٍ، وهم يا أَميرَ المُؤمِنينَ: سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وأَبو سَلمةَ، وعُروةُ، والقاسمُ، وسالِمٌ، وخارِجةُ بنُ زيدٍ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، ونافعٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ هُرمزَ، ومِن بعدِهم أَبو الزِّنادِ، ورَبيعةُ، ويَحيى بنُ سَعيدٍ، وابنُ شِهابٍ.

وكلُّ هؤلاء يُقرأُ عليهم ولا يَقرءونَ. فقالَ: في هؤلاء قُدوةٌ؛ صِيروا إليه فاقْرَءوا عليه، ففَعلوا (٢).

(١) «تهذيب الكمال» (١١/ ١١١).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٦٣، ٦٤).

٤ - احتياطه في الرواية وتحريه في نقد الرجال

وعن ابنِ القاسمِ قالَ: قيلَ لمالِكٍ: لِم لَم تَأخذْ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ؟ قالَ: أَتيْتُه فوجَدْتُهم يَأخُذونَ عنه قِيامًا، فأجلَلتُ حَديثَ رَسولِ الله أنْ آخذُه قائمًا (١).

٤ - احتِياطُه في الرِّوايةِ وتَحرِّيه في نَقدِ الرِّجالِ:

عن مَنصورِ بنِ سَلمةَ الخُزاعيِّ قالَ: كنتُ عندَ مالك فقالَ له رَجلٌ: يا أَبا عبدِ الله، أَقمْتُ على بابِك سَبعينَ يومًا، وقد كتَبْتُ سِتينَ حَديثًا.

فقالَ: سِتونَ حَديثًا، وكأنَّه يَستَكثرُه.

فقالَ له الرجلُ: ربَّما كتَبْنَا بالكوفةِ في المَجلِسِ سِتينَ حَديثًا. قالَ: وكيف بالعِراقِ دارُ الضَّربِ، يُضربُ باللَّيلِ، ويُنفَقُ بالنَّهارِ؟ (٢)

وعن مُحمدِ بنِ إِسحاقَ الثَّقفيِّ السَّراجِ قالَ: سأَلتُ مُحمدَ بنَ إِسماعيلَ البُخاريَّ عن أَصحِّ الأَسانيدِ،، فقالَ: مالِكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ (٣).

وعن سُفيانَ بنِ عُيينةَ قالَ: ما كانَ أَشدَّ انتِقادَ مالِكٍ للرِّجالِ، وأَعلمَه بشَأنِهم (٤).

قالَ الذَّهبيُّ: وقد كانَ مالكٌ إِمامًا في نقدِ الرِّجالِ، حافِظًا، مُجوِّدًا، مُتقنًا (٥).

(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٦٧).
(٢) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٧)، و «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١١٤).
(٣) «تهذيب الكمال» (٢٧/ ١١٠)، و «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١١٤).
(٤) «تهذيب الكمال» (٢٧/ ١١١).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧١).

قالَ بِشرُ بنُ عُمرَ الزَّهرانِيُّ: سأَلتُ مَالكًا عن رجلٍ، فقالَ: هل رَأيتَه في كُتبِي؟ قلتُ: لا. قالَ: لو كانَ ثقةً، لرَأيتَه في كُتبِي (١).

قالَ الذَّهبيُّ: فهذا القولُ يُعطيكَ بأنه لا يَروِي إلا عمن هو عندَه ثقةٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أن يَرويَ عن كل الثِّقاتِ، ثم لا يَلزمُ مما قالَ أنَّ كلَّ مَنْ رَوى عنه -وهو عندَه ثقةٌ- أنْ يَكونُ ثقةً عندَ باقِي الحُفاظِ؛ فقد يَخفى عليه من حالِ شَيخِه ما يَظهرُ لغيرِه، إلا أنَّه بكلِّ حالٍ كثيرُ التَّحرِّي في نقدِ الرِّجالِ (٢).

عن عُثمانَ بنِ كِنانةَ عن مالِكٍ قالَ: ربَّما جلَسَ إلينا الشَّيخُ فيُحدِّثُ جُلَّ نَهارِه، ما نَأخذُ عنه حَديثًا واحدًا، وما بنا أن نَتهِمَه، ولكن لم يَكنْ من أهلِ الحَديثِ (٣).

وعن ابنِ عُيينةَ قالَ: ما نحنُ عندَ مالِكٍ، إنَّما كُنا نَتبعُ آثارَ مالِكٍ، ونَنظرُ الشَّيخَ إن كانَ كتَبَ عنه مالِكٌ، كتَبْنا عنه (٤).

وعنه قالَ: كانَ مالِكٌ لا يُبلِّغُ من الحَديثِ إلا صَحيحًا، ولم يُحدِّثْ إلا عن ثقةٍ، ما أَرى المَدينةَ إِلا ستَخرجُ بعدَ موتِه، يَعني: من العِلمِ (٥).

(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٢).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٢).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٢).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٣).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٣).

٥ - تورعه عن الفتوى

قالَ الشافِعيُّ: قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: أقَمتُ عندَ مالِكٍ ثلاثَ سِنينَ وكَسرًا، وسمِعتُ من لَفظِه أَكثرَ من سَبعِمائةِ حَديثٍ، فكانَ مُحمدٌ إذا حدَّثَ عن مالِكٍ امتَلأَ مَنزلُه، وإذا حدَّثَ عن غيرِه مِنْ الكُوفِّيينَ لم يِجئْه إلا اليَسيرُ (١).

وعن مُحمدِ بنِ الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ رضي الله عنه يَقولُ: إذا جاءَ الحَديثُ عن مالِكٍ فاشدُدْ يدَيكَ به (٢).

وعنه عن الشافِعيِّ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا شكَّ في الحَديثِ طرَحَه كلَّه (٣).

وعن حَبيبِ بنِ زُريقٍ قالَ: قلتُ لمالِكِ بنِ أَنسٍ لِم لمْ تَكتُبْ عن صالحٍ مَولَى التَّوأمةِ، وحِزامِ بنِ عُثمانَ، وعُمرَ مَولَى غُفرةَ؟ قالَ: أدرَكتُ عن سَبعينَ تابِعيًّا في هذا المَسجدِ، ما أخَذتُ العِلمَ إلا عن الثِّقاتِ المَأمونِينَ (٤).

٥ - تَورُّعُه عنِ الفَتوَى:

عن مالِكٍ قالَ: جُنةُ العالِمِ: «لا أَدري» فإِن أغفَلَها أُصيبَت مَقاتلُه (٥).

وعن الهَيثمِ بنِ جَميلٍ قالَ: سمِعتُ مالِكًا سُئلَ عن ثَمانٍ وأربَعينَ مَسألةً، فأَجابَ في اثْنتَينِ وثلاثِينَ منها ب «لا أَدري» (٦).

(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٥).
(٢) «حلية الأولياء» (٧/ ٣٢٢)، والأَولى الاقتِصارُ على الصَّحابةِ في التَّرضي، والتَّرحم على العُلماءِ.
(٣) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٢).
(٤) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٣).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٧).
(٦) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٧).

وعن خالدِ بنِ خِداشٍ قالَ: قدِمتُ على مالِكٍ بأربَعينَ مَسألةً، فما أَجابَني منها إلا في خَمسِ مَسائلَ (١).

وعن مالِكٍ أنَّه سمِعَ عبدَ اللهِ بنَ يَزيدَ بنِ هُرمزَ يَقولُ: يَنبغِي للعالِمِ أنْ يُورثَ جُلساءَه قولَ: «لا أَدري»؛ حتَّى يَكونَ ذلك أَصلًا يَفزعونَ إليه (٢).

وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ قالَ: رَأيتُ رَجلًا جاءَ إلى مالِكِ بنِ أَنسٍ يَسألُه عن شيءٍ أَيامًا ما يُجيبُه، فقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، إنِّي أُريدُ الخُروجَ قالَ: فأطرَقَ طَويلًا ثم رفَعَ رأسَه، وقالَ: ما شاءَ اللهُ، يا هذا، إنِّي إنَّما أَتكلَّمُ فيما أَحتَسبُ فيه الخيرَ (٣).

وعنه قالَ: سألَ رَجلٌ مالِكًا عن مَسألةٍ فقالَ: لا أُحسِنُها، فقالَ الرَّجلُ: إنِّي ضرَبتُ إليك من كذا كذا لأَسألَك عنها. فقالَ له مالِكٌ: إذا رجَعتَ إلى مَكانِك ومَوضعِك، فأخبِرْهم أنِّي قد قلتُ لك: إنِّي لا أُحسِنُها (٤).

وعن سَعيدِ بنِ سُليمانَ قالَ: قلَّما سمِعتُ مالِكًا يُفتي بشيءٍ، إلا تَلا هذه الآيةَ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] (٥).

وعن عَمرِو بنِ يَزيدَ -شَيخٍ من أَهلِ مِصرَ - صَديقٍ لمالِكِ بنِ أَنسٍ قالَ: قلتُ لمالِكٍ: يا أَبا عبدِ اللهِ، يَأتِيك ناسٌ من بُلدانٍ شتَّى، قد أَنضَوا

(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٧).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٧).
(٣) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٣).
(٤) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٣).
(٥) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٣).

٦ - نصرته للسنة وشدته على أهل البدع

مَطاياهُم، وأَنفَقوا نَفقاتِهم، يَسأَلونَك عما جعَلَ اللهُ عندَك من العِلمِ، تَقولُ: لا أَدري؟! فقالَ: يا عبدَ اللهِ، يَأتِيني الشامِيُّ من شامِه، والعِراقيُّ من عِراقِه، والمِصريُّ من مِصرِه، فيَسأَلونَني عن الشيءِ، لعَلِّي أن يَبدوَ لي فيه غيرُ ما أُجيبُ به، فأين أَجدُهم؟ قالَ عَمرٌو: فأخبَرتُ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ بقولِ مالِكٍ (١).

٦ - نُصرَتُه للسُّنةِ وشِدتُه على أَهلِ البدَعِ:

عن مُطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: سَنَّ رَسولُ اللهِ ووُلاةُ الأمرِ من بعدِه سُننًا، الأخذُ بها اتِّباعٌ لكِتابِ اللهِ، واستِكمالٌ بطاعَةِ اللهِ، وقُوةٌ على دينِ اللهِ، ليسَ لأحدٍ تَغييرُها، ولا تَبديلُها، ولا النَّظرُ في شيءٍ خالَفَها، مَنْ اهتَدَى بها فهو مُهتدٍ، ومَن استَنصرَ بها فهو مَنصورٌ، ومَن ترَكَها واتَّبعَ غيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ ولَّاه اللهُ ما توَلَّى، وأصْلَاه جَهنَّمَ وساءَت مَصيرًا (٢).

وعن يَحيى بنِ خَلفٍ الطَّرطوسِيِّ -وكانَ من ثِقاتِ المُسلِمينَ- قالَ: كنتُ عندَ مالك، فدخَلَ عليه رَجلٌ فقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، ما تَقولُ فيمن يَقولُ: القرآنُ مَخلوقٌ؟ فقالَ مالِكٌ: زِنديقٌ، اقتُلوهُ. فقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، إنَّما أَحكِي كَلامًا سمِعتُه. قالَ: إنَّما سمِعتُه منك، وعظَّمَ هذا القولَ (٣).

(١) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٤).
(٢) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٤)، و «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٩٨).
(٣) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٥)، و «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٩٩).

وحدَّثَ أَبو ثورٍ عن الشافِعيِّ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا جاءَه بعضُ أَهلِ الأَهواءِ قالَ: أمَا إنِّي على بَينةٍ من دِيني، وأمَّا أنتَ فشاكٌّ، اذهَبْ إلى شاكٍّ مثلَك، فخاصِمْه (١).

وقالَ القاضِي عِياضٌ: قالَ أَبو طالبٍ المَكيُّ: كانَ مالِكٌ رحمة الله عليه أبعَدَ الناسِ عن مَذاهبِ المُتكلِّمينَ، وأشَدَّ نَقدًا للعِراقِيينَ، ثم قالَ القاضِي عِياضٌ: قالَ سُفيانُ بنُ عُيينةَ: سألَ رَجلٌ مالِكًا فقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استَوى؟ فسكَتَ مالِكٌ حتَّى عَلاه الرُّحَضاءُ، ثم قالَ: الاستِواءُ منه مَعلومٌ، والكَيفُ منه غيرُ مَعقولٍ، والسُّؤالُ عن هذا بِدعةٌ، والإِيمانُ به واجبٌ، وإنِّي لأَظنُّك ضالًّا، أَخرِجوه. فنَاداه الرُّجلُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، واللهِ، لقد سأَلتُ عنها أهلَ البَصرةِ، والكوفةِ، والعراقِ ولم أَجدْ أحدًا وُفقَ لِما وُفقتَ له (٢).

عن سَعيدِ بنِ عبدِ الجَبارِ قالَ: رَأيي فيهم: أن يُستَتابوا، فإن تَابوا وإلا قُتلوا -يَعني القَدرِيةَ- (٣).

وعن عُثمانَ بنِ صالحٍ وأَحمدَ بنِ سَعيدٍ الدَّراميِّ قالَا: حدَّثَنا عُثمانُ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى مالِكٍ وسألَه عن مَسألةٍ، فقالَ له: قالَ رَسولُ اللهِ كذا. فقالَ الرَّجلُ: أرَأيتَ؟! قالَ مالِكٌ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ

(١) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٤)، و «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٩٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٠٧).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٠٠).

٧ - محنته

يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١).

وعن أَبي حَفصٍ قالَ: سمِعتُ مالِكَ بنَ أَنسٍ قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)[القيامة: ٢٢، ٢٣]، قومٌ يَقولونَ إلى ثَوابِه، قالَ مالِكٌ: كذَبوا، فأين هم عن قولِ اللهِ تَعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] (٢).

وكانَ يَقولُ: لستُ أَري لأحدٍ يَسبُّ أَصحابَ رَسولِ اللهِ في الفيءِ سَهمًا (٣).

وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الرَّماحِ قالَ: دخَلتُ على مالِكٍ فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، ما في الصَّلاةِ من فَريضةٍ؟ وما فيها من سُنةٍ؟ أو قالَ نافِلةٍ. فقالَ مالِكٌ: كَلامُ الزَّنادقةِ! أَخرِجوه (٤).

٧ - مِحنَتُه رحمة الله عليه:

قالَ مُحمدُ بنُ جَريرٍ: كانَ مالِكٌ قد ضُربَ بالسِّياطِ واختُلفَ في سَببِ ذلك، فحدَّثَني العَباسُ بنُ الوَليدِ حدَّثَنا ابنُ ذَكوانَ عن مَرْوانَ الطَاطريِّ: أنَّ أَبا جَعفرٍ نَهى مالِكًا عن الحَديثِ: «ليسَ على مُستكرَهٍ طَلاقٌ»، ثم دسَّ إليه من يَسألُه على رُءوسِ الناسِ، فضرَبَه بالسِّياطِ (٥).

(١) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٦).
(٢) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٦).
(٣) «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٤، ٣٢٥).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣١٦).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٧٩، ٨٠).

وعن الفَضلِ بنِ زِيادٍ القَطانِ قالَ: سأَلتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ: مَنْ ضرَبَ مالِكَ بنَ أَنسٍ؟ قالَ: ضرَبَه بعضُ الوُلاةِ، لا أَدري مَنْ هو، إنَّما ضرَبَه في طَلاقِ المُكرَهِ، كانَ لا يُجيزُه، فضرَبَه لذلك (١).

وعن أَبي بَكرِ بنِ مُحمدِ بنِ أَحمدَ بنِ راشدٍ قالَ: سمِعتُ أَبا داودَ يَقولُ: ضرَبَ جَعفرُ بنُ سُليمانَ مالِكَ بنَ أَنسٍ في طَلاقِ المُكرَهِ، وحَكى له بعضُ أَصحابِ بنِ وَهبٍ: أنَّ مالِكَ بنَ أَنسٍ لمَّا ضُربَ حُلقَ وحُملَ على بَعيرٍ، فقيلَ له: نادِ على نَفسِك، قالَ: فقالَ: أَلا مَنْ عرَفَني فقد عرَفَني، ومَن لَم يَعرفْني فأنا مالِكُ بنُ أَنسِ بنِ أَبي عامرٍ الأَصبحِيُّ، وأنا أَقولُ: طَلاقُ المُكرَهِ ليسَ بشيءٍ.

قالَ: بلَغَ جَعفرُ بنُ سُليمانَ أنَّه يُنادِي على نَفسِه بذلك، فقالَ: أَدرِكوه، أَنزِلوه (٢).

ورَوى ابنُ سَعدٍ عن الواقِديِّ قالَ: لمَّا دُعيَ مالِكٌ وشُوورَ وسُمعَ منه وقُبلَ قولُه، حُسدَ وبَغَوه بكلِّ شيءٍ، فلما ولِيَ جَعفرُ بنُ سُليمانَ المَدينةَ سَعوا به إليه، وكَثُروا عليه عندَه، وقالوا: لا يَرى أَيمانَ بَيعتِكم هذه بشيءٍ، وهو يَأخذُ بحَديثٍ رَواه عن ثابِتِ بنِ الأَحنفِ في طَلاقِ المُكرَهِ أنَّه لا يَجوزُ عندَه، قالَ: فغضِبَ جَعفرٌ، فدَعا بمالِكٍ، فاحتَجَّ عليه بما رُفعَ إليه عنه، فأمَرَ بتَجريدِه وضَربِه بالسِّياطِ، وجُبذَت يدُه حتى انخَلعَت من كَتفِه، وارتَكبَ منه أَمرٌ عَظيمٌ، فواللهِ، ما زالَ مالِكٌ بعدُ في رِفعةٍ وعُلوٍّ (٣).

(١) «حلية الأولياء» (٦/ ٣١٦).
(٢) «حلية الأولياء» (٦/ ٣١٦).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٨٠، ٨١).

٨ - من أقواله

قالَ الذَّهبيُّ رحمة الله عليه: هذا ثَمرةُ المِحنةِ المَحمودةُ، أنَّها تَرفعُ العَبدَ عندَ المُؤمِنينَ، وبكلِّ حالٍ هي بما كسَبَت أَيدِينا، ويَعفو عن كَثيرٍ، «ومَن يُردِ اللهُ به خَيرًا يُصبْ منه» (١). وقالَ النَّبيُّ : «كلُّ قَضاءِ المُؤمنِ خيرٌ له» (٢).

وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وأنزَلَ تَعالى في وَقعةِ أُحدٍ قولَه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، فالمُؤمنُ إذا امتُحنَ، صبَرَ واتَّعظَ واستَغفرَ، ولَم يَتشاغَلْ بذمِّ مَنْ انتَقمَ منه، فاللهُ حَكمٌ مُقسِطٌ، ثم يَحمدُ اللهَ على سَلامةِ دينِه، ويَعلمُ أنَّ عُقوبةَ الدُّنيا أَهونُ وخيرٌ له (٣).

٨ - مِنْ أَقوالِه رحمة الله عليه:

عن ابنِ وَهبٍ أنَّه سمِعَ مالِكًا يَقولُ: إنَّ الرَّجلَ إذا ذهَبَ يَمدحُ نَفسَه، ذهَبَ بَهاؤُه (٤).

(١) رواه البخاري (١٠/ ١٠٣) المرض، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٩٤١)، العين.
(٢) رواه مسلم (١٨/ ١٢٥) الزهد، وأحمد (٦/ ١٦)، والدرامي (٢/ ٣١٨)، الرقاق، وانظر: طرق الحديث في «الصحيحة» رقم (١٤٧).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٨١).
(٤) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٨).

وعن حَرملةَ عن ابنِ وَهبٍ: سمِعتُ مالِكًا، وقالَ له رَجلٌ: طَلبُ العِلمِ فَريضةٌ؟ قالَ: طَلبُ العِلمِ حَسنٌ لمَن رُزقَ خيرُه، وهو قَسمٌ مِنْ اللهِ تَعالى.

وقالَ: لا يَكونُ إِمامًا مَنْ حدَّثَ بكلِّ ما سمِعَ.

وقالَ: إن حقًّا على طالبِ العِلمِ أنْ يَكونَ له وَقارٌ وسَكينةٌ وخَشيةٌ، وأنْ يَكونَ مُتبعًا لأَثرِ مَنْ مَضى قبلَه (١).

وقالَ الفَرويُّ: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: إذا لم يَكنْ للإِنسانِ في نَفسِه خيرٌ، لم يَكنْ للناسِ فيه خيرٌ (٢).

وعن ابنِ وَهبْ عن مالِكٍ قالَ: بلَغَني أنَّه ما زهِدَ أحدٌ في الدُّنيا واتَّقى، إلا نطَقَ بالحِكمةِ (٣).

قالَ الذَّهبيُّ: قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ في «التمهيد»: هذا كتَبتُه من حِفظِي، وغابَ عني أَصلِي، إنَّ عبدَ اللهِ العُمريَّ العابدَ كتَبَ إلى مالِكٍ يَحضُّه على الانفِرادِ والعَملِ، فكتَبَ إليه مالِكٌ: إنَّ اللهَ قسَّمَ الأَعمالَ كما قسَّمَ الأَرزاقَ، فرُبَّ رَجلٍ فُتحَ له في الصَّلاةِ، ولم يُفتحْ له في الصَّومِ، وآخرَ فُتحَ له في الصَّدقةِ، ولم يُفتحْ له في الصَّومِ، وآخرَ فُتحَ له في الجِهادِ، فنَشرُ العِلمِ من أَفضلِ أَعمالِ البِرِّ، وقد رضِيتُ بما فُتحَ لي فيه. وما أظُنُّ ما أنا فيه بدونِ ما أنت فيه، وأَرجو أن يَكونَ كِلانا على خيرٍ وبِرٍّ (٤).

(١) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٨).
(٢) «حليه الأولياء» (٦/ ٣٢١).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٠٩).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١١٤).

٩ - شيوخه وتلامذته

وعن خالدِ بنِ نِزارٍ قالَ: سمِعتُ مالِكَ بنَ أَنسٍ يَقولُ لفتًى من قُريشٍ: يا ابنَ أَخي، تَعلَّمِ الأدبَ قبلَ أنْ تَتعَلمَ العِلمَ.

٩ - شُيوخُه وتَلامِذتُه رحمهم الله:

قالَ النَّوويُّ: قالَ الإِمامُ أَبو القاسمِ عبدُ المَلكِ بنُ زَيدِ بنِ ياسِينَ الدَّولعِيُّ في كِتابِه «الرِّسالَة المُصنَّفة في بَيانِ سُبلِ السُّنةِ المُشرَّفة»: أخَذَ مالِكٌ عن تِسعِمائةِ شَيخٍ، منهم ثَلاثُمائةٍ من التابِعينَ، وسِتُّمائةٍ من تابِعيهم ممَّن اختارَه وارتَضى دِينَه وفِقهَه وقِيامَه بحقِّ الرِّوايةِ وشُروطِها وخَلصَت الثِّقةُ به، وترَكَ الرِّوايةَ عن أهلِ دِينٍ وصَلاحٍ لا يَعرفونَ الرِّوايةَ (١).

قالَ الذَّهبيُّ: وأولُ طَلبِه للعِلمِ في حُدودِ سَنةِ عِشرينَ ومائةٍ، وفيها تُوفِّيَ الحَسنُ البَصريُّ، فأخَذَ عن نافعٍ ولازَمَه، وعن سَعيدٍ المَقبُريِّ، ونُعيمٍ المُجمرِ، ووَهبِ بنِ كَيسانَ، والزُّهريِّ، وابنِ المُنكدِرِ، وعامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، وعبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، وعبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، وزَيدِ بنِ أسلمَ، وصَفوانَ بنِ سُليمٍ، وإِسحاقَ بنِ أَبي طَلحةَ، ومُحمدِ بنِ يَحيى بن حِبانَ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ، وأَيوبَ السِّختِيانِيِّ، وأَبي الزِّنادِ، ورَبيعةَ ابنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، وخَلقٍ سِواهُم من عُلماءِ المَدينةِ؟ فقَلَّ ما رَوى عن غيرِ أهلِ بَلدِه.

ورَوى عنه من شُيوخِه: الزُّهريُّ، ورَبيعةُ، ويَحيى بنُ سَعيدٍ، وغَيرُهم، ومن أَقرانِه: الأَوزاعيُّ، والثَّوريُّ، واللَّيثُ، وخَلقٌ، وابنُ المُبارَكِ، ويَحيى ابنُ سَعيدٍ القَطانُ، ومُحمدُ بنُ الحَسنِ، وابنُ وَهبٍ، ومَعنُ بنُ عِيسى،

(١) «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٧٨، ٧٩).

١٠ - «موطأ» الإمام مالك ومكانته

والشافِعيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ، وأَبو مُسهِرٍ، وأَبو عاصِمٍ، وعبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ التِّنيسيُّ، والقَعنَبيُّ، وسَعيدُ بنُ مَنصورٍ، ويَحيى بنُ يَحيى، ويَحيى ابن يَحيى القُرطبيُّ، ويَحيى بنُ بُكيرٍ، والنُّفيليُّ، ومُصعبُ الزُّبيرِيُّ، وأَبو مُصعبٍ الزُّهريُّ، وقُتيبةَ بنُ سَعيدٍ، وعُتبةُ بنُ عبدِ اللهِ المَروزيُّ، وهِشامُ بنُ عَمارٍ، وسُويدُ بنُ سَعيدٍ، وإِسماعيلُ بنُ مُوسى السُّديُّ، وخَلائقُ آخرُهم: أَحمدُ بنُ إِسماعيلَ السَّهميُّ (١).

١٠ - «مُوطَّأُ» الإِمامِ مالِكٍ ومَكانتُه:

قالَ القاضِي أَبو بَكرِ بنِ العَربيِّ: «الموطأ» هو الأصلُ الأولُ واللُّبابُ، وكتابُ البُخاريِّ هو الأصلُ الثانِي في هذا البابِ، وعليهما بَنى الجَميعُ، كمُسلمٍ والتِّرمذيِّ.

وقد صنَّفَ الإمامُ مالِكٌ «الموطأ»: وتَوخَّى فيه القَويَّ من أَحاديثِ أهلِ الحِجازِ، ومزَجَه بأَقوالِ الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم.

وقد وضَعَ مالِكٌ «الموطأ»: على نحوِ عَشرةِ آلافِ حَديثٍ، فلَم يَزلْ يَنظرُ فيه، في كلِّ سَنةٍ، ويُسقطُ منه حتى بقِيَ هذا.

وقد أخرَجَ ابنُ عبدِ البَرِّ عن عُمرَ بنِ عبدِ الواحدِ صاحبِ الأَوزاعيِّ، قالَ: عرَضْنا على مالِكٍ «الموطأ» في أرَبعينَ يومًا، فقالَ: كتابٌ ألَّفتُه في أرَبعينَ سَنةً أخَذتُموه في أربَعينَ يومًا؟ ما أقلَّ ما تَفقهونَ فيه!

(١) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٣١٨، ٣١٩).

وقالَ مالِكٌ: عرَضتُ كِتابي هذا على سَبعينَ فَقيهًا من فُقهاءِ المَدينةِ، فَكلُّهم واطأَني عليه فسمَّيتُه «الموطأ».

وقالَ الجَلالُ السّيوطيُّ: وما من مُرسَلٍ في «الموطأ» إلا وله عاضِدٌ أو عَواضدُ، فالصَّوابُ أنَّ «الموطأ» صَحيحٌ كلُّه، لا يُستَثنَى منه شيءٌ. اه

وقد صنَّفَ ابنُ عبدِ البَرِّ كِتابًا في وَصلِ ما في «الموطأ» من المُرسَلِ والمُنقطِعِ والمُعضَلِ، قالَ: ما فيه مِنْ قولِه: «بَلغَني»، ومِن قولِه: «عن الثِّقةِ» عندَه ما لَم يُسنِدْه أحدٌ وسِتونَ حَديثًا كلُّها مُسنَدةٌ من غيرِ طريقِ مالِكٍ، إلا أربَعةٌ لا تُعرَفُ.

قالَ الشَّيخُ مُحمَّد حبِيب اللهِ الشِّنقيطِيُّ في كِتابِه «دلِيل السالِك إلى مُوطأ الإمامِ مالِك» عندَ قولِه:

وقَد رَأيتُ بعضَ مُتقِني السُّننْ … مَنْ حازَ في كلِّ العُلومِ خيرَ فَنْ

عَزا إلى نَجلِ الصَّلاح أنْ وَصلْ … أربَعةَ الأَخبارِ فالكلُّ اتَّصلْ

فقد وصَلَ ابنُ الصَّلاحِ الأربَعةَ في تَأليفٍ مُستقِلٍّ.

قالَ الأُستاذُ مُحمَّد فُؤاد عَبد الباقِي: والعَجبُ مِنْ ابنِ الصَّلاحِ رحمة الله عليه كيف يَطلِعُ على اتِّصالِ جَميعِ أَحاديثِ «الموطأ»، حتى إنَّه وصَلَ الأربَعةَ التي اعتَرضَت ابنَ عبدِ البَرِّ بعَدمِ الوُقوفِ على طُرقِ اتِّصالِها، ومعَ هذا لَم يَزلْ مُقدِّمًا للصَّحيحَينِ عليه في الصِّحةِ، معَ أن «الموطأ» هو أَصلُها، وقد انتَهَجا مَنهجَه في سائرِ صَنيعِه، وأَخرَجا أَحاديثَه من طَريقِه.

وغايةُ أَمرِها أنَّ ما فيها من الأَحاديثِ أَزيدُ مما فيه.

١١ - وفاته

قالَ أَحمَد شاكِر رحمة الله عليه: ولكنَّه لَم يَذكُرِ الأَسانيدَ التي قالَ الفُلانِيُّ: إنَّ ابنَ الصَّلاحِ وصَلَ بها هذه الأَحاديثَ، فلا يَستَطيعُ أهلُ العِلمِ بالحَديثِ أنْ يَحكُموا باتِّصالِها، إلا إذا وُجدَت أَسانيدُها وفُحصَت! حتَّى يَتبَينَ إن كانَت مُتصِلةً أو لا، وصَحيحةً أو لا (١).

١١ - وَفاتُه رحمة الله عليه:

قالَ القَعنَبيُّ: سمِعتُهم يَقولونَ: عُمِّرَ مالِكٌ تِسعًا وثَمانينَ سَنةً، وماتَ سَنةَ تِسعٍ وسَبعينَ ومائةٍ.

وقالَ إِسماعيلُ بنُ أَبي أُويسٍ: مرِضَ مالِكٌ، فسَألتُ بعضَ أَهلِنا عما قالَ عندَ المَوتِ: قالوا: تَشَّهدَ، ثم قالَ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].

وتُوفِّيَ صَبيحةَ أرَبعَ عشْرةَ من رَبيعٍ الأَولِ سَنةَ تِسعٍ وسَبعينَ ومائةٍ، فصلَّى عليه الأَميرُ عبدُ اللهِ بنُ مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ.

وغسَّلَه ابنُ أَبي زَنبَرٍ، وابنُ كِنانةَ، وابنُه يَحيى وكاتِبه حَبيبٌ يَصبَّانِ عليه الماءَ، ونزَلَ في قبْرِه جَماعةٌ، وأَوصَى أنْ يُكفَّنَ في ثِيابٍ بِيضٍ، وأنْ يُصلَى عليه في مَوضعِ الجَنائزِ، فصلَّى عليه الأَميرُ المَذكورُ، قالَ: وكانَ نائبًا لأَبيه مُحمدٍ على المَدينةِ، ثم مَشى أمامَ جِنازتِه، وحمَلَ نَعشَه، وبلَغَ كَفنُه خَمسةَ دَنانيرَ.

(١) باختِصارٍ من مُقدمةِ الأُستاذِ/ مُحمَّد فُؤاد عَبد الباقِي، لموطأ الإمام مالك (١/ د، هـ) ط. عِيسى البابِي الحَلبيّ.

ويُقالُ: إنه في اللَّيلةِ التي ماتَ فيها رَأى رَجلٌ من الأَنصارِ قائِلًا يُنشِدُ:

لَقدْ أَصبحَ الإِسلامُ زُعزِعَ رُكنُه … غَداةَ ثَوى الهادِي لَدى مَلحدِ القَبرِ

إِمامُ الهُدى ما زالَ للعِلمِ صائِناً … علَيه سَلامُ اللهِ فِي آخِرِ الدَّهرِ

قالَ ابنُ القاسِمِ: ماتَ مالِكٌ عن مائةِ عِمامةٍ، فَضلًا عن سِواها.

وقالَ ابنُ أَبي أُويسٍ: بِيعَ ما في مَنزلِ خالِي من بُسطٍ، ومِنصَّاتٍ، ومَخادَّ، وغيرِ ذلك بما يُنيِّفُ على خَمسِمائةِ دِينارٍ (١).

(١) باختِصارٍ من «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٣٠، ١٣٣).

المصدرُ: «موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة» للمؤلفِ ياسر بن أحمد بن بدر النجار.

← العودة إلى الفقه الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.4 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله