«لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ.قَالَ رَجُلٌ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٥

الحديث رقم ١٣٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا تقبل صلاة بغير طهور.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ.قال رجل من…

«لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ.

قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ».

سند حديث: ١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ…

١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ.قال رجل من…

لقي النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه في بعض طرق المدينة، وكان أبو هريرة على جنابة، ومن تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم كره مجالسته ومحادثته وهو على تلك الحال ظنًّا منه أنه نجس، فذهب في خُفية واغتسل، ثم رجع وجلس، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أين ذهب؟

فأخبره بحاله، وأنه كره مجالسته وهو نجس من الجنابة، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:

إن المؤمن طاهر ولا ينجس على كل حال؛ حيًّا ولا ميتًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الجنابة إنما تمنع من الصلاة ومس المصحف والمكوث في المسجد، ولا تمنع من مجالسة المسلمين ومقابلتهم، ولا يصير بها الجنب نجسًا.
  • طهارة المؤمن حيًّا وميتًا.
  • تعظيم أهل الفضل، والعلم، والصلاح، ومجالستهم على أحسن الهيئات.
  • مشروعية استئذان التابع للمتبوع في الانصراف، فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي هريرة رضي الله عنه، ذهابه من غير علمه، وذلك أن الاستئذان من حسن الأدب.
  • قول: سبحان الله، عند التعجب.
  • جواز تحدث الإنسان عن نفسه بما يُستحيا منه للمصلحة.
  • الكافر نجس، لكن نجاسته معنوية لخبث عقيدته.
  • قال النووي: وفي هذا الحديث أيضًا من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وقال له صوابه، وبين له حكمه، والله أعلم. ‏

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ.قال رجل من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنَ الثَّلَاثِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أُحِبُّ الْوَاحِدَةَ إِلَّا مِنَ الْعَالِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مِنَ الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ. وَأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثِ شَيْءٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا آمَنَ أَنْ يَأْثَمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ. أَيْ: لَمْ أُحَرِّمْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُحِبُّ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ. وَهَذَا الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.

وَحَكَى الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ كَرَاهَتِهَا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَيْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْهُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، فَالْأَصَحُّ إِنْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَقِيلَ الْفَرْضُ فَقَطْ، وَقِيلَ مِثْلُهُ حَتَّى سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَقِيلَ مَا يُقْصَدُ لَهُ الْوُضُوءُ وَهُوَ أَعَمُّ، وَقِيلَ إِذَا وَقَعَ الْفَصْلُ بِزَمَنٍ يُحْتَمَلُ فِي مِثْلِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ عَادَةً.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِقَادِ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ سُنَّةٌ أَخْطَأَ وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحْدِيدِ شَيْءٌ، بَلْ لَوْ زَادَ الرَّابِعَةَ وَغَيْرَهَا لَا لَوْمَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ: الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ. قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْعُضْوِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الْمَرَّاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ الطَّارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا، لِئَلَّا يَؤُولَ بِهِ الْحَالُ إِلَى الْوَسْوَاسِ الْمَذْمُومِ.

٢ - بَاب لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ

١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.

[الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي التَّرْجَمَةِ وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُقْبَلُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء المُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل (١) وضمِّ ميم الثَّاني وفتح النُّون وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ) أي: الذي (أَحْدَثَ) و «صلاةُ» بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً» بالنَّصب على المفعوليَّة، «مَنْ أَحْدَث»، أي: وُجِدَ منه الحَدَثُ الأكبر كالجنابة والحيض (٢)، والأصغر النَّاقض للوضوء (حَتَّى) أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل. انتهى. والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عَشْرَ سنين»، فأطلق على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ لكونه قام (٣) مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر (٤) الوضوء نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ، أي: مع باقي شروط الصَّلاة، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ لأنَّ القبول انتفى (٥) إلى غاية الوضوء، و (٦) ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ

كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الضَّاد (١) المُعجَمَة وفتح الرَّاء والميم، بلدٌ باليمن، وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الحَدَثُ) وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:) هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ) بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة (٢)، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، وإلَّا فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب (٣) على كلِّ واحدةٍ من الثَّلاث (٤)، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبقَ أن يعنيَ إلَّا المنع أو الوصف (٥).

(٣) هذا (بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ) بالجرِّ على الإضافة (وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ) بالرَّفع عطفًا على «بابُ» أي: وبابُ الغرِّ المُحجَّلين، فأُقِيمَ المُضَاف إليه مُقام «بابٍ» المحذوف، أوِ «الغرُّ» مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: يُفضَّلون (٦) على غيرهم، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «وفضل الغرِّ المُحَجَّلين» (مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) جمع أثر الشَّيء، وهو بقيَّته.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هُوَ صرف الشَّيْء فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي بِخِلَاف التبذير فَإِنَّهُ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي قَوْله فِيهِ أَي فِي الْوضُوء وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه من طَرِيق هِلَال بن يسَاف أحد التَّابِعين قَالَ كَانَ يُقَال فِي الْوضُوء إِسْرَاف وَلَو كنت على شاطىء نهر وَأخرج نَحوه عَن أبي الدَّرْدَاء وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وروى فِي مَعْنَاهُ حَدِيث مَرْفُوع أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد لين حَدثنَا ابْن مصفى حَدثنَا بَقِيَّة عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ لَا تسرف لَا تسرف قَالَ وَحدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن يحيى بن عبد الله عَن الجباني عَن ابْن عَمْرو أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرف قَالَ أَفِي الْوضُوء إِسْرَاف قَالَ نعم وَإِن كنت على نهر جَار وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَول البُخَارِيّ هَذَا إِشَارَة إِلَى نقل الْإِجْمَاع على منع الزِّيَادَة على الثَّلَاث قلت وَفِيه نظر فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ فِي الْأُم لَا أحب الزِّيَادَة عَلَيْهَا فَإِن زَاد لم أكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِل مَا ذكره الشَّافِعِيَّة فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه. وَثَانِيها أَنَّهَا حرَام. وَثَالِثهَا أَنَّهَا خلاف الأولى وَأبْعد قوم فَقَالُوا أَنه إِذا زَاد على الثَّلَاث يبطل الْوضُوء كَمَا لَو زَاد فِي الصَّلَاة حَكَاهُ الدَّارمِيّ فِي استذكاره عَنْهُم وَهُوَ خطأ ظَاهر وَخلاف مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء قَوْله وَإِن يجاوزوا عطف على قَوْله الْإِسْرَاف فِيهِ وَهُوَ عطف تفسيري للإسراف إِذْ لَيْسَ المُرَاد بالإسراف إِلَّا الْمُجَاوزَة عَن فعل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَي الثَّلَاث وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَيْسَ بعد الثَّلَاث شَيْء وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَق لَا تجوز الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا آمن إِن يَأْثَم. فَإِن قلت الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب كُله تَرْجَمَة فَأَيْنَ الحَدِيث قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن قَوْله وَبَين النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة حَدِيث لِأَن المُرَاد من الحَدِيث أَعم من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق وَكَذَا قَوْله وَتَوَضَّأ أَيْضا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ حَدِيث لما ذكرنَا وَلَا شكّ أَن كلا مِنْهُمَا بَيَان للسّنة وَهُوَ الْمَقْصُود من الْبَاب وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ على مَا وجد فِي بعض النّسخ من ذكر لفظ بَاب هَهُنَا وَأما على بعض النّسخ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذكر لفظ بَاب فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف

(بَاب لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور)

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا وَأخرج أَصْحَاب السِّتَّة للْجَمِيع إِلَّا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَعبد الرَّزَّاق هُوَ ابْن همام وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد ومنبه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم يمانيون إِلَّا إِسْحَق وَمِنْهَا أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء أَصْحَاب مسانيد (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَق بن نصر وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان كلهم عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أحدث أَي وجد مِنْهُ الْحَدث أَو أَصَابَهُ الْحَدث أَو دخل فِي الْحَدث من الْحُدُوث وَهُوَ كَون شَيْء لم يكن قَالَ الصغاني أحدث الرجل من الْحَدث فَأَما قَول الْفُقَهَاء أحدث أَي أَتَى مِنْهُ مَا نقض طَهَارَته فَلَا تعرفه الْعَرَب قَوْله من حضر موت بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَهُوَ اسْم بلد بِالْيمن وقبيلة أَيْضا وهما اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا وَالِاسْم الأول مِنْهُ مَبْنِيّ على الْفَتْح على الْأَصَح إِن قيل ببنائهما وَقيل بإعرابهما فَيُقَال حضر موت بِرَفْع الرَّاء وجر التَّاء وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ لُغَتَانِ التَّرْكِيب وَمنع الصّرْف وَالثَّانيَِة الْإِضَافَة فَإِذا أضيف جَازَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ الصّرْف وَتَركه وَفِي الْمطَالع حضر موت من بِلَاد الْيمن وهذيل وَيُقَال حضر موت بِضَم الْمِيم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ حضرمي والتصغير حضيرموت يصغر الْمصدر مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجمع فَيُقَال فلَان من الحضارمة قَوْله فسَاء بِضَم الْفَاء وبالمد والضراط بِضَم الضَّاد وهما مشتركان فِي كَونهمَا ريحًا خَارِجا من الدبر ممتازان بِكَوْن الأول بِدُونِ الصَّوْت وَالثَّانِي مَعَ الصَّوْت وَفِي الصِّحَاح فسا يفسو فسوا وَالِاسْم الفساء بِالْمدِّ وتفاست الخنافس إِذا أخرجت استها لذَلِك وَفِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد الضراط مَعْرُوف يُقَال ضرط يضرط ضرطا وضروطا وضريطا وضراطا. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا قَوْله لَا يقبل الله إِلَى آخِره مقول القَوْل قَوْله صَلَاة مَنْصُوب أَو مَرْفُوع على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ مُضَاف إِلَى قَوْله من وَهِي مَوْصُولَة وأحدث جملَة صلتها قَوْله حَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى وَالْمعْنَى عدم قبُول الصَّلَاة مغيا بالتوضىء قَوْله قَالَ رجل فعل وفاعل وَقَوله من حضر موت جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل قَوْله مَا الْحَدث جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل قَوْله يابا هُرَيْرَة حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف قَوْله فسَاء مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ فسَاء أَي الْحَدث فسَاء أَو ضراط (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَاق بن نصر وَكَذَا روى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي أَكثر النّسخ لَا تقبل صَلَاة من أحدث على الْبناء لما لم يسم فَاعله وَالْمرَاد بِالْقبُولِ هُنَا مَا يرادف الصِّحَّة وَهُوَ الْإِجْزَاء وَحَقِيقَة الْقبُول وُقُوع الطَّاعَة مجزئة رَافِعَة لما فِي الذِّمَّة وَلما كَانَ الْإِتْيَان بشروطها مَظَنَّة الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الْقبُول عبر عَنهُ بِالْقبُولِ مجَازًا وَأما الْقبُول الْمَنْفِيّ فِي مثل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من أَتَى عرافا لم تقبل لَهُ صَلَاة فَهُوَ الْحَقِيقِيّ لِأَنَّهُ قد يَصح الْعَمَل وَلَكِن يتَخَلَّف الْقبُول لمَانع وَلِهَذَا كَانَ يَقُول بعض السّلف لِأَن تقبل لي صَلَاة وَاحِدَة أحب إِلَيّ من جَمِيع الدُّنْيَا. وَالتَّحْقِيق هَهُنَا أَن الْقبُول يُرَاد بِهِ شرعا حُصُول الثَّوَاب وَقد تخلف عَن الصِّحَّة بِدَلِيل صِحَة صَلَاة العَبْد الْآبِق وشارب الْخمر مَا دَامَ فِي جسده شَيْء مِنْهَا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَيْضا وَأما مُلَازمَة الْقبُول للصِّحَّة فَفِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار وَالْمرَاد بالحائض من بلغت سنّ الْحيض فَإِنَّهَا لَا تقبل صلَاتهَا إِلَّا بالسترة وَلَا تصح وَلَا تقبل مَعَ انكشاف الْعَوْرَة وَالْقَبُول يُفَسر بترتب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء فَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ عَام فِي عدم الْقبُول فِي جَمِيع الْمُحدثين فِي جَمِيع أَنْوَاع الصَّلَاة وَالْمرَاد بِالْقبُولِ وُقُوع الصَّلَاة مجزئة بمطابقتها لِلْأَمْرِ فعلى هَذَا يلْزم من الْقبُول الصِّحَّة ظَاهرا وَبَاطنا وَكَذَلِكَ الْعَكْس وَنقل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الثَّوَاب والدرجات على الْعِبَادَة والإجزاء عبارَة عَن مُطَابقَة الْأَمر فهما متغايران أَحدهمَا أخص من الآخر وَلَا يلْزم من نفى الْأَخَص نفى الْأَعَمّ فالقبول على هَذَا

التَّفْسِير أخص من الصِّحَّة فَكل مَقْبُول صَحِيح وَلَا عكس قَوْله من أحدث قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ من وجد مِنْهُ الْحَدث وَهُوَ عبارَة عَمَّا نقض الْوضُوء وَهُوَ بموضوعه يُطلق على الْأَكْبَر كالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس والأصغر كنواقض الْوضُوء وَقد يُسمى الْمَنْع الْمُرَتّب عَلَيْهِ حَدثا وَبِه يَصح قَوْلهم رفعت الْحَدث ونويت رَفعه وَإِلَّا اسْتَحَالَ مَا يرفع أَن لَا يكون رَافعا وَكَأن الشَّارِع جعل أمد الْمَنْع الْمُرَتّب على خُرُوج الْخَارِج إِلَى اسْتِعْمَال المطهر وَبِهَذَا يقوى قَول من يرى أَن التَّيَمُّم يرفع الْحَدث لكَون الْمُرْتَفع هُوَ الْمَنْع وَهُوَ مُرْتَفع بِالتَّيَمُّمِ لكنه مَخْصُوص بِحَالَة مَا أَو بِوَقْت مَا وَلَيْسَ ذَلِك ببدع فَإِن الْأَحْكَام قد تخْتَلف باخْتلَاف محلهَا وَقد كَانَ الْوضُوء فِي صدر الْإِسْلَام وَاجِبا لكل صَلَاة فقد ثَبت أَنه كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْت مَعَ كَونه رَافعا للْحَدَث اتِّفَاقًا وَلَا يلْزم من انتهائه فِي ذَلِك الْوَقْت بانتهاء وَقت الصَّلَاة إِلَّا يكون رَافعا للْحَدَث ثمَّ زَالَ ذَلِك الْوُجُوب كَمَا عرف. وَقد ذكر الْفُقَهَاء أَن الْحَدث وصف حكمي مُقَدّر قِيَامه بالأعضاء على معنى الْوَصْف الْحسي وينزلون الْوَصْف الْحكمِي منزلَة الْحسي فِي قِيَامه بالأعضاء فَمن يَقُول بِأَن التَّيَمُّم لَا يرفع الْحَدث يَقُول أَن الأمد الْمُقدر الْحكمِي بَاقٍ لم يزل وَالْمَنْع الَّذِي هُوَ مُرَتّب عَلَيْهِ التَّيَمُّم زائل قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ نفى الْقبُول إِلَى غَايَة وَهُوَ الْوضُوء وَمَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا فَاقْتضى قبُول الصَّلَاة بعد الْوضُوء مُطلقًا وَدخل تَحْتَهُ الصَّلَاة الثَّانِيَة قبل الْوضُوء لَهَا ثَانِيًا وتحقيقه أَن لفظ صَلَاة اسْم جنس فَيعم ثمَّ اعْلَم أَن معنى قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ أَو مَا يقوم مقَامه لِأَنَّهُ قد أَتَى بِمَا أَمر بِهِ على أَن التَّيَمُّم من أَسْمَائِهِ الْوضُوء قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الشَّارِع على التَّيَمُّم أَنه وضوء لكَونه قَامَ مقَامه وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْوضُوء نظرا إِلَى كَونه الأَصْل وَهَهُنَا قيد آخر ترك ذكره للْعلم بِهِ وَهُوَ حَتَّى يتَوَضَّأ مَعَ بَاقِي شُرُوط الصَّلَاة وَالضَّمِير فِي قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ يرجع إِلَى قَوْله من أحدث وَسَماهُ مُحدثا وَإِن كَانَ طَاهِرا بِاعْتِبَار مَا كَانَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم} وَقَوله حَتَّى يتَوَضَّأ هُوَ آخر الحَدِيث وَالْبَاقِي إدراج وَالظَّاهِر أَنه من همام قَوْله فسَاء أَو ضراط قَالَ ابْن بطال إِنَّمَا اقْتصر على بعض الْأَحْدَاث لِأَنَّهُ أجَاب سَائِلًا سَأَلَهُ عَن الْمُصَلِّي يحدث فِي صلَاته فَخرج جَوَابه على مَا سبق الْمُصَلِّي من الإحداث فِي صلَاته لِأَن الْبَوْل وَالْغَائِط وَنَحْوهمَا غير مَعْهُود فِي الصَّلَاة وَقَالَ الْخطابِيّ لم يرد بِذكر هذَيْن النَّوْعَيْنِ تخصيصهما وَقصر الحكم عَلَيْهِمَا بل دخل فِي مَعْنَاهُ كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كَانَ أوسع من الحكم كَانَ الحكم للمعنى وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ أَن يثبت الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ للمعنى الْمُشْتَرك بَينهمَا قلت وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن مَا هُوَ أغْلظ من الفساء بِالطَّرِيقِ الأولى وَيحْتَمل أَن يُقَال الْمجمع عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْحَدث لَيْسَ إِلَّا الْخَارِج النَّجس من الْمُعْتَاد وَمَا يكون مَظَنَّة لَهُ كزوال الْعقل فَأَشَارَ إِلَيْهِ على سَبِيل الْمِثَال كَمَا يُقَال الِاسْم زيد أَو كزيد وَيُسمى مثله تعريفا بالمثال أَو يُقَال كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يعلم أَنه عَارِف بِسَائِر أَنْوَاع الْحَدث جَاهِل بكونهما حَدثا فتعرض لحكمهما بَيَانا لذَلِك كَذَا قَالَ بعض الشَّارِحين وَفِيه بعد وَالْأَقْرَب أَن يُقَال أَنه أجَاب السَّائِل بِمَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي غَالب الْأَمر كَمَا ورد نَحْو ذَلِك فِي حَدِيث آخر لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ الدّلَالَة على أَن الصَّلَوَات كلهَا مفتقرة إِلَى الطَّهَارَة وَيدخل فِيهَا صَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا وَحكى عَن الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَنَّهُمَا أجازا صَلَاة الْجِنَازَة بِغَيْر وضوء وَهُوَ بَاطِل لعُمُوم هَذَا الحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَمن الْغَرِيب أَن قَوْلهمَا قَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة فَلَو صلى مُحدثا مُتَعَمدا بِلَا عذر أَثم وَلَا يكفر عِنْد الْجُمْهُور وَبِه قَالَت الشَّافِعِيَّة وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه يكفر لتلاعبه الثَّانِي فِيهِ الدَّلِيل على بطلَان الصَّلَاة بِالْحَدَثِ سَوَاء كَانَ خُرُوجه اختياريا أَو اضطراريا لعدم التَّفْرِقَة فِي الحَدِيث بَين حدث وَحدث فِي حَالَة دون حَالَة الثَّالِث قَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رد على من يَقُول إِذا سبقه الْحَدث يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته قلت هَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله وَحكى عَن مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَهُوَ لَيْسَ يرد عَلَيْهِم أصلا لِأَن من سبقه الْحَدث إِذا ذهب وَتَوَضَّأ وَبنى على صلَاته يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ وَصلى بِالْوضُوءِ وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي بطلَان صلَاته على أَنه ورد الْأَثر فِيهِ الرَّابِع قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ أَن الطّواف لَا يجزىء بِغَيْر طهُور لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَمَّاهُ صَلَاة فَقَالَ الطّواف صَلَاة إِلَّا أَنه أُبِيح فِيهِ الْكَلَام قلت اشْتِرَاط الطَّهَارَة للطَّواف بِخَبَر

الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص وَهِي نسخ فَلَا يثبت بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وليطوفوا بِالْبَيْتِ} غير أَنا نقُول بِوُجُوبِهَا لخَبر الْوَاحِد وَمعنى الحَدِيث الطّواف كَالصَّلَاةِ والتشبيه فِي الثَّوَاب دون الحكم لِأَن التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ أَلا ترى أَن الانحراف وَالْمَشْي فِيهِ لَا يُفْسِدهُ

(بَاب فضل الْوضُوء والغر المحجلون من آثَار الْوضُوء)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْوضُوء وَالْبَاب مُضَاف إِلَى قَوْله فضل الْوضُوء قَوْله والغر المحجلين بِالْجَرِّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي عطفا على الْوضُوء وَالتَّقْدِير وَفضل الغر المحجلين وَصرح بِهِ الْأصيلِيّ فِي رِوَايَته وَفِي أَكثر الرِّوَايَات والغر المحجلون بِالرَّفْع وَذكر فِي وَجهه أَقْوَال فَقَالَ الْكرْمَانِي وَجهه أَن يكون الغر مُبْتَدأ وَخَبره محذوفا أَي مفضلون على غَيرهم وَنَحْوه أَو يكون من آثَار الْوضُوء خَبره أَي الغر المحجلون منشؤهم آثَار الْوضُوء وَقَالَ بَعضهم الْوَاو استئنافية والغر المحجلون مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره لَهُم فضل قلت بل الْوَاو عاطفة لِأَن التَّقْدِير بَاب فضل الْوضُوء وَبَاب هَذِه الْجُمْلَة وَقَالَ بعض الشُّرَّاح والغر المحجلون بِالرَّفْع وَإِنَّمَا قطعه عَمَّا قبله لِأَنَّهُ لَيْسَ من جملَة التَّرْجَمَة قلت لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالَه بل هُوَ من جملَة التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهَا صَرِيحًا لمطابقة مَا فِي حَدِيث الْبَاب إِيَّاهَا على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يكون مَرْفُوعا على سَبِيل الْحِكَايَة مِمَّا ورد هَكَذَا أمتِي الغر المحجلون من آثَار الْوضُوء قلت وَقع فِي رِوَايَة مُسلم أَنْتُم الغر المحجلون فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق عدم قبُول الصَّلَاة إِلَّا بِالْوضُوءِ وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب فضل هَذَا الْوضُوء الَّذِي يحصل بِهِ الْقبُول ويفضل بِهِ على غَيره من الْأُمَم

٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن خَالِد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن نعيم المجمر قَالَ رقيت مَعَ أبي هُرَيْرَة على ظهر الْمَسْجِد فَتَوَضَّأ فَقَالَ إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن أمتِي يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل) مُطَابقَة الحَدِيث للترجمتين ظَاهِرَة أما مطابقته للأولى وَهِي قَوْله فضل الْوضُوء فبطريق سوق الْكَلَام لَهُ وَأما مطابقته للثَّانِيَة وَهِي قَوْله والغر المحجلين من آثَار الْوضُوء فبطريق التَّصْرِيح فِي لفظ الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف الْمصْرِيّ وَقد تقدم الثَّانِي اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ وَقد تقدم غير مرّة الثَّالِث خَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة الإسْكَنْدراني الْبَرْبَرِي الأَصْل أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمُفْتِي التَّابِعِيّ الثِّقَة مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة الرَّابِع سعيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ مَوْلَاهُم أَبُو الْعَلَاء الْمصْرِيّ ولد بِمصْر وَنَشَأ بِالْمَدِينَةِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر فِي خلَافَة هِشَام وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة الْخَامِس نعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عبد الله وَقيل مُحَمَّد الْمدنِي الْعَدوي من آل عمر روى عَن أبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَغَيرهمَا وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد وَمَالك وَجَمَاعَة وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَآخَرُونَ وجالس أَبَا هُرَيْرَة عشْرين سنة قَوْله المجمر اسْم فَاعل من الإجمار على الْأَشْهر وَيُقَال المجمر بتَشْديد الْمِيم من التجمير وَهُوَ التبخير سمى بِهِ نعيم وَأَبوهُ أَيْضا بذلك لِأَنَّهُمَا كَانَا يبخران مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ النَّوَوِيّ المجمر صفة لعبد الله وَيُطلق على ابْنه نعيم مجَازًا وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر فقد جزم إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ بِأَن نعيما كَانَ يُبَاشر ذَلِك قلت كل مِنْهُمَا كَانَ يبخر الْمَسْجِد نقل ذَلِك عَن جمَاعَة فَحِينَئِذٍ إِطْلَاق المجمر على كل مِنْهُمَا بطرِيق الْحَقِيقَة فَلَا يَصح دَعْوَى الْمجَاز فِي نعيم فَائِدَة فِي الصَّحَابَة نعيم بن عبد الله النحام وَهُوَ من الْأَفْرَاد وَفِيهِمْ نعيم جمَاعَة بِدُونِ ابْن عبد الله السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن نصف الْإِسْنَاد مصري وَنصفه مدنِي وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَمِنْهَا أَن فِيهِ من بَاب رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة خَالِد عَن سعيد وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من فرسَان الْكتب السِّتَّة إِلَّا يحيى بن بكير فَإِنَّهُ من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه فَقَط (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث

عَن سعيد بن أبي هِلَال وَعَن أبي كريب وَالقَاسِم بن زَكَرِيَّا وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عمَارَة بن غزيَّة كِلَاهُمَا عَن نعيم المجمر بِهِ وَقَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَعَ أبي هُرَيْرَة سَبْعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم ذكرهم ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه ابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَعبد الله بن بسر الْمَازِني وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قلت وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو الدَّرْدَاء أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ ابْن لَهِيعَة فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنا أول من يُؤذن لَهُ بِالسُّجُود يَوْم الْقِيَامَة وَأول من يرفع رَأسه فَأنْظر بَين يَدي فأعرف أمتِي من بَين سَائِر الْأُمَم وَمن خَلْفي مثل ذَلِك وَعَن يَمِيني مثل ذَلِك وَعَن شمَالي مثل ذَلِك فَقَالَ رجل كَيفَ تعرف أمتك يَا رَسُول الله من بَين سَائِر الْأُمَم فِيمَا بَين نوح إِلَى أمتك قَالَ هم غر محجلون من أثر الْوضُوء لَيْسَ لأحد كَذَلِك غَيرهم وأعرفهم أَنه يُؤْتونَ كتبهمْ بأيمانهم وأعرفهم تسْعَى بَين أَيْديهم ذُرِّيتهمْ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله رقيت بِكَسْر الْقَاف أَي صعدت وَحكى صَاحب الْمطَالع فتح الْقَاف بِالْهَمْز وَبِدُون الْهَمْز قلت فَهَذِهِ ثَلَاث لُغَات واللغة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة كسر الْقَاف وَقَالَ كرَاع الْهَمْز أَجود وَخَالفهُ صَاحب الْجَامِع فَقَالَ عَدمه أصح وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ لَا أعلم صِحَة الْفَتْح وَهَذَا من الرقى أما من الرّقية فرقيت بِالْفَتْح كَمَا اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي فصيحه وَقَالَ الْجَوْهَرِي رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ رقيا ورقيا إِذا صعدت وارتقيت مثله وَفِي الْعباب رقأت الدرجَة لُغَة فِي رقيت قَوْله غرا بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع أغر أَي ذُو غرَّة بِالضَّمِّ قَالَ ابْن سَيّده الْغرَّة بَيَاض فِي الْجَبْهَة فرس أغر وغراء وَقيل الْأَغَر من الْخَيل الَّذِي غرته أَكثر من الدِّرْهَم قد وسطت جَبهته وَلم تصب وَاحِدَة من الْعَينَيْنِ وَلم تمل على وَاحِدَة من الدّين وَلم تسل سفلى وَهِي أفشى من القرحة وَقَالَ بَعضهم بل يُقَال للأغر أقرح لِأَنَّك إِذا قلت أغر فَلَا بُد من أَن تصف الْغرَّة بالطول وَالْعرض والصغر والعظم والدقة وكلهن غرر فالغرة جَامِعَة لَهُنَّ وغرة الْفرس بَيَاض يكون فِي وَجهه فَإِن كَانَت مؤزرة فَهِيَ وتيرة وَإِن كَانَت طَوِيلَة فَهِيَ شادخة وَعِنْدِي أَن الْغرَّة نفس الْقدر الَّذِي يشْغلهُ الْبيَاض والأغر الْأَبْيَض من كل شَيْء وَقد غر وَجهه يغر بِالْفَتْح غرا وغرة وعرارة صَار ذَا غرَّة قَوْله محجلين جمع محجل بتَشْديد الْجِيم الْمَفْتُوحَة من التحجيل قَالَ ابْن سَيّده هُوَ بَيَاض يكون فِي قَوَائِم الْفرس كلهَا قَالَ

(ذُو ميعة محجل القوائم ... )

وَقيل هُوَ أَن يكون الْبيَاض فِي ثَلَاث قَوَائِم مِنْهُنَّ دون الْأُخْرَى فِي رجل ويدين قَالَ

(تعادى من قَوَائِمهَا ثَلَاث ... بتحجيل وقائمة بهيم)

وَلَا يكون التحجيل فِي الْيَدَيْنِ خَاصَّة إِلَّا مَعَ الرجلَيْن وَلَا فِي يَد وَاحِدَة دون الْأُخْرَى إِلَّا مَعَ الرجلَيْن والتحجيل بَيَاض قل أَو كثر حَتَّى يبلغ نصف الوظيف ولون سائره مَا كَانَ وَفِي الصِّحَاح يُجَاوز الأرساغ وَلَا يُجَاوز الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين وَفِي المغيث فَإِذا كَانَ الْبيَاض فِي طرف الْيَد فَهُوَ الْعِصْمَة يُقَال فرس أعصم وَفِي الْعباب التحجيل بَيَاض فِي قَوَائِم الْفرس أَو فِي ثَلَاث مِنْهَا أَو فِي رجلَيْنِ قل أَو كثر بعد أَن يُجَاوز الأرساغ وَلَا يُجَاوز الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين لِأَنَّهَا مَوَاضِع الأحجال وَهِي الخلاخيل والقيود يُقَال فرس محجل وحجلت قوائمه تحجيلا فَإِذا كَانَ الْبيَاض فِي قوائمه الْأَرْبَع فَهُوَ محجل أَربع وَإِن كَانَ فِي الرجلَيْن جَمِيعًا فَهُوَ محجل الرجلَيْن وَإِن كَانَ بِإِحْدَى رجلَيْهِ وَجَاوَزَ الأرساغ فَهُوَ محجل الرجل الْيُمْنَى أَو الْيُسْرَى وَإِن كَانَ الْبيَاض فِي ثَلَاث قَوَائِم دون رجل أَو دون يَد فَهُوَ محجل ثَلَاث مُطلق يَد أَو رجل فَإِن كَانَ محجل يَد وَرجل من شقّ فَهُوَ مُمْسك الأيامن مُطلق الأياسر أَو مُمْسك الأياسر مُطلق الأيامن وَإِن كَانَ من خلاف قل أَو كثر فَهُوَ مشكول انْتهى قلت الأحجال جمع حجل بِالْفَتْح وَهُوَ الْقَيْد والخلخال أَيْضا والحجل بِالْكَسْرِ والحجل لُغَة فيهمَا وَالْأَصْل فِيهِ الْقَيْد والحجلان مشْيَة الْمُقَيد (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله على ظهر الْمَسْجِد يتَعَلَّق بقوله رقيت قَوْله فَتَوَضَّأ هَكَذَا وَقع لجمهور الروَاة بِلَفْظ تَوَضَّأ وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني يَوْمًا بدل تَوَضَّأ وَهُوَ تَصْحِيف ثمَّ هُوَ فَتَوَضَّأ بِالْفَاءِ فِي غَالب النّسخ وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره من الْوَجْه الَّذِي أوردهُ البُخَارِيّ بِلَفْظ ثمَّ تَوَضَّأ وَوَقع فِي بعض النّسخ تَوَضَّأ بِدُونِ حرف الْعَطف وَإِلَى هَذَا ذهب الْكرْمَانِي وَلِهَذَا قَالَ تَوَضَّأ اسْتِئْنَاف كَأَن قَائِلا يَقُول مَاذَا فعل قَالَ تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ وَلِهَذَا لم يذكر فِيهِ وَاو الْعَطف ثمَّ قَالَ وَفِي بعض النّسخ وَتَوَضَّأ بِالْوَاو وَقلت فِي أَكثر النّسخ فَتَوَضَّأ بِالْفَاءِ التعقيبية كَمَا ذكرنَا قَوْله قَالَ اسْتِئْنَاف وَلِهَذَا لم يذكر فِيهِ حرف

للْعَطْف كَأَن قَائِلا قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ فَقَالَ قَالَ إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا من النَّبِي قَوْله إِن أمتِي الخ مقول القَوْل وَقَوله أمتِي كَلَام إضافي اسْم إِن وَقَوله يدعونَ على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر إِن قَوْله يَوْم الْقِيَامَة نصب على الظّرْف قَوْله غرا فِي انتصابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي يدعونَ وَالْمعْنَى يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة وهم بِهَذِهِ الصّفة وَيدعونَ يتَعَدَّى فِي الْمَعْنى بالحرف وَالتَّقْدِير يدعونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يدعونَ إِلَى كتاب الله} وَالْوَجْه الآخر أَن يكون مَفْعُولا ثَانِيًا ليدعون على تضمنه معنى يسمون بِهَذَا الِاسْم كَمَا يُقَال فلَان يدعى زيدا وأصل يدعونَ يدعوون بواوين تحركت الأولى وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا فَاجْتمع ساكنان الْألف وَالْوَاو بعْدهَا فحذفت الْألف لالتقاء الساكنين فَصَارَ يدعونَ قَوْله محجلين يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين قَوْله من آثَار الْوضُوء كلمة من تصلح أَن تكون للتَّعْلِيل أَي لأجل آثَار الْوضُوء قَوْله فَمن كلمة من مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله فَلْيفْعَل وَدخلت الْفَاء فِيهِ لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط قَوْله اسْتَطَاعَ جملَة صلَة الْمَوْصُول قَوْله أَن يُطِيل فِي مَحل النصب بقوله اسْتَطَاعَ وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم إطالة غرته فَلْيفْعَل ومفعول فَلْيفْعَل مَحْذُوف للْعلم بِهِ أَي فَلْيفْعَل الْغرَّة أَو الإطالة (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله الْمَسْجِد الْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد أَي مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَقُول بِصُورَة الْمُضَارع لأجل الاستحضار لصورة الْمَاضِيَة أَو لأجل الْحِكَايَة عَنْهَا وَإِلَّا فَالْأَصْل أَن يُقَال قَالَ بِلَفْظ الْمَاضِي قَوْله إِن أمتِي الْأمة فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع وَهِي فِي اللُّغَة الْجَمَاعَة وكل جنس من الْحَيَوَان أمة وَفِي الحَدِيث لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها وتستعمل فِي اللُّغَة لمعان كَثِيرَة الطَّرِيقَة وَالدّين يُقَال فلَان لَا أمة لَهُ أَي لَا دين لَهُ وَلَا تَحِلَّة لَهُ والحين قَالَ تَعَالَى {وادكر بعد أمة} أَي بعد حِين وَالْملك وَالرجل الْجَامِع للخير وَالرجل الْمُنْفَرد بِدِينِهِ لَا يشركهُ فِيهِ أحد وَالْأمة اتِّبَاع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطلق على مَعْنيين أمة الدعْوَة وَهِي من بعث إِلَيْهِم وَأمة الْإِجَابَة وَهِي من صدقه وآمن بِهِ وَهَذِه هِيَ المرادة مِنْهَا قَوْله يدعونَ أما من الدُّعَاء بِمَعْنى النداء أَي يدعونَ إِلَى موقف الْحساب أَو إِلَى الْمِيزَان أَو إِلَى غير ذَلِك وَأما من الدُّعَاء بِمَعْنى التَّسْمِيَة نَحْو دَعَوْت ابْني زيدا أَي سميته بِهِ قَوْله يَوْم الْقِيَامَة يَوْم من الْأَسْمَاء الشاذة لوُقُوع الْفَاء وَالْعين فِيهِ حرفي عِلّة فَهُوَ من بَاب وَيْح وويل وَهُوَ اسْم لبياض النَّهَار وَهُوَ من طُلُوع الْفجْر الصَّادِق إِلَى غرُوب الشَّمْس وَالْقِيَامَة فعالة من قَامَ يقوم وَأَصلهَا قَوَّامَة قلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا قَوْله من آثَار الْوضُوء الْآثَار جمع أثر وَأثر الشَّيْء هُوَ بَقِيَّته وَمِنْه أثر الْجرْح وَالْوُضُوء بِضَم الْوَاو وَيجوز فتحهَا أَيْضا فَإِن الْغرَّة والتحجيل نشآ عَن الْغسْل بِالْمَاءِ فَيجوز أَن ينْسب إِلَى كل مِنْهُمَا قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ أَي قدر أَن يُطِيل غرته أَي يغسل غرته بِأَن يُوصل المَاء من فَوق الْغرَّة إِلَى تَحت الحنك طولا وَمن الْأذن إِلَى الْأذن عرضا وَفِيه بَاب الِاخْتِصَار حَيْثُ حذف الْمَفْعُول فِي قَوْله فَلْيفْعَل لأَنا قُلْنَا أَن التَّقْدِير فَلْيفْعَل الْغرَّة أَو الإطالة وَفِيه أَيْضا الِاحْتِرَاز عَن التّكْرَار والإشعار بِأَن أصل هَذَا الْفِعْل مهتم بِهِ وَفِيه بَاب الِاكْتِفَاء حَيْثُ اقْتصر على ذكر الْغرَّة وَلم يذكر التحجيل وَذَلِكَ للْعلم بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {سرابيل تقيكم الْحر} وَالْمرَاد الْحر وَالْبرد وَلم يذكر الْبرد للْعلم بِهِ وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد كِلَاهُمَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم بِذكر كليهمَا مُصَرحًا من طَرِيق عمَارَة بن غزيَّة وَهُوَ قَوْله فليطل غرته وتحجيله وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْغرَّة وَهِي مُؤَنّثَة دون التحجيل وَهُوَ مُذَكّر لِأَن مَحل الْغرَّة أشرف أَعْضَاء الْوضُوء وَأول مَا يَقع عَلَيْهِ النّظر من الْإِنْسَان وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي كَانَ ذَلِك من بَاب التغليب بِالذكر لأحد الشَّيْئَيْنِ على الآخر وَإِن كَانَا بسبيل وَاحِد للترغيب فِيهِ وَقد اسْتعْمل الْفُقَهَاء ذَلِك فَقَالُوا يسْتَحبّ تَطْوِيل الْغرَّة ومرادهم الْغرَّة والتحجيل قلت هَذَا لَيْسَ بتغليب حَقِيقِيّ إِذْ لم يُؤْت فِيهِ إِلَّا بِأحد الاسمين والتغليب اجْتِمَاع الاسمين أَو الْأَسْمَاء ويغلب أَحدهمَا على الآخر نَحْو القمرين والعمرين وَنَحْوهمَا ورد عَلَيْهِ بعض الشَّارِحين بِأَن الْقَاعِدَة فِي التغليب أَن يغلب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث لَا بِالْعَكْسِ وَالْأَمر هُنَا بِالْعَكْسِ لتأنيث الْغرَّة وتذكير التحجيل قلت نقل عَن ابْن بابشاد أَنه قَالَ تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر وَقع فِي موضِعين أَحدهمَا ضبعان للخفة وَالْآخر فِي بَاب التَّارِيخ وَأَن التَّارِيخ عِنْد الْعَرَب من اللَّيْل لَا من النَّهَار فغلبوا اللَّيْلَة على النَّهَار وَالثَّانِي مَرْدُود لما ذكرنَا أَن حَقِيقَة التغليب أَن

يجْتَمع شَيْئَانِ ويغلب أَحدهمَا على الآخر وَهَذَا لم يجْتَمع فِيهِ شَيْئَانِ وَإِنَّمَا جعلت التَّارِيخ بالليلة دون النَّهَار لِأَن أشهر الْعَرَب قمرية فَافْهَم ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا كُله على تَقْدِير أَن يكون قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم إِلَى آخِره من الحَدِيث لِأَن الْمَرْفُوع مِنْهُ إِلَى قَوْله من آثَار الْوضُوء وَبَاقِي ذَلِك من قَول أبي هُرَيْرَة أدرجه فِي آخر الحَدِيث وَقد أنكر ذَلِك بعض الشَّارِحين فَقَالَ وَفِي هَذِه الدَّعْوَى بعد عِنْدِي قلت لَيْسَ فِيهَا بعد وَكَيف وَقد رَوَاهُ أَحْمد رَحمَه الله من طَرِيق فليح عَن نعيم وَفِي آخِره قَالَ نعيم لَا أَدْرِي قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَى آخِره من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من قَول أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد روى هَذَا الحَدِيث عشرَة من الصَّحَابَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُم هَذِه الْجُمْلَة وَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أحد مِنْهُم غير مَا وجد فِي رِوَايَة نعيم عَنهُ فَهَذَا كُله أَمارَة الإدراج وَالله أعلم (بَيَان الْبَيَان) فِيهِ تَشْبِيه بليغ حَيْثُ شبه النُّور الَّذِي يكون على مَوضِع الْوضُوء يَوْم الْقِيَامَة بغرة الْفرس وتحجيله وَيجوز أَن يكون كِنَايَة بِأَن يكون كنى بالغرة عَن نور الْوَجْه وَقد علم أَن الْأُصُول فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة التَّشْبِيه وَالْمجَاز وَالْكِنَايَة فالتشبيه هُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس وَاللَّفْظ المُرَاد بِهِ لَازم مَا وضع لَهُ أَن قَامَت قرينَة على عدم إِرَادَته فمجاز كَقَوْلِه رَأَيْت أسدا يرْمى وَإِن لم تقم قرينَة على عدم إِرَادَة مَا وضع لَهُ فَهُوَ كِنَايَة كَقَوْلِك زيد طَوِيل النجاد وَمعنى الْمجَاز كجزء معنى الْكِنَايَة من حَيْثُ أَن الْكِنَايَة لَا تنَافِي إِرَادَة الْحَقِيقَة فَلَا يمْتَنع أَن يُرَاد من قَوْلهم فلَان طَوِيل النجاد طول نجاده من غير ارْتِكَاب تَأَول مَعَ إِرَادَة طول قامته بِخِلَاف الْمجَاز فَإِنَّهُ يُنَافِي الْحَقِيقَة فَيمْتَنع أَن يُرَاد معنى الْأسد من غير تَأْوِيل فِي نَحْو رَأَيْت أسدا فِي الْحمام فالحقيقة جَائِزَة الْإِرَادَة مَعَ الْكِنَايَة غير جَائِزَة الْإِرَادَة مَعَ الْمجَاز فَإِن الْمجَاز بِهَذَا الِاعْتِبَار جُزْء من الْكِنَايَة فَافْهَم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول قَالُوا فِيهِ تَطْوِيل الْغرَّة وَهُوَ غسل شَيْء من مقدم الرَّأْس وَمَا يُجَاوز الْوَجْه زَائِدا على الْقدر الَّذِي يجب غسله لاستيقان كَمَال الْوَجْه وَفِيه تَطْوِيل التحجيل وَهُوَ غسل مَا فَوق الْمرْفقين والكعبين وَادّعى ابْن بطال ثمَّ القَاضِي عِيَاض ثمَّ ابْن التِّين اتِّفَاق الْعلمَاء على أَنه لَا يسْتَحبّ الزِّيَادَة فَوق الْمرْفق والكعب وَهِي دَعْوَى بَاطِلَة فقد ثَبت ذَلِك عَن فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي هُرَيْرَة وَعمل الْعلمَاء وفتواهم عَلَيْهِ فهم محجوجون بِالْإِجْمَاع وَقد ثَبت عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا من فعله أخرجه ابْن أبي شيبَة وَأَبُو عبيد بِإِسْنَاد حسن ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْقدر الْمُسْتَحبّ من التَّطْوِيل فِي التحجيل فَقيل إِلَى الْمنْكب وَالركبَة وَقد ثَبت عَن أبي هُرَيْرَة رِوَايَة ورأيا وَقيل الْمُسْتَحبّ الزِّيَادَة إِلَى نصف الْعَضُد والساق وَقيل إِلَى فَوق ذَلِك وَنقل ذَلِك عَن الْبَغَوِيّ وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة حاصلها ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَنه يسْتَحبّ الزِّيَادَة فَوق الْمرْفقين والكعبين من غير تَوْقِيت وَثَانِيها إِلَى نصف الْعَضُد والساق وَثَالِثهَا إِلَى الْمنْكب والركبتين قَالَ وَالْأَحَادِيث تَقْتَضِي ذَلِك كُله وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي لَيْسَ فِي الحَدِيث تَقْيِيد وَلَا تَحْدِيد لمقدار مَا يغسل من العضدين والساقين وَقد اسْتعْمل أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث على إِطْلَاقه وَظَاهره من طلب إطالة الْغرَّة فَغسل إِلَى قريب من الْمَنْكِبَيْنِ وَلم ينْقل ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا كثر اسْتِعْمَاله فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَلذَلِك لم يقل بِهِ الْفُقَهَاء وَرَأَيْت بعض النَّاس قد ذكر أَن حد ذَلِك نصف الْعَضُد والساق انْتهى قلت قَوْله لم يقل بِهِ الْفُقَهَاء مَرْدُود بِمَا ذَكرْنَاهُ وَمن أَوْهَام ابْن بطال وَالْقَاضِي عِيَاض إنكارهما على أبي هُرَيْرَة بُلُوغه المَاء إِلَى إبطَيْهِ وَأَن أحدا لم يُتَابِعه عَلَيْهِ فقد قَالَ بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَآخَرُونَ من الشَّافِعِيَّة وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ رُبمَا بلغ بِالْوضُوءِ إبطه فِي الصَّيف فَإِن قلت روى ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن وَكِيع عَن عقبَة بن أبي صَالح عَن إِبْرَاهِيم أَنه كرهه قلت هَذَا مَرْدُود بِذَاكَ فَإِن قلت اسْتدلَّ ابْن بطال فِيمَا ذهب إِلَيْهِ وَمن تبعه أَيْضا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من زَاد على هَذَا اَوْ نقص فقد أَسَاءَ وظلم قلت هَذَا اسْتِدْلَال فَاسد لِأَن المُرَاد بِهِ الزِّيَادَة فِي عدد المرات أَو النَّقْص عَن الْوَاجِب أَو الثَّوَاب الْمُرَتّب على نقص الْعدَد لَا الزِّيَادَة على تَطْوِيل الْغرَّة أَو التحجيل وَكَذَلِكَ تَأْوِيل ابْن بطال الِاسْتِطَاعَة فِي الحَدِيث على إطالة الْغرَّة والتحجيل بالمواظبة على الْوضُوء لكل صَلَاة فتطول غرته بتقوية نور أَعْضَائِهِ وَبِأَن الطول والدوام مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب فَاسد وَوَجهه ظَاهر وَكَذَلِكَ قَوْله الْوَجْه لَا سَبِيل إِلَى الزِّيَادَة فِي غسله إِذْ اسْتِيعَاب الْوَجْه بِالْغسْلِ وَاجِب فَاسد لَا مَكَان

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنَ الثَّلَاثِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أُحِبُّ الْوَاحِدَةَ إِلَّا مِنَ الْعَالِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مِنَ الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ. وَأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثِ شَيْءٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا آمَنَ أَنْ يَأْثَمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ. أَيْ: لَمْ أُحَرِّمْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُحِبُّ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ. وَهَذَا الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.

وَحَكَى الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ كَرَاهَتِهَا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَيْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْهُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، فَالْأَصَحُّ إِنْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَقِيلَ الْفَرْضُ فَقَطْ، وَقِيلَ مِثْلُهُ حَتَّى سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَقِيلَ مَا يُقْصَدُ لَهُ الْوُضُوءُ وَهُوَ أَعَمُّ، وَقِيلَ إِذَا وَقَعَ الْفَصْلُ بِزَمَنٍ يُحْتَمَلُ فِي مِثْلِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ عَادَةً.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِقَادِ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ سُنَّةٌ أَخْطَأَ وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحْدِيدِ شَيْءٌ، بَلْ لَوْ زَادَ الرَّابِعَةَ وَغَيْرَهَا لَا لَوْمَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ: الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ. قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْعُضْوِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الْمَرَّاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ الطَّارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا، لِئَلَّا يَؤُولَ بِهِ الْحَالُ إِلَى الْوَسْوَاسِ الْمَذْمُومِ.

٢ - بَاب لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ

١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.

[الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي التَّرْجَمَةِ وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُقْبَلُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء المُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل (١) وضمِّ ميم الثَّاني وفتح النُّون وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ) أي: الذي (أَحْدَثَ) و «صلاةُ» بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً» بالنَّصب على المفعوليَّة، «مَنْ أَحْدَث»، أي: وُجِدَ منه الحَدَثُ الأكبر كالجنابة والحيض (٢)، والأصغر النَّاقض للوضوء (حَتَّى) أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل. انتهى. والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عَشْرَ سنين»، فأطلق على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ لكونه قام (٣) مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر (٤) الوضوء نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ، أي: مع باقي شروط الصَّلاة، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ لأنَّ القبول انتفى (٥) إلى غاية الوضوء، و (٦) ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ

كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الضَّاد (١) المُعجَمَة وفتح الرَّاء والميم، بلدٌ باليمن، وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الحَدَثُ) وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:) هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ) بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة (٢)، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، وإلَّا فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب (٣) على كلِّ واحدةٍ من الثَّلاث (٤)، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبقَ أن يعنيَ إلَّا المنع أو الوصف (٥).

(٣) هذا (بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ) بالجرِّ على الإضافة (وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ) بالرَّفع عطفًا على «بابُ» أي: وبابُ الغرِّ المُحجَّلين، فأُقِيمَ المُضَاف إليه مُقام «بابٍ» المحذوف، أوِ «الغرُّ» مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: يُفضَّلون (٦) على غيرهم، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «وفضل الغرِّ المُحَجَّلين» (مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) جمع أثر الشَّيء، وهو بقيَّته.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هُوَ صرف الشَّيْء فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي بِخِلَاف التبذير فَإِنَّهُ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي قَوْله فِيهِ أَي فِي الْوضُوء وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه من طَرِيق هِلَال بن يسَاف أحد التَّابِعين قَالَ كَانَ يُقَال فِي الْوضُوء إِسْرَاف وَلَو كنت على شاطىء نهر وَأخرج نَحوه عَن أبي الدَّرْدَاء وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وروى فِي مَعْنَاهُ حَدِيث مَرْفُوع أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد لين حَدثنَا ابْن مصفى حَدثنَا بَقِيَّة عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ لَا تسرف لَا تسرف قَالَ وَحدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن يحيى بن عبد الله عَن الجباني عَن ابْن عَمْرو أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرف قَالَ أَفِي الْوضُوء إِسْرَاف قَالَ نعم وَإِن كنت على نهر جَار وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَول البُخَارِيّ هَذَا إِشَارَة إِلَى نقل الْإِجْمَاع على منع الزِّيَادَة على الثَّلَاث قلت وَفِيه نظر فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ فِي الْأُم لَا أحب الزِّيَادَة عَلَيْهَا فَإِن زَاد لم أكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِل مَا ذكره الشَّافِعِيَّة فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه. وَثَانِيها أَنَّهَا حرَام. وَثَالِثهَا أَنَّهَا خلاف الأولى وَأبْعد قوم فَقَالُوا أَنه إِذا زَاد على الثَّلَاث يبطل الْوضُوء كَمَا لَو زَاد فِي الصَّلَاة حَكَاهُ الدَّارمِيّ فِي استذكاره عَنْهُم وَهُوَ خطأ ظَاهر وَخلاف مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء قَوْله وَإِن يجاوزوا عطف على قَوْله الْإِسْرَاف فِيهِ وَهُوَ عطف تفسيري للإسراف إِذْ لَيْسَ المُرَاد بالإسراف إِلَّا الْمُجَاوزَة عَن فعل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَي الثَّلَاث وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَيْسَ بعد الثَّلَاث شَيْء وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَق لَا تجوز الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا آمن إِن يَأْثَم. فَإِن قلت الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب كُله تَرْجَمَة فَأَيْنَ الحَدِيث قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن قَوْله وَبَين النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة حَدِيث لِأَن المُرَاد من الحَدِيث أَعم من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق وَكَذَا قَوْله وَتَوَضَّأ أَيْضا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ حَدِيث لما ذكرنَا وَلَا شكّ أَن كلا مِنْهُمَا بَيَان للسّنة وَهُوَ الْمَقْصُود من الْبَاب وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ على مَا وجد فِي بعض النّسخ من ذكر لفظ بَاب هَهُنَا وَأما على بعض النّسخ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذكر لفظ بَاب فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف

(بَاب لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور)

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا وَأخرج أَصْحَاب السِّتَّة للْجَمِيع إِلَّا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَعبد الرَّزَّاق هُوَ ابْن همام وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد ومنبه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم يمانيون إِلَّا إِسْحَق وَمِنْهَا أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء أَصْحَاب مسانيد (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَق بن نصر وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان كلهم عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أحدث أَي وجد مِنْهُ الْحَدث أَو أَصَابَهُ الْحَدث أَو دخل فِي الْحَدث من الْحُدُوث وَهُوَ كَون شَيْء لم يكن قَالَ الصغاني أحدث الرجل من الْحَدث فَأَما قَول الْفُقَهَاء أحدث أَي أَتَى مِنْهُ مَا نقض طَهَارَته فَلَا تعرفه الْعَرَب قَوْله من حضر موت بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَهُوَ اسْم بلد بِالْيمن وقبيلة أَيْضا وهما اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا وَالِاسْم الأول مِنْهُ مَبْنِيّ على الْفَتْح على الْأَصَح إِن قيل ببنائهما وَقيل بإعرابهما فَيُقَال حضر موت بِرَفْع الرَّاء وجر التَّاء وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ لُغَتَانِ التَّرْكِيب وَمنع الصّرْف وَالثَّانيَِة الْإِضَافَة فَإِذا أضيف جَازَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ الصّرْف وَتَركه وَفِي الْمطَالع حضر موت من بِلَاد الْيمن وهذيل وَيُقَال حضر موت بِضَم الْمِيم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ حضرمي والتصغير حضيرموت يصغر الْمصدر مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجمع فَيُقَال فلَان من الحضارمة قَوْله فسَاء بِضَم الْفَاء وبالمد والضراط بِضَم الضَّاد وهما مشتركان فِي كَونهمَا ريحًا خَارِجا من الدبر ممتازان بِكَوْن الأول بِدُونِ الصَّوْت وَالثَّانِي مَعَ الصَّوْت وَفِي الصِّحَاح فسا يفسو فسوا وَالِاسْم الفساء بِالْمدِّ وتفاست الخنافس إِذا أخرجت استها لذَلِك وَفِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد الضراط مَعْرُوف يُقَال ضرط يضرط ضرطا وضروطا وضريطا وضراطا. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا قَوْله لَا يقبل الله إِلَى آخِره مقول القَوْل قَوْله صَلَاة مَنْصُوب أَو مَرْفُوع على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ مُضَاف إِلَى قَوْله من وَهِي مَوْصُولَة وأحدث جملَة صلتها قَوْله حَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى وَالْمعْنَى عدم قبُول الصَّلَاة مغيا بالتوضىء قَوْله قَالَ رجل فعل وفاعل وَقَوله من حضر موت جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل قَوْله مَا الْحَدث جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل قَوْله يابا هُرَيْرَة حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف قَوْله فسَاء مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ فسَاء أَي الْحَدث فسَاء أَو ضراط (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَاق بن نصر وَكَذَا روى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي أَكثر النّسخ لَا تقبل صَلَاة من أحدث على الْبناء لما لم يسم فَاعله وَالْمرَاد بِالْقبُولِ هُنَا مَا يرادف الصِّحَّة وَهُوَ الْإِجْزَاء وَحَقِيقَة الْقبُول وُقُوع الطَّاعَة مجزئة رَافِعَة لما فِي الذِّمَّة وَلما كَانَ الْإِتْيَان بشروطها مَظَنَّة الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الْقبُول عبر عَنهُ بِالْقبُولِ مجَازًا وَأما الْقبُول الْمَنْفِيّ فِي مثل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من أَتَى عرافا لم تقبل لَهُ صَلَاة فَهُوَ الْحَقِيقِيّ لِأَنَّهُ قد يَصح الْعَمَل وَلَكِن يتَخَلَّف الْقبُول لمَانع وَلِهَذَا كَانَ يَقُول بعض السّلف لِأَن تقبل لي صَلَاة وَاحِدَة أحب إِلَيّ من جَمِيع الدُّنْيَا. وَالتَّحْقِيق هَهُنَا أَن الْقبُول يُرَاد بِهِ شرعا حُصُول الثَّوَاب وَقد تخلف عَن الصِّحَّة بِدَلِيل صِحَة صَلَاة العَبْد الْآبِق وشارب الْخمر مَا دَامَ فِي جسده شَيْء مِنْهَا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَيْضا وَأما مُلَازمَة الْقبُول للصِّحَّة فَفِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار وَالْمرَاد بالحائض من بلغت سنّ الْحيض فَإِنَّهَا لَا تقبل صلَاتهَا إِلَّا بالسترة وَلَا تصح وَلَا تقبل مَعَ انكشاف الْعَوْرَة وَالْقَبُول يُفَسر بترتب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء فَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ عَام فِي عدم الْقبُول فِي جَمِيع الْمُحدثين فِي جَمِيع أَنْوَاع الصَّلَاة وَالْمرَاد بِالْقبُولِ وُقُوع الصَّلَاة مجزئة بمطابقتها لِلْأَمْرِ فعلى هَذَا يلْزم من الْقبُول الصِّحَّة ظَاهرا وَبَاطنا وَكَذَلِكَ الْعَكْس وَنقل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الثَّوَاب والدرجات على الْعِبَادَة والإجزاء عبارَة عَن مُطَابقَة الْأَمر فهما متغايران أَحدهمَا أخص من الآخر وَلَا يلْزم من نفى الْأَخَص نفى الْأَعَمّ فالقبول على هَذَا

التَّفْسِير أخص من الصِّحَّة فَكل مَقْبُول صَحِيح وَلَا عكس قَوْله من أحدث قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ من وجد مِنْهُ الْحَدث وَهُوَ عبارَة عَمَّا نقض الْوضُوء وَهُوَ بموضوعه يُطلق على الْأَكْبَر كالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس والأصغر كنواقض الْوضُوء وَقد يُسمى الْمَنْع الْمُرَتّب عَلَيْهِ حَدثا وَبِه يَصح قَوْلهم رفعت الْحَدث ونويت رَفعه وَإِلَّا اسْتَحَالَ مَا يرفع أَن لَا يكون رَافعا وَكَأن الشَّارِع جعل أمد الْمَنْع الْمُرَتّب على خُرُوج الْخَارِج إِلَى اسْتِعْمَال المطهر وَبِهَذَا يقوى قَول من يرى أَن التَّيَمُّم يرفع الْحَدث لكَون الْمُرْتَفع هُوَ الْمَنْع وَهُوَ مُرْتَفع بِالتَّيَمُّمِ لكنه مَخْصُوص بِحَالَة مَا أَو بِوَقْت مَا وَلَيْسَ ذَلِك ببدع فَإِن الْأَحْكَام قد تخْتَلف باخْتلَاف محلهَا وَقد كَانَ الْوضُوء فِي صدر الْإِسْلَام وَاجِبا لكل صَلَاة فقد ثَبت أَنه كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْت مَعَ كَونه رَافعا للْحَدَث اتِّفَاقًا وَلَا يلْزم من انتهائه فِي ذَلِك الْوَقْت بانتهاء وَقت الصَّلَاة إِلَّا يكون رَافعا للْحَدَث ثمَّ زَالَ ذَلِك الْوُجُوب كَمَا عرف. وَقد ذكر الْفُقَهَاء أَن الْحَدث وصف حكمي مُقَدّر قِيَامه بالأعضاء على معنى الْوَصْف الْحسي وينزلون الْوَصْف الْحكمِي منزلَة الْحسي فِي قِيَامه بالأعضاء فَمن يَقُول بِأَن التَّيَمُّم لَا يرفع الْحَدث يَقُول أَن الأمد الْمُقدر الْحكمِي بَاقٍ لم يزل وَالْمَنْع الَّذِي هُوَ مُرَتّب عَلَيْهِ التَّيَمُّم زائل قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ نفى الْقبُول إِلَى غَايَة وَهُوَ الْوضُوء وَمَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا فَاقْتضى قبُول الصَّلَاة بعد الْوضُوء مُطلقًا وَدخل تَحْتَهُ الصَّلَاة الثَّانِيَة قبل الْوضُوء لَهَا ثَانِيًا وتحقيقه أَن لفظ صَلَاة اسْم جنس فَيعم ثمَّ اعْلَم أَن معنى قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ أَو مَا يقوم مقَامه لِأَنَّهُ قد أَتَى بِمَا أَمر بِهِ على أَن التَّيَمُّم من أَسْمَائِهِ الْوضُوء قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الشَّارِع على التَّيَمُّم أَنه وضوء لكَونه قَامَ مقَامه وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْوضُوء نظرا إِلَى كَونه الأَصْل وَهَهُنَا قيد آخر ترك ذكره للْعلم بِهِ وَهُوَ حَتَّى يتَوَضَّأ مَعَ بَاقِي شُرُوط الصَّلَاة وَالضَّمِير فِي قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ يرجع إِلَى قَوْله من أحدث وَسَماهُ مُحدثا وَإِن كَانَ طَاهِرا بِاعْتِبَار مَا كَانَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم} وَقَوله حَتَّى يتَوَضَّأ هُوَ آخر الحَدِيث وَالْبَاقِي إدراج وَالظَّاهِر أَنه من همام قَوْله فسَاء أَو ضراط قَالَ ابْن بطال إِنَّمَا اقْتصر على بعض الْأَحْدَاث لِأَنَّهُ أجَاب سَائِلًا سَأَلَهُ عَن الْمُصَلِّي يحدث فِي صلَاته فَخرج جَوَابه على مَا سبق الْمُصَلِّي من الإحداث فِي صلَاته لِأَن الْبَوْل وَالْغَائِط وَنَحْوهمَا غير مَعْهُود فِي الصَّلَاة وَقَالَ الْخطابِيّ لم يرد بِذكر هذَيْن النَّوْعَيْنِ تخصيصهما وَقصر الحكم عَلَيْهِمَا بل دخل فِي مَعْنَاهُ كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كَانَ أوسع من الحكم كَانَ الحكم للمعنى وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ أَن يثبت الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ للمعنى الْمُشْتَرك بَينهمَا قلت وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن مَا هُوَ أغْلظ من الفساء بِالطَّرِيقِ الأولى وَيحْتَمل أَن يُقَال الْمجمع عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْحَدث لَيْسَ إِلَّا الْخَارِج النَّجس من الْمُعْتَاد وَمَا يكون مَظَنَّة لَهُ كزوال الْعقل فَأَشَارَ إِلَيْهِ على سَبِيل الْمِثَال كَمَا يُقَال الِاسْم زيد أَو كزيد وَيُسمى مثله تعريفا بالمثال أَو يُقَال كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يعلم أَنه عَارِف بِسَائِر أَنْوَاع الْحَدث جَاهِل بكونهما حَدثا فتعرض لحكمهما بَيَانا لذَلِك كَذَا قَالَ بعض الشَّارِحين وَفِيه بعد وَالْأَقْرَب أَن يُقَال أَنه أجَاب السَّائِل بِمَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي غَالب الْأَمر كَمَا ورد نَحْو ذَلِك فِي حَدِيث آخر لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ الدّلَالَة على أَن الصَّلَوَات كلهَا مفتقرة إِلَى الطَّهَارَة وَيدخل فِيهَا صَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا وَحكى عَن الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَنَّهُمَا أجازا صَلَاة الْجِنَازَة بِغَيْر وضوء وَهُوَ بَاطِل لعُمُوم هَذَا الحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَمن الْغَرِيب أَن قَوْلهمَا قَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة فَلَو صلى مُحدثا مُتَعَمدا بِلَا عذر أَثم وَلَا يكفر عِنْد الْجُمْهُور وَبِه قَالَت الشَّافِعِيَّة وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه يكفر لتلاعبه الثَّانِي فِيهِ الدَّلِيل على بطلَان الصَّلَاة بِالْحَدَثِ سَوَاء كَانَ خُرُوجه اختياريا أَو اضطراريا لعدم التَّفْرِقَة فِي الحَدِيث بَين حدث وَحدث فِي حَالَة دون حَالَة الثَّالِث قَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رد على من يَقُول إِذا سبقه الْحَدث يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته قلت هَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله وَحكى عَن مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَهُوَ لَيْسَ يرد عَلَيْهِم أصلا لِأَن من سبقه الْحَدث إِذا ذهب وَتَوَضَّأ وَبنى على صلَاته يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ وَصلى بِالْوضُوءِ وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي بطلَان صلَاته على أَنه ورد الْأَثر فِيهِ الرَّابِع قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ أَن الطّواف لَا يجزىء بِغَيْر طهُور لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَمَّاهُ صَلَاة فَقَالَ الطّواف صَلَاة إِلَّا أَنه أُبِيح فِيهِ الْكَلَام قلت اشْتِرَاط الطَّهَارَة للطَّواف بِخَبَر

الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص وَهِي نسخ فَلَا يثبت بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وليطوفوا بِالْبَيْتِ} غير أَنا نقُول بِوُجُوبِهَا لخَبر الْوَاحِد وَمعنى الحَدِيث الطّواف كَالصَّلَاةِ والتشبيه فِي الثَّوَاب دون الحكم لِأَن التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ أَلا ترى أَن الانحراف وَالْمَشْي فِيهِ لَا يُفْسِدهُ

(بَاب فضل الْوضُوء والغر المحجلون من آثَار الْوضُوء)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْوضُوء وَالْبَاب مُضَاف إِلَى قَوْله فضل الْوضُوء قَوْله والغر المحجلين بِالْجَرِّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي عطفا على الْوضُوء وَالتَّقْدِير وَفضل الغر المحجلين وَصرح بِهِ الْأصيلِيّ فِي رِوَايَته وَفِي أَكثر الرِّوَايَات والغر المحجلون بِالرَّفْع وَذكر فِي وَجهه أَقْوَال فَقَالَ الْكرْمَانِي وَجهه أَن يكون الغر مُبْتَدأ وَخَبره محذوفا أَي مفضلون على غَيرهم وَنَحْوه أَو يكون من آثَار الْوضُوء خَبره أَي الغر المحجلون منشؤهم آثَار الْوضُوء وَقَالَ بَعضهم الْوَاو استئنافية والغر المحجلون مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره لَهُم فضل قلت بل الْوَاو عاطفة لِأَن التَّقْدِير بَاب فضل الْوضُوء وَبَاب هَذِه الْجُمْلَة وَقَالَ بعض الشُّرَّاح والغر المحجلون بِالرَّفْع وَإِنَّمَا قطعه عَمَّا قبله لِأَنَّهُ لَيْسَ من جملَة التَّرْجَمَة قلت لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالَه بل هُوَ من جملَة التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهَا صَرِيحًا لمطابقة مَا فِي حَدِيث الْبَاب إِيَّاهَا على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يكون مَرْفُوعا على سَبِيل الْحِكَايَة مِمَّا ورد هَكَذَا أمتِي الغر المحجلون من آثَار الْوضُوء قلت وَقع فِي رِوَايَة مُسلم أَنْتُم الغر المحجلون فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق عدم قبُول الصَّلَاة إِلَّا بِالْوضُوءِ وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب فضل هَذَا الْوضُوء الَّذِي يحصل بِهِ الْقبُول ويفضل بِهِ على غَيره من الْأُمَم

٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن خَالِد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن نعيم المجمر قَالَ رقيت مَعَ أبي هُرَيْرَة على ظهر الْمَسْجِد فَتَوَضَّأ فَقَالَ إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن أمتِي يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل) مُطَابقَة الحَدِيث للترجمتين ظَاهِرَة أما مطابقته للأولى وَهِي قَوْله فضل الْوضُوء فبطريق سوق الْكَلَام لَهُ وَأما مطابقته للثَّانِيَة وَهِي قَوْله والغر المحجلين من آثَار الْوضُوء فبطريق التَّصْرِيح فِي لفظ الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف الْمصْرِيّ وَقد تقدم الثَّانِي اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ وَقد تقدم غير مرّة الثَّالِث خَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة الإسْكَنْدراني الْبَرْبَرِي الأَصْل أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمُفْتِي التَّابِعِيّ الثِّقَة مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة الرَّابِع سعيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ مَوْلَاهُم أَبُو الْعَلَاء الْمصْرِيّ ولد بِمصْر وَنَشَأ بِالْمَدِينَةِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر فِي خلَافَة هِشَام وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة الْخَامِس نعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عبد الله وَقيل مُحَمَّد الْمدنِي الْعَدوي من آل عمر روى عَن أبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَغَيرهمَا وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد وَمَالك وَجَمَاعَة وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَآخَرُونَ وجالس أَبَا هُرَيْرَة عشْرين سنة قَوْله المجمر اسْم فَاعل من الإجمار على الْأَشْهر وَيُقَال المجمر بتَشْديد الْمِيم من التجمير وَهُوَ التبخير سمى بِهِ نعيم وَأَبوهُ أَيْضا بذلك لِأَنَّهُمَا كَانَا يبخران مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ النَّوَوِيّ المجمر صفة لعبد الله وَيُطلق على ابْنه نعيم مجَازًا وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر فقد جزم إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ بِأَن نعيما كَانَ يُبَاشر ذَلِك قلت كل مِنْهُمَا كَانَ يبخر الْمَسْجِد نقل ذَلِك عَن جمَاعَة فَحِينَئِذٍ إِطْلَاق المجمر على كل مِنْهُمَا بطرِيق الْحَقِيقَة فَلَا يَصح دَعْوَى الْمجَاز فِي نعيم فَائِدَة فِي الصَّحَابَة نعيم بن عبد الله النحام وَهُوَ من الْأَفْرَاد وَفِيهِمْ نعيم جمَاعَة بِدُونِ ابْن عبد الله السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن نصف الْإِسْنَاد مصري وَنصفه مدنِي وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَمِنْهَا أَن فِيهِ من بَاب رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة خَالِد عَن سعيد وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من فرسَان الْكتب السِّتَّة إِلَّا يحيى بن بكير فَإِنَّهُ من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه فَقَط (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث

عَن سعيد بن أبي هِلَال وَعَن أبي كريب وَالقَاسِم بن زَكَرِيَّا وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عمَارَة بن غزيَّة كِلَاهُمَا عَن نعيم المجمر بِهِ وَقَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَعَ أبي هُرَيْرَة سَبْعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم ذكرهم ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه ابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَعبد الله بن بسر الْمَازِني وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قلت وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو الدَّرْدَاء أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ ابْن لَهِيعَة فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنا أول من يُؤذن لَهُ بِالسُّجُود يَوْم الْقِيَامَة وَأول من يرفع رَأسه فَأنْظر بَين يَدي فأعرف أمتِي من بَين سَائِر الْأُمَم وَمن خَلْفي مثل ذَلِك وَعَن يَمِيني مثل ذَلِك وَعَن شمَالي مثل ذَلِك فَقَالَ رجل كَيفَ تعرف أمتك يَا رَسُول الله من بَين سَائِر الْأُمَم فِيمَا بَين نوح إِلَى أمتك قَالَ هم غر محجلون من أثر الْوضُوء لَيْسَ لأحد كَذَلِك غَيرهم وأعرفهم أَنه يُؤْتونَ كتبهمْ بأيمانهم وأعرفهم تسْعَى بَين أَيْديهم ذُرِّيتهمْ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله رقيت بِكَسْر الْقَاف أَي صعدت وَحكى صَاحب الْمطَالع فتح الْقَاف بِالْهَمْز وَبِدُون الْهَمْز قلت فَهَذِهِ ثَلَاث لُغَات واللغة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة كسر الْقَاف وَقَالَ كرَاع الْهَمْز أَجود وَخَالفهُ صَاحب الْجَامِع فَقَالَ عَدمه أصح وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ لَا أعلم صِحَة الْفَتْح وَهَذَا من الرقى أما من الرّقية فرقيت بِالْفَتْح كَمَا اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي فصيحه وَقَالَ الْجَوْهَرِي رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ رقيا ورقيا إِذا صعدت وارتقيت مثله وَفِي الْعباب رقأت الدرجَة لُغَة فِي رقيت قَوْله غرا بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع أغر أَي ذُو غرَّة بِالضَّمِّ قَالَ ابْن سَيّده الْغرَّة بَيَاض فِي الْجَبْهَة فرس أغر وغراء وَقيل الْأَغَر من الْخَيل الَّذِي غرته أَكثر من الدِّرْهَم قد وسطت جَبهته وَلم تصب وَاحِدَة من الْعَينَيْنِ وَلم تمل على وَاحِدَة من الدّين وَلم تسل سفلى وَهِي أفشى من القرحة وَقَالَ بَعضهم بل يُقَال للأغر أقرح لِأَنَّك إِذا قلت أغر فَلَا بُد من أَن تصف الْغرَّة بالطول وَالْعرض والصغر والعظم والدقة وكلهن غرر فالغرة جَامِعَة لَهُنَّ وغرة الْفرس بَيَاض يكون فِي وَجهه فَإِن كَانَت مؤزرة فَهِيَ وتيرة وَإِن كَانَت طَوِيلَة فَهِيَ شادخة وَعِنْدِي أَن الْغرَّة نفس الْقدر الَّذِي يشْغلهُ الْبيَاض والأغر الْأَبْيَض من كل شَيْء وَقد غر وَجهه يغر بِالْفَتْح غرا وغرة وعرارة صَار ذَا غرَّة قَوْله محجلين جمع محجل بتَشْديد الْجِيم الْمَفْتُوحَة من التحجيل قَالَ ابْن سَيّده هُوَ بَيَاض يكون فِي قَوَائِم الْفرس كلهَا قَالَ

(ذُو ميعة محجل القوائم ... )

وَقيل هُوَ أَن يكون الْبيَاض فِي ثَلَاث قَوَائِم مِنْهُنَّ دون الْأُخْرَى فِي رجل ويدين قَالَ

(تعادى من قَوَائِمهَا ثَلَاث ... بتحجيل وقائمة بهيم)

وَلَا يكون التحجيل فِي الْيَدَيْنِ خَاصَّة إِلَّا مَعَ الرجلَيْن وَلَا فِي يَد وَاحِدَة دون الْأُخْرَى إِلَّا مَعَ الرجلَيْن والتحجيل بَيَاض قل أَو كثر حَتَّى يبلغ نصف الوظيف ولون سائره مَا كَانَ وَفِي الصِّحَاح يُجَاوز الأرساغ وَلَا يُجَاوز الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين وَفِي المغيث فَإِذا كَانَ الْبيَاض فِي طرف الْيَد فَهُوَ الْعِصْمَة يُقَال فرس أعصم وَفِي الْعباب التحجيل بَيَاض فِي قَوَائِم الْفرس أَو فِي ثَلَاث مِنْهَا أَو فِي رجلَيْنِ قل أَو كثر بعد أَن يُجَاوز الأرساغ وَلَا يُجَاوز الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين لِأَنَّهَا مَوَاضِع الأحجال وَهِي الخلاخيل والقيود يُقَال فرس محجل وحجلت قوائمه تحجيلا فَإِذا كَانَ الْبيَاض فِي قوائمه الْأَرْبَع فَهُوَ محجل أَربع وَإِن كَانَ فِي الرجلَيْن جَمِيعًا فَهُوَ محجل الرجلَيْن وَإِن كَانَ بِإِحْدَى رجلَيْهِ وَجَاوَزَ الأرساغ فَهُوَ محجل الرجل الْيُمْنَى أَو الْيُسْرَى وَإِن كَانَ الْبيَاض فِي ثَلَاث قَوَائِم دون رجل أَو دون يَد فَهُوَ محجل ثَلَاث مُطلق يَد أَو رجل فَإِن كَانَ محجل يَد وَرجل من شقّ فَهُوَ مُمْسك الأيامن مُطلق الأياسر أَو مُمْسك الأياسر مُطلق الأيامن وَإِن كَانَ من خلاف قل أَو كثر فَهُوَ مشكول انْتهى قلت الأحجال جمع حجل بِالْفَتْح وَهُوَ الْقَيْد والخلخال أَيْضا والحجل بِالْكَسْرِ والحجل لُغَة فيهمَا وَالْأَصْل فِيهِ الْقَيْد والحجلان مشْيَة الْمُقَيد (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله على ظهر الْمَسْجِد يتَعَلَّق بقوله رقيت قَوْله فَتَوَضَّأ هَكَذَا وَقع لجمهور الروَاة بِلَفْظ تَوَضَّأ وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني يَوْمًا بدل تَوَضَّأ وَهُوَ تَصْحِيف ثمَّ هُوَ فَتَوَضَّأ بِالْفَاءِ فِي غَالب النّسخ وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره من الْوَجْه الَّذِي أوردهُ البُخَارِيّ بِلَفْظ ثمَّ تَوَضَّأ وَوَقع فِي بعض النّسخ تَوَضَّأ بِدُونِ حرف الْعَطف وَإِلَى هَذَا ذهب الْكرْمَانِي وَلِهَذَا قَالَ تَوَضَّأ اسْتِئْنَاف كَأَن قَائِلا يَقُول مَاذَا فعل قَالَ تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ وَلِهَذَا لم يذكر فِيهِ وَاو الْعَطف ثمَّ قَالَ وَفِي بعض النّسخ وَتَوَضَّأ بِالْوَاو وَقلت فِي أَكثر النّسخ فَتَوَضَّأ بِالْفَاءِ التعقيبية كَمَا ذكرنَا قَوْله قَالَ اسْتِئْنَاف وَلِهَذَا لم يذكر فِيهِ حرف

للْعَطْف كَأَن قَائِلا قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ فَقَالَ قَالَ إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا من النَّبِي قَوْله إِن أمتِي الخ مقول القَوْل وَقَوله أمتِي كَلَام إضافي اسْم إِن وَقَوله يدعونَ على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر إِن قَوْله يَوْم الْقِيَامَة نصب على الظّرْف قَوْله غرا فِي انتصابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي يدعونَ وَالْمعْنَى يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة وهم بِهَذِهِ الصّفة وَيدعونَ يتَعَدَّى فِي الْمَعْنى بالحرف وَالتَّقْدِير يدعونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يدعونَ إِلَى كتاب الله} وَالْوَجْه الآخر أَن يكون مَفْعُولا ثَانِيًا ليدعون على تضمنه معنى يسمون بِهَذَا الِاسْم كَمَا يُقَال فلَان يدعى زيدا وأصل يدعونَ يدعوون بواوين تحركت الأولى وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا فَاجْتمع ساكنان الْألف وَالْوَاو بعْدهَا فحذفت الْألف لالتقاء الساكنين فَصَارَ يدعونَ قَوْله محجلين يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين قَوْله من آثَار الْوضُوء كلمة من تصلح أَن تكون للتَّعْلِيل أَي لأجل آثَار الْوضُوء قَوْله فَمن كلمة من مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله فَلْيفْعَل وَدخلت الْفَاء فِيهِ لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط قَوْله اسْتَطَاعَ جملَة صلَة الْمَوْصُول قَوْله أَن يُطِيل فِي مَحل النصب بقوله اسْتَطَاعَ وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم إطالة غرته فَلْيفْعَل ومفعول فَلْيفْعَل مَحْذُوف للْعلم بِهِ أَي فَلْيفْعَل الْغرَّة أَو الإطالة (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله الْمَسْجِد الْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد أَي مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله يَقُول بِصُورَة الْمُضَارع لأجل الاستحضار لصورة الْمَاضِيَة أَو لأجل الْحِكَايَة عَنْهَا وَإِلَّا فَالْأَصْل أَن يُقَال قَالَ بِلَفْظ الْمَاضِي قَوْله إِن أمتِي الْأمة فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع وَهِي فِي اللُّغَة الْجَمَاعَة وكل جنس من الْحَيَوَان أمة وَفِي الحَدِيث لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها وتستعمل فِي اللُّغَة لمعان كَثِيرَة الطَّرِيقَة وَالدّين يُقَال فلَان لَا أمة لَهُ أَي لَا دين لَهُ وَلَا تَحِلَّة لَهُ والحين قَالَ تَعَالَى {وادكر بعد أمة} أَي بعد حِين وَالْملك وَالرجل الْجَامِع للخير وَالرجل الْمُنْفَرد بِدِينِهِ لَا يشركهُ فِيهِ أحد وَالْأمة اتِّبَاع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطلق على مَعْنيين أمة الدعْوَة وَهِي من بعث إِلَيْهِم وَأمة الْإِجَابَة وَهِي من صدقه وآمن بِهِ وَهَذِه هِيَ المرادة مِنْهَا قَوْله يدعونَ أما من الدُّعَاء بِمَعْنى النداء أَي يدعونَ إِلَى موقف الْحساب أَو إِلَى الْمِيزَان أَو إِلَى غير ذَلِك وَأما من الدُّعَاء بِمَعْنى التَّسْمِيَة نَحْو دَعَوْت ابْني زيدا أَي سميته بِهِ قَوْله يَوْم الْقِيَامَة يَوْم من الْأَسْمَاء الشاذة لوُقُوع الْفَاء وَالْعين فِيهِ حرفي عِلّة فَهُوَ من بَاب وَيْح وويل وَهُوَ اسْم لبياض النَّهَار وَهُوَ من طُلُوع الْفجْر الصَّادِق إِلَى غرُوب الشَّمْس وَالْقِيَامَة فعالة من قَامَ يقوم وَأَصلهَا قَوَّامَة قلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا قَوْله من آثَار الْوضُوء الْآثَار جمع أثر وَأثر الشَّيْء هُوَ بَقِيَّته وَمِنْه أثر الْجرْح وَالْوُضُوء بِضَم الْوَاو وَيجوز فتحهَا أَيْضا فَإِن الْغرَّة والتحجيل نشآ عَن الْغسْل بِالْمَاءِ فَيجوز أَن ينْسب إِلَى كل مِنْهُمَا قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ أَي قدر أَن يُطِيل غرته أَي يغسل غرته بِأَن يُوصل المَاء من فَوق الْغرَّة إِلَى تَحت الحنك طولا وَمن الْأذن إِلَى الْأذن عرضا وَفِيه بَاب الِاخْتِصَار حَيْثُ حذف الْمَفْعُول فِي قَوْله فَلْيفْعَل لأَنا قُلْنَا أَن التَّقْدِير فَلْيفْعَل الْغرَّة أَو الإطالة وَفِيه أَيْضا الِاحْتِرَاز عَن التّكْرَار والإشعار بِأَن أصل هَذَا الْفِعْل مهتم بِهِ وَفِيه بَاب الِاكْتِفَاء حَيْثُ اقْتصر على ذكر الْغرَّة وَلم يذكر التحجيل وَذَلِكَ للْعلم بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {سرابيل تقيكم الْحر} وَالْمرَاد الْحر وَالْبرد وَلم يذكر الْبرد للْعلم بِهِ وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد كِلَاهُمَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم بِذكر كليهمَا مُصَرحًا من طَرِيق عمَارَة بن غزيَّة وَهُوَ قَوْله فليطل غرته وتحجيله وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْغرَّة وَهِي مُؤَنّثَة دون التحجيل وَهُوَ مُذَكّر لِأَن مَحل الْغرَّة أشرف أَعْضَاء الْوضُوء وَأول مَا يَقع عَلَيْهِ النّظر من الْإِنْسَان وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي كَانَ ذَلِك من بَاب التغليب بِالذكر لأحد الشَّيْئَيْنِ على الآخر وَإِن كَانَا بسبيل وَاحِد للترغيب فِيهِ وَقد اسْتعْمل الْفُقَهَاء ذَلِك فَقَالُوا يسْتَحبّ تَطْوِيل الْغرَّة ومرادهم الْغرَّة والتحجيل قلت هَذَا لَيْسَ بتغليب حَقِيقِيّ إِذْ لم يُؤْت فِيهِ إِلَّا بِأحد الاسمين والتغليب اجْتِمَاع الاسمين أَو الْأَسْمَاء ويغلب أَحدهمَا على الآخر نَحْو القمرين والعمرين وَنَحْوهمَا ورد عَلَيْهِ بعض الشَّارِحين بِأَن الْقَاعِدَة فِي التغليب أَن يغلب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث لَا بِالْعَكْسِ وَالْأَمر هُنَا بِالْعَكْسِ لتأنيث الْغرَّة وتذكير التحجيل قلت نقل عَن ابْن بابشاد أَنه قَالَ تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر وَقع فِي موضِعين أَحدهمَا ضبعان للخفة وَالْآخر فِي بَاب التَّارِيخ وَأَن التَّارِيخ عِنْد الْعَرَب من اللَّيْل لَا من النَّهَار فغلبوا اللَّيْلَة على النَّهَار وَالثَّانِي مَرْدُود لما ذكرنَا أَن حَقِيقَة التغليب أَن

يجْتَمع شَيْئَانِ ويغلب أَحدهمَا على الآخر وَهَذَا لم يجْتَمع فِيهِ شَيْئَانِ وَإِنَّمَا جعلت التَّارِيخ بالليلة دون النَّهَار لِأَن أشهر الْعَرَب قمرية فَافْهَم ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا كُله على تَقْدِير أَن يكون قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم إِلَى آخِره من الحَدِيث لِأَن الْمَرْفُوع مِنْهُ إِلَى قَوْله من آثَار الْوضُوء وَبَاقِي ذَلِك من قَول أبي هُرَيْرَة أدرجه فِي آخر الحَدِيث وَقد أنكر ذَلِك بعض الشَّارِحين فَقَالَ وَفِي هَذِه الدَّعْوَى بعد عِنْدِي قلت لَيْسَ فِيهَا بعد وَكَيف وَقد رَوَاهُ أَحْمد رَحمَه الله من طَرِيق فليح عَن نعيم وَفِي آخِره قَالَ نعيم لَا أَدْرِي قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَى آخِره من قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من قَول أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد روى هَذَا الحَدِيث عشرَة من الصَّحَابَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُم هَذِه الْجُمْلَة وَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أحد مِنْهُم غير مَا وجد فِي رِوَايَة نعيم عَنهُ فَهَذَا كُله أَمارَة الإدراج وَالله أعلم (بَيَان الْبَيَان) فِيهِ تَشْبِيه بليغ حَيْثُ شبه النُّور الَّذِي يكون على مَوضِع الْوضُوء يَوْم الْقِيَامَة بغرة الْفرس وتحجيله وَيجوز أَن يكون كِنَايَة بِأَن يكون كنى بالغرة عَن نور الْوَجْه وَقد علم أَن الْأُصُول فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة التَّشْبِيه وَالْمجَاز وَالْكِنَايَة فالتشبيه هُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس وَاللَّفْظ المُرَاد بِهِ لَازم مَا وضع لَهُ أَن قَامَت قرينَة على عدم إِرَادَته فمجاز كَقَوْلِه رَأَيْت أسدا يرْمى وَإِن لم تقم قرينَة على عدم إِرَادَة مَا وضع لَهُ فَهُوَ كِنَايَة كَقَوْلِك زيد طَوِيل النجاد وَمعنى الْمجَاز كجزء معنى الْكِنَايَة من حَيْثُ أَن الْكِنَايَة لَا تنَافِي إِرَادَة الْحَقِيقَة فَلَا يمْتَنع أَن يُرَاد من قَوْلهم فلَان طَوِيل النجاد طول نجاده من غير ارْتِكَاب تَأَول مَعَ إِرَادَة طول قامته بِخِلَاف الْمجَاز فَإِنَّهُ يُنَافِي الْحَقِيقَة فَيمْتَنع أَن يُرَاد معنى الْأسد من غير تَأْوِيل فِي نَحْو رَأَيْت أسدا فِي الْحمام فالحقيقة جَائِزَة الْإِرَادَة مَعَ الْكِنَايَة غير جَائِزَة الْإِرَادَة مَعَ الْمجَاز فَإِن الْمجَاز بِهَذَا الِاعْتِبَار جُزْء من الْكِنَايَة فَافْهَم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول قَالُوا فِيهِ تَطْوِيل الْغرَّة وَهُوَ غسل شَيْء من مقدم الرَّأْس وَمَا يُجَاوز الْوَجْه زَائِدا على الْقدر الَّذِي يجب غسله لاستيقان كَمَال الْوَجْه وَفِيه تَطْوِيل التحجيل وَهُوَ غسل مَا فَوق الْمرْفقين والكعبين وَادّعى ابْن بطال ثمَّ القَاضِي عِيَاض ثمَّ ابْن التِّين اتِّفَاق الْعلمَاء على أَنه لَا يسْتَحبّ الزِّيَادَة فَوق الْمرْفق والكعب وَهِي دَعْوَى بَاطِلَة فقد ثَبت ذَلِك عَن فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي هُرَيْرَة وَعمل الْعلمَاء وفتواهم عَلَيْهِ فهم محجوجون بِالْإِجْمَاع وَقد ثَبت عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا من فعله أخرجه ابْن أبي شيبَة وَأَبُو عبيد بِإِسْنَاد حسن ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْقدر الْمُسْتَحبّ من التَّطْوِيل فِي التحجيل فَقيل إِلَى الْمنْكب وَالركبَة وَقد ثَبت عَن أبي هُرَيْرَة رِوَايَة ورأيا وَقيل الْمُسْتَحبّ الزِّيَادَة إِلَى نصف الْعَضُد والساق وَقيل إِلَى فَوق ذَلِك وَنقل ذَلِك عَن الْبَغَوِيّ وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة حاصلها ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَنه يسْتَحبّ الزِّيَادَة فَوق الْمرْفقين والكعبين من غير تَوْقِيت وَثَانِيها إِلَى نصف الْعَضُد والساق وَثَالِثهَا إِلَى الْمنْكب والركبتين قَالَ وَالْأَحَادِيث تَقْتَضِي ذَلِك كُله وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي لَيْسَ فِي الحَدِيث تَقْيِيد وَلَا تَحْدِيد لمقدار مَا يغسل من العضدين والساقين وَقد اسْتعْمل أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث على إِطْلَاقه وَظَاهره من طلب إطالة الْغرَّة فَغسل إِلَى قريب من الْمَنْكِبَيْنِ وَلم ينْقل ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا كثر اسْتِعْمَاله فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَلذَلِك لم يقل بِهِ الْفُقَهَاء وَرَأَيْت بعض النَّاس قد ذكر أَن حد ذَلِك نصف الْعَضُد والساق انْتهى قلت قَوْله لم يقل بِهِ الْفُقَهَاء مَرْدُود بِمَا ذَكرْنَاهُ وَمن أَوْهَام ابْن بطال وَالْقَاضِي عِيَاض إنكارهما على أبي هُرَيْرَة بُلُوغه المَاء إِلَى إبطَيْهِ وَأَن أحدا لم يُتَابِعه عَلَيْهِ فقد قَالَ بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَآخَرُونَ من الشَّافِعِيَّة وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ رُبمَا بلغ بِالْوضُوءِ إبطه فِي الصَّيف فَإِن قلت روى ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن وَكِيع عَن عقبَة بن أبي صَالح عَن إِبْرَاهِيم أَنه كرهه قلت هَذَا مَرْدُود بِذَاكَ فَإِن قلت اسْتدلَّ ابْن بطال فِيمَا ذهب إِلَيْهِ وَمن تبعه أَيْضا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من زَاد على هَذَا اَوْ نقص فقد أَسَاءَ وظلم قلت هَذَا اسْتِدْلَال فَاسد لِأَن المُرَاد بِهِ الزِّيَادَة فِي عدد المرات أَو النَّقْص عَن الْوَاجِب أَو الثَّوَاب الْمُرَتّب على نقص الْعدَد لَا الزِّيَادَة على تَطْوِيل الْغرَّة أَو التحجيل وَكَذَلِكَ تَأْوِيل ابْن بطال الِاسْتِطَاعَة فِي الحَدِيث على إطالة الْغرَّة والتحجيل بالمواظبة على الْوضُوء لكل صَلَاة فتطول غرته بتقوية نور أَعْضَائِهِ وَبِأَن الطول والدوام مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب فَاسد وَوَجهه ظَاهر وَكَذَلِكَ قَوْله الْوَجْه لَا سَبِيل إِلَى الزِّيَادَة فِي غسله إِذْ اسْتِيعَاب الْوَجْه بِالْغسْلِ وَاجِب فَاسد لَا مَكَان

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله