أبان بن سعيد

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 17 دقيقة قراءة

سيرة أبان بن سعيد

٢- أبان بن سعيد:

بن العاص [ (٣) ] بن أمية بن عبد مناف القرشي الأموي. قال البخاريّ، وأبو حاتم الرّازيّ، وابن حبّان: له صحبة، وكان أبوه من أكابر قريش، وله أولاد نجباء، أسلم منهم قديما خالد، وعمرو، فقال فيهما أبان الأبيات المشهورة التي أولها:

ألا ليت ميتا بالظّريبة [ (٤) ] شاهد ... لما يفتري في الدّين عمرو وخالد [ (٥) ]

[الطويل] ثم كان عمرو وخالد ممن هاجرا إلى الحبشة، فأقاما بها، وشهد أبان بدرا مشركا، [ (٦) ] فقتل بها أخواه العاص وعبيدة على الشرك، ونجا هو، فبقي بمكّة حتى أجار عثمان زمن الحديبيّة [ (٧) ] ، فبلّغ رسالة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وقال له أبان:


[ (١) ] أخرجه مسلم في الصحيح عن يزيد بن أبي عبيد بزيادة في أول كتاب الزكاة (١٢) باب ما أنفق العبد من مال مولاه (٢٦) حديث رقم (٨٣/ ١٠٢٥) والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٩٤، والتبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ١٩٥٣.
[ (٢) ] في د القسم الأول باب الأول.
[ (٣) ] نسب قريش: ١٧٤، ١٧٥، طبقات خليفة: ٢٩٨، تاريخ خليفة ١٢٠، ١١٣١، التاريخ الكبير ١/ ٤٥٠، التاريخ الصغير ١/ ٣٥، ٥٢، الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٥، مشاهير علماء الأمصار ت: ٧٠ تاريخ الإسلام ١/ ٣٧٦- ٣٧٨، تهذيب تاريخ ابن عساكر ٢/ ١٢٧، ١٣٣، أسد الغابة ت (٢) .
[ (٤) ] ظريبة: تصغير ظربة: موضع بالطائف. قال أبان بن سعيد:
ألا ليت ميتا بالظريبة شاهد ... لما يفتري في الدين عمرو بن خالد
انظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٠٤.
[ (٥) ] ينظر في معجم البلدان «ظريبة، أسد الغابة ترجمة «٢» ، والاستيعاب في ترجمة أبان بن سعيد «٤» والإصابة.
[ (٦) ] بدر: ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصّفراء ويقال إنه ينسب إلى قريش بن الحارث بن يخلد ويقال مخلّد بن النضر بن كنانة، به سميت قريش فغلبت عليها لأنه كان دليلها وصاحب ميرتها فكانوا يقولون: جاءت عير قريش وخرجت عير قريش قال: وابنه بدر بن قريش به سميت بدر التي كانت بها الوقعة المباركة لأنه كان احتفرها، انظر معجم البلدان ١/ ٤٢٥.
[ (٧) ] الحديبيّة: بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء اختلفوا فيها فمنهم من شددها ومنهم من خففها وهي قرية متوسطة وليست كبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول اللَّه تحتها وقال الخطابي في أماليه: سميت الحديبيّة بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع وبين الحديبيّة أسبل وأقبل ولا تخف أحدا ... بنو سعيد أعزّة الحرم [ (١) ]

[المنسرح] ثم قدم عمرو وخالد من الحبشة فراسلا أبان فتبعهما حتى قدموا جميعا على النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فأسلم أبان أيام خيبر. وشهدها مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، فأرسله النبيّ صلّى الله عليه وسلم في سرية.

ذكر جميع ذلك الواقديّ، ووافقه عليه أهل العلم بالأخبار وهو المشهور، وخالفهم ابن إسحاق فعدّ أبان فيمن هاجر إلى الحبشة ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان الكنانية، فاللَّه أعلم.

وروى ابن أبي خيثمة من طريق موسى بن عبيدة الرَّبَذيّ أحد الضعفاء عن إياس بن معاوية بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم عثمان بن عفان إلى مكة، فأجاره أبان بن سعيد، فحمله على سرجه، أردفه حتى قدم مكة.

وقال الهيثم بن عدي: بلغني أن سعيد بن العاص قال: لما قتل أبي يوم بدر كنت في حجر عمي أبان بن سعيد بن العاص، وكان وليّ صدق، فخرج تاجرا إلى الشام. فذكر قصة طويلة اتفقت له مع راهب يقال له «يكا» ، وصف له صفة النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، واعترف بنبوته، وقال له: أقرئ الرجل الصالح السلام. فرجع أبان فجمع قومه، وذكر لهم ذلك، ورحل إلى المدينة [ (٢) ] فأسلم.

وفي البخاريّ، وأبي داود، عن أبي هريرة، قال: بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أبان بن سعيد بن العاص على سرية قبل نجد [ (٣) ] ، فقدم هو وأصحابه على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بخيبر ... الحديث.

وقال الواقديّ: حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز، قال:

مات النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وأبان بن سعيد على البحرين [ (٤) ] ، ثم قدم أبان على أبي بكر، وسار إلى


[ () ] ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل.
[ (١) ] رواية البيت في الاستيعاب هكذا: أقبل وأدبر.... انظر الترجمة «٤» .
[ (٢) ] المدينة لها أسماء: المدينة، وطابة، وطيبة، بفتح الطاء وقيد بفتح الطاء احترازا من طيبة بكسرها فإنّها قرية قرب زرود ويثرب كان اسمها قديما فغيره النبي صلّى اللَّه عليه وسلم لما فيه من التثريب وهو التعبير والاستقصاء في اللوم وتسميتها في القرآن يثرب حكاية لقول من قالها من المنافقين المطلع/ ١٥٨.
[ (٣) ] نجد بفتح النون وسكون الجيم قال صاحب المطالع: وهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة وحدّه مما يلي المغرب: الحجاز، على يسار الكعبة ونجد كلها من عمل اليمامة وقال الجوهري ونجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور وهو تهامة كلها وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد وهو مذكر. انظر:
المطلع/ ١٦٦.
[ (٤) ] البحرين: روى ابن عباس: البحرين من أعمال العراق وحدّه من عمان ناحية جرّفار واليمامة على جبالها الشام، فقتل يوم أجنادين [ (١) ] سنة ثلاث عشرة، قاله موسى بن عقبة وأكثر أهل النسب.

وقال ابن إسحاق: قتل يوم اليرموك [ (٢) ] ، ووافقه سيف بن عمر في الفتوح. وقيل: قتل يوم مرج الصفر [ (٣) ] ، حكاه ابن البرقي. وقال أبو حسان الزيادي: مات سنة سبع وعشرين في خلافة عثمان.

ومما يدل على أنه تأخّرت وفاته عن خلافة أبي بكر ما روى ابن أبي داود والبغوي من طريق سليمان بن وهب الأنباري، قال: حدثنا النعمان بن بزرج قال: لما توفي رسول صلّى اللَّه عليه وسلم بعث أبو بكر أبان بن سعيد إلى اليمن [ (٤) ] ، فكلّمه فيروز في دم دادويه الّذي قتله قيس بن مكشوح، فقال أبان لقيس: أقتلت رجلا مسلما! فأنكر قيس أن يكون دادويه مسلما، وأنه إنما قتله، بأبيه وعمّه، فخطب أبان فقال: إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قد وضع كلّ دم كان في الجاهلية، فمن أحدث في الإسلام حدثا أخذناه به، ثم قال أبان لقيس: الحق بأمير المؤمنين عمر، وأنا أكتب لك أني قضيت بينكما. فكتب إلى عمر بذلك فأمضاه.

قال البغويّ: لا أعلم لأبان بن سعيد مسندا غيره.


[ () ] وربما ضمت إلى المدينة وربما أفردت هذا كان في أيام بني أميّة فلما ولي بنو العباس صيّروا عمان والبحرين واليمامة عملا واحدا، قاله ابن الفقيه وهي الآن مدينة مستقلة. انظر: معجم البلدان ١/ ٤١٢.
[ (١) ] أجنادين: بالفتح ثم السكون ونون وألف وفتح الدال فتكسر معها النون فيصير بلفظ التثنية وتكسر الدال وتفتح النون بلفظ الجمع وأكثر أصحاب الحديث يقولون إنه بلفظ التثنية ومن المحصّلين من يقوله بلفظ الجمع: وهو موضع معروف بالشام من نواحي فلسطين، ويكتب خالد بن الوليد بالفتح إلى أبي بكر الصديق «وأخبرك أيها الصديق أنا لقينا المشركين وقد جمعوا لنا جموعا جما بأجنادين فخرجنا لهم واثقين باللَّه متوكلين عليه فطاعناهم بالرماح شيئا ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم ثم إن اللَّه أنزل نصره وهزم الكافرين والحمد للَّه والسلام» . الروض المعطار/ ١٢، معجم البلدان ١/ ١٢٩.
[ (٢) ] يرموك: واد بناحية الشام في طرف الغور يصبّ في نهر الأردن كانت به حرب للمسلمين مع الروم في أيام أبي بكر رضي اللَّه عنه. انظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٤٧٧.
[ (٣) ] مرج الصّفّر: بالتشديد: بدمشق وقال خالد بن سعيد بن العاص وقتل بمرج الصفر:
هل فارس كره النزال يعيرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر.
انظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٥٤.
[ (٤) ] اليمن: قال صاحب المطالع اليمن: كلّ ما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور قال الجوهري، اليمن:
بلاد العرب والنّسبة إليها يمني، ويمان مخففة والألف عوض عن ياء النسب فلا يجتمعان قال سيبويه:
وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد قال أمية بن خلف:
يمانيا يظلّ يشدّ كيرا ... وينفخ دائما لهب الشواظ قلت: وذكره البخاريّ في ترجمته مختصرا، ورجّح ابن عبد البر القول الأول، ثم ختم الترجمة بأن قال: وكان أبان هو الّذي تولى إملاء مصحف عثمان على زيد بن ثابت، أمرهما بذلك عثمان. ذكر ذلك ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه. انتهى.

وهو كلام يقتضي التناقض والتدافع، لأن عثمان إنما أمر بذلك في خلافته، فكيف يعيش إلى خلافة عثمان من قتل في خلافة أبي بكر؟ بل الرواية التي أشار إليها ابن عبد البر رواية شاذة تفرّد بها نعيم بن حماد، عن الدّراوردي. والمعروف أن المأمور بذلك سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وهو ابن أخي أبان بن سعيد. واللَّه أعلم.

أبان بن سعيد حسب الطبقات الكبرى

ابن العاص بن أُمَيَّة بن عَبْد شَمْس بن عَبْد مَنَاف. وأُمُّه هند بنت المُغِيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزوم.

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَرْوَةَ، عن عبد الله بن عَمْرو بن سعيد بن العاص، قال: كان خالد بن سعيد وعَمرُو بن سعيد قد أسلما وهاجرا إلى أرض الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أُحَيْحَةَ سعيد بن العاص بن أمية على ما هم عليه ولم يُسْلِموا، حتى كان نَفِيرُ بدرٍ، فلم يتخلف منهم أَحَدٌ خرجوا جميعًا في النفير إلى بَدْرٍ، فَقُتِل العاصُ بن سعيد عَلَى كُفْرِه، قتله عليّ بن أبي طالب. وعُبَيْدة بن سعيد قتله الزبير بن العوام. وأفلت أبان بن سعيد، فجعل خالد وعَمْرو يكتبان إلى أبان بن سعيد ويقولان: نُذكِركَ الله أن تموت على ما مات عليه أبوك، وعَلَى ما قُتِل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أُفارِق دين آبائي أبدًا، وكان أبو أُحَيْحَة قد مات بماله بالظُّرَيْبَةَ نَحْو الطَّائف وهو كافر، فأنشأ أبان بن سعيد يقول: قال محمد بن عمر: فيما أخبرني به المغيرة بن عبد الرحمن الأسدي:

ألا ليتَ مَيْتا بالظُّرَيْبَةِ شاهدٌ … لما يَفْتَرِي في الدين عَمْرٌو وخالدُ أَطَاعا بنا أَمْر النِّساء فأَصْبَحا … يُعِينان مِنْ أعدائنا مَن نُكايدُ فأجابه خالد بن سعيد:

أخي ما أخي لا شاتم أنا عِرْضَهُ … ولا هو عن سُوءِ المقالة مُقْصِرُ يقول إذا اشتدت عليه أمورُهُ … ألا ليتَ مَيْتًا بالظُّرَيْبةِ يُنْشَرُ فَدَعْ عنكَ مَيْتًا قد مضى لسبيله … وأقْبِل على الحَيِّ الذي هو أفقرُ (١)

قال: فأقام أبان بن سعيد على ما كان عليه بمكةَ على دين الشرك، حتى قدم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، الحُدَيْبِية وبعث عثمانَ بنَ عفان إلى أهل مكة، فتلقَّاه أبان بن سعيد فأجاره حتى بلّغ رسالةَ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وكانت هدنة الحديبية. فأقبل خالدٌ وعمرٌو ابنا سعيد بن العاص من أرض الحبشة في السَّفِينَتَيْن، وكانا آخر من خرج منها، ومع خالد وعَمْرو أهلُهما وأولادُهما، فلما كانا بالشُّعَيْبَة أرسلا إلى أخيهما أبان بن سعيد وهو بمكة رسولًا وكَتَبا إليه: يدعوانه إلى الله وحدَهُ وإلى الإسلام فأجابهما، وخرج في إثرهما حتى وافاهما بالمدينة مُسْلِمًا، ثم خرجوا جميعًا حتى قدموا على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بخيبر سنة سبع من الهجرة.

فلما صدر الناس من الحج سنة تسع، بَعَثَ رسولُ الله، - صلى الله عليه وسلم -، أبان بن سعيد بن العاص إلى البحرين عاملًا عليها، فسأله أبان أن يُحَالِفَ عَبْدَ القَيس فأذن له في ذلك، وقال يا رسول الله: اعهد إِلَيَّ عهدًا في صَدَقاتِهم وجِزْيَتِهم وما تَجَرُوا به، فأمَرَهُ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أن يأخذ من المسلمين ربع العشر مما تجروا به، ومن كل حَالم من يهودي أو نصراني أو مجوسيّ دينارًا الذكر والأنثى. وكتب رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى مجوس هَجَر يعرض عليهم الإسلام، فإن أَبَوا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم، وكتب له صدقات الإبل والبقر والغنم على فرضها وَسُنَّتها كتابًا منشورًا مختومًا في أسفله (١).

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني معاذ بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهم، قال: خرج أبان بن سعيد بن العاص بلوَاء معقودٍ أبيض وراية سوداء يحمل لواءَه رافع مولى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فلما أشرف على البحرين تَلَقَّته عبدُ القيس حتى قَدِمَ عَلَي المنذر بن سَاوَى بالبحرين (٢).

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد العزيز بن يعقوب الماجِشُون، عن جعفر بن محمود بن محمد، قال: استقبله المنذر بن سَاوَى على ليلةٍ من منزله معه ثلاثمائة من قومه، فاعتنقا ورحَّب به وسأل عن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فأَحْفَى (٣) المسألَة فأخبره أبان بذكر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إياه، وأنه قد شَفَّعهُ في قومه، وأقام أبان بن سعيد بالبحرين يأخذ صدقات المسلمين وجزية معاهديهم، وكتب إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يخبره بما اجتمع عنده من المال، فبعث رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين فحمل ذلك المال (٤).

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، قال: لما توفي رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وارتدَّت العرب، ارتد أهل هَجَر عن الإسلام، فقال أبان بن سعيد لعبد القيس بلغُوني مأمني، قالوا: بل أقم فلنجاهد معك في سبيل الله فإن الله مُعِزٌّ دينه ومُظهره على ما سواه، وعبدُ القيس لم ترجع عن الإسلام. قال: بل بلّغُوني مأمني، فأشهَدُ أمرَ أصحابِ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فليس مثلي يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم. فقالوا: لا تفعل أنت أعز الناسِ وهذا عليك وعلينا فيه مقالةٌ، يقول قائلٌ: فَرَّ من القتال (١).

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني معاذ بن محمد، عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: مشى إليه الجارُودُ العَبدِي فقال: أنشدك الله أن تخرج من بين أظهرنا، فإن دارنا منيعةٌ، ونحن سامعون مطيعون، ولو كنت اليوم بالمدينة لَوَجَّهَكَ أبو بكر إلينا لمحالفتك إيانا، فلا تفعل فإنك إنْ قدمت على أبي بكر لَامَك وَفَيَّل (٢) رأيك وقال: تخرج من عند قوم أهل سمع وطاعة ثم رَجَعَكَ إلينا، قال: إذن لا أرجع أبدًا ولا أعمل لأحد بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فلما أبى عليه إلا كلمةً واحدةً قال أبان: إن معي مالًا قد اجتمع، قالوا: احمله فحمل مائةَ ألف درهم وخرج معه بثلاثمائة من عبد القيس خُفَرَاءَ حتى قدم المدينة على أبي بكر، فلامه أبو بكر وقال: ألا ثَبَتّ مع قوم لم يرتَدُّوا ولم يُبَدِّلوا!؟ قال أبان: هم على ذلك ما أرغبهم في الإسلام وأحسن نياتهم، ولكن لا أعمل لأحدٍ بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - (٣).

قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عمر بن عثمان المخزومي، عن عبد الملك بن عُبيد، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قال: قال عمر بن الخطاب لأبان بن سعيدٍ حين قدم المدينة: ما كان حقك أن تقدم، وتترك عملك بغير إذن إمامك ثم على هذه الحال، ولكنك أمنته، فقال أبان: إني والله ما كنت لأعمل لأحدٍ بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، كنت عاملًا لأبي بكر في فضلِه وسابقته وقديم إسلامه، ولكن لا أعمل لأحدٍ بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -. وشاور أبو بكر أصحابه فيمن يبعث إلى البحرين فقال له عثمان بن عفان: ابعَثْ رجلًا قد بعثهُ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إليهم فَقَدِم عليه بإسلامه وطاعتهم، وقد عرفوه وعرفهم، وعرف بلادهم، يَعنِي: العلاء بن الحضرمي، فأبى ذلك عمر عليه وقال: أكره أبان بن سعيد بن العاص فإنه رجلٌ قد حالفهم، فأبَى أبو بكر أن يكرهه وقال: لا أفعل، لا أُكْرِهُ رجلًا يقول: لا أعمل لأحد بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع أبو بكر بِعثةَ العلاءِ بن الحضرمي إلى البحرين (١).

أبان بن سعيد حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ قُرَشِيٌّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَسْلَمَ قَبْلَ خَيْبَرَ، يُكْنَى أَبَا سَعِيدٍ، كَانَ أَحَدَ عُمَّالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَأَبَانُ عَامِلُهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، خَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِأَجْنَادِينَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْقِبْ، أُمُّهُ صَفِيَّةُ، وَقِيلَ: صَخْرَةُ بِنْتُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَبُوهُ سَعِيدٌ يُكْنَى أَبَا أُحَيْحَةَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ أَبَانَ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ، وَأَنَّ أَخَاهُ عَمْرًا تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَخَرَجَا جَمِيعًا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مُهَاجِرِينَ، وَهَذَا وَهْمٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ مُهَاجِرَةَ الْحَبَشَةِ هُمُ ⦗٣٢٦⦘ السَّابِقُونَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ؟

أبان بن سعيد حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) أبَانُ بنُ سَعيد بن العاص بن أُمَيَّة بن عَبْدِ شمس بن عَبدِ مَنَاف بن قصَي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤيّ القُرشي الأموي.

وأمه: هند بنت المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم، وقيل: صفية بنت المغيرة عمة خالد بن الوليد بن المغيرة.

يجتمع هو ورسول اللَّه في عبد مناف، أسلم بعد أخويه خالد وعمر وقال لما أسلما:

أَلَا لَيْتَ مَيتاً بالظُّرَيْبَةِ شاهدُ … لِمَا يَفْتري في الدين عمرو وخالدُ أطاعا معاً أمر النساء فأصبحا … يُعِينان من أعدائنا من يكابدُ (١)

فأجابه عمرو (٢):

أخي ما أخي لا شاتم أنا عرْضه … ولا هو عن بَعْض المقالة مقصرُ يقول: إذا اشتدّت (٣) عليه أموره … ألا ليت ميتاً بالظُّريبة يُنْشَرُ فدع عنك ميتاً قد مضى لسبيله … وأقبل على الحي الذي هو أقفرُ يعني بالميت على الظريبة: أباه أبا أحَيْحَة سعيد بن العاص بن أُميّة، دفن به وهو جبل يشرف على الطائف.

قال أبو عمر بن عبد البر: أسلم أبان بين الحديبية وخيبر. وكانت الحديبية في ذي القعدة من سنة ست، وكانت غزوة خيبر في المحرّم سنة سبع. وقال أبو نعيم: أسلم قبل خيبر وشهدها، وهو الصحيح؛ لأنه قد ثبت عن أَبي هُرَيرة أَن رسول اللَّه بعث أبان بن سعيد بن العاص في سرية من المدينة، فقدم أبان وأصحابه على رسول اللَّه بعد فتح خيبر، ورسول اللَّه بها.

وقال ابن مندة: تقدّم إسلام أخيه عمرو، بعني أخا أبان. قال: وخرجا جميعاً إلى أرض الحبشة مهاجرين، وأبان بن سعيد تأخّر إسلامه، هذا كلام ابن منده، وهو متناقض، وهو وهم؛ فإن مهاجرة الحبشة هم السابقون إلى الإسلام، ولم يهاجر أبان إلى الحبشة، وكان أبان شديداً على رسول اللَّه والمسلمين.

وكان سبب إسلامه أنه خرج تاجراً إلى الشام، فلقي راهباً فسأله عن رسول اللَّه وقال: إني رجل من قريش، وإن رجلاً منّا خرج فينا يزعم إنه رسول اللَّه أرسله مثل ما أرسل موسى وعيسى، فقال ما اسم صاحبكم؟. قال: محمد، قال الراهب: إني أصفه لك، فذكر صفة النبي وسنه ونسبه، فقال أبان: هو كذلك، فقال الراهب: واللَّه ليظهرنّ على العرب، ثم ليظهرنّ على الأرض، وقال لأبان: اقرأ على الرجل الصالح السلام، فلما عاد إلى مكة سأل عن النبي ، ولم يقل عنه وعن أصحابه كما كان يقول، وكان ذلك قبيل الحديبية.

ثمّ إن رسول اللَّه سار إلى الحديبية، فلما عاد عنها تبعه أبان فأسلم وحسن إسلامه.

وقيل إنه هو الذي أجار عثمان لما أرسله النبي يوم الحُدَيْبِيَة إلى مكة وحمله على فرسه، وقال «أسلك من مكة حيث شئت آمناً».

أخبرنا أبو أحمد بن أبي داود، أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري أن عبد اللَّه بن سعيد بن العاص أخبره أنه سمع أبا هُرَيرة أَن رسول اللَّه بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول اللَّه بخيبر بعد أن فتحها، وإن حزم خيلهم ليف فقال أبان اقسم لنا يا رسول اللَّه، قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم يا رسول اللَّه. فقال أبان: وأنت بها يا وَبْر تحدّر من رأس ضال (١)، فقال النبي : اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول اللَّه .

واستعمله رسول اللَّه على البحرين لما عزل عنها العلاء بن الحضرمي، فلم يزل عليها إِلى أَن توفي رسول اللَّه فرجع إلى المدينة، فأراد أبو بكر أن يرده إليها فقال: «لا أعمل لأحد بعد رسول اللَّه » وقيل: بل عمل لأبي بكر على بعض اليمن، واللَّه أعلم.

وكان أبوه يكنّى أبا أحيحة بولد له اسمه أحيحة، قتل يوم الفجار، والعاصي قتل ببدر كافراً؛ قتله علي وعبيدة قتل ببدر أيضاً كافراً، قتله الزبير، وأسلم خمسة بنين وصحبوا رسول اللَّه ولا عقب لواحد منهم إلاّ العاصي بن سعيد فجاء العقب منه حسب. ومن ولده سعيد بن العاصي بن سعيد ابن العاصي بن أمية استعمله معاوية على المدينة، وسيرد ذكره، إن شاء اللَّه تعالى، وهو والد عمرو الأشدق، الذي قتله عبد الملك بن مروان.

وكان أبان أحد من تخلّف عن بيعة أبي بكر لينظر ما يصنع بنو هاشم، فلما بايعوه بايع. وقد اختلف في وقت وفاته، فقال ابن إسحاق: قتل أبان وعمرو ابنا سعيد يوم اليرموك، ولم يتابع عليه، وكانت اليرموك بالشام لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر.

وقال موسى بن عقبة: قتل أبان يوم أجنادين، وهو قول مصعب والزبير، وأكثر أهل النسب، وقيل: إنه قتل يوم مَرْج الصُّفَّر عند دمشق. وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة اثنتي (٢) عشرة في خلافة أبي بكر قبل وفاته بقليل، وكان يوم مَرْج الصُّفَّر سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر، وقيل كانت الصفر ثم اليرموك ثم أجنادين، وسبب هذا الاختلاف قرب هذه الأيام بعضها من بعض.

وقال الزهري: إن أبان بن سعيد بن العاصي أملى مصحف عثمان على زيد بن ثابت بأمر عثمان، ويؤيد هذا قول من زعم أنه توفي سنة تسع وعشرين، روي عنه أنه خطب فقال: إن رسول اللَّه قد وضع كل دم في الجاهلية».

أخرجه ثلاثتهم.

الظريبة بضم الظاء المعجمة، وفتح الراء، قاله الحموي ياقوت. وقد رأيته في بعض الكتب:

الصريمة: بضم الصاد المهملة، وفتح الراء، وآخره ميم.

أسئلة شائعة - أبان بن سعيد

من هو أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه؟

هو أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي القرشي، صحابي شهد بدرا مشركا قبل إسلامه، ثم أسلم أيام خيبر بعد إسلام أخويه خالد وعمرو.

ما الدور الذي قام به أبان في الحديبية؟

أجار رضي الله عنه عثمان بن عفان زمن الحديبية حين بعثه النبي ﷺ رسولا إلى قريش، فبلّغ عثمان رسالة رسول الله ﷺ آمنا.

متى استشهد أبان بن سعيد؟

اختلف في وفاته، فقال موسى بن عقبة وأكثر أهل النسب: قُتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة، وقال ابن إسحاق: قُتل يوم اليرموك، وقيل يوم مرج الصفر.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 17 ذو الحجة
أحدب متناقص اليوم 18.1 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده