«حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٤٩

الحديث رقم ١٣٤٩ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الإذخر والحشيش في القبر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٤٩ في صحيح البخاري

«حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ : مِثْلَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.

بَابٌ: هَلْ يُخْرَجُ الْمَيِّتُ مِنَ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ

إسناد حديث رقم ١٣٤٩ من صحيح البخاري

١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٤٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الشَّيْءِ، وَقِيلَ لِلْمَائِلِ عَنِ الدِّينِ: مُلْحِدٌ، وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ شَقٌّ يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ، فَيَمِيلُ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ بِحَيْثُ يَسَعُ الْمَيِّتَ فَيُوضَعُ فِيهِ وَيُطْبَقُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا لَكَانَ ضَرِيحًا. فَلِأَنَّ الضَّرِيحَ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ وَيُدْفَنُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (مُلْتَحَدًا: مَعْدِلًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْمَجَازِ. قَالَ: قَوْلُهُ ﴿مُلْتَحَدًا﴾، أَيْ مَعْدِلًا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ: وَلَنْ تَجِدْ مِنْ دُونِهِ مَعْدِلًا تَعْدِلُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ، لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ. قَالَ: وَالْمُلْتَحَدُ مُفْتَعَلٌ مِنَ اللَّحْدِ، يُقَالُ مِنْهُ: لَحِدْتُ إِلَى كَذَا إِذَا مِلْتَ إِلَيْهِ. انْتَهَى. وَيُقَالُ: لَحِدْتُهُ وَأَلْحَدْتُهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الرُّبَاعِيُّ أَجْوَدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الثُّلَاثِيُّ أَكْثَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ دَفْنِ النَّبِيِّ : فَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّقَّاقِ وَاللَّاحِدِ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ اللَّيْثِ مُتَّصِلًا، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مُنْقَطِعًا، لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ. زَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ، فَإِنِّي أَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ (فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ: بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ مُخَطَّطَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ دُرَّاعَةٌ فِيهَا لَوْنَانِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ، وَيُقَالُ لِلسَّحَابَةِ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ: نَمِرَةٌ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي وَابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمَا كُفِّنَا فِي نَمِرَتَيْنِ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ النَّمِرَةَ الْوَاحِدَةَ شُقَّتْ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ. وَالرَّجُلُ الَّذِي كُفِّنَ مَعَهُ فِي النَّمِرَةِ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دُفِنَ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَعْدَ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ إِبْهَامُ شَيْخِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ بَابَيْنِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي التَّتَبُّعِ: اضْطَرَبَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاضْطِرَابِ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الثِّقَاتِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ، وَأَمَّا إِبْهَامُ سُلَيْمَانَ لِشَيْخِ الزُّهْرِيُّ وَحَذْفُ الْأَوْزَاعِيِّ لَهُ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَنْ سَمَّاهُ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ لِمَنْ ضَبَطَ وَزَادَ إِذَا كَانَ ثِقَةً، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ أُسَامَةَ، وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ لِضَعْفِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَرَّحَ بِغَلَطِ أُسَامَةَ فِيهِ.

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَغَازِي، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ، وَيَلْحَقُ بِهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفَضْلِ.

٧٦ - بَاب الْإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي الْقَبْرِ

١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي. أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا.

وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ مِثْلَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة والشِّين المعجمة، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ، الطَّائفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ) يوم فتح مكَّة: (حَرَّمَ اللهُ ﷿ مَكَّةَ) أي: جعلها حرامًا يوم خلق السَّموات والأرض (فَلَمْ (١) تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (٢): «ولا تحلُّ لأحدٍ» (بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي) أي: أبيح لي القتال فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) وهي من ضحوة النَّهار إلى ما (٣) بعد العصر كما في «كتاب الأموال» لأبي عبيدٍ (٤)، وللحَمُّويي والمُستملي: «أُحلَّت له ساعةً من نهارٍ» (لَا يُخْتَلَى) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه المعجم وفتح لامه (خَلَاهَا) بالقصر وفتح الخاء المعجمة، لا يُجزُّ ولا يقطع كلؤها الرَّطب الَّذي نبت بنفسه (وَلَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يُكسَر (شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) أي: لا يُزعَج من مكانه (وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا) بفتح القاف وسكونها، أي: لا تُرفَع ساقطتها (إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) يعرِّفها، ولا يأخذها للتَّمليك بخلاف سائر البلدان (فَقَالَ العَبَّاسُ : إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا) أي: ليكن هذا استثناءً (٥) من الكلأ يا رسول الله (فَقَالَ) باجتهادٍ أو وَحْيٍ (٦) إليه في الحال (إِلَّا الإِذْخِرَ) وسقط «إلَّا» لابن عساكر، ويجوز أن يكون أُوحِيَ إليه قبل ذلك: أنَّه إِنْ طلب منك (٧) أحدٌ استثناءَ شيءٍ فاستثنِ، و «الإذخرُ» بالرَّفع على البدل، والنَّصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، لكنَّ المختار -كما (٨) قاله ابن مالك- نصبُه، إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة، وإمَّا لكون الاستثناء عَرَضَ في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أوَّلًا.

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب العلم» [خ¦١١٢] (عَنِ النَّبِيِّ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا) ولفظه: إنَّ خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليثٍ عام فتح مكَّة بقتيلٍ منهم قتلوه، فأُخبِرَ بذلك النَّبيُّ ، فركب راحلته، فخطب فقال: «إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل … » الحديث، وفيه: فقال رجلٌ من قريشٍ: إلَّا الإذخر يا رسول الله، فإنَّا نجعله في بيوتنا وقبورنا، أي: لحاجة سقف بيوتنا، نجعله فوق الخشب، ولحاجة قبورنا في سدِّ الفُرَج التي بين اللَّبنات والفرش ونحوه، فقال النَّبيُّ : «إلَّا الإذخر (١)». (وقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ) هو ابن عميرٍ بن عبيدٍ القرشيُّ، ممَّا وصله ابن ماجه من طريقه (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو ابن يَنَّاق -بفتح التَّحتيَّة وتشديد النُّون آخره قافٌ- المكِّيِّ (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) بن عثمان بن أبي طلحة، العبدريَّة: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ مِثْلَهُ) أي: يذكر البيوت والقبور، وقولها: «سمعْتُ» بسكون العين، ولأبي ذَرٍّ: «سَمِعَتِ النَّبيَّ » بفتح العين وكسر التَّاء لالتقاء السَّاكنين، واختُلِفَ في صحبة صفيَّة هذه، وأبعد من قال: لا رؤيةَ لها، وقد صرَّح هنا بسماعها من النَّبيِّ ، وقد أخرج ابن منده من طريق محمَّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبيد الله بن عبد الله (٢) بن أبي ثورٍ، عن صفيَّة بنت شيبة، قالت: والله لكأنِّي أنظر إلى رسول الله حين دخل الكعبة … الحديث.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ) ممَّا هو موصولٌ في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة، أي: فإنَّه لحاجة حدادهم (وَ) حاجة (بُيُوتِهِمْ) أورده لقوله: «لقينهم» بدل قوله: «لقبورهم»، ولعلَّه أشار إلى ترجيح الرِّواية الأولى؛ لموافقة رواية أبي هريرة وصفيَّة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الشَّيْءِ، وَقِيلَ لِلْمَائِلِ عَنِ الدِّينِ: مُلْحِدٌ، وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ شَقٌّ يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ، فَيَمِيلُ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ بِحَيْثُ يَسَعُ الْمَيِّتَ فَيُوضَعُ فِيهِ وَيُطْبَقُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا لَكَانَ ضَرِيحًا. فَلِأَنَّ الضَّرِيحَ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ وَيُدْفَنُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (مُلْتَحَدًا: مَعْدِلًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْمَجَازِ. قَالَ: قَوْلُهُ ﴿مُلْتَحَدًا﴾، أَيْ مَعْدِلًا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ: وَلَنْ تَجِدْ مِنْ دُونِهِ مَعْدِلًا تَعْدِلُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ، لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ. قَالَ: وَالْمُلْتَحَدُ مُفْتَعَلٌ مِنَ اللَّحْدِ، يُقَالُ مِنْهُ: لَحِدْتُ إِلَى كَذَا إِذَا مِلْتَ إِلَيْهِ. انْتَهَى. وَيُقَالُ: لَحِدْتُهُ وَأَلْحَدْتُهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الرُّبَاعِيُّ أَجْوَدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الثُّلَاثِيُّ أَكْثَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ دَفْنِ النَّبِيِّ : فَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّقَّاقِ وَاللَّاحِدِ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ اللَّيْثِ مُتَّصِلًا، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مُنْقَطِعًا، لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ. زَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ، فَإِنِّي أَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ (فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ: بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ مُخَطَّطَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ دُرَّاعَةٌ فِيهَا لَوْنَانِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ، وَيُقَالُ لِلسَّحَابَةِ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ: نَمِرَةٌ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي وَابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمَا كُفِّنَا فِي نَمِرَتَيْنِ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ النَّمِرَةَ الْوَاحِدَةَ شُقَّتْ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ. وَالرَّجُلُ الَّذِي كُفِّنَ مَعَهُ فِي النَّمِرَةِ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دُفِنَ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَعْدَ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ إِبْهَامُ شَيْخِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ بَابَيْنِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي التَّتَبُّعِ: اضْطَرَبَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاضْطِرَابِ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الثِّقَاتِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ، وَأَمَّا إِبْهَامُ سُلَيْمَانَ لِشَيْخِ الزُّهْرِيُّ وَحَذْفُ الْأَوْزَاعِيِّ لَهُ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَنْ سَمَّاهُ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ لِمَنْ ضَبَطَ وَزَادَ إِذَا كَانَ ثِقَةً، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ أُسَامَةَ، وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ لِضَعْفِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَرَّحَ بِغَلَطِ أُسَامَةَ فِيهِ.

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَغَازِي، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ، وَيَلْحَقُ بِهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفَضْلِ.

٧٦ - بَاب الْإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي الْقَبْرِ

١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي. أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا.

وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ مِثْلَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة والشِّين المعجمة، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ، الطَّائفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ) يوم فتح مكَّة: (حَرَّمَ اللهُ ﷿ مَكَّةَ) أي: جعلها حرامًا يوم خلق السَّموات والأرض (فَلَمْ (١) تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (٢): «ولا تحلُّ لأحدٍ» (بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي) أي: أبيح لي القتال فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) وهي من ضحوة النَّهار إلى ما (٣) بعد العصر كما في «كتاب الأموال» لأبي عبيدٍ (٤)، وللحَمُّويي والمُستملي: «أُحلَّت له ساعةً من نهارٍ» (لَا يُخْتَلَى) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه المعجم وفتح لامه (خَلَاهَا) بالقصر وفتح الخاء المعجمة، لا يُجزُّ ولا يقطع كلؤها الرَّطب الَّذي نبت بنفسه (وَلَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يُكسَر (شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) أي: لا يُزعَج من مكانه (وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا) بفتح القاف وسكونها، أي: لا تُرفَع ساقطتها (إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) يعرِّفها، ولا يأخذها للتَّمليك بخلاف سائر البلدان (فَقَالَ العَبَّاسُ : إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا) أي: ليكن هذا استثناءً (٥) من الكلأ يا رسول الله (فَقَالَ) باجتهادٍ أو وَحْيٍ (٦) إليه في الحال (إِلَّا الإِذْخِرَ) وسقط «إلَّا» لابن عساكر، ويجوز أن يكون أُوحِيَ إليه قبل ذلك: أنَّه إِنْ طلب منك (٧) أحدٌ استثناءَ شيءٍ فاستثنِ، و «الإذخرُ» بالرَّفع على البدل، والنَّصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، لكنَّ المختار -كما (٨) قاله ابن مالك- نصبُه، إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة، وإمَّا لكون الاستثناء عَرَضَ في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أوَّلًا.

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب العلم» [خ¦١١٢] (عَنِ النَّبِيِّ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا) ولفظه: إنَّ خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليثٍ عام فتح مكَّة بقتيلٍ منهم قتلوه، فأُخبِرَ بذلك النَّبيُّ ، فركب راحلته، فخطب فقال: «إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل … » الحديث، وفيه: فقال رجلٌ من قريشٍ: إلَّا الإذخر يا رسول الله، فإنَّا نجعله في بيوتنا وقبورنا، أي: لحاجة سقف بيوتنا، نجعله فوق الخشب، ولحاجة قبورنا في سدِّ الفُرَج التي بين اللَّبنات والفرش ونحوه، فقال النَّبيُّ : «إلَّا الإذخر (١)». (وقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ) هو ابن عميرٍ بن عبيدٍ القرشيُّ، ممَّا وصله ابن ماجه من طريقه (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو ابن يَنَّاق -بفتح التَّحتيَّة وتشديد النُّون آخره قافٌ- المكِّيِّ (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) بن عثمان بن أبي طلحة، العبدريَّة: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ مِثْلَهُ) أي: يذكر البيوت والقبور، وقولها: «سمعْتُ» بسكون العين، ولأبي ذَرٍّ: «سَمِعَتِ النَّبيَّ » بفتح العين وكسر التَّاء لالتقاء السَّاكنين، واختُلِفَ في صحبة صفيَّة هذه، وأبعد من قال: لا رؤيةَ لها، وقد صرَّح هنا بسماعها من النَّبيِّ ، وقد أخرج ابن منده من طريق محمَّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبيد الله بن عبد الله (٢) بن أبي ثورٍ، عن صفيَّة بنت شيبة، قالت: والله لكأنِّي أنظر إلى رسول الله حين دخل الكعبة … الحديث.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ) ممَّا هو موصولٌ في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة، أي: فإنَّه لحاجة حدادهم (وَ) حاجة (بُيُوتِهِمْ) أورده لقوله: «لقينهم» بدل قوله: «لقبورهم»، ولعلَّه أشار إلى ترجيح الرِّواية الأولى؛ لموافقة رواية أبي هريرة وصفيَّة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله