وإنَّما جعله سوءًا وإن كان القعود في النَّفل جائزًا؛ لأنَّ فيه تركَ الأدب معه ﵊ وصورةَ مخالفته، وقد كان ابن مسعودٍ قويًّا محافظًا على الاقتداء به ﷺ، فلولا أنَّه طوَّل كثيرًا لم يهمَّ بالقعود، وقد اختُلف: هل الأفضل في صلاة النَّفل (١) كثرةُ الرُّكوع والسُّجود أو طولُ القيام؟ فقال بكلٍّ قومٌ؛ فأمَّا القائلون بالأوَّل؛ فتمسَّكوا بنحو حديث ثوبان عند مسلمٍ: «أفضل الأعمال كثرة الرُّكوع والسُّجود»، وتمسَّك القائلون بالثَّاني بحديث مسلمٍ أيضًا: «أفضل الصَّلاة طول القنوت»، والذي يظهر: أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ (٢)، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّلاة» والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل».
١١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرَّحمن الطحَّان (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلَمِيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ) أي: إذا قام لعادته (مِنَ اللَّيْلِ؛ يَشُوصُ) بشينٍ معجمةٍ وصادٍ مهملةٍ، أي: يدلك (فَاهُ بِالسِّوَاكِ) استشكل ابن بطَّال (٣) هذا الحديث حتَّى عدَّ ذكره هنا (٤) غلطًا من ناسخٍ، أو أنَّ المؤلِّف اخترمته المنيَّة قبل تنقيحه، وأجيب باحتمال أنَّه أراد حديث حذيفة في
مسلمٍ: أنَّه ﷺ قرأ البقرة والنِّساء وآل عمران في ركعةٍ، لكن لم يذكره؛ لأنَّه ليس على شرطه، وأنَّ رؤية (١) شوصه بالسِّواك هي ليلة صلَّى فيها، فحكى البخاريُّ بعضه تنبيهًا على بقيَّته، أو تنبيهًا بأحد حديثَي حذيفة على الآخر، وقال ابن المنيِّر: يحتمل عندي أن يكون أشار بمعنى (٢) التَّرجمة من جهة أنَّ استعمال السِّواك حينئذٍ يدلُّ على ما يناسبه من كمال الهيئة والتَّأهُّب للعبادة، وأخذ النَّفس حينئذٍ بما تؤخذ به في النَّهار، وكأنَّ ليله ﵊ نهارٌ، وهو دليل طول القيام فيه، ويُدفع أيضًا وهم من لعلَّه يتوهَّم أنَّ القيام كان خفيفًا بما ورد من حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٣٨]: فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وابن عبَّاس إنَّما أراد وضوءًا رشيقًا مع إكمالٍ (٣) وإسباغٍ يدلُّ على كماله. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: أطال الخِطابة ولم يكشف الخَطْب، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع. انتهى. وقال ابن رشيدٍ: إنَّما أدخله؛ لقوله: «إذا قام للتَّهجُّد»، أي: إذا قام لعادته (٤).
وقد بُيِّنت (٥) عادته في الحديث الآخر، ولفظ «التَّهجُّد» مع ذلك مُشعِرٌ بالسَّهر، ولا شكَّ (٦) أنَّ في التَّسوُّك (٧) عونًا على دفع النَّوم؛ فهو مُشعرٌ بالاستعداد للإطالة (٨)، قال في «الفتح» (٩): وهذا أقرب هذه التَّوجيهات.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١٠) وواسطيٍّ وكوفيِّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «السِّواك»، كما سبق في «الوضوء» [خ¦٢٤٥].