الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٤
الحديث رقم ١٦٤ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب المضمضة في الوضوء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ
١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِإِجْزَاءِ الْمَسْحِ، وَبِحَمْلِ الْإِنْكَارِ عَلَى تَرْكِ التَّعْمِيمِ ; لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَرْجَحُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَمَسَّهَا الْماءُ أَيْ: مَاءُ الْغُسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَهُ فَقَالَ ذَلِكَ: وَأَيْضًا فَمَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ لَمْ يُوجِبْ مَسْحَ الْعَقِبِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمَا لُمْعَةٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهَا الْغَسْلُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْغَسْلَ، فَالرَّأْسُ تُعَمُّ بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرْضُهَا الْغَسْلَ.
قَوْلُهُ: (أَرْجُلِنَا) قَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ فَالْأَرْجُلُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الرِّجَالِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْجُلٌ.
قَوْلُهُ: (وَيْلٌ) جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَوْ كَانَ الْمَاسِحُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ لَمَا تُوُعِّدَ بِالنَّارِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ عَنِ الشِّيعَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ أَخْذًا بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْخَفْضِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مُطَوَّلًا فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَعْقَابِ) أَيِ: الْمَرْئِيَّةِ إِذْ ذَاكَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ ; وَالْعَقِبُ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ مُخْتَصٌّ بِالْعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْلِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِنْكَارِ، وَتَكْرَارُ الْمَسْأَلَةِ لِتُفْهَمَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
٢٨ - بَاب الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ﵃، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ) أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، وَمِنْهُ: مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ إِذَا تَحَرَّكَتَا بِالنُّعَاسِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ، فَأَكْمَلُهُ: أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرُهُ ثُمَّ يَمُجُّهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحْرِيكُهُ وَلَا مَجُّهُ وَهُوَ عَجِيبٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَجُّ، بَلْ لَوِ ابْتَلَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَسِيلَ أَجْزَأَ.
قَوْلُهُ: (قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ثبت عنهمُ الرُّجوع عنه، وهذا الحديث قد سبق بسنده في «باب من أعاد الحديث ثلاثًا» من «كتاب العلم» [خ¦٩٦] إلَّا أنَّ الرَّاويَ الأوَّل هناك أبو النُّعمان، وهنا موسى، والله أعلم بالصَّواب (١).
(٢٨) هذا (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ) بإضافة «بابٍ» لتاليه، وفي روايةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المضمضة من الوضوء» (قَالَهُ) أي: ما ذُكِرَ من المضمضة (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما تقدَّم موصولًا في «الطَّهارة» [خ¦٤/ ٢٥ - ٢٨٣] (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ، فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في «باب غسل الرِّجلين إلى الكعبين» [خ¦١٨٦] (﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ المُهمَلَة (مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن عفَّان» (دَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وفي «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: دعا بإناءٍ فيه ماءٌ للوضوء (فَأَفْرَغَ) أي: فصبَّ (عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي (٢): قبل أن يدخلهما (٣) الإناء، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]:
فأفرغ على كفَّيه ثلاثَ مرارٍ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ) بفتح الواو، فأخذ منه (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ثمَّ مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) بأن جذب الماء بريح أنفه (وَاسْتَنْثَرَ) بأن أخرجه به، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثمَّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، والمضمضة: وضع الماء في الفم وإدارته بالإصبع أو بقوَّة الفم ثمَّ مجُّه، لكن المشهور عند الشَّافعيَّة: أنَّه لا يُشتَرط تحريكه ولا مجُّه، وإذا كان بالإصبع فاستحبَّ بعضهم أن يكون باليمين لأنَّ الشِّمال مسَّتِ الأذى، وإذا (١) كان في الفم درهمٌ أداره ليصل الماء إلى محلِّه، وفي رواية أبي داود وابن المنذر: فتمضمض (٢) ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مُستحَقٌّ لاختلاف العضوين، وقِيلَ: مُستحَبٌّ كتقديم اليمين، قال في «الفتح»: واتَّفقتِ الرِّوايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهما سُنَّتان في الوضوء والغسل، وأوجبهما أحمد، والأفضل في كيفيَّتهما: أن يفصل بينهما في أظهر القولين عند الرَّافعيِّ، وعلى هذا: فالأصحُّ -ونُصَّ عليه في «البويطيِّ» - الفصل بغرفتين يتمضمض (٣) بغَرفةٍ ثلاثًا، ثمَّ يستنشق بأخرى ثلاثًا، وقِيلَ: بستِّ غَرفاتٍ إلحاقًا بسائر الأعضاء، وقصدًا للنَّظافة (٤)، والقول الثَّاني: أنَّ الجمع أفضل، وعلى هذا: فالأَوْلى أن يجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ ثمَّ يستنشق، وهو الأصحُّ عند النَّوويِّ، وقِيلَ: يجمع بغَرفةٍ واحدةٍ، حكاه في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وعلى هذا: يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق كذلك، وقِيلَ: يتمضمض منها ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ثمَّ أدخل يمينه» على عدم اشتراط نيَّة الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى) أي: مع (المِرْفَقَيْنِ) غسلًا (ثَلَاثًا) وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثلاث مرَّاتٍ (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) زاد في رواية أبي داود وابن خزيمة في «صحيحه»: ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) غسلًا (ثَلَاثًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «كلَّ رجله» وهي تفيد تعميم (٥) كلِّ رِجلٍ بالغسل،
وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «كلَّ رجليه» بالتَّثنية. قال في «الفتح»: وهي بمعنى الأولى، أي: رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية ابن عساكر: «كلتا رجليه» وهي التي اعتمدها في «عمدة الأحكام» (ثُمَّ قَالَ) ﵁: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ (٢)) وفي روايةٍ: «ثمَّ قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وفي «الرِّقاق» عند المؤلِّف [خ¦٦٤٣٣]: مثل وضوئي هذا (وصَلَّى) وفي روايةٍ: «ثمَّ صلَّى» (رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ أصلًا، كذا نقله القاضي عياضٌ عن بعضهم، ويشهد له ما أخرجه ابن المُبارَك في «الزُّهد» بلفظ: «لم يسرَّ فيهما»، وردَّه النَّوويُّ، فقال: الصَّواب: حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرَّة (غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي رواية غير المُستملي: «غُفِرَ له» مبنيًّا للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب (٣) الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرَّاتٍ (٤) إلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضَّأ نحو وضوئي هذا … » إلى آخره، فوقع في الحديث المسوق هنا رفع صفة الوضوء إلى فعله ﷺ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» و «مُسنَده» معًا بلفظ (٥): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ (٦) قال: حدَّثنا إسحاق بن حازمٍ قال: سمعت محمَّد بن كعب القُرَظِيَّ يقول: حدَّثني حُمْرانُ بن أبانَ مولى عثمان قال: دعا عثمان بن عفَّان ﵁ بوضوءٍ في ليلةٍ باردةٍ، وهو يريد الخروج إلى الصَّلاة، فجئته بماءٍ، فأكثر ترداد (٧) الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك، قد (٨) أسبغتَ الوضوءَ واللَّيلةُ شديدةُ البرد، فقال: صُبَّ، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسبغ عبدٌ الوضوء إلَّا غفر الله (٩) له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأصل هذا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِإِجْزَاءِ الْمَسْحِ، وَبِحَمْلِ الْإِنْكَارِ عَلَى تَرْكِ التَّعْمِيمِ ; لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَرْجَحُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَمَسَّهَا الْماءُ أَيْ: مَاءُ الْغُسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَهُ فَقَالَ ذَلِكَ: وَأَيْضًا فَمَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ لَمْ يُوجِبْ مَسْحَ الْعَقِبِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمَا لُمْعَةٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهَا الْغَسْلُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْغَسْلَ، فَالرَّأْسُ تُعَمُّ بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرْضُهَا الْغَسْلَ.
قَوْلُهُ: (أَرْجُلِنَا) قَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ فَالْأَرْجُلُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الرِّجَالِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْجُلٌ.
قَوْلُهُ: (وَيْلٌ) جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَوْ كَانَ الْمَاسِحُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ لَمَا تُوُعِّدَ بِالنَّارِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ عَنِ الشِّيعَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ أَخْذًا بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْخَفْضِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مُطَوَّلًا فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَعْقَابِ) أَيِ: الْمَرْئِيَّةِ إِذْ ذَاكَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ ; وَالْعَقِبُ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ مُخْتَصٌّ بِالْعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْلِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِنْكَارِ، وَتَكْرَارُ الْمَسْأَلَةِ لِتُفْهَمَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
٢٨ - بَاب الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ﵃، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ) أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، وَمِنْهُ: مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ إِذَا تَحَرَّكَتَا بِالنُّعَاسِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ، فَأَكْمَلُهُ: أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرُهُ ثُمَّ يَمُجُّهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحْرِيكُهُ وَلَا مَجُّهُ وَهُوَ عَجِيبٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَجُّ، بَلْ لَوِ ابْتَلَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَسِيلَ أَجْزَأَ.
قَوْلُهُ: (قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ثبت عنهمُ الرُّجوع عنه، وهذا الحديث قد سبق بسنده في «باب من أعاد الحديث ثلاثًا» من «كتاب العلم» [خ¦٩٦] إلَّا أنَّ الرَّاويَ الأوَّل هناك أبو النُّعمان، وهنا موسى، والله أعلم بالصَّواب (١).
(٢٨) هذا (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ) بإضافة «بابٍ» لتاليه، وفي روايةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المضمضة من الوضوء» (قَالَهُ) أي: ما ذُكِرَ من المضمضة (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما تقدَّم موصولًا في «الطَّهارة» [خ¦٤/ ٢٥ - ٢٨٣] (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ، فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في «باب غسل الرِّجلين إلى الكعبين» [خ¦١٨٦] (﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ المُهمَلَة (مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن عفَّان» (دَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وفي «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: دعا بإناءٍ فيه ماءٌ للوضوء (فَأَفْرَغَ) أي: فصبَّ (عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي (٢): قبل أن يدخلهما (٣) الإناء، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]:
فأفرغ على كفَّيه ثلاثَ مرارٍ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ) بفتح الواو، فأخذ منه (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ثمَّ مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) بأن جذب الماء بريح أنفه (وَاسْتَنْثَرَ) بأن أخرجه به، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثمَّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، والمضمضة: وضع الماء في الفم وإدارته بالإصبع أو بقوَّة الفم ثمَّ مجُّه، لكن المشهور عند الشَّافعيَّة: أنَّه لا يُشتَرط تحريكه ولا مجُّه، وإذا كان بالإصبع فاستحبَّ بعضهم أن يكون باليمين لأنَّ الشِّمال مسَّتِ الأذى، وإذا (١) كان في الفم درهمٌ أداره ليصل الماء إلى محلِّه، وفي رواية أبي داود وابن المنذر: فتمضمض (٢) ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مُستحَقٌّ لاختلاف العضوين، وقِيلَ: مُستحَبٌّ كتقديم اليمين، قال في «الفتح»: واتَّفقتِ الرِّوايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهما سُنَّتان في الوضوء والغسل، وأوجبهما أحمد، والأفضل في كيفيَّتهما: أن يفصل بينهما في أظهر القولين عند الرَّافعيِّ، وعلى هذا: فالأصحُّ -ونُصَّ عليه في «البويطيِّ» - الفصل بغرفتين يتمضمض (٣) بغَرفةٍ ثلاثًا، ثمَّ يستنشق بأخرى ثلاثًا، وقِيلَ: بستِّ غَرفاتٍ إلحاقًا بسائر الأعضاء، وقصدًا للنَّظافة (٤)، والقول الثَّاني: أنَّ الجمع أفضل، وعلى هذا: فالأَوْلى أن يجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ ثمَّ يستنشق، وهو الأصحُّ عند النَّوويِّ، وقِيلَ: يجمع بغَرفةٍ واحدةٍ، حكاه في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وعلى هذا: يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق كذلك، وقِيلَ: يتمضمض منها ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ثمَّ أدخل يمينه» على عدم اشتراط نيَّة الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى) أي: مع (المِرْفَقَيْنِ) غسلًا (ثَلَاثًا) وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثلاث مرَّاتٍ (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) زاد في رواية أبي داود وابن خزيمة في «صحيحه»: ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) غسلًا (ثَلَاثًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «كلَّ رجله» وهي تفيد تعميم (٥) كلِّ رِجلٍ بالغسل،
وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «كلَّ رجليه» بالتَّثنية. قال في «الفتح»: وهي بمعنى الأولى، أي: رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية ابن عساكر: «كلتا رجليه» وهي التي اعتمدها في «عمدة الأحكام» (ثُمَّ قَالَ) ﵁: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ (٢)) وفي روايةٍ: «ثمَّ قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وفي «الرِّقاق» عند المؤلِّف [خ¦٦٤٣٣]: مثل وضوئي هذا (وصَلَّى) وفي روايةٍ: «ثمَّ صلَّى» (رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ أصلًا، كذا نقله القاضي عياضٌ عن بعضهم، ويشهد له ما أخرجه ابن المُبارَك في «الزُّهد» بلفظ: «لم يسرَّ فيهما»، وردَّه النَّوويُّ، فقال: الصَّواب: حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرَّة (غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي رواية غير المُستملي: «غُفِرَ له» مبنيًّا للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب (٣) الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرَّاتٍ (٤) إلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضَّأ نحو وضوئي هذا … » إلى آخره، فوقع في الحديث المسوق هنا رفع صفة الوضوء إلى فعله ﷺ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» و «مُسنَده» معًا بلفظ (٥): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ (٦) قال: حدَّثنا إسحاق بن حازمٍ قال: سمعت محمَّد بن كعب القُرَظِيَّ يقول: حدَّثني حُمْرانُ بن أبانَ مولى عثمان قال: دعا عثمان بن عفَّان ﵁ بوضوءٍ في ليلةٍ باردةٍ، وهو يريد الخروج إلى الصَّلاة، فجئته بماءٍ، فأكثر ترداد (٧) الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك، قد (٨) أسبغتَ الوضوءَ واللَّيلةُ شديدةُ البرد، فقال: صُبَّ، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسبغ عبدٌ الوضوء إلَّا غفر الله (٩) له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأصل هذا