الإسلام > الفقه > الإمام محمد بن إدريس الشافعي
ترجمة موسعة لالشافعي: نسبه، حياته، علمه، فقهه، شيوخه وتلامذته، مؤلفاته، محنته ووفاته.
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 01:49
📖 65 دقيقة قراءةثالثًا: ناصِرُ الحقَّ والسُّنةِ مُحمدُ بنُ إدرِيسَ الشافِعيُّ:
١ - اسمُه ونَسبُه ومَولِدُه ونَشأتُه وصِفتُه رحمة الله عليه:
اسمُه ونسَبُه وكُنيَتُه: مُحمدُ بنُ إِدريسَ بنِ العَباسِ بنِ عُثمانَ بنِ شافعِ ابنِ السائِبِ بنِ عُبيدِ بنِ عبدِ يَزيدَ بنِ هاشمِ بنِ المُطلبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ قُصيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرةَ بنِ كَعبِ بنِ لُؤيِّ بنِ غالِبٍ. كُنيَتُه: أَبو عَبدِ اللهِ.
وهو ابنُ عمِّ رَسولِ اللهِ ﷺ، يَلتَقي معه في جدِّه عبدِ مَنافٍ، فرَسولُ اللهِ ﷺ من بَني هاشِمِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وإِمامُنا الشافِعيُّ من بَني عبدِ المُطلبِ ابنِ عبدِ مَنافٍ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّما بَنو المُطلبِ وبَنو هاشِمٍ شيءٌ واحِدٌ» (١).
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّه رضي الله عنه كانَ من أَنواعِ المَحاسنِ بالمَحلِّ الأَعلى، والمَقامِ الأَسنى؛ لما جمَعَه اللهُ له من أَنواعِ المَكرُماتِ، فمِن ذلك شَرفُ النَّسبِ الطاهِرِ، والعُنصُرِ الباهِرِ، واجتِماعُه هو ورَسولُ اللهِ ﷺ في النَّسبِ، وذلك غايةُ الشَّرفِ، ونِهايةُ الحَسبِ، ومن ذلك المَولدُ والمَنشأُ، فإنَّه وُلدَ بالأَرضِ المُقدسةِ، ونشَأَ بمَكةَ (٢).
مَولدُه ونَشأتُه: قالَ الذَّهبيُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ مَولدُ الإِمامِ رحمة الله عليه بغَزةَ، وماتَ أَبوه إِدريسُ شابًّا، فنشَأَ مُحمدٌ يَتيمًا في حِجرِ أمِّه، فخافَت عليه
(١) رواه البخاري (٦/ ٦١٦)، «المناقب»، وأبو داود (٢٩٦٢)، الخراج والإمارة.
(٢) «تهذيب الأسماء واللغات»، للإمام النووي (١/ ٤٩)، دار الكتب العلمية.
الضَّيعةَ، فتحوَّلَت إلى مَحتِدِه، وهو ابنُ عامَينِ، فنشَأَ بمَكةَ، وأقبَلَ على الرَّميِ، حتى فاقَ الأَقرانَ، وصارَ يُصيبُ من عَشرةِ أَسهُمٍ تِسعةً، ثم أقبَلَ على العَربيةِ والشِّعرِ، فبَرَعَ في ذلك، وتقَدمَ، ثم حُببَ إليه الفقهُ، فسادَ أهلَ زَمانِه (١).
وقالَ العُليميُّ: أَبو عبدِ اللهِ الشافِعيُّ، الإمامُ الأَعظمُ، والحبْرُ المُكرمُ، أحدُ الأَئمةِ المُجتهِدينَ الأَعلامِ، إمامُ أهلِ السُّنةِ، رُكنُ الإِسلامِ، لقِيَ جدَّه شافِعُ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو مُترعرَعٌ، وكانَ أَبوه السائِبُ صاحِبُ رايةِ بَني هاشِمٍ، يومَ بَدرٍ فأُسرَ، وفَدى نَفسَه ثم أَسلمَ.
فقيلَ له: لِم لَم تُسلمْ قبلَ أن تَفديَ نَفسَك؟ فقالَ: ما كنتُ أَحرمُ المُسلِمينَ طُعمًا لَهم فِيَّ.
وُلدَ بغَزةَ مِنْ بَلادِ الشامِ على الأَصحِّ، في سَنةِ خَمسينَ ومِائةٍ؛ وهي السَّنةُ التي ماتَ فيها أَبو حَنيفةَ النُّعمانُ رحمة الله عليه، وقيلَ: في اليومِ الذي ماتَ فيه، وقيلَ: كانَ مَولدُه بعَسقلانَ، وقيلَ: باليمنِ، ونشَأَ بمَكةَ، وكتَبَ العِلمَ بها، وبمَدينةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وقدِمَ بَغدادَ مرَّتينِ، وخرَجَ إلى مِصرَ فنزَلَها، وكانَ وُصولُه إليها في سَنةِ تِسعٍ وتِسعينَ ومِائةٍ، وقيلَ: سَنةَ إحدَى ومِائتَينِ، ولَم يَزلْ بها إلى حينِ وَفاتِه (٢).
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٦).
(٢) «المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد»، لأبي اليمن العليمي (٦٣)، بتحقيق/ محيي الدينِ عَبد الحَميد، ط. مطبعة المدني.
صِفتُه رحمة الله عليه: ورَوى أَبو نُعيمٍ بسَندِه عن إِبراهيمَ بنِ مُرادٍ، قالَ: وكانَ الشافِعيُّ طَويلًا، نَبيلًا، جَسيمًا.
وقالَ الزَّعفرانِيُّ: كانَ الشافِعيُّ يُخضِّبُ بالحِناءِ، خَفيفَ العارِضتَينِ.
وقالَ المُزنِيُّ: ما رَأيتُ أَحسنَ وَجهًا من الشافِعيِّ، وكانَ ربَّما قبَضَ على لِحيتِه، فلا تَفضلُ عن قبضَتِه (١).
٢ - ابتِداءُ طَلبِه للعِلمِ ونُبوغُه فيه:
رَوى أَبو نُعيمٍ، بسَندِه عن أَبي بَكرِ بنِ إِدريسَ -وَراقِ الحُميديِّ- عن الشافِعيِّ، قالَ: كنتُ يَتيمًا في حِجرِ أمِّي، ولم يَكنْ معها ما تُعطِي المُعلمَ، وكانَ المُعلمُ قد رضِيَ مني أن أَخلُفَه إذا قامَ، فلمَّا ختَمتُ القُرآنَ، دخَلتُ المَسجدَ، فكنتُ أُجالِسُ العُلماءَ، فأَحفَظُ الحَديثَ أو المَسألةَ، وكانَ مَنزلُنا بمَكةَ في شِعبِ الخَيفِ، فكنتُ أَنظرُ إلى العَظمِ يَلوحُ، فأَكتبُ فيه الحَديثَ والمَسألةَ، وكانَت لنا جَرةٌ قَديمةٌ، فإذا امتَلأَ العَظمُ طرَحتُه في الجَرةِ (٢).
ورَوى البَيهقيُّ بسَندِه، عن مُصعبِ بنِ عبدِ اللهِ الزُّبيريِّ، قالَ: كانَ الشافِعيُّ في ابتِداءِ أَمرِه، يَطلبُ الشِّعرَ، وأَيامَ الناسِ والأَدبَ، ثم أخَذَ في الفقهِ بعدُ.
(١) «تاريخ الإسلام»، للإمام الذهبي، بتحقيق د. عمر عبد السلام تدمري، «حوادث ووفيات»، (٢٠١ - ٣٠١) صفحة (٣١٠)، الناشر/ دار الكتاب العربي.
(٢) «حلية الأولياء»، و «طبقات الأصفياء»، لأبي نعيم الأصبهاني (٩/ ٧٣)، مطبعة السعادة، وذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام»، وفيات (٢٠١، ٢١٠)، عن الحميدي عن الشافعي كذلك، وفي «مناقب الشافعي»، للبيهقي (١/ ٩٢)، عن وراق الحميدي عن الحميدي.
قالَ: وكانَ سَببُ أَخذِه في الفقهِ أنَّه كانَ يومًا يَسيرُ على دابَّةٍ له، خلفَه كاتِبُ أَبي، فتَمثَّلَ الشافِعيُّ ببَيتِ شِعرٍ، فقرَعَه كاتبُ أَبي بسَوطٍ، ثم قالَ له: مِثلُك تَذهبُ مُروءَتُه في مثلِ هذا! أينَ أنتَ عن الفقهِ؟ قالَ: فهَزَّه ذلك، فقصَدَ مُجالسَة الزّنجِيِّ ابنِ خالدٍ -وكانَ مُفتي مَكةَ-، ثم قدِمَ علينا، فلزِمَ، مالِكَ بنَ أَنسٍ (١).
ورَوى البَيهقيُّ كذلك عن أَبي بَكرٍ الحُميديِّ، فقالَ: قالَ الشافِعيُّ: خرَجتُ أَطلُبُ النَّحوَ والأَدبَ، فلقِيَني مُسلمُ بنُ خالدٍ، فقالَ: يا فَتى، مِنْ أين أنتَ؟ قلتُ: من أهلِ مَكةَ. قالَ: وأين مَنزلُك بها؟ قلتُ: بشِعبِ الخَيفِ، قالَ: من أيِّ قَبيلةٍ أنتَ؟ قلتُ: من وَلدِ عبدِ مَنافٍ، فقالَ: بَخٍ بَخٍ، لقد شرَّفَك اللهُ في الدُّنيا والآخرَةِ، ألا جعَلتَ فَهمَك هذا في الفقهِ، كانَ أَحسَنَ بك؟! (٢)
قالَ الذَّهبيُّ: وعن الشافِعيِّ قالَ: أَتيتُ مالِكًا وأَنا ابنُ ثَلاثَ عشْرةَ سَنةً -كذلك قالَ، والظاهِرُ أنَّه كانَ ابنَ ثَلاثٍ وعِشرينَ سَنةً- قالَ: فأَتيتُ ابنَ عمٍ لي والِي المَدينةِ فكلَّمَ مالِكًا فقالَ: اطلُبْ من يَقرأُ لك قلتُ: أنا أَقرأُ فقرَأتُ عليه فكانَ ربَّما قالَ لي لشيءٍ قد مَرَّ أُعدْه فأُعيدُه حِفظًا فكأنَّه أَعجَبَه ثم سأَلتُه عن مَسألةٍ فأَجابَني ثم أُخرى فقالَ: أنت تُحبُّ أن تَكونَ قاضِيًا (٣).
(١) «مناقب الشافعي» (١/ ٩٦)، بتحقيق السيد/ أحمد صقر.
(٢) «مناقب الشافعي» للبيهقي (١/ ٩٧).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ١٢) وهو «مناقب الشافعي» للبيهقي (١/ ١٠١) وفيه: «أنت يَجبُ أن تَكونَ قاضِيًا» فلعلَّه فيه تَصحيفٌ، ورواه أَبو نُعيم في «الحلية» مُختصرًا (٩/ ٦٩).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه ما مُلخَّصُه: أخَذَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في الفِقهِ وحصَلَ منه على مُسلمِ بنِ خالِدٍ الزّنجيِّ وغيرِه من أَئمةِ مَكةَ ما حصَلَ، ورحَلَ إلى المَدينةِ قاصدًا الأَخذَ عن أَبي عبدِ اللهِ مالِكِ بنِ أَنسٍ رضي الله عنه وأكرَمَه مالِكٌ رحمة الله عليه وعامَلَه لنَسبِه وعِلمِه وفَهمِه وعَقلِه وأَدبِه بما هو الَّلائقُ بهما وقرَأَ «الموطأ» على مالِكٍ حِفظًا فأَعجبَتْه قِراءتُه فكانَ مالِكٌ يَستزِيدُه من القِراءةِ لإِعجابِه من قِراءتِه ولازَمَ مالِكًا فقالَ له: اتقِّ اللهَ؛ فإنَّه سيَكونُ لك شَأنٌ.
وفي رِوايةٍ: أنَّه قالَ لي: إنَّ اللهَ تَعالى قد أَلقَى على قَلبِك نُورًا فلا تُطفئْه بالمَعصيةِ. ثم ولِي اليَمنَ واشتَهرَ من حُسنِ سِيرتِه وحَملِه الناسَ على السُّنةِ والطَّرائقِ الجَميلةِ أَشياءُ كَثيرةٌ مَعروفةٌ، ثم رحَلَ إلى العِراقِ في الاشتِغالِ بالعِلمِ، وناظَرَ مُحمدَ بنَ الحَسنِ وغيرَه، ونشَرَ عِلمَ الحَديثِ وأَقامَ مَذهبَ أَهلِه ونصَرَ السُّنةَ وشاعَ ذِكرُه وفَضلُه وتَزايَدَ تَزايُدًا ملَأَ البِقاعَ، وأَذعَنَ بفَضلِه المُوافِقونَ والمُخالِفونَ واعتَرفَ به العُلماءُ أَجمَعونَ، وعظُمَت عندَه الخَلائقُ ووُلاةُ الأُمورِ مَرتَبتُه، وظهَرَ من فَضلِه في مُناظَراتِه أَهلَ العِراقِ وغيرِهم ما لم يَظهَرْ لسِواهُ، عكَفَ للِاستِفادةِ منه الصِّغارُ والكِبارُ والأَئمةُ الأَخيارُ من أَهلِ الحَديثِ والفقهِ وغيرِهم، ورجَعَ كَثيرٌ منهم عن مَذاهبَ كانوا عليها إلى مَذهبِه وتَمسَّكوا بطَريقتِه وصنَّفَ في العِراقِ كِتابَه القَديمَ المُسمَّى «كِتاب الحُجَّة» ثم خرَجَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه إلى مِصرَ سَنةَ تِسعٍ
وتِسعينَ ومائةٍ وصنَّفَ كُتبَه الجَديدةَ كلَّها بمِصرَ، وسارَ ذِكرُه في البُلدانِ وقصَدَه الناسُ في الشامِ واليَمنِ والعِراقِ (١).
٣ - ثَناءُ العُلماءِ عليه:
قالَ الحافظُ أَبو نُعيمٍ: ومنهم الإمامُ الكاملُ العالِمُ العامِلُ ذو الشَّرفِ المَنيفِ والخُلقِ الطَّريفِ، له السَّخاءُ والكَرمُ، وهو الضِّياءُ في الظُّلمِ، أَوضَحَ المُشكلاتِ، وأَفصَحَ عن المُعضِلاتِ، المُنتَشرُ عِلمُه شَرقًا وغَربًا، المُستَفيضُ مَذهبُه بَرًّا وبَحرًا، المُتبِّعُ للسُّننِ والآثارِ، المُقتدِي بما اجتَمعَ عليه المُهاجِرونَ والأَنصارُ، اقتَبسَ عن الأَئمةِ الأَخيارِ فحدَّثَ عنه الأَئمةُ الأَحبارُ، الحِجازِيُّ المُطلِبيُّ أَبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنِ إِدريسَ الشافِعيُّ رضي الله عنه وأَرضاهُ، حازَ المَرتبةَ العالِيةَ وفازَ بالمَنقبةِ السامِيةِ؛ إذِ المَناقبُ والمَراتبُ يَستحِقُّها مَنْ له الدِينُ والحَسبُ، وقد ظفِرَ الشافِعيُّ بهما جَميعًا، شَرفُ العِلمِ العَملُ به وشَرفُ الحَسبِ قُربُه من رَسولِ اللهِ ﷺ فشَرفُه في العِلمِ ما خصَّه الله تَعالى به من تَصرُّفِه في وُجوهِ العِلمِ وتَبسُّطِه في فُنونِ الحِكمِ، فاستَنبطَ خَفياتِ المَعاني، وشرَحَ بفَهمٍ الأُصولَ والمَبانِي، ونالَ ذلك بما يَخصُّ اللهُ تَعالى به قُريشًا من نُبلِ الرَّأيِ (٢).
ورَوى الخَطيبُ بسَندِه إلى إِسحاقَ بنِ راهَويهِ قالَ: أخَذَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ
(١) «تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ٤٧، ٤٨) باختِصارٍ.
(٢) «حلية الأولياء» (٩/ ٦٣، ٦٤).
بيدِي وقالَ: تعالَ حتى أَذهبَ بك إلى مَنْ لَم ترَ عَيناكَ مثلُه، فذهَبَ بي إلى الشافِعيِّ (١).
وبسَندِه أيضًا إلى عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: قلتُ لأَبي: يا أَبتِ أيُّ شيءٍ كانَ الشافِعيُّ؟ فإني سمِعتُك تُكثِرُ من الدُّعاءِ له، فقالَ لي: يا بُنيَّ: الشافِعيُّ كالشَّمسِ للدُّنيا، وكالعافِيةِ للنَّاسِ، انظُرْ هل لهذَينِ من خَلفٍ أو منهما عِوضٍ (٢).
وعن أَيوبَ بنِ سُويدٍ قالَ: ما ظنَنتُ أنِّي أَعيشُ حتى أَرى مثلَ الشافِعيِّ (٣).
وعن صالحِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: ركِبَ الشافِعيُّ حِمارَه فجعَلَ أَبي يَمشِي والشافِعيُّ راكِبٌ وهو يُذاكِرُه، فبلَغَ ذلك يَحيى بنَ مَعينٍ، فبعَثَ إلى أَبي في ذلك، فبعَثَ إليه أنَّك لو كنتَ في الجانِبِ الآخرِ من الحِمارِ كانَ خيرًا لك هذا أو مَعناه (٤).
وعن حُميدِ بنِ زَنجوَيهِ قالَ: سمِعتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: يُروَى الحَديثُ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَمنُّ على أَهلِ دِينِه في رَأسِ
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٦).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٦) وذكَرَه المِزيُّ في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٣٧١).
(٣) رواه مُسندًا البَيهقيُّ في «مناقب الشافعي» (٢١)، وذكَرَه الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام» حوادث ووفيات (٢٠١ - ٢١٠) صفحة (٣١٥).
(٤) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ٢٥٣).
كلِّ مائةِ سَنةٍ برَجلٍ مِنْ أَهلِ بَيتِي يُبيِّنُ لهم أَمرَ دِينِهم» وإني نظَرتُ في سَنةِ مائةٍ فإذا رَجلٌ مِنْ آلِ رَسولِ اللهِ ﷺ مُحمدُ بنُ إِدريسَ (١).
وعن مُحمدِ بنِ الفَضلِ البَزارِ قالَ: سمِعتُ أَبي يَقولُ حجَجتُ معَ أَحمدِ بنِ حَنبلٍ فنزَلْنا في مَكانٍ واحدٍ أو في دارٍ (يَعني مَكةَ)، وخرَجَ أَبو عبدِ اللهِ يَعنى أَحمدَ بنَ حَنبلٍ باكرًا وخرَجتُ أنا معَه فلما صلَّينا الصُّبحَ درتُ المَجالسَ فجِئتُ مَجلسَ سُفيانَ بنِ عُيينةَ، وكنتُ أَدورُ مَجلسًا مَجلسًا؛ طالبًا لأَبي عبدِ اللهِ حتى وَجدتُه عندَ شابٍّ أَعرابيٍّ وعليه ثِيابٌ مَصبوغَةٌ وعلى رأسِه جُمةٌ فزاحَمتُه حتى قعَدتُ عندَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ ترَكتَ ابنَ عُيينةَ وعندَه الزُّهريُّ وعَمرُو بنُ دِينارٍ وزِيادُ بنُ عِلاقةَ ومِن التابِعينَ ما اللهُ به عَليمٌ؟ فقالَ: اسكُتْ؛ فإنْ فاتَك حَديثٌ بعُلوٍّ، تجِدْه بنُزولٍ، فلا يَضرُّك في دِينِك ولا في عَقلِك أو في فِقهِك وإن فاتَك عَقلُ هذا الفَتى أَخافُ أنْ لا تَجدَه إلى يومِ القِيامةِ، ما رَأيتُ أحدًا أَفقهَ في كِتابِ اللهِ تَعالى من هذا الفَتى القُرشيِّ. قلتُ: مَنْ هذا؟ قالَ: مُحمدُ ابنُ إِدريسَ الشافِعيُّ (٢).
وعن سُويدِ بنِ سَعيدٍ قالَ: كُنا عندَ سُفيانَ بنِ عُيينةَ فجاءَ مُحمدُ بنُ إِدريسَ فجلَسَ فرَوى ابنُ عُيينةَ حَديثًا رَقيقًا فغُشيَ على الشافِعيِّ، فقيلَ:
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٨).
(٢) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧) ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٩٨، ٩٩).
يا أَبا مُحمدٍ، ماتَ مُحمدُ بنُ إِدريسَ، فقالَ ابنُ عُيينةَ: إنْ كانَ قد ماتَ مُحمدُ ابنُ إِدريسَ فقد ماتَ أَفضلُ أَهلِ زَمانِه (١).
قالَ الرَّازيُّ رحمة الله عليه: إنَّ ثَناءَ العُلماءِ على الإمامِ الشافِعيِّ أَكثرُ مِنْ أنْ يُحيطَ به الحَصرُ، ونحنُ نَذكرُ السَّببَ في مَحبَّتِهم له وثَنائِهم عليه، فنَقولُ: الناسُ كلُّهم كانوا قبلَ زَمانِ الشافِعيِّ فَريقَينِ: أَصحابَ الحَديثِ وأَصحابَ الرَّأيِ.
أما أَصحابُ الحَديثِ فكانوا حافِظينَ لأَخبارِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلا أنَّهم كانوا عاجِزينَ عن النَّظرِ والجَدلِ، وكلَّما أَوردَ عليهم أحدُ أَصحابِ الرَّأيِ سُؤالًا أو إِشكالًا بَقَوا على ما في أَيدِيهم عاجِزينَ مُتحيِّرينَ.
أما أَصحابُ الرَّأيِ فكانوا أَصحابَ الجَدلِ والنَّظرِ إلا أنَّهم كانوا فارِغينَ من مَعرفةِ الآثارِ والسُّننِ.
وأما الشافِعيُّ فإنه كانَ عارِفًا بسُنةِ النَّبيِّ ﷺ مُحيطًا بقَوانينِها، وكانَ عارِفًا بآدابِ النَّظرِ والجَدلِ وقَويًّا فيه، وكانَ فَصيحَ اللِّسانِ قادرًا على قَهرِ الخُصومِ، فأخَذَ في نُصرةِ أَحاديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ وكانَ مَنْ أَوردَ عليه سُؤالًا أو إِشكالًا أَجابَ عنه بأَجوبةٍ شافِيةٍ كامِلةٍ فانقَطعَ بسَببِه استِيلاءُ أَهلِ الرَّأيِ على أَصحابِ الحَديثِ، وسقَطَ فِقهُهم، وتَخلَّصَ بسَببِه أَصحابُ الحَديثِ من شُبهاتِ أَصحابِ الرَّأيِ؛ فلهذا السَّببِ
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٥٦) وذكَرَه الرَّازيُّ في «مناقب الشافعي» (٥٨/ ٥٩).
انطَلقتِ الأَلسنُ بمَدحِه والثَّناءِ عليه وانقادَ له عُلماءُ الدِّينِ وأَكابرُ السَّلفِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
٤ - عِبادتُه وزُهدُه ووَرعُه رحمة الله عليه:
قالَ بَحرُ بنُ نَصرٍ: ما رَأيتُ ولا سمِعتُ كانَ في عَصرِ الشافِعيِّ أَتقَى ولا أَورعَ من الشافِعيِّ، ولا أَحسَنَ صَوتًا منه بالقُرآنِ (٢).
وعن الحُسينِ الكَرابِيسيِّ قالَ: بِتُّ معَ الشافِعيِّ ثَمانينَ لَيلةً، فكانَ يُصلِّي ثُلثَ اللَّيلِ، وما رَأيتُه يَزيدُ عن خَمسينَ آيةً! فإذا أَكثَرَ فمِائةٌ، وكانَ لا يَمرُّ بآيةٍ إلا سألَ اللهَ لنَفسِه وللمُؤمِنينَ أَجمَعينَ، ولا يَمرُّ بآيةِ عَذابٍ إلا تَعوَّذَ باللهِ وسألَ النَّجاةَ لنَفسِه ولجَميعِ المُؤمِنينَ، فكأنَّما جمَعَ له الرَّجاءَ والرَّهبةَ معًا (٣).
وعن بَحرِ بنِ نَصرٍ قالَ: كُنا إذا أرَدْنا أنْ نَبكيَ، قُلنا بعضُنا لبعضٍ: قومُوا بِنا إلى هذا الفَتى المَطلبِيِّ نَقرأُ القُرآنَ، فإذا أتَيْناه استَفتحَ القُرآنَ حتى تَتساقَطُ الناسُ بينَ يدَيه ويَكثرُ عَجيجُهم بالبُكاءِ فإذا رَأى ذلك أَمسَكَ عن القِراءةِ من حُسنِ صَوتِه (٤).
(١) «مناقب الإمام الشافعي» لفخر الدين الرازي بتحقيق أحد حجازي السقا (٦٦) الناشر/ مكتبة الكليات الأزهرية.
(٢) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٥٨).
(٣) السابق (١/ ١٥٨)، و «تاريخ بغداد» (٢٠/ ٦٣).
(٤) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٤)، و «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٣٦٨).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: كانَ الشافِعيُّ قد جزَّأَ اللَّيلَ ثَلاثةَ أَجزاءٍ: الثُّلثُ الأَولُ: يَكتبُ، والثُّلثُ الثانِي: يُصلِّي، والثُّلثُ الثالِثُ: يَنامُ (١).
وعن حَرمَلةَ قالَ: قالَ الشافِعيُّ: ما حلَفتُ باللهِ صادِقًا ولا كاذِبًا (٢).
قالَ الحارِثُ بنُ مِسكينٍ: أَرادَ الشافِعيُّ الخُروجَ إلى مَكةَ فأسلَمَ إلى قَصارٍ بَغداديةٍ مُرتَفعةٍ، فوقَعَ الحَريقُ، فاحتَرقَ دُكانَ القَصارِ، والثِّيابَ، فجاءَ القَصارُ، ومعَه قومٌ، فتحَمَّلَ بهم على الشافِعيِّ في تَأخيرِه، ليَدفعَ إليه قِيمةَ الثِّيابِ، فقالَ له الشافِعيُّ: قد اختَلفَ أَهلُ العِلمِ في تَضمينِ القَصارِ، ولم أَتبيَّنُ أنَّ الضَّمانَ يَجبُ، فلَستُ أَضمَنُك شَيئًا (٣).
وعن الحارِثِ بنِ شُريحٍ قالَ: دخَلتُ معَ الشافِعيِّ على خادِمِ الرَّشيدِ وهو في بَيتٍ قد فُرشَ بالدِّيباجِ، فلمَّا وضَعَ الشافِعيُّ رِجلَه على العَتبةِ، أبصَرَه فرجَعَ، ولَم يَدخلْ، فقالَ له الخادمُ: ادخُلْ، فقالَ: لا يَحلُ افتِراشُ هذا، فقامَ الخادِمُ، فتبَسمَ، حتى دخَلَ بيتًا، قد فُرشَ بالأرضِ، فدخَلَ الشافِعيُّ ثم أَقبلَ عليه فقالَ: هذا حَلالٌ، وهذا حَرامٌ، وهذا أَحسَنُ من ذاك وأَكثرُ ثَمنًا فتبَسمَ الخادِمُ وسكَتَ (٤).
وعن الرَّبيعِ قالَ: قالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحَكمِ للشافِعيِّ: إن عزَمتَ أنْ تَسكُنَ البَلدَ -يَعنِي مِصر- فلَيكُنْ لك قُوتُ سَنةٍ، ومَجلسٌ من السُّلطانِ
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ١٣٥).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٣٦).
(٣) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٦٣).
(٤) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٦٥).
تتَعزَّزُ به، فقالَ له الشافِعيُّ: يا أَبا مُحمدٍ، من لم تُعزُّه التَّقوى فلا عزَّ له، ولقد وُلِدتُ بغَزةَ، ورُبِّيتُ بالحِجازِ، وما عندَنا قُوتُ لَيلةٍ، وما بِتْنا جِياعًا (١).
وقيلَ للشافِعيِّ: ما لك تُدمِنُ إِمساكَ العَصى، ولستَ بضَعيفٍ؟ قالَ: لأَذكُرَ أنِّي مُسافِرٌ، يَعني في الدُّنيا (٢).
وعن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلى قالَ: قالَ لي الشافِعيُّ: يا أَبا مُوسى، أَنِستُ بالفَقرِ، حتى صِرتُ لا أَستوحِشُ منه (٣).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: قالَ لي الشافِعيُّ: يا رَبيعُ، عليك بالزُّهدِ، فلَلزُّهدِ على الزاهدِ أَحسَنُ من الحُليِّ على المَرأةِ الناهِدِ (٤).
وعن عبدِ اللهِ بنِ مُحمدٍ البَلويِّ قالَ: جلَسْنا ذاتَ يومٍ، نتَذاكَرُ الزُّهادَ، والعُبادَ، والعُلماءَ، وما بلَغَ من زُهدِهم، وفَصاحتِهم، وعِلمِهم، فبينَما نحنُ كذلك، إذ دخَلَ علينا عُمرُ بن نُباتةَ فقالَ: فبماذا تَتحاوَرونَ؟ قُلنا: نَتذاكَرُ الزُّهادَ والعُبادَ والعُلماءَ، وما بلَغَ من فَصاحتِهم، فقالَ عُمرُ بنُ نُباتةَ: واللهِ، ما رَأيتُ رَجلًا قطُّ أَورَعَ ولا أَخشَعَ ولا أَفصَحَ ولا أَسمَحَ ولا أَعلَمَ ولا أَكرَمَ ولا أَجمَلَ ولا أَنبَلَ ولا أَفضَلَ مِنْ مُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ (٥).
(١) السابق (٢/ ١٦٨).
(٢) «تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ٥٥)، و «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٧٠).
(٣) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٦٨).
(٤) السابق (٢/ ١٧١).
(٥) السابق (٢/ ١٧٧).
٥ - سَخاؤُه وجُودُه رحمة الله عليه:
عن الحُميديِّ قالَ: قدِمَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه من صَنعاءَ إلى مَكةَ، بعَشرةِ آلافِ دِينارٍ في مِنديلٍ، فضرَبَ خِباءَه في مَوضعٍ خارِجًا من مَكةَ، فكانَ الناسُ يَأتوه، فما برَحَ حتى ذهبَتْ كلُّها (١).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: كانَ الشافِعيُّ راكِبًا حِمارًا، فمرَّ على سُوقِ الحَذائينَ، فسقَطَ سَوطُه من يدِه، فوثَبَ غُلامٌ من الحَذائينَ، فأخَذَ السَّوطُ، ومسَحَه بكُمِّه، وناوَلَه إِياه، فقالَ الشافِعيُّ لغُلامِه: ادفَعْ تلك الدَّنانيرَ التي معَك إلى هذا الفَتى، قالَ الرَّبيعُ: فلَستُ أَدرِي، كانَت تِسعةَ دَنانيرَ أو سِتةً (٢).
وعن الرَّبيعِ بنِ سَلمانَ قالَ: تَزوجْتُ، فسأَلنِي الشافِعيُّ: كم أصدَقْتَها؟ فقلتُ: ثَلاثينَ دِينارًا، قالَ: كم أَعطيتَها؟ فقلتُ: سِتةَ دَنانيرَ، فصعِدَ دارَه وأرسَلَ إليَّ بصُرَّة، فيها أربَعةٌ وعِشرونَ دِينارًا (٣).
قالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: كانَ الشافِعيُّ أَسخَى الناسِ بما يَجدُ، وكانَ يَمرُّ بِنا، فإنْ وجدَنِي وإلا قالَ: قُولوا لمُحمدٍ إذا جاءَ، يَأتي المَنزلَ، فإنِّي لا أَتغذَّى حتى يَجيءَ، فربَّما جئتُه، فإذا قعَدتُ معَه على الغِذاءِ قالَ: يا جارِيةُ، أَنضِجي لنا فالُوذجَ، فلا تَزالُ المائِدةُ بينَ يدَيه، حتى تَفرغَ منه ويَتغذَّى (٤).
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ١٣٠)، و «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٠)، و «المناقب» للرازي (١٢٨)
(٢) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢١)، و «المناقب» للرازي (١٢٨)
(٣) «حلية الأولياء» (٩/ ١٣٢)، و «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٣).
(٤) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٢)، وفي «السير» مُختصرًا (١٠/ ٣٩).
وعن الرَّبيعِ قالَ: أخَذَ رَجلٌ برِكابِ الشافِعيِّ، فقالَ: يا رَبيعُ، أعْطِه أرَبعةَ دَنانيرَ، واعذُرْني عندَه (١).
وعن الرَّبيعِ قالَ: كُنا معَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه وقد خرَجَ من مَسجدِ مِصرَ، فانقَطعَ شِسعُ نَعلِه، فأَصلَحَ له رَجلٌ شِسعَه، ودفَعَ إليه، فقالَ: يا رَبيعُ، معَك من نَفقتِنا شيءٌ؟ قلتُ: نَعمْ، قالَ: كم؟ قلتُ: سَبعةَ دَنانيرَ، قالَ: ادفَعْها إليه (٢).
قالَ مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحَكمِ: جاءَنا الشافِعيُّ إلى مَنزلِنا، قالَ: فقالَ لي: ارَكْب دابَّتي هذه، قالَ: فركِبْتُها، قالَ: فقالَ لي: أَقبَلَ بها، وأَدبَرَ، ففَعلتُ، فقالَ: إنِّي أَراكَ بها لبِقًا، فخُذْها فهي لك، قالَ: وكانَ من أَسخى الناسِ، ثم ذكَرَ قِصةَ التَّمرِ (٣).
وقِصةُ التَّمرِ رَواها أيضًا البَيهقيُّ عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكمِ قالَ: كانَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه مِنْ أَسخى الناسِ، قالَ: وكنتُ آكلُ معَ الشافِعيِّ تَمرًا مُلوَّزًا من هذه الجِرارِ، فجاءَ رَجلٌ فقعَدَ، وأكَلَ، وكانَ يَجلسُ إليه.
فلمَّا فرَغَ مِنْ الأَكلِ، قالَ الرَّجلُ للشافِعيِّ: ما تَقولُه في أَكلِ الفُجاءةِ؟ قالَ: فلوَى الشافِعيُّ عُنقَه إِليَّ وقالَ: هلَّا كانَ سُؤالُه قبلَ أن يَأكلَ (٤).
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ١٣٠)، و «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٠).
(٢) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢١).
(٣) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٣٢٣)، و «المناقب» للرازي (١٢٨).
(٤) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٣)
وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: السَّخاءُ والكَرمُ، يُغطيانِ عُيوبَ الدُّنيا والآخرَةِ، بعدَ أنْ لا يَلحقَهما بِدعةٌ (١).
وعن إِبراهيمَ بنِ مُحمدٍ قالَ: كنتُ في مَجلسِ أَحمدَ بنِ يُوسفَ النَّقليِّ، صاحِبِ أَبي عُبيدٍ القاسِمِ بنِ سَلامٍ، فجَرى ذِكرُ الشافِعيِّ وأَخلاقُه، وفِقهُه، وسَماحتُه، فقَالوا: ما شبَّهْناه إلا بأَبياتٍ أنشَدَها حَفصُ بنُ عُمرَ الأَزديُّ المَقرعيُّ لبعضِ الأَعرابِ:
إنْ زُرتَ ساحَتَه تَرجُو سَماحتَه … بَلَّتك راحَتُه بالجودِ والكَرمِ
أَخلاقُه كَرمٌ وَقولُه نَعمٌ … يَقولُها بفمِ بَحبَحت فاحْتكِم
ما ضرَّ زائِرَه يَرجُو أَنامِلَه … إنْ كانَ ذا رحِم أو غيرَ ذي رحِم
الجودُ غُرتُه والمَجدُ غايَتُه … يَقولُها بفم قد لَجَّ فِي نعمِ (٢)
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ، قالَ: دفَعَ إليَّ الشافِعيُّ دَراهمَ، لأشتَريَ له حمَلًا، وأَمرَني أنْ أَشويَ ذلك، قالَ: فنَسيتُ، واشتَريتُ سمَكتَينِ، وشَويتُهما، فأَتيتُه بهما، فنظَرَ فقالَ: يا أَبا مُحمدٍ كُلهُما، فقد اشتَهيتَهما (٣).
٦ - اتِّباعُه للسُّنةِ وذَمهُ لأَهلِ الأَهواءِ:
عن مَيمونَ بنِ مَهرانَ قالَ: قالَ لي أَحمدُ بنُ حَنبلٍ: مَا لك لا تَنظرُ في كُتبِ الشافِعيِّ؟ فما من أحدٍ وضَعَ الكُتبَ أَتبَعَ للسُّنةِ مِنْ الشافِعيِّ (٤).
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ٣٤)، و «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٧)
(٢) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦).
(٣) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٣٣٤).
(٤) «حلية الأولياء» (٩/ ١٠٠).
وعن أَبي جَعفرٍ التِّرمذيِّ قالَ: أَردتُ أنْ أَكتبَ كُتبَ الرَّأيِ فرَأيتُ النَّبيَّ ﷺ في المَنامِ فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ فأَكتبُ رَأى الشافِعيِّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: إنَّه ليسَ برَأيٍ إنَّه ردٌّ على مَنْ خالَفَ سُنتِي (١).
وعن أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: قدِمَ علينا نُعيمُ بنُ حَمادٍ، وحثَّنا على طَلبِ المُسندِ، فلمَّا قدِمَ علينا الشافِعيُّ، وضَعَنا على المَحجةِ البَيضاءِ (٢).
وقالَ الرَّبيعُ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: إذا وجَدتُم في كِتابي خِلافَ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فقُولوا بها ودَعوا ما قلتُه.
وقالَ: سمِعتُه يَقولُ، وقالَ له رَجلٌ: يا أَبا عبدِ اللهِ نَأخذُ بهذا الحَديثِ؟
فقال: متى رَويتُ عن رَسولِ الله حَديثًا صَحيحًا ولَم آخُذْ به، فأُشهِدُكم أنَّ عَقلي قد ذهَبَ (٣).
وقالَ الحُميديُّ: رَوى الشافِعيُّ يومًا حدِيثًا فقلتُ: أَتأخذُ به؟ فقالَ: رَأيتُني خرَجتُ من كَنيسةٍ، أو علَيَّ زُنارًا، حتى إِذا سمِعتُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا لا أقول به.
وقالَ الشافِعيُّ: إِذا صحَّ الحَديثُ فهو مَذهَبي.
وقالَ: إذا صحَّ الحَديثُ فاضرِبوا بقَولِي الحائِطَ (٤).
(١) السابق (٩/ ١٠١).
(٢) السابق (٩/ ١٠١).
(٣) «تاريخ الإسلام» للذهبي (٣٢١)، وفيات (٢٠١، ٢٠٢).
(٤) «تاريخ الإسلام» (٣٢١)، وفيات (٢٠١، ٢٠٢).
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: لَأنْ يَلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خَلا الشِّركَ باللهِ خيرٌ من أنْ يَلقاه بشيءٍ مِنْ الهَوى (١).
وعن أَبي ثورٍ قالَ: سمِعتُ الشافِعيُّ يَقولُ: حُكمِي في أَهلِ الكَلامِ، أنْ يُضرَبوا بالجَريدِ، ويُحملوا على الإِبلِ، ويُطافُ بهم في العَشائرِ والقَبائلِ، ويُنادَى عليهم: هذا جَزاءُ مَنْ ترَكَ الكِتابَ والسُّنةَ وأَقبلَ على الكَلامِ.
وعن أَبي ثورٍ قالَ: سمِعتُ الشافِعيُّ يَقولُ: مَنْ ارتَدى بالكَلامِ، لمْ يُفلحْ.
قالَ البَيهقيُّ: وإنَّما يَعنى -واللهُ أَعلَمُ- كَلامَ أَهلِ الأَهواءِ، الذين ترَكوا الكِتابَ والسُّنةَ، وجعَلوا مُعولَهم عُقولَهم، وأخَذوا في تَسويةِ الكِتابِ عليها، وحينَ حُملَت إليهم السُّنةُ بزِيادةِ بَيانٍ لنَقضِ أَقاويلِهم، اتَّهموا رُواتَها وأَعرَضوا عنها (٢).
فأما أَهلُ السُّنةِ، فمَذهبُهم في الأُصولِ مَبنيٌّ على الكِتابِ والسُّنةِ، وإنَّما أخَذَ مَنْ أخَذَ منهم في العَقلِ؛ إِبطالًا لمَذهبِ مَنْ زعَمَ أنَّه غيرُ مُستقِيمٍ في العَقلِ (٣).
(١) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٤٥٢).
(٢) السابق (٢/ ٤٦٢).
(٣) السابق (٢/ ٤٦٣).
٧ - فِقهُه رحمة الله عليه:
عن عُبيدِ بنِ مُحمدِ بنِ خَلفٍ البَزازِ قالَ: سُئلَ أَبو ثورٍ؟ فقيلَ له: أيُّهما أَفقَهُ: الشافِعيُّ أو مُحمدُ بنُ الحَسنِ؟ فقالَ أَبو ثورٍ: الشافِعيُّ أَفقَهُ مِنْ مُحمدٍ وأَبي يُوسفَ وأَبي حَنيفةَ وحَمادٍ وإِبراهيمَ وعَلقمةَ والأَسودِ (١).
وعن أَحمدَ بنِ يَحيى قالَ: سمِعتُ الحُميديُّ يَقولُ: سمِعتُ سَيدَ الفُقهاءِ، مُحمدَ بنَ إِدريسَ الشافِعيَّ (٢).
وعن الرَّبيعِ قالَ: سمِعتُ الحُميديَّ يَقولُ: «عن مُسلمِ بنِ خالدٍ» أنَّه قالَ للشافِعيِّ: أَفتِ يا أَبا عبدِ اللهِ؛ فقد -والله- آنَ لك أنْ تُفتيَ، وهو ابنُ خمسَ عشْرةَ سنةً (٣).
وعن حَرملةَ بنِ يَحيى قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ في رَجلٍ قالَ لامرَأتِه، وفي فِيها تَمرةٌ: إن أَكلتِيها فأنتِ طالقٌ، وإن طرَحتِاها فأنتِ طالقٌ، قالَ: تَأكلُ نِصفهَا وتَطرحُ نِصفَها. (٤)
وعن المُزنِيِّ قالَ: سُئلَ الشافِعيُّ عن نَعامةٍ ابتَلعَت جَوهرةً لرَجلٍ آخرَ؟ فقالَ: لستُ آمُره بشيءٍ، ولكنْ إنْ كانَ صاحبُ الجَوهرةِ، كيِّسًا غَدا على
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٩).
(٢) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٤).
(٣) «حلية الأولياء» (٣/ ٩٣) و «المناقب» للبيهقي (١/ ٣٣٨).
(٤) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٣٤٠).
النَّعامةِ، فذبَحَها واستَخرَجَ جَوهرتَه، ثم ضمِنَ لصاحبِ النَّعامةِ ما بينَ قِيمتِها حيةً ومَذبوحةً (١).
وعن مَعمرِ بنِ شَبيبٍ، قالَ: سمِعتُ المَأمونَ يَقولُ لمُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ: يا مُحمدُ، لأيِّ عِلةٍ خلَقَ اللهُ الذُّبابَ؟ قالَ: فأطرَقَ ثم قالَ له: مَذلةً للمُلوكِ يا أميرَ المُؤمِنينَ، قالَ: فضحِكَ المَأمونُ، وقالَ: يا مُحمدُ، رَأيتُ الذُّبابةَ قد سقَطَت على خدِّي؟ قالَ: نَعم يا أميرَ المُؤمِنينَ، ولقد سألَتْني وما عندِي جَوابٌ، فأخَذَني من ذلك الزَّمعُ، فلما رَأيتُ الذُّبابةَ قد سقَطَت بمَوضعٍ لا يَنالُه أحدٌ، انفَتحَ فيه الجَوابُ، فقالَ: للهِ دَركَ يا مُحمدُ (٢).
قالَ إِبراهيمُ بنُ أَبي طالِبٍ الحافِظُ: سأَلتُ أَبا قُدامةَ السَّرخسيُّ، عن الشافِعيِّ، وأَحمدَ، وأَبي عُبيدٍ، وابنِ راهوَيهِ، فقالَ: الشافِعيُّ أَفقَهُهم (٣).
وعن الرَّبيعِ قالَ: كنتُ يومًا عندَ الشافِعيِّ، فجاءَه رَجلٌ فقالَ: أيُّها العالِمُ، ما تَقولُ في حالفٍ حلَفَ إن كانَ في كُمِّي دَراهمُ أَكثرُ من ثَلاثةٍ، فعَبدِي حرٌّ؟ وكان في كُمِّه أرَبعةُ دَراهمَ، فقالَ: لَم يعتَقْ عبدُه، قالَ: لِم؟ قالَ: لأنَّه استَثنى من جُملةِ ما في كُمِّه دَراهمَ، والدِّرهمُ لا يَكونُ دِراهمَ فقالَ: آمَنتُ بالذي فوَّهَك هذا العِلمَ (٤).
(١) السابق (٢/ ٣٦٣، ٣٦٤).
(٢) السابق (٢/ ٣٦٣).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٤).
(٤) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٣٤٠).
٨ - بَراعَتُه في التَّصنيفِ وبَركةُ مُصنَّفاتِه:
الشافِعيُّ رحمة الله عليه أَولُ من صنَّفَ في أُصولِ الفِقهِ وأَحكامِ القُرآنِ، وقد تَسابَقَ العُلماءُ والأَكابرُ على اقتِناءِ مُصنَّفاتِه والاستِفادةِ منها، وأعظَمُ كُتبِه كِتابُه «الرسالة»؛ فهو على سُهولةِ لَفظِه، كَثيرُ المَعاني، عَظيمُ المَباني، شاهِدٌ برَجاحةِ عَقلِه، وكَمالِ بَصيرتِه، وعُذوبةِ لَفظِه.
وعن أَبي ثورٍ قالَ: كتَبَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ إلى الشافِعيِّ وهو شابٌّ: أنْ يضَعَ له كِتابًا فيه مَعاني القُرآنِ، ويَجمعُ قَبولَ الأَخبارِ فيه، وحُجةَ الإِجماعِ، والناسِخَ والمَنسوخَ من القُرآنِ والسُّنةِ، فوضَعَ له كِتابَ «الرسالة».
قالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ: ما أُصلِّي صَلاةً إلا وأَدعو للشافِعيِّ فيها (١).
وعن المُزنِيِّ قالَ: قرَأتُ كِتابَ «الرسالة» للشافِعيِّ خَمسَمائةِ مَرةٍ، ما من مَرةٍ منها إلا واستفَدتُ منها فائِدةً جَديدةً، لَم أَستفِدْها في الأُخرى (٢).
وعن مُحمدِ بنِ مُسلمِ بنِ وارةَ قالَ: قدِمتُ من مِصرَ، فأَتيتُ أَبا عبدِ اللهِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ أُسلِّمُ عليه، قالَ: كتَبتَ كُتبَ الشافِعيِّ؟ قلتُ: لا، قالَ: فرَّطتَ، ما علِمْنا المُجملَ مِنْ المُفصلِ، ولا ناسِخَ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، من مَنسوخِه، حتى جالَسْنا الشافِعيَّ، قالَ: فحمَلَني ذلك إلى أن رجَعتُ إلى مِصرَ، وكتَبتُها ثم قدِمتُ (٣).
(١) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٣٠).
(٢) السابق (٢/ ٢٣٦).
(٣) «حلية الأولياء» (٩/ ٩٧)، و «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٥).
وعن أَحمدَ بنِ مَسلمةَ النَّيسابورِيِّ قالَ: تَزوَّحَ إِسحاقُ بنُ راهَويهِ بمَروَ، بامرَأةِ رَجلٍ عندَه كُتبُ الشافِعيِّ، فتُوفِّيَ، لم يَتزوَّجْ إلا لحالِ كُتبِ الشافِعيِّ، فوضَعَ جامِعَه الكَبيرَ على كِتابِ الشافِعيِّ، ووضَعَ جامِعَه الصَّغيرَ على جامِعِ الثَّوريِّ الصَّغيرِ (١).
وقالَ أَبو بَكرٍ الصَّومعيُّ: سمِعتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: صاحِبُ حَديثٍ لا يَشبعُ من كُتبِ الشافِعيِّ (٢).
وقالَ الجاحِظُ: نظَرتُ في كُتبِ هؤلاءِ النَّبغةِ: الذين نبَغوا في العِلمِ، فلَم أرَ أَحسَنَ تَأليفًا من المَطلبيِّ، كأنَّ لِسانَه يَنظِمُ الدُّررَ.
قالَ العَلامةُ أَحمدُ شاكِر: فكُتبُه كلُّها مُثلٌ رَائعةٌ مِنْ الأدبِ العَربيِّ النَّقيِّ في الذِّروةِ العُليا مِنْ البَلاغةِ، يَكتبُ على سَجيتِه، وعلى فِطرتِه، ولا يَتكلَّفُ، ولا يَتصنَّعُ، أَفصَحُ نَثرٍ تَقرؤُه بعدَ القُرآنِ والحَديثِ، ولا يُسامِيه قائِلٌ، ولا يُدانِيه كاتِبٌ (٣).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ، قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: أُريتُ في المَنامِ كأنَّ آتٍ أَتانِي، فحمَلَ كُتبِي، وبثَّها في الهَواءِ، فتَطايرَت، فاستَعبَرتُ بعضَ المُعبِّرينَ، فقالَ: إِنْ صدَقَت رُؤياكَ، لَم يَبقَ بلدٌ مِنْ بُلدانِ الإِسلامِ إِلا ودخَلَه عِلمُك (٤).
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ١٠٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٧).
(٣) مُقدِّمة العلَّامة/ أَحمَد شاكِر، للرسالة للشافعي (١٤).
(٤) «المناقب» للبيهقي (١/ ٢٥٩).
٩ - شُيوخُه وتَلامِذتُه رحمهم الله:
شُيوخُه: قالَ الحافِظُ: رَوى عن مُسلمِ بنِ خالدٍ الزّنجيِّ، ومالِكِ بنِ أَنسٍ، وإِبراهيمَ بنِ سَعدٍ، وسَعيدِ بنِ سالِمٍ القَّداحِ، والدَّراوَرديِّ، وعبدِ الوَهابِ الثَّقفيِّ، وابنِ عُليةَ، وابنِ عُيينةَ، وأَبي ضَمرةَ، وحاتِمِ بنِ إِسماعيلَ، وإِبراهيمَ بنِ مُحمدِ بنِ أَبي يَحيى، وإِسماعيلَ بنِ جَعفرٍ، ومُحمدِ بنِ خالدٍ الجُنديِّ، وعُمرَ بنِ مُحمدِ بن عليِّ بنِ شافعٍ، وعَطافِ بنِ خالدٍ الجُنديِّ، وعُمرَ بنِ مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ شافعٍ الصِّناعيِّ، وعَطافِ بنِ خالدٍ المَخزوميِّ، وهِشامِ بنِ يُوسفَ الصَّنعانِيِّ، وجَماعةٍ (١).
تَلامِذتُه: قالَ الحافِظُ: وعنه سُليمانُ بنُ داودَ الهاشِميُّ، وأَبو بَكرٍ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ الحُميديُّ، وإِبراهيمُ بنُ المُنذرِ الحِزاميُّ، وأَبو ثورٍ إِبراهيمُ بنُ خالدٍ، وأَحمدُ بنُ حَنبلٍ، وأَبو يَعقوبَ يُوسفُ بنُ يُحيى البُويطيُّ، وحَرملةُ، وأَبو الطاهِرِ بنُ السَّرحِ، وأَبو إِبراهيمَ بنُ إِسماعيلَ بنِ يَحيى بنِ المُزنِيِّ، والرَّبيعُ بنُ سُليمانَ المُراديُّ، والرَّبيعُ بنُ سُليمانَ الجِيزيُّ، وعَمرُو بنُ سَوادٍ العامرِيُّ، والحَسنُ بنُ مُحمدِ بنِ الصَّباحِ الزَّعفرانِيُّ، وأَبو الوَليدِ موسَى بنُ أَبي الجارُودِ المَكيُّ، ويُونسُ بنُ عبدِ الأَعلَى، وأَبو يَحيى مُحمدُ بنُ سَعدِ بنِ غالِبٍ العَطارُ، وآخَرونَ (٢).
(١) «تهذيب التهذيب» (٩/ ٢٣)، وانظُرْ أَيضًا: «تهذيب الكمال» في جُملةٍ أُخرى من شُيوخِه (٢٤/ ٣٥٦، ٣٥٧).
(٢) «تهذيب التهذيب» (٩/ ٢٣، ٢٤)، وانظُرْ أَيضًا لمَزيدِ الفائِدةِ: «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٣٥٧، ٣٥٨).
١٠ - كُتبُه رحمة الله عليه:
ذكَرَ البَيهقيُّ في مَناقبِه مائةً ونَيفًا وأرَبعينَ كِتابًا في الأُصولِ والفُروعِ (١).
قالَ فُؤادُ سِزكِين ما مُلخَّصُه: تَبلُغُ كُتبُ الشافِعيِّ حَوالَي (١١٣ - ١٤٠) ذكَرَ منها ابنُ النَّديمِ في «الفهرست» (١٠٩) كتابًا، كما أنَّ هناكَ قائِمةً أُخرَى في كِتابِ «تَوالي التَّأسيس» لابنِ حَجرٍ (٧٨) وتَرجِعُ هذه القائِمةُ إلى البَيهقيِّ.
ولقد قسَّمَ تَلاميذُه مُؤلفاتِه إلى قَديمةٍ وحَديثةٍ، فالقَديمةُ هي التي
والثانِيةُ: عن مُحمدِ بنِ إِسحاقَ بنِ راهَويهِ قالَ: سمِعتُ أَبي، وسُئلَ: كيف وضَعَ الشافِعيُّ هذه الكُتبَ كلَّها، ولم يَكنْ بكَبيرِ السنِّ؟ فقالَ: عجَّلَ اللهُ له عَقلَه لقلَّةِ عُمرِه (١).
١١ - دُررٌ مِنْ أَقوالِه، ونُتفٌ مِنْ أَشعارِه:
قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه:
* طَلبُ العِلمِ أَفضَلُ من صَلاةِ النَّافلةِ.
* زِينةُ العِلمِ الوَرعُ والحِلمُ.
* لا عَيبَ بالعُلماءِ أَقبَحَ مِنْ رَغبتِهم فيما زهَّدَهم اللهُ فيه، وزُهدِهم فيما رغَّبَهم فيه.
* ليسَ العِلمُ ما حُفظَ، العِلمُ ما نفَعَ.
* مَنْ غلبَتْه الشَّهوةُ للدُّنيا، لزِمَتْه العُبوديةُ لأَهلِها.
* ومَن رضِيَ بالقُنوعِ، زالَ عنه الخُضوعُ.
* ولو علِمتُ أنَّ شُربَ الماءِ الباردِ يُنقِصُ مُروءَتي لَمَا شرِبتُه، ولو كنتُ اليومَ ممَّن يَقولُ الشِّعرَ لرَثيتُ المُروءةَ.
* للمُروءةِ أرَبعةُ أَركانٍ: حُسنُ الخُلقِ، والسَّخاءُ، والتَّواضعُ، والنُّسكُ.
* المُروءةُ: عِفةُ الجَوارحِ عمَّا لا يَعنِيها.
* ليسَ بأَخيكَ مَنْ احتَجتَ إلى مُدارتِه.
(١) «المناقب» للبيهقي (١/ ٢٥٨).
* مَنْ صدَقَ في أُخوةِ أخِيه قبِلَ عِللَه، وسدَّ خَللَه، وغفَرَ زَللَه.
* ليسَ سُرورٌ يَعدِلُ صُحبةَ الإِخوانِ، ولا غمٌّ يَعدِلُ فِراقَهم.
* الشَّفاعاتُ زَكاةُ المُروءاتِ.
* مَنْ صدَقَ اللهَ نَجا، ومَنْ أَشفَقَ على دِينِه سلِمَ مِنْ الرَّدى، ومَن زهِدَ في الدُّنيا قرَّت عَيناهُ بما يَراه مِنْ ثَوابِ اللهِ غدًا.
* وقالَ لأخٍ له في اللهِ تَعالى يَعظُه ويُخوِّفُه: يا أَخي، إنَّ الدُّنيا دَحضُ مَزلةٍ، ودَارُ مَذلةٍ! عُمرانُها إلى الخَرابِ صائِرٌ، وساكِنُها للقُبورِ زائرٌ، شَملُها على الفُرقةِ مَوقوفٌ، وغِناها إلى الفَقرِ مَصروفٌ، والإِكثارُ فيها إِعسارٌ، والإِعسارُ فيها يَسارٌ، فافزَعْ إلى الله وارْضَ برِزقِ اللهِ تَعالى، ولا تَستلَفْ من دارِ بقائِك في دارِ فنائِك، فإنَّ عيشَك فَيءٌ زائِلٌ، وجِدارٌ مائِلٌ، أَكثِرْ مِنْ عَملِك، وقَصِّرْ في أَملِك (١).
وقالَ رحمة الله عليه: الشِّعرُ كَلامٌ حَسنُه كحُسنِ الكَلامِ، وقَبيحُه كقَبيحِ الكَلامِ، غيرَ أنَّه كَلامٌ باقٍ سائِرٌ، فذلك فَضلُه على سائِرِ الكَلامِ (٢).
دخَلَ رَجلٌ على الشافِعيِّ، وهو مُتسَلقٍ على ظَهرِه، فقالَ: إنَّ أَصحابَ أَبي حَنيفةَ الفُصحاء، قالَ: فاستَوى الشافِعيُّ جالِسًا، وأنشَأَ يَقولُ:
(١) باختصار من «تهذيب الأسماء» (١/ ٥٣ إلى ٥٧) وهي في «مناقب البيهقي» كذلك (٢/ ١٦٨ إلى ٢١٤).
(٢) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٦٢).
فلَولا الشِّعرُ بالعُلماءِ يُزرِي … لكُنتُ اليَومَ أَشعَرَ مِنْ لَبيدِ
وأَشجَعَ في الوَغى مِنْ كلِّ لَيثٍ … وآلِ مُهلَّبٍ وبَني يَزيدِ
ولَولا خشيةُ الرَّحمنِ ربِّي … حَسبتُ الناسَ كلَّهمُ عَبيدِي (١)
ومِن أَشعارِه رحمة الله عليه:
لا تَأسَ فِي الدُّنيا على فائِتٍ … وعندَك الإِسلامُ والعافِيَهْ
إنْ فاتَ أَمرٌ كنتَ تَسعَى لهُ … ففيهِما مِنْ فائِتٍ كافِيَهْ
ومنها:
أمَتُّ مَطامِعي وأَرحْتُ نَفسِي … فإنَّ النَّفسَ ما طمِعَت تَهونُ
وأَحيَيتُ القُنوعَ وكانَ مَيتًا … ففي إِحيائِهِ عَرضٌ مَصونُ (٢)
ومنها:
يا راكِبًا قِفْ بالمُحصّبِ مِنْ منًى … واهتِفْ بقاعِد خَيفِها والناهِضِ
سَحرًا إذا فاضَ الحَجيجُ إلى منًى … فَيضًا كمُلتطِمِ الفُراتِ الغائِضِ
إنْ كانَ رَفضًا حبُ آلِ مُحمدٍ … فلَيشَهدِ الثَّقلانِ أنِّي رافِضي
وإنَّما قالَ هذه الأَبياتَ، حينَ نسَبَه الخَوارجُ إلى الرَّفضِ حَسدًا وبَغيًا.
وقالَ البَيهقيُّ: وقد رَوينا عن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلَى: أنَّ الشافِعيَّ كانَ إذا ذكَرَ الرَّافضةَ، عابَهم أَشدَّ العَيبَ، ويَقولُ: شرُّ عِصابةٍ (٣).
(١) السابق (٢/ ٦٦).
(٢) السابق (٢/ ٧٦).
(٣) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٧١).
وعن الرَّبيعِ قالَ: لما دخَلَ الشافِعيُّ مَصرَ، أَولَ قُدومِه إليها، جَفاه الناسُ، فلَم يَجلِسوا إليه، فقالَ له بعضُ من قدِمَ معَه: لو قلتَ شيئًا، يَجتمِعُ إِليك به الناسُ، قالَ: إِليك عني، وقال:
أأَنثرُ دُرًّا بينَ سارِحةِ النَّعمْ … وأَنظِمُ مَنثورًا لرَاعيةِ الغَنمْ؟
لعَمري لِئن ضُيعَّتُ في شرِّ بَلدةٍ … فلَستُ مُضيعاً فيهمُ غُررَ الكلِمْ
لَئنْ سهَّلَ اللَّهُ العَزيزُ بلُطفِه … وصادَفتُ أَهلًا للعُلومِ وللحِكمْ
بثَثتُ مُفيدًا واستفَدتُ وِدادَهم … وإلا فمَخزونٌ لديَّ ومُكتتَمْ
ومَن منَحَ الجُهالَ عِلماً أضَاعَه … ومَن منَعَ المُستَوجِبينَ فقَد ظلَمْ (١)
ومِن أَشعارِه:
النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحَياةُ بِهمْ … والسَّعدُ لا شكَّ تاراتٌ وتاراتٌ
وأَفضَلُ النَّاسِ ما بينَ الوَرى رَجلٌ … تُقضَى على يدِه للنَّاسِ حاجاتُ
لا تَمنَعنَّ يدَ المَعروفِ عَنْ أَحدٍ … ما دُمتَ مُقتدِرًا فالسَّعدُ تاراتُ
واشكُرْ فَضائِلَ صُنعِ اللهِ إذْ جُعلَتْ … إلَيكَ لا لكَ عندَ النَّاسِ حاجاتُ
قَدْ ماتَ قَومٌ وما ماتَتْ مَكارمُهمْ … وعاشَ قَومٌ وهُمْ في النَّاسِ أَمواتُ
ومِن أَشعارِه:
إنَّ الطَّبيبَ بطِبِّه ودَوائهِ … لا يَستطيعُ دفاعَ مَكروهٍ أَتى
(١) المنهج الأحمد (٦٨، ٦٩).
ما للطَّبيبِ يَموتُ بالدَّاءِ الذي … قد كانَ يُبْرئُ مثلَه فيما مَضى
هلَكَ المُداوَى والمُداوِي والذي … جلَبَ الدَّواءَ وباعَه ومَن اشتَرى (١)
١٢ - وَصيُّتُه رحمة الله عليه:
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: قُرئَ على مُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه وأنا حاضرُ هذا الكِتابِ.
١٣ - مَرضُه ووَفاتُه رحمة الله عليه:
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: أَقامَ الشافِعيُّ ههُنا أرَبعَ سَنواتِ، فأَملَى أَلفًا وخَمسَمائةِ وَرقةٍ.
وأخرَجَ كِتابَ «الأم» أَلفَي وَرقةٍ.
وكِتابَ «السنة» وأَشياءَ كَثيرةً كلُّها في أرَبعِ سِنينَ.
وكانَ عَليلًا، شَديدَ العلَّةِ، فكانَ ربَّما يَخرجُ الدَّمُ منه، وهو راكِبٌ، حتى تَمتلِئُ سَراويلُه ومَركَبُه وخُفُّه (١).
وعن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلى قالَ: ما رَأيتُ أحدًا، لقِيَ من السُّقمِ، ما لقِيَ الشافِعيُّ، فدخَلتُ عليه يومًا، فقالَ لي: يا أَبا موسَى، اقرَأْ عليَّ ما بعدَ العِشرينَ والمِائةِ مِنْ آلِ عِمرانَ، وأخِفَّ القِراءةَ، ولا تُثقِلْ، فقَرأتُ عليه، فلمَّا أرَدتُ القِيامَ قالَ: لا تَغفَلْ عنِّي؛ فإنِّي مَكروبٌ، قالَ يُونسُ: عنَى الشافِعيُّ رضي الله عنه بقِراءتِي بعدَ العِشرينَ والمائةِ ما لقِيَ النَّبيُّ ﷺ وأَصحابُه أو نحوُه (٢).
وعن الرَّبيعِ قالَ: دخَلَ المُزنِيُّ على الشافِعيِّ، في مَرضِه الذي ماتَ فيه، فقالَ له كيف أَصبَحتَ يا أُستاذُ؟ فقالَ: أَصبَحتُ من الدُّنيا راحِلًا، ولإِخوانِي مُفارقًا، ولكَأسِ المَنيةِ شارِبًا، وعلى اللهِ وارِدًا، ولسُوءِ أَعمالِي مُلاقيًا، ثم رَمى بطَرفِه نحوَ السَّماءِ، واستَعبَرَ، ثم أنشَأَ يَقولُ:
(١) السابق (٢/ ٢٩١).
(٢) السابق (٢/ ٢٩٣).
إِليكَ إلهَ الخَلقِ أَرفَعُ رَغبتِي … وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجُودِ مُجرِمًا
ولمَّا قَسى قَلبِي وضاقَتْ مَذاهبِي … جعَلتُ الرَّجا منِّي لعَفوِكَ سُلمَا
تَعاظَمنِي ذَنبي فلَّما قَرنتُه … بعَفوكَ ربِّي كانَ عَفوُك أَعظمَا
فما زِلتَ ذا عَفوٍ عن الذَّنبِ لَم تَزلْ … تَجودُ وتَعفُو مِنةً وتَكرُّمَا
فلَولاكَ لم يَصمُدْ لإِبليسَ عابِدٌ … فكيفَ وقد أَغوَى صَفيَّك آدمَا
فإنْ تَعفُ عنِّي تَعفُ عن مُتمرِّدٍ … ظَلومٍ غَشومٍ لا يَزايلُ مَأثمًا
وإن تَنتقِمْ مني فلَستُ بآيسٍ … ولو أَدخَلوا نَفسِي بجُرمٍ جَهنَّما
فجُرمِي عَظِيمٌ مِنْ قَديمٍ وحَادثٍ … وعَفوُك يا ذا العَفوِ أَعلَى وأَجسَمَا (١)
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: لمَّا كانَ معَ المَغربِ، لَيلةَ ماتَ الشافِعيُّ، قالَ له ابنُ عمِّه ابنُ يَعقوبَ: نَنزِلُ نُصلِّي؟ قالَ: تَجلِسونَ تَنتظِرونَ خُروجَ نَفسِي؟ فنزَلْنا ثم صعِدْنا فقُلنا: صلَّيْنا أصلَحَك اللهُ، قالَ: نَعمْ فاستَسقَى -وكانَ شِتاءً- فقالَ له ابنُ عمِّه: أَمزُجُه بالماءِ المُسخَّنِ؟ فقالَ له الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لا، بلْ برُبِّ السَّفرجَلِ، وتُوفِّي معَ العِشاءِ الآخِرةِ رَحمةُ اللهِ عليه (٢).
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: تُوفِّي الشافِعيُّ رحمة الله عليه و رضي الله عنه لَيلةَ الجمُعةِ بعدَ المَغربِ وأنا عندَه، ودُفنَ يومَ الجمُعةِ بعدَ العَصرِ آخرَ يومٍ مِنْ رَجبٍ،
(١) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٢٩٣، ٢٩٤).
(٢) السابق (٢/ ٢٩٦).
وانصرَفْنا مِنْ جِنازتِه، ورأَيْنا هِلالَ شَعبانَ، سَنةَ أرَبعٍ ومِائتَينِ (١) وهو ابنُ أَربعٍ وخَمسينَ سَنةً.
وعن أَبي زَكريَّا -يَعني الأَعرَج- قالَ: سمِعتُ الرَّبيعَ يَقولُ: رَأيتُ في المَنامِ، أنَّ آدمَ ماتَ ﷺ ويُريدونَ أنْ يَخرُجوا بجِنازتِه، فلمَّا أَصبَحتُ، سأَلتُ بعضَ أَهلِ العِلمِ، عن ذلك فقالَ: هذا مَوتُ أَعلمِ أَهلِ الأَرضِ؛ إنَّ اللهَ ﷿ علَّمَ آدمَ الأَسماءَ كلَّها، فما كانَ إِلا يَسيرًا حتى ماتَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه (٢).
وغرَبَت بذلك شَمسُ حَياتِه الدُّنيويةِ، ولكنَّ مَحبةَ هذا الإِمامِ وبَركةَ عِلمِه ومُصنَّفاتِه تَملأُ طِباقَ الأَرضِ، فما مِنْ صاحِبِ مَحبرةٍ، إلا وللشافِعيِّ عليه مِنةٌ، فنَسألُ اللهَ أنْ يَغفرَ لنا وله، وأنْ يَمنَّ علَينا وعليه بأَعلَى الدَّرجاتِ، واللهُ ﷿ يَغفِرُ لنا تَقصيرَنا في تَرجمتِه، ويُمتِّعُنا في الآخرَةِ بصُحبتِه، ويُدخِلُنا وإِياهُ في فَسيحِ جَناتِه.
وهذا أَوانُ تَركِ القَلمِ في تَرجمةِ هذا العلَمِ، والقُلوبُ بعدُ مُشتاقةٌ إلى صُحبتِه، والتَّمتعِ بكَمالِ عَقلِه، ووُفور فِطنتِه، وبَركةِ كَلماتِه، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على المَبعوثِ رَحمةً للعالَمينَ، وآل بَيتِه الطِّيبينَ، وأَصحابِه الغُرِّ المَيامينِ، وآخرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.
(١) السابق (٢/ ٢٩٨).
(٢) «المناقب» للبيهقي (٢/ ٦٢).
المصدرُ: «موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة» للمؤلفِ ياسر بن أحمد بن بدر النجار.