«أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٤

الحديث رقم ١٦٤ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المضمضة في الوضوء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من…

«أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.»

سند حديث: ١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من…

عَلَّمَ عثمانُ رضي الله عنه صفةَ وضوءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بطريقة عَمَليّة؛ ليكون أبلغ إيضاحًا، فطلب ماءً في إناء، فَصَبَّ على يديه ثلاثَ مرات، وبعد ذلك أدخل يدَه اليمنى في الإناء، وأخذ بها ماءً فأدَارَه في فَمِه وأخرجه، ثم سحب الماء بِنَفَسِهِ إلى باطن أَنفِهِ، ثم أخرجه ونثره، ثم غَسَلَ وجهَه ثلاث مرات، ثم غسل يديه مع المِرْفقين ثلاثًا، ثم أَمَرَّ يده على رأسه مَبلولةً بالماء مرة واحدة، ثم غسل رجليه مع الكعبين ثلاثًا.


فلما فرغ رضي الله عنه أخبرهم أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم توضأ مثل هذا الوضوء، وبشَّرهم صلى الله عليه وسلم أنه مَن توضأ مثل وضوئه، وصلى ركعتين، خاشعًا مُحْضرًا قلبَه بين يدي ربه عز وجل فيهما، فإن الله يجازيه على هذا الوضوء الكامل وهذه الصلاة الخالصة بغفران ما سبق من ذنوبه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء، وإن لم يكن قائمًا من النوم، فإن كان مستيقظًا من نوم الليل فيجب غسلهما.
  • ينبغي للمعلم أنْ يَسلك أقرب الطرق إلى الفهم ورسوخ العلم لدى المتعلم، ومن ذلك التعليم بالفعل.
  • ينبغي للمصلي دفع الخواطر المتعلِّقة بأشغال الدنيا، فتمام الصلاة وكمالها في حضور القلب فيها، وإلا فالأفكار يتعذر السلامة منها، فعليه أن يجاهد نفسه ولا يسترسل في ذلك.
  • استحباب التيامن في الوضوء.
  • مشروعية الترتيب بين التمضمض والاستنشاق والاستنثار.
  • استحباب غسل الوجه واليدين والرجلين ثلاثًا، والواجب مرة.
  • مغفرة الله ما سبق من الذنوب يترتب على مجموع الأمرين: الوضوء، وصلاة ركعتين، على الصفة المذكورة في الحديث.
  • لكل عضو من أعضاء الوضوء حد: فحد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما نزل من اللحية والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا. وحد اليد: من أطراف الأصابع إلى المرفق وهو المفصل بين الساعد والعَضُد. وحد الرأس: من منابت الشعر المعتاد من جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة، ومسح الأذنين من الرأس. وحد الرِّجْل: القدم كاملة مع المفصل بينها وبين الساق.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِإِجْزَاءِ الْمَسْحِ، وَبِحَمْلِ الْإِنْكَارِ عَلَى تَرْكِ التَّعْمِيمِ ; لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَرْجَحُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَمَسَّهَا الْماءُ أَيْ: مَاءُ الْغُسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.

وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَهُ فَقَالَ ذَلِكَ: وَأَيْضًا فَمَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ لَمْ يُوجِبْ مَسْحَ الْعَقِبِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمَا لُمْعَةٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهَا الْغَسْلُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْغَسْلَ، فَالرَّأْسُ تُعَمُّ بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرْضُهَا الْغَسْلَ.

قَوْلُهُ: (أَرْجُلِنَا) قَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ فَالْأَرْجُلُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الرِّجَالِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْجُلٌ.

قَوْلُهُ: (وَيْلٌ) جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَوْ كَانَ الْمَاسِحُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ لَمَا تُوُعِّدَ بِالنَّارِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ عَنِ الشِّيعَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ أَخْذًا بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْخَفْضِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مُطَوَّلًا فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (لِلْأَعْقَابِ) أَيِ: الْمَرْئِيَّةِ إِذْ ذَاكَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ ; وَالْعَقِبُ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ مُخْتَصٌّ بِالْعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْلِهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِنْكَارِ، وَتَكْرَارُ الْمَسْأَلَةِ لِتُفْهَمَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

٢٨ - بَاب الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ

١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ) أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، وَمِنْهُ: مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ إِذَا تَحَرَّكَتَا بِالنُّعَاسِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ.

وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ، فَأَكْمَلُهُ: أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرُهُ ثُمَّ يَمُجُّهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحْرِيكُهُ وَلَا مَجُّهُ وَهُوَ عَجِيبٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَجُّ، بَلْ لَوِ ابْتَلَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَسِيلَ أَجْزَأَ.

قَوْلُهُ: (قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ثبت عنهمُ الرُّجوع عنه، وهذا الحديث قد سبق بسنده في «باب من أعاد الحديث ثلاثًا» من «كتاب العلم» [خ¦٩٦] إلَّا أنَّ الرَّاويَ الأوَّل هناك أبو النُّعمان، وهنا موسى، والله أعلم بالصَّواب (١).

(٢٨) هذا (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ) بإضافة «بابٍ» لتاليه، وفي روايةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المضمضة من الوضوء» (قَالَهُ) أي: ما ذُكِرَ من المضمضة (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما تقدَّم موصولًا في «الطَّهارة» [خ¦٤/ ٢٥ - ٢٨٣] (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ، فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في «باب غسل الرِّجلين إلى الكعبين» [خ¦١٨٦] ( عَنِ النَّبِيِّ ).

١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ المُهمَلَة (مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن عفَّان» (دَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وفي «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: دعا بإناءٍ فيه ماءٌ للوضوء (فَأَفْرَغَ) أي: فصبَّ (عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي (٢): قبل أن يدخلهما (٣) الإناء، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]:

فأفرغ على كفَّيه ثلاثَ مرارٍ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ) بفتح الواو، فأخذ منه (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ثمَّ مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) بأن جذب الماء بريح أنفه (وَاسْتَنْثَرَ) بأن أخرجه به، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثمَّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، والمضمضة: وضع الماء في الفم وإدارته بالإصبع أو بقوَّة الفم ثمَّ مجُّه، لكن المشهور عند الشَّافعيَّة: أنَّه لا يُشتَرط تحريكه ولا مجُّه، وإذا كان بالإصبع فاستحبَّ بعضهم أن يكون باليمين لأنَّ الشِّمال مسَّتِ الأذى، وإذا (١) كان في الفم درهمٌ أداره ليصل الماء إلى محلِّه، وفي رواية أبي داود وابن المنذر: فتمضمض (٢) ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مُستحَقٌّ لاختلاف العضوين، وقِيلَ: مُستحَبٌّ كتقديم اليمين، قال في «الفتح»: واتَّفقتِ الرِّوايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهما سُنَّتان في الوضوء والغسل، وأوجبهما أحمد، والأفضل في كيفيَّتهما: أن يفصل بينهما في أظهر القولين عند الرَّافعيِّ، وعلى هذا: فالأصحُّ -ونُصَّ عليه في «البويطيِّ» - الفصل بغرفتين يتمضمض (٣) بغَرفةٍ ثلاثًا، ثمَّ يستنشق بأخرى ثلاثًا، وقِيلَ: بستِّ غَرفاتٍ إلحاقًا بسائر الأعضاء، وقصدًا للنَّظافة (٤)، والقول الثَّاني: أنَّ الجمع أفضل، وعلى هذا: فالأَوْلى أن يجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ ثمَّ يستنشق، وهو الأصحُّ عند النَّوويِّ، وقِيلَ: يجمع بغَرفةٍ واحدةٍ، حكاه في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وعلى هذا: يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق كذلك، وقِيلَ: يتمضمض منها ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ثمَّ أدخل يمينه» على عدم اشتراط نيَّة الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى) أي: مع (المِرْفَقَيْنِ) غسلًا (ثَلَاثًا) وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثلاث مرَّاتٍ (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) زاد في رواية أبي داود وابن خزيمة في «صحيحه»: ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) غسلًا (ثَلَاثًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «كلَّ رجله» وهي تفيد تعميم (٥) كلِّ رِجلٍ بالغسل،

وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «كلَّ رجليه» بالتَّثنية. قال في «الفتح»: وهي بمعنى الأولى، أي: رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية ابن عساكر: «كلتا رجليه» وهي التي اعتمدها في «عمدة الأحكام» (ثُمَّ قَالَ) : (رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ (٢)) وفي روايةٍ: «ثمَّ قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وفي «الرِّقاق» عند المؤلِّف [خ¦٦٤٣٣]: مثل وضوئي هذا (وصَلَّى) وفي روايةٍ: «ثمَّ صلَّى» (رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ أصلًا، كذا نقله القاضي عياضٌ عن بعضهم، ويشهد له ما أخرجه ابن المُبارَك في «الزُّهد» بلفظ: «لم يسرَّ فيهما»، وردَّه النَّوويُّ، فقال: الصَّواب: حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرَّة (غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي رواية غير المُستملي: «غُفِرَ له» مبنيًّا للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب (٣) الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرَّاتٍ (٤) إلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله : «من توضَّأ نحو وضوئي هذا … » إلى آخره، فوقع في الحديث المسوق هنا رفع صفة الوضوء إلى فعله ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» و «مُسنَده» معًا بلفظ (٥): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ (٦) قال: حدَّثنا إسحاق بن حازمٍ قال: سمعت محمَّد بن كعب القُرَظِيَّ يقول: حدَّثني حُمْرانُ بن أبانَ مولى عثمان قال: دعا عثمان بن عفَّان بوضوءٍ في ليلةٍ باردةٍ، وهو يريد الخروج إلى الصَّلاة، فجئته بماءٍ، فأكثر ترداد (٧) الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك، قد (٨) أسبغتَ الوضوءَ واللَّيلةُ شديدةُ البرد، فقال: صُبَّ، فإنِّي سمعت رسول الله يقول: «لا يسبغ عبدٌ الوضوء إلَّا غفر الله (٩) له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأصل هذا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْإِنْكَار عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب الْمسْح لَا بِسَبَب الِاقْتِصَار على غسل بعض الرجل، فلأجل ذَلِك قَالَ: (وَلَا يمسح على الْقَدَمَيْنِ) .

فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: قد مر أَن الْبَاب السَّابِق ذكر عقيب الَّذِي قبله للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَيكون هَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة يَتْلُو الْبَاب الَّذِي قبله، والمناسبة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

١٦٣ - حدّثنا مُوسَى قالَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسفَ بن ماهِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍ وقالَ تَخَلَّفَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَادْرَكَنَا وَقَدْ أرْهَقَنَا العَصْرُ فَجَعلْنا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أرْجُلنَا فَنَادَي بِأعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثاً.

(انْظُر الحَدِيث: ٦٠ وطرفه)

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من إِنْكَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسحهم على أَرجُلهم، لِأَنَّهُ مَا أنكر عَلَيْهِم بالوعيد إلَاّ لكَوْنهم لم يستوفوا غسل الرجلَيْن.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا كلهم، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي قد مر فِي بَاب من قَالَ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية الوَاسِطِيّ، وماهك رُوِيَ بِكَسْر الْهَاء وَفتحهَا منصرفاً، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الْقرشِي، وَهَذَا الْإِسْنَاد والْحَدِيث بعينهما قد تقدما فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، وَفِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا فِي كتاب الْعلم بِلَا تفَاوت بَينه وَبَينهمَا إلَاّ فِي الرَّاوِي الأول، فَإِنَّهُ مُوسَى هَهُنَا. وثمة فِي الْبَاب الأول: ابو النُّعْمَان. وَفِي الْبَاب الثَّانِي: مُسَدّد.

وَقد ذكرنَا فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، لطائف إِسْنَاده، وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره، وَبَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني، وَبَيَان وَجه الاستنباط، فَنَذْكُر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ.

قَوْله (سافرناها) هُوَ رِوَايَة كَرِيمَة وَلَيْسَ هُوَ بِثَابِت فِي رِوَايَة غَيره، وَظَاهره أَن عبد الله بن عَمْرو كَانَ فِي تِلْكَ السفرة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: أَنَّهَا كَانَت من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يَقع ذَلِك لعبد الله محققاً إلَاّ فِي حجَّة الْوَدَاع. أما غَزْوَة الْفَتْح فقد كَانَ فِيهَا، لَكِن مَا رَجَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة بل من مَكَّة من الْجِعِرَّانَة، وَيحْتَمل أَن تكون عمْرَة القاضاء، فإنن هِجْرَة عبد الله بن عَمْرو كَانَت فِي ذَلِك الْوَقْت اَوْ قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الْكَاف أَي: لحق بِنَا رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (وَقد أَرْهقنَا الْعَصْر) بِفَتْح الْهَاء وَالْقَاف: من الإرهاق، وَالْعصر مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ فَاعل، هَكَذَا رِوَايَة ابي ذَر. وَفِي روايةٍ بِإِسْكَان الْقَاف وَنصب الْعَصْر على المفعولية، وَيُقَوِّي الأول رِوَايَة الْأصيلِيّ: (وَقد أرهقتنا) بتأنيث الْفِعْل وبرفع الصَّلَاة على الفاعلية. قَوْله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) قد قُلْنَا: إِن ويل، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ على أَقْوَال أظهرها مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابي سعيد مَرْفُوعا: (ويل وَاد فِي جَهَنَّم) . وَالْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب، للْعهد لِأَن المُرَاد المرئية من ذَلِك، وَهَذَا حجَّة على من يتَمَسَّك بِهِ فِي إِجْزَاء الْمسْح، لِأَنَّهُ لم يُوجب مسح الْعقب. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما أخرهم بتعميم غسل الرجلَيْن حَتَّى لَا يبْقى مِنْهَا لمْعَة دلّ على أَن فَرضهَا الْغسْل، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْمُنِير بِأَن التَّعْمِيم لَا يسْتَلْزم الْغسْل، فالرأس تعم بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرضهَا الْغسْل. قلت: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ أصلا، لِأَن كَلَامه فِيمَا يغسل، فَأمره بالتعميم يدل على فَرِيضَة الْغسْل فِي المغسول، وَالرَّأْس لَيْسَ بمغسول. فَافْهَم.

وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن النّبي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صفة وضوئِهِ أَنه غسل رجلَيْهِ، وَهُوَ الْمُبين لأمر الله تَعَالَى، وَقد قَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره مطولا فِي فضل الْوضُوء: (ثمَّ يغسل قدمية كَمَا أمره الله تَعَالَى) ، وَلم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك إِلَّا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وانس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ثَبت عَنْهُم الرُّجُوع عَن ذَلِك، وروى سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى أَنه قَالَ: اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على غسل الْقَدَمَيْنِ. وَالله أعلم.

٢٨ - (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَضْمَضَة فِي الْوضُوء.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هَذَا تَعْلِيق مِنْهُ، وَلكنه أخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا فِي بَاب غسل الوجب باليدين، وَكَذَا حَدِيث عبد الله بن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِإِجْزَاءِ الْمَسْحِ، وَبِحَمْلِ الْإِنْكَارِ عَلَى تَرْكِ التَّعْمِيمِ ; لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَرْجَحُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَمَسَّهَا الْماءُ أَيْ: مَاءُ الْغُسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.

وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَهُ فَقَالَ ذَلِكَ: وَأَيْضًا فَمَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ لَمْ يُوجِبْ مَسْحَ الْعَقِبِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمَا لُمْعَةٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهَا الْغَسْلُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْغَسْلَ، فَالرَّأْسُ تُعَمُّ بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرْضُهَا الْغَسْلَ.

قَوْلُهُ: (أَرْجُلِنَا) قَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ فَالْأَرْجُلُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الرِّجَالِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْجُلٌ.

قَوْلُهُ: (وَيْلٌ) جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَوْ كَانَ الْمَاسِحُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ لَمَا تُوُعِّدَ بِالنَّارِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ عَنِ الشِّيعَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ أَخْذًا بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْخَفْضِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مُطَوَّلًا فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (لِلْأَعْقَابِ) أَيِ: الْمَرْئِيَّةِ إِذْ ذَاكَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ ; وَالْعَقِبُ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ مُخْتَصٌّ بِالْعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْلِهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِنْكَارِ، وَتَكْرَارُ الْمَسْأَلَةِ لِتُفْهَمَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

٢٨ - بَاب الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ

١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ) أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، وَمِنْهُ: مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ إِذَا تَحَرَّكَتَا بِالنُّعَاسِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ.

وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ، فَأَكْمَلُهُ: أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرُهُ ثُمَّ يَمُجُّهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحْرِيكُهُ وَلَا مَجُّهُ وَهُوَ عَجِيبٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَجُّ، بَلْ لَوِ ابْتَلَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَسِيلَ أَجْزَأَ.

قَوْلُهُ: (قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ثبت عنهمُ الرُّجوع عنه، وهذا الحديث قد سبق بسنده في «باب من أعاد الحديث ثلاثًا» من «كتاب العلم» [خ¦٩٦] إلَّا أنَّ الرَّاويَ الأوَّل هناك أبو النُّعمان، وهنا موسى، والله أعلم بالصَّواب (١).

(٢٨) هذا (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ) بإضافة «بابٍ» لتاليه، وفي روايةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المضمضة من الوضوء» (قَالَهُ) أي: ما ذُكِرَ من المضمضة (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما تقدَّم موصولًا في «الطَّهارة» [خ¦٤/ ٢٥ - ٢٨٣] (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ، فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في «باب غسل الرِّجلين إلى الكعبين» [خ¦١٨٦] ( عَنِ النَّبِيِّ ).

١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ المُهمَلَة (مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن عفَّان» (دَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وفي «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: دعا بإناءٍ فيه ماءٌ للوضوء (فَأَفْرَغَ) أي: فصبَّ (عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي (٢): قبل أن يدخلهما (٣) الإناء، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]:

فأفرغ على كفَّيه ثلاثَ مرارٍ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ) بفتح الواو، فأخذ منه (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ثمَّ مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) بأن جذب الماء بريح أنفه (وَاسْتَنْثَرَ) بأن أخرجه به، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثمَّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، والمضمضة: وضع الماء في الفم وإدارته بالإصبع أو بقوَّة الفم ثمَّ مجُّه، لكن المشهور عند الشَّافعيَّة: أنَّه لا يُشتَرط تحريكه ولا مجُّه، وإذا كان بالإصبع فاستحبَّ بعضهم أن يكون باليمين لأنَّ الشِّمال مسَّتِ الأذى، وإذا (١) كان في الفم درهمٌ أداره ليصل الماء إلى محلِّه، وفي رواية أبي داود وابن المنذر: فتمضمض (٢) ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مُستحَقٌّ لاختلاف العضوين، وقِيلَ: مُستحَبٌّ كتقديم اليمين، قال في «الفتح»: واتَّفقتِ الرِّوايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهما سُنَّتان في الوضوء والغسل، وأوجبهما أحمد، والأفضل في كيفيَّتهما: أن يفصل بينهما في أظهر القولين عند الرَّافعيِّ، وعلى هذا: فالأصحُّ -ونُصَّ عليه في «البويطيِّ» - الفصل بغرفتين يتمضمض (٣) بغَرفةٍ ثلاثًا، ثمَّ يستنشق بأخرى ثلاثًا، وقِيلَ: بستِّ غَرفاتٍ إلحاقًا بسائر الأعضاء، وقصدًا للنَّظافة (٤)، والقول الثَّاني: أنَّ الجمع أفضل، وعلى هذا: فالأَوْلى أن يجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ ثمَّ يستنشق، وهو الأصحُّ عند النَّوويِّ، وقِيلَ: يجمع بغَرفةٍ واحدةٍ، حكاه في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وعلى هذا: يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق كذلك، وقِيلَ: يتمضمض منها ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ثمَّ أدخل يمينه» على عدم اشتراط نيَّة الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى) أي: مع (المِرْفَقَيْنِ) غسلًا (ثَلَاثًا) وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثلاث مرَّاتٍ (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) زاد في رواية أبي داود وابن خزيمة في «صحيحه»: ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) غسلًا (ثَلَاثًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «كلَّ رجله» وهي تفيد تعميم (٥) كلِّ رِجلٍ بالغسل،

وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «كلَّ رجليه» بالتَّثنية. قال في «الفتح»: وهي بمعنى الأولى، أي: رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية ابن عساكر: «كلتا رجليه» وهي التي اعتمدها في «عمدة الأحكام» (ثُمَّ قَالَ) : (رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ (٢)) وفي روايةٍ: «ثمَّ قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وفي «الرِّقاق» عند المؤلِّف [خ¦٦٤٣٣]: مثل وضوئي هذا (وصَلَّى) وفي روايةٍ: «ثمَّ صلَّى» (رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ أصلًا، كذا نقله القاضي عياضٌ عن بعضهم، ويشهد له ما أخرجه ابن المُبارَك في «الزُّهد» بلفظ: «لم يسرَّ فيهما»، وردَّه النَّوويُّ، فقال: الصَّواب: حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرَّة (غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي رواية غير المُستملي: «غُفِرَ له» مبنيًّا للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب (٣) الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرَّاتٍ (٤) إلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله : «من توضَّأ نحو وضوئي هذا … » إلى آخره، فوقع في الحديث المسوق هنا رفع صفة الوضوء إلى فعله ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» و «مُسنَده» معًا بلفظ (٥): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ (٦) قال: حدَّثنا إسحاق بن حازمٍ قال: سمعت محمَّد بن كعب القُرَظِيَّ يقول: حدَّثني حُمْرانُ بن أبانَ مولى عثمان قال: دعا عثمان بن عفَّان بوضوءٍ في ليلةٍ باردةٍ، وهو يريد الخروج إلى الصَّلاة، فجئته بماءٍ، فأكثر ترداد (٧) الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك، قد (٨) أسبغتَ الوضوءَ واللَّيلةُ شديدةُ البرد، فقال: صُبَّ، فإنِّي سمعت رسول الله يقول: «لا يسبغ عبدٌ الوضوء إلَّا غفر الله (٩) له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأصل هذا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْإِنْكَار عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب الْمسْح لَا بِسَبَب الِاقْتِصَار على غسل بعض الرجل، فلأجل ذَلِك قَالَ: (وَلَا يمسح على الْقَدَمَيْنِ) .

فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: قد مر أَن الْبَاب السَّابِق ذكر عقيب الَّذِي قبله للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَيكون هَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة يَتْلُو الْبَاب الَّذِي قبله، والمناسبة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

١٦٣ - حدّثنا مُوسَى قالَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسفَ بن ماهِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍ وقالَ تَخَلَّفَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَادْرَكَنَا وَقَدْ أرْهَقَنَا العَصْرُ فَجَعلْنا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أرْجُلنَا فَنَادَي بِأعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثاً.

(انْظُر الحَدِيث: ٦٠ وطرفه)

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من إِنْكَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسحهم على أَرجُلهم، لِأَنَّهُ مَا أنكر عَلَيْهِم بالوعيد إلَاّ لكَوْنهم لم يستوفوا غسل الرجلَيْن.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا كلهم، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي قد مر فِي بَاب من قَالَ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية الوَاسِطِيّ، وماهك رُوِيَ بِكَسْر الْهَاء وَفتحهَا منصرفاً، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الْقرشِي، وَهَذَا الْإِسْنَاد والْحَدِيث بعينهما قد تقدما فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، وَفِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا فِي كتاب الْعلم بِلَا تفَاوت بَينه وَبَينهمَا إلَاّ فِي الرَّاوِي الأول، فَإِنَّهُ مُوسَى هَهُنَا. وثمة فِي الْبَاب الأول: ابو النُّعْمَان. وَفِي الْبَاب الثَّانِي: مُسَدّد.

وَقد ذكرنَا فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، لطائف إِسْنَاده، وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره، وَبَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني، وَبَيَان وَجه الاستنباط، فَنَذْكُر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ.

قَوْله (سافرناها) هُوَ رِوَايَة كَرِيمَة وَلَيْسَ هُوَ بِثَابِت فِي رِوَايَة غَيره، وَظَاهره أَن عبد الله بن عَمْرو كَانَ فِي تِلْكَ السفرة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: أَنَّهَا كَانَت من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يَقع ذَلِك لعبد الله محققاً إلَاّ فِي حجَّة الْوَدَاع. أما غَزْوَة الْفَتْح فقد كَانَ فِيهَا، لَكِن مَا رَجَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة بل من مَكَّة من الْجِعِرَّانَة، وَيحْتَمل أَن تكون عمْرَة القاضاء، فإنن هِجْرَة عبد الله بن عَمْرو كَانَت فِي ذَلِك الْوَقْت اَوْ قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الْكَاف أَي: لحق بِنَا رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (وَقد أَرْهقنَا الْعَصْر) بِفَتْح الْهَاء وَالْقَاف: من الإرهاق، وَالْعصر مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ فَاعل، هَكَذَا رِوَايَة ابي ذَر. وَفِي روايةٍ بِإِسْكَان الْقَاف وَنصب الْعَصْر على المفعولية، وَيُقَوِّي الأول رِوَايَة الْأصيلِيّ: (وَقد أرهقتنا) بتأنيث الْفِعْل وبرفع الصَّلَاة على الفاعلية. قَوْله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) قد قُلْنَا: إِن ويل، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ على أَقْوَال أظهرها مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابي سعيد مَرْفُوعا: (ويل وَاد فِي جَهَنَّم) . وَالْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب، للْعهد لِأَن المُرَاد المرئية من ذَلِك، وَهَذَا حجَّة على من يتَمَسَّك بِهِ فِي إِجْزَاء الْمسْح، لِأَنَّهُ لم يُوجب مسح الْعقب. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما أخرهم بتعميم غسل الرجلَيْن حَتَّى لَا يبْقى مِنْهَا لمْعَة دلّ على أَن فَرضهَا الْغسْل، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْمُنِير بِأَن التَّعْمِيم لَا يسْتَلْزم الْغسْل، فالرأس تعم بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرضهَا الْغسْل. قلت: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ أصلا، لِأَن كَلَامه فِيمَا يغسل، فَأمره بالتعميم يدل على فَرِيضَة الْغسْل فِي المغسول، وَالرَّأْس لَيْسَ بمغسول. فَافْهَم.

وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن النّبي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صفة وضوئِهِ أَنه غسل رجلَيْهِ، وَهُوَ الْمُبين لأمر الله تَعَالَى، وَقد قَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره مطولا فِي فضل الْوضُوء: (ثمَّ يغسل قدمية كَمَا أمره الله تَعَالَى) ، وَلم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك إِلَّا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وانس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ثَبت عَنْهُم الرُّجُوع عَن ذَلِك، وروى سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى أَنه قَالَ: اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على غسل الْقَدَمَيْنِ. وَالله أعلم.

٢٨ - (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَضْمَضَة فِي الْوضُوء.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هَذَا تَعْلِيق مِنْهُ، وَلكنه أخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا فِي بَاب غسل الوجب باليدين، وَكَذَا حَدِيث عبد الله بن

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله