«تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٨٦

الحديث رقم ١٢٨٦ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٨٦ في صحيح البخاري

«تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بِمَكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ

⦗٨٠⦘

عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.

١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ، فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي، يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟.

١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا.»

إسناد حديث البخاري رقم ١٢٨٦

١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٨٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(فَانْزِلْ (١)) بالفاء (قَالَ (٢): فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا).

وفي الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف (٣) أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٤٢].

١٢٨٦ - ١٢٨٧ - ١٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، عبد الله بن عثمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بتصغير عبد الثاني، كـ «مُلَيْكَة»، واسمه: زهيرٌ (قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بِمَكَّةَ) هي: أمُّ أبَان كما صُرِّح به في «مسلمٍ» (وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر و (٤) ابن عبَّاسٍ (أَوْ

قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا) شكَّ ابن جريجٍ (ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي) زاد مسلمٌ من طريق أيُّوب عن ابن أبي (١) مُلَيكة: فإذا صوتٌ من الدَّار، وعند الحُميديِّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن ابن أبي مليكة: فبكى النِّساء (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أخيها: (أَلَا تَنْهَى) النِّساء (٢) (عَنِ البُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ (٣) بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فأرسلها (٤) مرسَلةً، ولمسلمٍ عن عمرة بنت عبد الرَّحمن: سمعت عائشة، وذكر لها أنَّ عبد الله بن عمر يقول: «إنَّ الميِّت يعذب ببكاء الحيِّ عليه … » الحديث، أي: سواءً كان الباكي من أهل الميِّت أَمْ لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وقوله: «ببكاء أهله» خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ المعروف (٥) أنَّه إنَّما يبكي على الميِّت أهله، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا عند ابن أبي شيبة: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة» فيُحمَل المطلق في حديث الباب على هذا المقيَّد. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ( يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ) أي: ابن عبَّاس (قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ) قافلًا من حجَّةٍ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، مفازةٌ بين مكَّة والمدينة (إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ) أصحاب إبلٍ عشرةٍ فما فوقها مسافرين، فاجؤوه (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم: شجرةٌ عظيمةٌ من العضاه (فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ:

فَنَظَرْتُ، فَإِذَا (١) صُهَيْبٌ) بضم الصَّاد، ابن سنان بن قاسطٍ؛ بالقاف، وكان من السَّابقين الأوَّلين المعذَّبين في الله (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: أخبرت عمر بذلك (فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ) له: (ارْتَحِلْ فَالحَقْ) بكسر الحاء المهملة في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، أمرٌ (٢) من اللُّحوق (بأَمِيرَ المُؤْمِنِينَ) كذا لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): بالموحَّدة قبل الهمزة، ولغيره: «فالحق أمير المؤمنين» فلحق به حتَّى دخلنا المدينة (فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ) بالجراحة الَّتي مات بها، وكان ذلك عقب حجِّه المذكور (دَخَلَ صُهَيْبٌ) حال (٤) كونه (يَبْكِي) حال كونه (يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ (٥)) بألف النُّدبة فيهما؛ لتطويل مدِّ الصَّوت، وليست علامة إعرابٍ في الأسماء السِّتَّة، والهاء للسَّكت لا ضميرٌ، لكنَّ الشَّرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيُقَدَّر أنَّ الأخوَّة والصَّاحبيَّة كانا معلومين معروفين حتَّى يصحَّ وقوعهما للنُّدبة (فَقَالَ عُمَرُ : يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ (٦) بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) قيَّده ببعض البكاء فحُمِل على ما فيه نياحةٌ جمعًا بين الأحاديث. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ (٧) اللهُ عُمَرَ) قال الطِّيبيُّ: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: «يرحم الله عمر» تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ (واللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ

عَلَيْهِ) يحتمل أن يكون جزمها بذلك؛ لكونها سمعت صريحًا من النَّبيِّ اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت ذلك من القرائن (لَكِنْ) بإسقاط الواو، ولأبي ذَرٍّ: «ولكن» (رَسُولُ اللهِ ) بإسكان نون «لكنْ»، فـ «رسولُ» (١) مرفوعٌ، وبتشديدها فهو منصوبٌ (قَالَ: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ) أي: كافيكم أيُّها المؤمنون قوله تعالى في (٢) القرآن: (﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) أي: لا تؤاخَذ نفسٌ بذنب غيرها (٣) (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ (٤) ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]) تقريرٌ لنفي ما ذهب إليه ابن عمر: من أنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله، وذلك أنَّ بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك، فعند ذلك سكت ابن عمر، كما (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) بعد ذلك، لكن قال الزَّين بن المُنيِّر: سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة، وقال القرطبيُّ: ليس سكوته لشكٍّ طرأ له بعدما صرَّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتَّأويل، ولم يتعيَّن له محملٌ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيِّن الحاجة حينئذٍ، وقال الخطَّابيُّ: الرِّواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيلٌ بالظَّنِّ، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع (٥) روايتهما لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما، فالميِّت إنَّما تلزمه العقوبة بما تقدَّم من وصيَّته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجودٌ في أشعارهم كقول طرفة بن العبد:

إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه … وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنةَ معبدِ

وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه» كما مرَّ، وبه قال

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(فَانْزِلْ (١)) بالفاء (قَالَ (٢): فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا).

وفي الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف (٣) أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٤٢].

١٢٨٦ - ١٢٨٧ - ١٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، عبد الله بن عثمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بتصغير عبد الثاني، كـ «مُلَيْكَة»، واسمه: زهيرٌ (قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بِمَكَّةَ) هي: أمُّ أبَان كما صُرِّح به في «مسلمٍ» (وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر و (٤) ابن عبَّاسٍ (أَوْ

قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا) شكَّ ابن جريجٍ (ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي) زاد مسلمٌ من طريق أيُّوب عن ابن أبي (١) مُلَيكة: فإذا صوتٌ من الدَّار، وعند الحُميديِّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن ابن أبي مليكة: فبكى النِّساء (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أخيها: (أَلَا تَنْهَى) النِّساء (٢) (عَنِ البُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ (٣) بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فأرسلها (٤) مرسَلةً، ولمسلمٍ عن عمرة بنت عبد الرَّحمن: سمعت عائشة، وذكر لها أنَّ عبد الله بن عمر يقول: «إنَّ الميِّت يعذب ببكاء الحيِّ عليه … » الحديث، أي: سواءً كان الباكي من أهل الميِّت أَمْ لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وقوله: «ببكاء أهله» خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ المعروف (٥) أنَّه إنَّما يبكي على الميِّت أهله، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا عند ابن أبي شيبة: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة» فيُحمَل المطلق في حديث الباب على هذا المقيَّد. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ( يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ) أي: ابن عبَّاس (قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ) قافلًا من حجَّةٍ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، مفازةٌ بين مكَّة والمدينة (إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ) أصحاب إبلٍ عشرةٍ فما فوقها مسافرين، فاجؤوه (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم: شجرةٌ عظيمةٌ من العضاه (فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ:

فَنَظَرْتُ، فَإِذَا (١) صُهَيْبٌ) بضم الصَّاد، ابن سنان بن قاسطٍ؛ بالقاف، وكان من السَّابقين الأوَّلين المعذَّبين في الله (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: أخبرت عمر بذلك (فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ) له: (ارْتَحِلْ فَالحَقْ) بكسر الحاء المهملة في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، أمرٌ (٢) من اللُّحوق (بأَمِيرَ المُؤْمِنِينَ) كذا لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): بالموحَّدة قبل الهمزة، ولغيره: «فالحق أمير المؤمنين» فلحق به حتَّى دخلنا المدينة (فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ) بالجراحة الَّتي مات بها، وكان ذلك عقب حجِّه المذكور (دَخَلَ صُهَيْبٌ) حال (٤) كونه (يَبْكِي) حال كونه (يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ (٥)) بألف النُّدبة فيهما؛ لتطويل مدِّ الصَّوت، وليست علامة إعرابٍ في الأسماء السِّتَّة، والهاء للسَّكت لا ضميرٌ، لكنَّ الشَّرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيُقَدَّر أنَّ الأخوَّة والصَّاحبيَّة كانا معلومين معروفين حتَّى يصحَّ وقوعهما للنُّدبة (فَقَالَ عُمَرُ : يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ (٦) بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) قيَّده ببعض البكاء فحُمِل على ما فيه نياحةٌ جمعًا بين الأحاديث. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ (٧) اللهُ عُمَرَ) قال الطِّيبيُّ: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: «يرحم الله عمر» تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ (واللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ

عَلَيْهِ) يحتمل أن يكون جزمها بذلك؛ لكونها سمعت صريحًا من النَّبيِّ اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت ذلك من القرائن (لَكِنْ) بإسقاط الواو، ولأبي ذَرٍّ: «ولكن» (رَسُولُ اللهِ ) بإسكان نون «لكنْ»، فـ «رسولُ» (١) مرفوعٌ، وبتشديدها فهو منصوبٌ (قَالَ: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ) أي: كافيكم أيُّها المؤمنون قوله تعالى في (٢) القرآن: (﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) أي: لا تؤاخَذ نفسٌ بذنب غيرها (٣) (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ (٤) ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]) تقريرٌ لنفي ما ذهب إليه ابن عمر: من أنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله، وذلك أنَّ بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك، فعند ذلك سكت ابن عمر، كما (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) بعد ذلك، لكن قال الزَّين بن المُنيِّر: سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة، وقال القرطبيُّ: ليس سكوته لشكٍّ طرأ له بعدما صرَّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتَّأويل، ولم يتعيَّن له محملٌ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيِّن الحاجة حينئذٍ، وقال الخطَّابيُّ: الرِّواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيلٌ بالظَّنِّ، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع (٥) روايتهما لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما، فالميِّت إنَّما تلزمه العقوبة بما تقدَّم من وصيَّته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجودٌ في أشعارهم كقول طرفة بن العبد:

إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه … وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنةَ معبدِ

وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه» كما مرَّ، وبه قال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله