«لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ.قَالَ رَجُلٌ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٥

الحديث رقم ١٣٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا تقبل صلاة بغير طهور.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٥ في صحيح البخاري

«لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ.

قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ».

بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ وَالْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٣٥

١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنَ الثَّلَاثِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أُحِبُّ الْوَاحِدَةَ إِلَّا مِنَ الْعَالِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مِنَ الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ. وَأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثِ شَيْءٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا آمَنَ أَنْ يَأْثَمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ. أَيْ: لَمْ أُحَرِّمْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُحِبُّ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ. وَهَذَا الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.

وَحَكَى الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ كَرَاهَتِهَا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَيْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْهُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، فَالْأَصَحُّ إِنْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَقِيلَ الْفَرْضُ فَقَطْ، وَقِيلَ مِثْلُهُ حَتَّى سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَقِيلَ مَا يُقْصَدُ لَهُ الْوُضُوءُ وَهُوَ أَعَمُّ، وَقِيلَ إِذَا وَقَعَ الْفَصْلُ بِزَمَنٍ يُحْتَمَلُ فِي مِثْلِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ عَادَةً.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِقَادِ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ سُنَّةٌ أَخْطَأَ وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحْدِيدِ شَيْءٌ، بَلْ لَوْ زَادَ الرَّابِعَةَ وَغَيْرَهَا لَا لَوْمَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ: الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ. قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْعُضْوِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الْمَرَّاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ الطَّارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا، لِئَلَّا يَؤُولَ بِهِ الْحَالُ إِلَى الْوَسْوَاسِ الْمَذْمُومِ.

٢ - بَاب لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ

١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.

[الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي التَّرْجَمَةِ وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُقْبَلُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء المُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل (١) وضمِّ ميم الثَّاني وفتح النُّون وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ) أي: الذي (أَحْدَثَ) و «صلاةُ» بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً» بالنَّصب على المفعوليَّة، «مَنْ أَحْدَث»، أي: وُجِدَ منه الحَدَثُ الأكبر كالجنابة والحيض (٢)، والأصغر النَّاقض للوضوء (حَتَّى) أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل. انتهى. والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عَشْرَ سنين»، فأطلق على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ لكونه قام (٣) مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر (٤) الوضوء نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ، أي: مع باقي شروط الصَّلاة، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ لأنَّ القبول انتفى (٥) إلى غاية الوضوء، و (٦) ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ

كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الضَّاد (١) المُعجَمَة وفتح الرَّاء والميم، بلدٌ باليمن، وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الحَدَثُ) وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:) هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ) بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة (٢)، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، وإلَّا فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب (٣) على كلِّ واحدةٍ من الثَّلاث (٤)، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبقَ أن يعنيَ إلَّا المنع أو الوصف (٥).

(٣) هذا (بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ) بالجرِّ على الإضافة (وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ) بالرَّفع عطفًا على «بابُ» أي: وبابُ الغرِّ المُحجَّلين، فأُقِيمَ المُضَاف إليه مُقام «بابٍ» المحذوف، أوِ «الغرُّ» مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: يُفضَّلون (٦) على غيرهم، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «وفضل الغرِّ المُحَجَّلين» (مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) جمع أثر الشَّيء، وهو بقيَّته.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنَ الثَّلَاثِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أُحِبُّ الْوَاحِدَةَ إِلَّا مِنَ الْعَالِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مِنَ الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ. وَأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثِ شَيْءٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا آمَنَ أَنْ يَأْثَمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ. أَيْ: لَمْ أُحَرِّمْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُحِبُّ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ. وَهَذَا الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.

وَحَكَى الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ كَرَاهَتِهَا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَيْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْهُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، فَالْأَصَحُّ إِنْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَقِيلَ الْفَرْضُ فَقَطْ، وَقِيلَ مِثْلُهُ حَتَّى سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَقِيلَ مَا يُقْصَدُ لَهُ الْوُضُوءُ وَهُوَ أَعَمُّ، وَقِيلَ إِذَا وَقَعَ الْفَصْلُ بِزَمَنٍ يُحْتَمَلُ فِي مِثْلِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ عَادَةً.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِقَادِ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ سُنَّةٌ أَخْطَأَ وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحْدِيدِ شَيْءٌ، بَلْ لَوْ زَادَ الرَّابِعَةَ وَغَيْرَهَا لَا لَوْمَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ: الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ. قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْعُضْوِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الْمَرَّاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ الطَّارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا، لِئَلَّا يَؤُولَ بِهِ الْحَالُ إِلَى الْوَسْوَاسِ الْمَذْمُومِ.

٢ - بَاب لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ

١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.

[الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي التَّرْجَمَةِ وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُقْبَلُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء المُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل (١) وضمِّ ميم الثَّاني وفتح النُّون وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ) أي: الذي (أَحْدَثَ) و «صلاةُ» بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً» بالنَّصب على المفعوليَّة، «مَنْ أَحْدَث»، أي: وُجِدَ منه الحَدَثُ الأكبر كالجنابة والحيض (٢)، والأصغر النَّاقض للوضوء (حَتَّى) أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل. انتهى. والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عَشْرَ سنين»، فأطلق على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ لكونه قام (٣) مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر (٤) الوضوء نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ، أي: مع باقي شروط الصَّلاة، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ لأنَّ القبول انتفى (٥) إلى غاية الوضوء، و (٦) ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ

كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الضَّاد (١) المُعجَمَة وفتح الرَّاء والميم، بلدٌ باليمن، وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الحَدَثُ) وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:) هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ) بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة (٢)، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، وإلَّا فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب (٣) على كلِّ واحدةٍ من الثَّلاث (٤)، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبقَ أن يعنيَ إلَّا المنع أو الوصف (٥).

(٣) هذا (بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ) بالجرِّ على الإضافة (وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ) بالرَّفع عطفًا على «بابُ» أي: وبابُ الغرِّ المُحجَّلين، فأُقِيمَ المُضَاف إليه مُقام «بابٍ» المحذوف، أوِ «الغرُّ» مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: يُفضَّلون (٦) على غيرهم، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «وفضل الغرِّ المُحَجَّلين» (مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) جمع أثر الشَّيء، وهو بقيَّته.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد