«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٤٩

الحديث رقم ١١٤٩ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٤٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ، يَعْنِي تَحْرِيكَ.

بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ

إسناد حديث البخاري رقم ١١٤٩

١١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٤٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ: يَعْنِي: تَحْرِيكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَعْدَ الْوُضُوءِ. وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَالشِّقُّ الْأَوَّلُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَبُو زُرْعَةَ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لِبِلَالٍ)؛ أَيِ: ابْنِ رَبَاحٍ الْمُؤَذِّنِ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ مَا رَآهُ وَيَعْبُرُ مَا رَآهُ أَصْحَابُهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (بِأَرْجَى عَمَلٍ) بِلَفْظِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ الْمَبْنِيِّ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَإِضَافَةُ الْعَمَلِ إِلَى الرَّجَاءِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الدَّاعِي إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْإِسْلَامِ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: مَنْفَعَةً عِنْدَكَ.

قَوْلُهُ: (أَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَمِنْ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَهَا صِلَةٌ لِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ: أَنِّي.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي سَمِعْتُ) زَادَ مُسْلِمٌ: اللَّيْلَةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ.

قَوْلُهُ: (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَضَبَطَهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِالْإِعْجَامِ وَالْفَاءُ مُثَقَّلَةٌ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: دَفَّ الطَّائِرُ إِذَا حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: الدَّفُّ الْحَرَكَةُ الْخَفِيفَةُ وَالسَّيْرُ اللَّيِّنُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: خَشْفَ بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: الْخَشْفُ الْحَرَكَةُ الْخَفِيفَةُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: سَمِعْتُ خَشْفَةً. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا: خَشْخَشَةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ مُكَرَّرَتَيْنِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (طَهُورًا) زَادَ مُسْلِمٌ تَامًّا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِطَرْدِ النَّوْمِ مَثَلًا.

قَوْلُهُ: (فِي سَاعَةٍ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بِتَنْوِينِ سَاعَةٍ وَخَفْضِ لَيْلٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا صَلَّيْتُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لِرَبِّي.

قَوْلُهُ: (مَا كُتِبَ لِي) أَيْ قُدِّرَ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا اعْتَقَدَ بِلَالٌ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنَ النَّبِيِّ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَهْرِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْ إِرْجَائِهَا: الْأَعْمَالُ الْمُتَطَوَّعُ بِهَا، وَإِلَّا فَالْمَفْرُوضَةُ أَفْضَلُ قَطْعًا. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي تَوْقِيتِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا تَوَصَّلَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ عَقِبَ الْوُضُوءِ لِئَلَّا يَبْقَى الْوُضُوءُ خَالِيًا عَنْ مَقْصُودِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ الْمُجَازَاةَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ. وَفِيهِ سُؤَالُ الصَّالِحِينَ عَمَّا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَقْتَدِيَ بِهَا غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا سُؤَالُ الشَّيْخِ عَنْ عَمَلِ تِلْمِيذِهِ لِيَحُضَّهُ عَلَيْهِ، وَيُرَغِّبَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ حَسَنًا، وَإِلَّا فَيَنْهَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ

هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: فِي كُلِّ سَاعَةٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِعُمُومِهِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِعُمُومِ النَّهْيِ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ، فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَلِيلًا لِيَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الطُّهُورَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لِتَقَعَ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، لَكِنْ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: مَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِهِ: مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْقِبُ الْحَدَثَ بِالْوُضُوءِ، وَالْوُضُوءُ بِالصَّلَاةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّمَاعَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ فِي النَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَقِظَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. وَأَمَّا بِلَالٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ دَخَلَهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لِلسَّمَاعِ، وَيَكُونُ الدَّفُّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَارِجًا عَنْهَا. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ مُشْعِرٌ بِإِثْبَاتِ فَضِيلَةِ بِلَالٍ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ السَّبَبَ الَّذِي بَلَغَهُ إِلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مُلَازَمَةِ التَّطَهُّرِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الْفَضِيلَةُ بِأَنْ يَكُونَ رُئِيَ دَاخِلَ الْجَنَّةِ لَا خَارِجًا عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ: يَا بِلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ رَآهُ دَاخِلَ الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقِيلَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقِيلَ: هَذَا لِعُمَرَ. الْحَدِيثَ، وَبَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقِيلَ: هَذَا لِعُمَرَ. الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ، وَثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ بِذَلِكَ لِبِلَالٍ؛ لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ النَّبِيُّ لَهُ بِذَلِكَ. وَمَشْيُهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الْيَقِظَةِ، فَاتَّفَقَ مِثْلُهُ فِي الْمَنَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ بِلَالٍ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّابِعِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى بَقَاءِ بِلَالٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى قُرْبِ مَنْزِلَتِهِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِبِلَالٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الطَّهَارَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْمُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يَبِيتَ الْمَرْءُ طَاهِرًا، وَمَنْ بَاتَ طَاهِرًا عَرَجَتْ رُوحُهُ فَسَجَدَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْعَرْشُ سَقْفُ الْجَنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَزَادَ بُرَيْدَةُ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ بِهَذَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : لَا يُدْخِلُ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَجْوِبَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَنَّ أَصْلَ الدُّخُولِ إِنَّمَا يَقَعُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَاقْتِسَامِ الدَّرَجَاتِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ، فَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي هَذَا (١). وَفِيهِ: أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَكَانَ الْمِعْرَاجُ فِي الْيَقِظَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، ظَاهِرُهُمَا التَّنَاقُضُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّفْيِ إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ يُخَصُّ فِي الدُّنْيَا بِمَنْ خَرَجَ عَنْ عَالَمِ الدُّنْيَا، وَدَخَلَ فِي عَالَمَ الْمَلَكُوتِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا أَجَابَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ عَنِ اسْتِعْمَالِ طَسْتِ الذَّهَبِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السُّورَةِ ثَلَاثُونَ) زاد الأَصيليُّ: «آيةً» (أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً) شكٌّ من الرَّاوي (قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ).

فيه الرَّدُّ على من اشترط على من افتتح النَّافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيٌّ عن أشهب وبعض الحنفيَّة، وحديث مسلم الذي احتجُّوا به لا يلزم منه منع (١) ما رواه عروة عنها؛ فإنَّه كان يفعل كلًّا من ذلك بحسب النَّشاط.

ورواته ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ.

(١٧) (باب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بضمِّ الطَّاء، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وفضل الصَّلاة عند الطُّهور باللَّيل والنَّهار» وهي المناسبة لحديث الباب، وفي بعض النُّسخ وهي رواية أبي الوقت (٢): «بعد الوضوء» بدل قوله: «عند الطُّهور».

١١٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبةً إلى جدِّه، وإلَّا فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بالمهملة المفتوحة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، يحيى بن سعيدٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِبِلَالٍ) مؤذِّنه (عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ) في الوقت الَّذي كان يقصُّ فيه رؤياه، ويعبِّرُ ما رآه غيره من أصحابه: (يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ

عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ) «أرجى» (١): على وزن أفعل التَّفضيل المبنيِّ من المفعول، وهو سماعيٌّ، مثل: أَشْغَل وأَعْذَر، أي: أكثر مشغوليَّةً ومعذوريَّةً، فالعمل ليس براجٍ للثَّواب، وإنَّما هو مرجوُّ الثَّواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنَّه السَّبب الدَّاعي إليه، والمعنى: حدِّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (فَإِنِّي سَمِعْتُ) أي: اللَّيلة، كما في «مسلمٍ» في «النَّوم» لأنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة وإن كان النَّبيُّ يدخلها يقظةً كما وقع له (٢) في المعراج، إلَّا أنَّ بلالًا لم يدخل، وقال التُّوربشتيُّ: هذا شيءٌ كوشف به من عالم الغيب في نومه أو يقظته، ونرى ذلك -والله أعلم- عبارةً عن مسارعة بلالٍ إلى العمل الموجِب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه، وذلك من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؟ أي: تعمل قبل ورود أمري إليك؟ (٣). انتهى. لكنَّه لمَّا كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله أقرَّه واستحمده عليه (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدَّال المهملة والفاء المشدَّدة، أي: صوت مشيك فيهما (بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ) ظرفٌ للسَّماع (قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي) من (أَنِّي) بفتح الهمزة، و «من» المقدَّرة قبلها صلةٌ لأفعل التَّفضيل، وثبتت في رواية مسلمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنْ» بنون خفيفةٍ بدل «أنِّي» (لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا) زاد مسلمٌ: «تامًّا» والظَّاهر أنَّه لا مفهوم له، أي: لم (٤) أتوضَّأ وضوءًا (فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بغير تنوين (٥) «ساعة» على الإضافة (٦)، كما في بعض الأصول المقابَل على «اليونينيَّة»، ورأيته بها كذلك، وفي بعضها: «ساعةٍ» بالتَّنوين وجرِّ «ليلٍ» على البدل، وهو الَّذي ضبطه به الحافظ ابن حجر والعينيُّ، ولم يتعرَّض لضبطه البرماويُّ كالكِرمانيِّ، ونكَّر «ساعة» لإفادة العموم، فتجوز هذه الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وعورض بأنَّ الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وأجيب بأنَّه ليس فيه ما يقتضي الفوريَّة، فيُحمل على تأخير الصَّلاة قليلًا ليخرج وقت الكراهة،

ورُدَّ (١) بأنَّه في حديث بُريدة عند التِّرمذيِّ وابن خزيمة في نحو هذه القصَّة: «ما أصابني حدثٌ قطُّ إلَّا توضَّأت عندها»، ولأحمد من حديثه: «إلَّا توضَّأت وصلَّيت ركعتين» فدلَّ على أنَّه كان يُعقب الحدث بالوضوء والوضوء، بالصَّلاة في أيِّ وقتٍ كان (٢) (إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيليُّ «لرَبِّي» (بِذَلِكَ الطُّهُورِ) بضمِّ الطَّاء (مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ) أي (٣): ما قُدِّر عليَّ وهو (٤) أعمُّ من النَّوافل والفرائض، ولأبي ذَرٍّ: «ما كُتِب إليَّ» بتشديد الياء، و «كُتِبَ» على صيغة المجهول، والجملة في موضع نصبٍ، و «أن أصلِّي» في موضع رفعٍ. قال ابن التِّين: إنَّما اعتقد بلال ذلك؛ لأنَّه علم من النَّبيِّ أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال، وأنَّ عمل السِّرِّ أفضل من عمل الجهر، قال في «الفتح»: والذي يظهر: أنَّ المراد بالأعمال الَّتي سأله عن أرجاها: الأعمال المتطوَّع بها، وإلَّا فالمفروض أفضل قطعًا. انتهى. والحكمة في فضل الصَّلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما: أنَّ الصَّلاة عقب الطُّهور أقرب إلى اليقين منها إذا تباعدت؛ لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلَّف، ثانيهما: ظهور أثر الطُّهور باستعماله في استباحة الصَّلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكِّدٌ لها ومحقِّقٌ، وتقدُّمُ بلال بين يدي الرَّسول في الجنَّة على عادته في اليقظة لا يستدعي أفضليته على العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، بل هو سَبْقُ خدمةٍ كما يسبق العبد سيِّده. وفيه إشارةٌ إلى (٥) بقائه على ما هو عليه في حال حياته واستمراره على قُرب منزلته، وذلك منقبةٌ عظيمةٌ لبلالٍ، والظَّاهر: أنَّ هذا (٦) الثَّواب وقع بذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين ما في حديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» لأنَّ أصل الدُّخول إنَّما يقع برحمة الله تعالى، واقتسام المنازل بحسب الأعمال.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ: يَعْنِي: تَحْرِيكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَعْدَ الْوُضُوءِ. وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَالشِّقُّ الْأَوَّلُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَبُو زُرْعَةَ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لِبِلَالٍ)؛ أَيِ: ابْنِ رَبَاحٍ الْمُؤَذِّنِ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ مَا رَآهُ وَيَعْبُرُ مَا رَآهُ أَصْحَابُهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (بِأَرْجَى عَمَلٍ) بِلَفْظِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ الْمَبْنِيِّ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَإِضَافَةُ الْعَمَلِ إِلَى الرَّجَاءِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الدَّاعِي إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْإِسْلَامِ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: مَنْفَعَةً عِنْدَكَ.

قَوْلُهُ: (أَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَمِنْ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَهَا صِلَةٌ لِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ: أَنِّي.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي سَمِعْتُ) زَادَ مُسْلِمٌ: اللَّيْلَةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ.

قَوْلُهُ: (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَضَبَطَهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِالْإِعْجَامِ وَالْفَاءُ مُثَقَّلَةٌ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: دَفَّ الطَّائِرُ إِذَا حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: الدَّفُّ الْحَرَكَةُ الْخَفِيفَةُ وَالسَّيْرُ اللَّيِّنُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: خَشْفَ بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: الْخَشْفُ الْحَرَكَةُ الْخَفِيفَةُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: سَمِعْتُ خَشْفَةً. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا: خَشْخَشَةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ مُكَرَّرَتَيْنِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (طَهُورًا) زَادَ مُسْلِمٌ تَامًّا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِطَرْدِ النَّوْمِ مَثَلًا.

قَوْلُهُ: (فِي سَاعَةٍ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بِتَنْوِينِ سَاعَةٍ وَخَفْضِ لَيْلٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا صَلَّيْتُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لِرَبِّي.

قَوْلُهُ: (مَا كُتِبَ لِي) أَيْ قُدِّرَ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا اعْتَقَدَ بِلَالٌ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنَ النَّبِيِّ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَهْرِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْ إِرْجَائِهَا: الْأَعْمَالُ الْمُتَطَوَّعُ بِهَا، وَإِلَّا فَالْمَفْرُوضَةُ أَفْضَلُ قَطْعًا. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي تَوْقِيتِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا تَوَصَّلَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ عَقِبَ الْوُضُوءِ لِئَلَّا يَبْقَى الْوُضُوءُ خَالِيًا عَنْ مَقْصُودِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ الْمُجَازَاةَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ. وَفِيهِ سُؤَالُ الصَّالِحِينَ عَمَّا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَقْتَدِيَ بِهَا غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا سُؤَالُ الشَّيْخِ عَنْ عَمَلِ تِلْمِيذِهِ لِيَحُضَّهُ عَلَيْهِ، وَيُرَغِّبَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ حَسَنًا، وَإِلَّا فَيَنْهَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ

هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: فِي كُلِّ سَاعَةٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِعُمُومِهِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِعُمُومِ النَّهْيِ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ، فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَلِيلًا لِيَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الطُّهُورَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لِتَقَعَ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، لَكِنْ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: مَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِهِ: مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْقِبُ الْحَدَثَ بِالْوُضُوءِ، وَالْوُضُوءُ بِالصَّلَاةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّمَاعَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ فِي النَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَقِظَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. وَأَمَّا بِلَالٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ دَخَلَهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لِلسَّمَاعِ، وَيَكُونُ الدَّفُّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَارِجًا عَنْهَا. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ مُشْعِرٌ بِإِثْبَاتِ فَضِيلَةِ بِلَالٍ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ السَّبَبَ الَّذِي بَلَغَهُ إِلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مُلَازَمَةِ التَّطَهُّرِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الْفَضِيلَةُ بِأَنْ يَكُونَ رُئِيَ دَاخِلَ الْجَنَّةِ لَا خَارِجًا عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ: يَا بِلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ رَآهُ دَاخِلَ الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقِيلَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقِيلَ: هَذَا لِعُمَرَ. الْحَدِيثَ، وَبَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقِيلَ: هَذَا لِعُمَرَ. الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ، وَثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ بِذَلِكَ لِبِلَالٍ؛ لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ النَّبِيُّ لَهُ بِذَلِكَ. وَمَشْيُهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الْيَقِظَةِ، فَاتَّفَقَ مِثْلُهُ فِي الْمَنَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ بِلَالٍ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّابِعِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى بَقَاءِ بِلَالٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى قُرْبِ مَنْزِلَتِهِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِبِلَالٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الطَّهَارَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْمُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يَبِيتَ الْمَرْءُ طَاهِرًا، وَمَنْ بَاتَ طَاهِرًا عَرَجَتْ رُوحُهُ فَسَجَدَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْعَرْشُ سَقْفُ الْجَنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَزَادَ بُرَيْدَةُ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ بِهَذَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : لَا يُدْخِلُ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَجْوِبَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَنَّ أَصْلَ الدُّخُولِ إِنَّمَا يَقَعُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَاقْتِسَامِ الدَّرَجَاتِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ، فَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي هَذَا (١). وَفِيهِ: أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَكَانَ الْمِعْرَاجُ فِي الْيَقِظَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، ظَاهِرُهُمَا التَّنَاقُضُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّفْيِ إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ يُخَصُّ فِي الدُّنْيَا بِمَنْ خَرَجَ عَنْ عَالَمِ الدُّنْيَا، وَدَخَلَ فِي عَالَمَ الْمَلَكُوتِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا أَجَابَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ عَنِ اسْتِعْمَالِ طَسْتِ الذَّهَبِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السُّورَةِ ثَلَاثُونَ) زاد الأَصيليُّ: «آيةً» (أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً) شكٌّ من الرَّاوي (قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ).

فيه الرَّدُّ على من اشترط على من افتتح النَّافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيٌّ عن أشهب وبعض الحنفيَّة، وحديث مسلم الذي احتجُّوا به لا يلزم منه منع (١) ما رواه عروة عنها؛ فإنَّه كان يفعل كلًّا من ذلك بحسب النَّشاط.

ورواته ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ.

(١٧) (باب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بضمِّ الطَّاء، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وفضل الصَّلاة عند الطُّهور باللَّيل والنَّهار» وهي المناسبة لحديث الباب، وفي بعض النُّسخ وهي رواية أبي الوقت (٢): «بعد الوضوء» بدل قوله: «عند الطُّهور».

١١٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبةً إلى جدِّه، وإلَّا فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بالمهملة المفتوحة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، يحيى بن سعيدٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِبِلَالٍ) مؤذِّنه (عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ) في الوقت الَّذي كان يقصُّ فيه رؤياه، ويعبِّرُ ما رآه غيره من أصحابه: (يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ

عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ) «أرجى» (١): على وزن أفعل التَّفضيل المبنيِّ من المفعول، وهو سماعيٌّ، مثل: أَشْغَل وأَعْذَر، أي: أكثر مشغوليَّةً ومعذوريَّةً، فالعمل ليس براجٍ للثَّواب، وإنَّما هو مرجوُّ الثَّواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنَّه السَّبب الدَّاعي إليه، والمعنى: حدِّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (فَإِنِّي سَمِعْتُ) أي: اللَّيلة، كما في «مسلمٍ» في «النَّوم» لأنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة وإن كان النَّبيُّ يدخلها يقظةً كما وقع له (٢) في المعراج، إلَّا أنَّ بلالًا لم يدخل، وقال التُّوربشتيُّ: هذا شيءٌ كوشف به من عالم الغيب في نومه أو يقظته، ونرى ذلك -والله أعلم- عبارةً عن مسارعة بلالٍ إلى العمل الموجِب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه، وذلك من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؟ أي: تعمل قبل ورود أمري إليك؟ (٣). انتهى. لكنَّه لمَّا كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله أقرَّه واستحمده عليه (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدَّال المهملة والفاء المشدَّدة، أي: صوت مشيك فيهما (بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ) ظرفٌ للسَّماع (قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي) من (أَنِّي) بفتح الهمزة، و «من» المقدَّرة قبلها صلةٌ لأفعل التَّفضيل، وثبتت في رواية مسلمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنْ» بنون خفيفةٍ بدل «أنِّي» (لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا) زاد مسلمٌ: «تامًّا» والظَّاهر أنَّه لا مفهوم له، أي: لم (٤) أتوضَّأ وضوءًا (فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بغير تنوين (٥) «ساعة» على الإضافة (٦)، كما في بعض الأصول المقابَل على «اليونينيَّة»، ورأيته بها كذلك، وفي بعضها: «ساعةٍ» بالتَّنوين وجرِّ «ليلٍ» على البدل، وهو الَّذي ضبطه به الحافظ ابن حجر والعينيُّ، ولم يتعرَّض لضبطه البرماويُّ كالكِرمانيِّ، ونكَّر «ساعة» لإفادة العموم، فتجوز هذه الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وعورض بأنَّ الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وأجيب بأنَّه ليس فيه ما يقتضي الفوريَّة، فيُحمل على تأخير الصَّلاة قليلًا ليخرج وقت الكراهة،

ورُدَّ (١) بأنَّه في حديث بُريدة عند التِّرمذيِّ وابن خزيمة في نحو هذه القصَّة: «ما أصابني حدثٌ قطُّ إلَّا توضَّأت عندها»، ولأحمد من حديثه: «إلَّا توضَّأت وصلَّيت ركعتين» فدلَّ على أنَّه كان يُعقب الحدث بالوضوء والوضوء، بالصَّلاة في أيِّ وقتٍ كان (٢) (إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيليُّ «لرَبِّي» (بِذَلِكَ الطُّهُورِ) بضمِّ الطَّاء (مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ) أي (٣): ما قُدِّر عليَّ وهو (٤) أعمُّ من النَّوافل والفرائض، ولأبي ذَرٍّ: «ما كُتِب إليَّ» بتشديد الياء، و «كُتِبَ» على صيغة المجهول، والجملة في موضع نصبٍ، و «أن أصلِّي» في موضع رفعٍ. قال ابن التِّين: إنَّما اعتقد بلال ذلك؛ لأنَّه علم من النَّبيِّ أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال، وأنَّ عمل السِّرِّ أفضل من عمل الجهر، قال في «الفتح»: والذي يظهر: أنَّ المراد بالأعمال الَّتي سأله عن أرجاها: الأعمال المتطوَّع بها، وإلَّا فالمفروض أفضل قطعًا. انتهى. والحكمة في فضل الصَّلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما: أنَّ الصَّلاة عقب الطُّهور أقرب إلى اليقين منها إذا تباعدت؛ لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلَّف، ثانيهما: ظهور أثر الطُّهور باستعماله في استباحة الصَّلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكِّدٌ لها ومحقِّقٌ، وتقدُّمُ بلال بين يدي الرَّسول في الجنَّة على عادته في اليقظة لا يستدعي أفضليته على العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، بل هو سَبْقُ خدمةٍ كما يسبق العبد سيِّده. وفيه إشارةٌ إلى (٥) بقائه على ما هو عليه في حال حياته واستمراره على قُرب منزلته، وذلك منقبةٌ عظيمةٌ لبلالٍ، والظَّاهر: أنَّ هذا (٦) الثَّواب وقع بذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين ما في حديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» لأنَّ أصل الدُّخول إنَّما يقع برحمة الله تعالى، واقتسام المنازل بحسب الأعمال.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد